محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٥٠ من سورة البقرة في ١٢٣ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٢٩ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٥٠ من سورة البقرة

١٢٣ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إِلاّ الّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾
يعني بقوله تعالى ذكره : وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المَسْجِدِ الحَرَام : من أيّ مكان وبقعة شخصت فخرجت يا محمد، فولّ وجهك تلقاء المسجد الحرام وهو شطره. ويعني بقوله : وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلّوا وُجُوهَكُمْ وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله فولوا وجوهكم في صلاتكم تجاهه وقبله وقصده.

القول في تأويل قوله تعالى : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.


فقال جماعة من أهل التأويل : عنى الله تعالى بالناس في قوله : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ أهل الكتاب. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ يعني بذلك أهل الكتاب، قالوا حين صرف نبيّ الله ﷺ إلى الكعبة البيت الحرام : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله : لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ يعني بذلك أهل الكتاب، قالوا حين صرف نبيّ الله ﷺ إلى الكعبة اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه.
فإن قال قائل : فأية حجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله ﷺ وأصحابه نحو بيت المقدس على رسول الله ﷺ وأصحابه ؟ قيل : قد ذكرنا فيما مضى ما رُوي في ذلك، قيل إنهم كانوا يقولون : ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن، وقولهم : يخالفنا محمد في ديننا ويتبع قبلتنا فهي الحجة التي كانوا يحتجون بها على رسول الله ﷺ وأصحابه على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهال وأهل العناد من المشركين. وقد بينا فيما مضى أن معنى حجاج القوم إياه الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه إنما هي الخصومات والجدال، فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وحسمه بتحويل قبلة نبيه ﷺ والمؤمنين به من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام، وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه : لِئَلاّ يَكُونَ للنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ يعني بالناس : الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت.
وأما قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فإنهم مشركو العرب من قريش فيما تأوّله أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قوم محمد ﷺ.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط عن السدي، قال : هم المشركون، من أهل مكة.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ يعني مشركي قريش.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة، وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قال : هم مشركو العرب.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ والذين ظلموا مشركو قريش.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج عن ابن جريج، قال : قال عطاء : هم مشركو قريش. قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول مثل قول عطاء.
فإن قال قائل : وأية حجة كانت لمشركي قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه في توجههم في صلاتهم إلى الكعبة ؟ وهل يجوز أن يكون للمشركين على المؤمنين حجة فيما أمرهم الله تعالى ذكره به أو نهاهم عنه ؟ قيل : إن معنى ذلك بخلاف ما توهمت وذهبت إليه، وإنما الحجة في هذا الموضع الخصومة والجدال. ومعنى الكلام : لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خصومة ودعوى باطلة، غير مشركي قريش، فإن لهم عليكم دعوى باطلة وخصومة بغير حقّ بقيلهم لكم : رجع محمد إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. فذلك من قولهم وأمانيهم الباطلة هي الحجة التي كانت لقريش على رسول الله ﷺ وأصحابه ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره الذين ظلموا من قريش من سائر الناس غيرهم، إذ نفى أن يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجههم إليها حجة. وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قوم محمد ﷺ قال مجاهد : يقول : حجتهم، قولهم : قد رَاجَعْتَ قبلَتنا.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله إلا أنه قال قولهم : قد رجعت إلى قبلتنا.
حدثنا الحسن بن يحيى قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : حدثنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قالا : هم مشركو العرب، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة : قد رجع إلى قبلتكم فيوشك أن يرجع إلى دينكم. قال الله عز وجل : فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.
