جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مّنْكُمْ يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكّيكُمْ وَيُعَلّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلّمُكُم مّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ﴾
يعني بقوله جل ثناؤه :( كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً )، ولأتمّ نعمتي عليكم ببيان شرائع ملتكم الحنيفية، وأهديكم لدين خليلي إبراهيم عليه السلام، وأجعل لكم دعوته التي دعاني بها ومسألته التي سألنيها فقال :( رَبّنا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرّيّتِنَا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنَا إنّكَ أنْتَ التّوّابُ الرّحيمُ ) كما جعلت لكم دعوته التي دعاني بها ومسألته التي سألنيها، فقال : رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ويُعَلّمُهُمُ الكِتَابَ والحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إنّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيم، فابتعثت منكم رسولي الذي سألني إبراهيم خليلي وابنه إسماعيل أن أبعثه من ذرّيتهما. ف«كما » إذ كان ذلك معنى الكلام صلة لقول الله عز وجل : وَلأُتِمّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ولا يكون قوله : كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ متعلقا بقوله : فَاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ.
وقد قال قوم : إن معنى ذلك : فاذكروني كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم أذكركم. وزعموا أن ذلك من المقدّم الذي معناه التأخير، فأغرقوا النزع، وبعدوا من الإصابة، وحملوا الكلام على غير معناه المعروف وسوى وجهه المفهوم. وذلك أن الجاري من الكلام على ألسن العرب المفهوم في خطابهم بينهم إذا قال بعضهم لبعض :«كما أحسنت إليك يا فلان فأحسن » أن لا يشترطوا للآخر، لأن الكاف في «كما » شرط معناه : افعل كما فعلت، ففي مجيء جواب : اذْكُرُونِي بعده وهو قوله : أذْكُرْكُمْ أوضح دليل على أن قوله : كَمَا أرْسَلْنَا من صلة الفعل الذي قبله، وأن قوله : اذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ خبر مبتدأ منقطع عن الأول، وأنه من سبب قوله : كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ بمعزل.
وقد زعم بعض النحويين أن قوله : فَاذْكُرُونِي إذا جعل قوله : كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ جوابا له مع قوله : أذْكُرْكُمْ نظير الجزاء الذي يجاب بجوابين، كقول القائل : إذا أتاك فلان فأته ترضه، فيصير قوله «فأته » و «ترضه » جوابين لقوله : إذا أتاك، وكقوله : إن تأتني أحسن إليك أكرمك. وهذا القول وإن كان مذهبا من المذاهب، فليس بالأسهل الأفصح في كلام العرب. والذي هو أولى بكتاب الله عزّ وجل أن يوجه إليه من اللغات الأفصح الأعرف من كلام العرب دون الأنكر الأجهل من منطقها هذا مع بعد وجهه من المفهوم في التأويل.
ذكر من قال : إن قوله : كَمَا أرْسَلْنَا جواب قوله : فاذْكُرُونِي.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، قال : سمعت ابن أبي نجيح يقول في قول الله عز وجل : كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ كما فعلت فاذكروني.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
قوله : كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ فإنه يعني بذلك العرب، قال لهم جل ثناؤه : الزموا أيها العرب طاعتي، وتوجهوا إلى القبلة التي أمرتكم بالتوجه إليها، لتنقطع حجة اليهود عنكم، فلا تكون لهم عليكم حجة، ولأتمّ نعمتي عليكم وتهتدوا، كما ابتدأتكم بنعمتي فأرسلت فيكم رسولاً إليكم منكم، وذلك الرسول الذي أرسله إليهم منهم محمد ﷺ. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله : كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يعني محمدا ﷺ.
وأما قوله : يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا فإنه يعني آيات القرآن، وبقوله : وَيُزَكّيكُمْ ويطهركم من دنس الذنوب، وَيُعَلّمُكُمُ الْكِتَابَ وهو الفرقان، يعني أنه يعلمهم أحكامه، ويعني بالحكمة : السنن والفقه في الدين. وقد بينا جميع ذلك فيما مضى قبل بشواهده.
وأما قوله : وَيُعَلّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فإنه يعني : ويعلمكم من أخبار الأنبياء، وقصص الأمم الخالية، والخبر عما هو حادث وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها، فعلموها من رسول الله ﷺ. فأخبرهم جل ثناؤه أن ذلك كله إنما يدركونه برسوله ﷺ.
