جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
يعني بقوله تعالى ذكره : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَام : من أيّ مكان وبقعة شخصت فخرجت يا محمد، فولّ وجهك تلقاء المسجد الحرام وهو شطره. ويعني بقوله : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّوا وُجُوهَكُمْ وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله فولوا وجوهكم في صلاتكم تجاهه وقبله وقصده.
فقال جماعة من أهل التأويل : عنى الله تعالى بالناس في قوله : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ يعني بذلك أهل الكتاب، قالوا حين صرف نبيّ الله ﷺ إلى الكعبة البيت الحرام : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله : لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ يعني بذلك أهل الكتاب، قالوا حين صرف نبيّ الله ﷺ إلى الكعبة اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه.
فإن قال قائل : فأية حجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله ﷺ وأصحابه نحو بيت المقدس على رسول الله ﷺ وأصحابه ؟ قيل : قد ذكرنا فيما مضى ما رُوي في ذلك، قيل إنهم كانوا يقولون : ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن، وقولهم : يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا فهي الحجة التي كانوا يحتجون بها على رسول الله ﷺ وأصحابه على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهال وأهل العناد من المشركين. وقد بينا فيما مضى أن معنى حجاج القوم إياه الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه إنما هي الخصومات والجدال، فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وحسمه بتحويل قبلة نبيه ﷺ والمؤمنين به من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام، وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه : لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ يعني بالناس : الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت.
وأما قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فإنهم مشركو العرب من قريش فيما تأوّله أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قوم محمد ﷺ.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي، قال : هم المشركون، من أهل مكة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني مشركي قريش.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال : هم مشركو العرب.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ والذين ظلموا مشركو قريش.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج، قال : قال عطاء : هم مشركو قريش. قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول مثل قول عطاء.
فإن قال قائل : وأية حجة كانت لمشركي قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه في توجههم في صلاتهم إلى الكعبة ؟ وهل يجوز أن يكون للمشركين على المؤمنين حجة فيما أمرهم الله تعالى ذكره به أو نهاهم عنه ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت وذهبت إليه، وإنما الحجة في هذا الموضع الخصومة والجدال. ومعنى الكلام : لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خصومة ودعوى باطلة، غير مشركي قريش، فإن لهم عليكم دعوى باطلة وخصومة بغير حقّ بقيلهم لكم : رجع محمد إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. فذلك من قولهم وأمانيهم الباطلة هي الحجة التي كانت لقريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره الذين ظلموا من قريش من سائر الناس غيرهم، إذ نفى أن يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجههم إليها حجة. وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قوم محمد ﷺ قال مجاهد : يقول : حجتهم، قولهم : قد رَاجَعْتَ قبلَتنا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله إلا أنه قال قولهم : قد رجعت إلى قبلتنا.
حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قالا : هم مشركو العرب، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة : قد رجع إلى قبلتكم فيوشك أن يرجع إلى دينكم. قال الله عز وجل : فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.
حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد عن سعيد عن قتادة قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ والذين ظلموا مشركو قريش، يقول : إنهم سيحتجون عليكم بذلك، فكانت حجتهم على نبيّ الله ﷺ بانصرافه إلى البيت الحرام أنهم قالوا سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك كله.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي فيما يذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا : لما صُرف نبيّ الله ﷺ نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكة : تحير على محمد دينه، فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم. فأنزل الله جل ثناؤه فيهم : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.
حدثنا القاسم، قال : حدثني الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : قوله : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ؟ قال : قالت قريش لما رجع إلى الكعبة وأمر بها : ما كان يستغني عنا قد استقبل قبلتنا. فهي حجتهم، وهم الذين ظلموا.
قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول مثل قول عطاء، فقال مجاهد : حجتهم : قولهم رجعت إلى قبلتنا.