يعني بقوله جل ثناؤه :( كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً )، ولأتمّ نعمتي عليكم ببيان شرائع ملتكم الحنيفية، وأهديكم لدين خليلي إبراهيم عليه السلام، وأجعل لكم دعوته التي دعاني بها ومسألته التي سألنيها فقال :( رَبّنا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرّيّتِنَا أُمّةً مُسْلِمَةً لَكَ وأرِنا مَناسِكَنا وَتُبْ عَلَيْنَا إنّكَ أنْتَ التّوّابُ الرّحيمُ ) كما جعلت لكم دعوته التي دعاني بها ومسألته التي سألنيها، فقال : رَبّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ ويُعَلّمُهُمُ الكِتَابَ والحِكْمَةَ وَيُزَكّيهِمْ إنّكَ أنْتَ العَزِيزُ الحَكِيم، فابتعثت منكم رسولي الذي سألني إبراهيم خليلي وابنه إسماعيل أن أبعثه من ذرّيتهما. ف«كما » إذ كان ذلك معنى الكلام صلة لقول الله عز وجل : وَلأُتِمّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ ولا يكون قوله : كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ متعلقا بقوله : فَاذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ.
وقد قال قوم : إن معنى ذلك : فاذكروني كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم أذكركم. وزعموا أن ذلك من المقدّم الذي معناه التأخير، فأغرقوا النزع، وبعدوا من الإصابة، وحملوا الكلام على غير معناه المعروف وسوى وجهه المفهوم. وذلك أن الجاري من الكلام على ألسن العرب المفهوم في خطابهم بينهم إذا قال بعضهم لبعض :«كما أحسنت إليك يا فلان فأحسن » أن لا يشترطوا للآخر، لأن الكاف في «كما » شرط معناه : افعل كما فعلت، ففي مجيء جواب : اذْكُرُونِي بعده وهو قوله : أذْكُرْكُمْ أوضح دليل على أن قوله : كَمَا أرْسَلْنَا من صلة الفعل الذي قبله، وأن قوله : اذْكُرُونِي أذْكُرْكُمْ خبر مبتدأ منقطع عن الأول، وأنه من سبب قوله : كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ بمعزل.
وقد زعم بعض النحويين أن قوله : فَاذْكُرُونِي إذا جعل قوله : كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ جوابا له مع قوله : أذْكُرْكُمْ نظير الجزاء الذي يجاب بجوابين، كقول القائل : إذا أتاك فلان فأته ترضه، فيصير قوله «فأته » و «ترضه » جوابين لقوله : إذا أتاك، وكقوله : إن تأتني أحسن إليك أكرمك. وهذا القول وإن كان مذهبا من المذاهب، فليس بالأسهل الأفصح في كلام العرب. والذي هو أولى بكتاب الله عزّ وجل أن يوجه إليه من اللغات الأفصح الأعرف من كلام العرب دون الأنكر الأجهل من منطقها هذا مع بعد وجهه من المفهوم في التأويل.
ذكر من قال : إن قوله : كَمَا أرْسَلْنَا جواب قوله : فاذْكُرُونِي.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، قال : سمعت ابن أبي نجيح يقول في قول الله عز وجل : كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ كما فعلت فاذكروني.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
قوله : كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ فإنه يعني بذلك العرب، قال لهم جل ثناؤه : الزموا أيها العرب طاعتي، وتوجهوا إلى القبلة التي أمرتكم بالتوجه إليها، لتنقطع حجة اليهود عنكم، فلا تكون لهم عليكم حجة، ولأتمّ نعمتي عليكم وتهتدوا، كما ابتدأتكم بنعمتي فأرسلت فيكم رسولاً إليكم منكم، وذلك الرسول الذي أرسله إليهم منهم محمد ﷺ. كما :
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله : كَمَا أرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يعني محمدا ﷺ.
وأما قوله : يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا فإنه يعني آيات القرآن، وبقوله : وَيُزَكّيكُمْ ويطهركم من دنس الذنوب، وَيُعَلّمُكُمُ الْكِتَابَ وهو الفرقان، يعني أنه يعلمهم أحكامه، ويعني بالحكمة : السنن والفقه في الدين. وقد بينا جميع ذلك فيما مضى قبل بشواهده.
وأما قوله : وَيُعَلّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ فإنه يعني : ويعلمكم من أخبار الأنبياء، وقصص الأمم الخالية، والخبر عما هو حادث وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها، فعلموها من رسول الله ﷺ. فأخبرهم جل ثناؤه أن ذلك كله إنما يدركونه برسوله ﷺ.