فقد أبان تأويل من ذكرنا تأويله من أهل التأويل قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ عن صحة ما قلنا في تأويله وأنه استثناء على معنى الاستثناء المعروف الذي يثبت فيهم لما بعد حرف الاستثناء ما كان منفيا عما قبلهم، كما أنّ قول القائل :«ما سار من الناس أحد إلا أخوك » إثبات للأخ من السير ما هو منفيّ عن كل أحد من الناس، فكذلك قوله : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ نفى عن أن يكون لأحد خصومة وجدل قبل رسول الله ﷺ، ودعوى باطلة عليه وعلى أصحابه بسبب توجههم في صلاتهم قبل الكعبة، إلا الذين ظلموا أنفسهم من قريش، فإن لهم قبلهم خصومةً ودعوى باطلة بأن يقولوا : إنما توجهتم إلينا وإلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً، وأنكم كنتم بتوجهكم نحو بيت المقدس على ضلال وباطل.
وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجة من أهل التأويل، فبيّنٌ خطأ قول من زعم أن معنى قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ : ولا الذين ظلموا منهم، وأن «إلا » بمعنى الواو لأن ذلك لو كان معناه لكان النفي الأول عن جميع الناس أن يكون لهم حجة على رسول الله ﷺ وأصحابه في تحوّلهم نحو الكعبة بوجوههم مبينا عن المعنى المراد، ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ إلا التلبيس الذي يتعالى عن أن يضاف إليه، أو يوصف به. هذا مع خروج معنى الكلام إذا وجهت «إلا » إلى معنى الواو، ومعنى العطف من كلام العرب، وذلك أنه غير موجودة ( إلا ) في شيء من كلامها بمعنى الواو إلا مع استثناء سابق قد تقدمها، كقول القائل : سار القوم إلا عمرا إلا أخاك، بمعنى : إلا عمرا وأخاك، فتكون «إلا » حينئذ مؤدّية عما تؤدّي عنه الواو لتعلق «إلا » الثانية ب«إلاّ » الأولى، ويجمع فيها أيضا بين «إلا » والواو، فيقال : سار القوم إلا عمرا وإلا أخاك، فتحذف إحداهما فتنوب الأخرى عنها، فيقال : سار القوم إلا عمرا وأخاك، أو إلا عمرا إلا أخاك، لما وصفنا قبل. وإذ كان ذلك كذلك فغير جائز لمدّع من الناس أن يدعي أن «إلا » في هذا الموضع بمعنى الواو التي تأتي بمعنى العطف.
وواضح فساد قول من زعم أن معنى ذلك : إلا الذين ظلموا منهم فإنهم لا حجة لهم فلا تخشوهم، كقول القائل في كلامه : الناس كلهم لك حامدون إلا الظالم المعتدي عليك، فإن ذلك لا يعتدّ بعداوته ولا بتركه الحمد لموضع العداوة. وكذلك الظالم لا حجة له، وقد سمي ظالما لإجماع جميع أهل التأويل على تخطئة ما ادّعى من التأويل في ذلك. وكفى شاهدا على خطأ مقالته إجماعهم على تخطئتها. وظاهر بطلان قول من زعم أن الذين ظلموا هَهنا ناس من العرب كانوا يهودا ونصارى، فكانوا يحتجون على النبيّ ﷺ، فأما سائر العرب فلم تكن لهم حجة، وكانت حجة من يحتجّ منكسرة لأنك تقول لمن تريد أن تكسر عليه حجته : إن لك عليّ حجة، ولكنها منكسرة، وإنك لتحتجّ بلا حجة، وحجتك ضعيفة. ووجّه معنى : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ إلى معنى : إلا الذين ظلموا منهم من أهل الكتاب، فإن لهم عليكم حجة واهية أو حجة ضعيفة.
ووَهْيُ قول من قال :«إلا » في هذا الموضع بمعنى «لكن »، وضَعْفُ قول من زعم أنه ابتداء بمعنى : إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم، لأن تأويل أهل التأويل جاء في ذلك بأن ذلك من الله عز وجل خبر عن الذين ظلموا منهم أنهم يحتجون على النبي ﷺ وأصحابه بما قد ذكرنا، ولم يقصد في ذلك إلى الخبر عن صفة حجتهم بالضعف ولا بالقوّ
يعني بقوله تعالى ذكره : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَام : من أيّ مكان وبقعة شخصت فخرجت يا محمد، فولّ وجهك تلقاء المسجد الحرام وهو شطره. ويعني بقوله : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّوا وُجُوهَكُمْ وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله فولوا وجوهكم في صلاتكم تجاهه وقبله وقصده.
القول في تأويل قوله تعالى : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.
فقال جماعة من أهل التأويل : عنى الله تعالى بالناس في قوله : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ يعني بذلك أهل الكتاب، قالوا حين صرف نبيّ الله ﷺ إلى الكعبة البيت الحرام : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله : لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ يعني بذلك أهل الكتاب، قالوا حين صرف نبيّ الله ﷺ إلى الكعبة اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه.
فإن قال قائل : فأية حجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله ﷺ وأصحابه نحو بيت المقدس على رسول الله ﷺ وأصحابه ؟ قيل : قد ذكرنا فيما مضى ما رُوي في ذلك، قيل إنهم كانوا يقولون : ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن، وقولهم : يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا فهي الحجة التي كانوا يحتجون بها على رسول الله ﷺ وأصحابه على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهال وأهل العناد من المشركين. وقد بينا فيما مضى أن معنى حجاج القوم إياه الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه إنما هي الخصومات والجدال، فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وحسمه بتحويل قبلة نبيه ﷺ والمؤمنين به من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام، وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه : لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ يعني بالناس : الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت.
وأما قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فإنهم مشركو العرب من قريش فيما تأوّله أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قوم محمد ﷺ.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي، قال : هم المشركون، من أهل مكة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني مشركي قريش.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال : هم مشركو العرب.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ والذين ظلموا مشركو قريش.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج، قال : قال عطاء : هم مشركو قريش. قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول مثل قول عطاء.
فإن قال قائل : وأية حجة كانت لمشركي قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه في توجههم في صلاتهم إلى الكعبة ؟ وهل يجوز أن يكون للمشركين على المؤمنين حجة فيما أمرهم الله تعالى ذكره به أو نهاهم عنه ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت وذهبت إليه، وإنما الحجة في هذا الموضع الخصومة والجدال. ومعنى الكلام : لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خصومة ودعوى باطلة، غير مشركي قريش، فإن لهم عليكم دعوى باطلة وخصومة بغير حقّ بقيلهم لكم : رجع محمد إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. فذلك من قولهم وأمانيهم الباطلة هي الحجة التي كانت لقريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره الذين ظلموا من قريش من سائر الناس غيرهم، إذ نفى أن يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجههم إليها حجة. وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قوم محمد ﷺ قال مجاهد : يقول : حجتهم، قولهم : قد رَاجَعْتَ قبلَتنا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله إلا أنه قال قولهم : قد رجعت إلى قبلتنا.
حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قالا : هم مشركو العرب، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة : قد رجع إلى قبلتكم فيوشك أن يرجع إلى دينكم. قال الله عز وجل : فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.
حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد عن سعيد عن قتادة قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ والذين ظلموا مشركو قريش، يقول : إنهم سيحتجون عليكم بذلك، فكانت حجتهم على نبيّ الله ﷺ بانصرافه إلى البيت الحرام أنهم قالوا سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك كله.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي فيما يذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا : لما صُرف نبيّ الله ﷺ نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكة : تحير على محمد دينه، فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم. فأنزل الله جل ثناؤه فيهم : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.
حدثنا القاسم، قال : حدثني الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : قوله : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ؟ قال : قالت قريش لما رجع إلى الكعبة وأمر بها : ما كان يستغني عنا قد استقبل قبلتنا. فهي حجتهم، وهم الذين ظلموا.
قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول مثل قول عطاء، فقال مجاهد : حجتهم : قولهم رجعت إلى قبلتنا.
فقد أبان تأويل من ذكرنا تأويله من أهل التأويل قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ عن صحة ما قلنا في تأويله وأنه استثناء على معنى الاستثناء المعروف الذي يثبت فيهم لما بعد حرف الاستثناء ما كان منفيا عما قبلهم، كما أنّ قول القائل :«ما سار من الناس أحد إلا أخوك » إثبات للأخ من السير ما هو منفيّ عن كل أحد من الناس، فكذلك قوله : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ نفى عن أن يكون لأحد خصومة وجدل قبل رسول الله ﷺ، ودعوى باطلة عليه وعلى أصحابه بسبب توجههم في صلاتهم قبل الكعبة، إلا الذين ظلموا أنفسهم من قريش، فإن لهم قبلهم خصومةً ودعوى باطلة بأن يقولوا : إنما توجهتم إلينا وإلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً، وأنكم كنتم بتوجهكم نحو بيت المقدس على ضلال وباطل.
وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجة من أهل التأويل، فبيّنٌ خطأ قول من زعم أن معنى قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ : ولا الذين ظلموا منهم، وأن «إلا » بمعنى الواو لأن ذلك لو كان معناه لكان النفي الأول عن جميع الناس أن يكون لهم حجة على رسول الله ﷺ وأصحابه في تحوّلهم نحو الكعبة بوجوههم مبينا عن المعنى المراد، ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ إلا التلبيس الذي يتعالى عن أن يضاف إليه، أو يوصف به. هذا مع خروج معنى الكلام إذا وجهت «إلا » إلى معنى الواو، ومعنى العطف من كلام العرب، وذلك أنه غير موجودة ( إلا ) في شيء من كلامها بمعنى الواو إلا مع استثناء سابق قد تقدمها، كقول القائل : سار القوم إلا عمرا إلا أخاك، بمعنى : إلا عمرا وأخاك، فتكون «إلا » حينئذ مؤدّية عما تؤدّي عنه الواو لتعلق «إلا » الثانية ب«إلاّ » الأولى، ويجمع فيها أيضا بين «إلا » والواو، فيقال : سار القوم إلا عمرا وإلا أخاك، فتحذف إحداهما فتنوب الأخرى عنها، فيقال : سار القوم إلا عمرا وأخاك، أو إلا عمرا إلا أخاك، لما وصفنا قبل. وإذ كان ذلك كذلك فغير جائز لمدّع من الناس أن يدعي أن «إلا » في هذا الموضع بمعنى الواو التي تأتي بمعنى العطف.
وواضح فساد قول من زعم أن معنى ذلك : إلا الذين ظلموا منهم فإنهم لا حجة لهم فلا تخشوهم، كقول القائل في كلامه : الناس كلهم لك حامدون إلا الظالم المعتدي عليك، فإن ذلك لا يعتدّ بعداوته ولا بتركه الحمد لموضع العداوة. وكذلك الظالم لا حجة له، وقد سمي ظالما لإجماع جميع أهل التأويل على تخطئة ما ادّعى من التأويل في ذلك. وكفى شاهدا على خطأ مقالته إجماعهم على تخطئتها. وظاهر بطلان قول من زعم أن الذين ظلموا هَهنا ناس من العرب كانوا يهودا ونصارى، فكانوا يحتجون على النبيّ ﷺ، فأما سائر العرب فلم تكن لهم حجة، وكانت حجة من يحتجّ منكسرة لأنك تقول لمن تريد أن تكسر عليه حجته : إن لك عليّ حجة، ولكنها منكسرة، وإنك لتحتجّ بلا حجة، وحجتك ضعيفة. ووجّه معنى : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ إلى معنى : إلا الذين ظلموا منهم من أهل الكتاب، فإن لهم عليكم حجة واهية أو حجة ضعيفة.
ووَهْيُ قول من قال :«إلا » في هذا الموضع بمعنى «لكن »، وضَعْفُ قول من زعم أنه ابتداء بمعنى : إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم، لأن تأويل أهل التأويل جاء في ذلك بأن ذلك من الله عز وجل خبر عن الذين ظلموا منهم أنهم يحتجون على النبي ﷺ وأصحابه بما قد ذكرنا، ولم يقصد في ذلك إلى الخبر عن صفة حجتهم بالضعف ولا بالقوّ