حدثنا بشر بن معاذ قال : حدثنا يزيد عن سعيد عن قتادة قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ والذين ظلموا مشركو قريش، يقول : إنهم سيحتجون عليكم بذلك، فكانت حجتهم على نبيّ الله ﷺ بانصرافه إلى البيت الحرام أنهم قالوا سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك كله.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، مثله.
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي فيما يذكر عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود، وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا : لما صُرف نبيّ الله ﷺ نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكة : تحير على محمد دينه، فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم. فأنزل الله جل ثناؤه فيهم : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي.
حدثنا القاسم، قال : حدثني الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج قال : قلت لعطاء : قوله : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ؟ قال : قالت قريش لما رجع إلى الكعبة وأمر بها : ما كان يستغني عنا قد استقبل قبلتنا. فهي حجتهم، وهم الذين ظلموا.
قال ابن جريج : وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدا يقول مثل قول عطاء، فقال مجاهد : حجتهم : قولهم رجعت إلى قبلتنا.
فقد أبان تأويل من ذكرنا تأويله من أهل التأويل قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ عن صحة ما قلنا في تأويله وأنه استثناء على معنى الاستثناء المعروف الذي يثبت فيهم لما بعد حرف الاستثناء ما كان منفيا عما قبلهم، كما أنّ قول القائل :«ما سار من الناس أحد إلا أخوك » إثبات للأخ من السير ما هو منفيّ عن كل أحد من الناس، فكذلك قوله : لِئَلاّ يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْكُمْ حُجّةٌ إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ نفى عن أن يكون لأحد خصومة وجدل قبل رسول الله ﷺ، ودعوى باطلة عليه وعلى أصحابه بسبب توجههم في صلاتهم قبل الكعبة، إلا الذين ظلموا أنفسهم من قريش، فإن لهم قبلهم خصومةً ودعوى باطلة بأن يقولوا : إنما توجهتم إلينا وإلى قبلتنا لأنا كنا أهدى منكم سبيلاً، وأنكم كنتم بتوجهكم نحو بيت المقدس على ضلال وباطل.
وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجة من أهل التأويل، فبيّنٌ خطأ قول من زعم أن معنى قوله : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ : ولا الذين ظلموا منهم، وأن «إلا » بمعنى الواو لأن ذلك لو كان معناه لكان النفي الأول عن جميع الناس أن يكون لهم حجة على رسول الله ﷺ وأصحابه في تحوّلهم نحو الكعبة بوجوههم مبينا عن المعنى المراد، ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ إلا التلبيس الذي يتعالى عن أن يضاف إليه، أو يوصف به. هذا مع خروج معنى الكلام إذا وجهت «إلا » إلى معنى الواو، ومعنى العطف من كلام العرب، وذلك أنه غير موجودة ( إلا ) في شيء من كلامها بمعنى الواو إلا مع استثناء سابق قد تقدمها، كقول القائل : سار القوم إلا عمرا إلا أخاك، بمعنى : إلا عمرا وأخاك، فتكون «إلا » حينئذ مؤدّية عما تؤدّي عنه الواو لتعلق «إلا » الثانية ب«إلاّ » الأولى، ويجمع فيها أيضا بين «إلا » والواو، فيقال : سار القوم إلا عمرا وإلا أخاك، فتحذف إحداهما فتنوب الأخرى عنها، فيقال : سار القوم إلا عمرا وأخاك، أو إلا عمرا إلا أخاك، لما وصفنا قبل. وإذ كان ذلك كذلك فغير جائز لمدّع من الناس أن يدعي أن «إلا » في هذا الموضع بمعنى الواو التي تأتي بمعنى العطف.
وواضح فساد قول من زعم أن معنى ذلك : إلا الذين ظلموا منهم فإنهم لا حجة لهم فلا تخشوهم، كقول القائل في كلامه : الناس كلهم لك حامدون إلا الظالم المعتدي عليك، فإن ذلك لا يعتدّ بعداوته ولا بتركه الحمد لموضع العداوة. وكذلك الظالم لا حجة له، وقد سمي ظالما لإجماع جميع أهل التأويل على تخطئة ما ادّعى من التأويل في ذلك. وكفى شاهدا على خطأ مقالته إجماعهم على تخطئتها. وظاهر بطلان قول من زعم أن الذين ظلموا هَهنا ناس من العرب كانوا يهودا ونصارى، فكانوا يحتجون على النبيّ ﷺ، فأما سائر العرب فلم تكن لهم حجة، وكانت حجة من يحتجّ منكسرة لأنك تقول لمن تريد أن تكسر عليه حجته : إن لك عليّ حجة، ولكنها منكسرة، وإنك لتحتجّ بلا حجة، وحجتك ضعيفة. ووجّه معنى : إلاّ الّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ إلى معنى : إلا الذين ظلموا منهم من أهل الكتاب، فإن لهم عليكم حجة واهية أو حجة ضعيفة.
ووَهْيُ قول من قال :«إلا » في هذا الموضع بمعنى «لكن »، وضَعْفُ قول من زعم أنه ابتداء بمعنى : إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم، لأن تأويل أهل التأويل جاء في ذلك بأن ذلك من الله عز وجل خبر عن الذين ظلموا منهم أنهم يحتجون على النبي ﷺ وأصحابه بما قد ذكرنا، ولم يقصد في ذلك إلى الخبر عن صفة حجتهم بالضعف ولا بالقوّ
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب

القول في تأويل قوله تعالى ذكره ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهْ﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله تعالى ذكره:"ومن حَيثُ خرجت فول وَجهك شطر المسجد الحرام": من أيّ مكان وبُقعة شَخصتَ فخرجت يا محمد، فولِّ وجهك تلقاء المسجد الحرام، وهو شَطره.
ويعني بقوله:"وحيث ما كنتم فولُّوا وُجوهكم"، وأينما كنتم أيها المؤمنون من أرض الله، فولُّوا وجوهكم في صلاتكم تُجاهه وقِبَله وقَصْدَه. (١)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾


قال أبو جعفر: فقال جماعة من أهل التأويل: عنى الله تعالى ب"الناس" في قوله:"لئلا يكون للناس"، أهلَ الكتاب.
* ذكر من قال ذلك:
٢٢٩٢- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"لئلا يكون للناس عليكم حجة"، يعني بذلك أهلَ الكتاب. قالوا -حين صُرف نبيُّ الله ﷺ إلى الكعبة البيت الحرام-: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه!
٢٢٩٣- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر،
(١) في المخطوطة: "فولوا في صلاتكم"، أسقط"وجوهكم".
عن أبيه، عن الربيع في قوله:"لئلا يكونَ للناس عليكم حجة"، يعني بذلك أهلَ الكتاب، قالوا -حين صُرف نبيُّ الله ﷺ إلى الكعبة-: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه!
* * *
فإن قال قائل: فأيّةُ حُجة كانت لأهل الكتاب بصلاة رسول الله ﷺ وأصحابه نحوَ بيت المقدس، على رسول الله ﷺ وأصحابه؟
قيل: قد ذكرنا فيما مضى ما روي في ذلك. قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درَى مُحمد وأصحابهُ أين قبلتهم حتى هديناهم نحن! وقولهم: يُخالفنا مُحمد في ديننا ويتبع قبلتنا! (١) فهي الحجة التي كانوا يحتجُّون بها عَلى رسول الله ﷺ وأصحابه، على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهالّ وأهل الغباء من المشركين. (٢)
وقد بينا فيما مضى أن معنى حِجاج القوم إيَّاه، الذي ذكره الله تعالى ذكره في كتابه، إنّما هي الخصومات والجدال. فقطع الله جل ثناؤه ذلك من حجتهم وَحسمه، بتحويل قبلة نبيّه ﷺ والمؤمنين به، من قبلة اليهود إلى قبلة خليله إبراهيم عليه السلام. وذلك هو معنى قول الله جل ثناؤه:"لئلا يكون للناس عليكم حجة"، يعني ب"الناس"، الذين كانوا يحتجون عليهم بما وصفت.
* * *
وأما قوله:"إلا الذين ظَلموا منهم"، فإنهم مُشركو العرب من قريش، فيما تأوَّله أهلُ التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٢٢٩٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"إلا الذين ظَلموا منهم"، قومُ محمد صلى الله عليه وسلم.
(١) انظر ما سلف في هذا الجزء رقم: ٢٢٣٤، ٢٢٣٥.
(٢) في المطبوعة: "وأهل العناد من المشركين"، والصواب من المخطوطة.
٢٢٩٥- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، قال: هم المشركون من أهل مكة.
٢٢٩٦- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"إلا الذين ظلموا منهم"، يعني مشركي قريش.
٢٢٩٧- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة، وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"إلا الذين ظلموا منهم" قال، هم مشركو العرب.
٢٢٩٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله:"إلا الذين ظلموا منهم"، و"الذين ظلموا": مشركو قريش.
٢٢٩٩- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال: قال عطاء: هم مشركو قريش - قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقولُ مثل قول عطاء.
* * *
فإن قال قائل: وأيّةُ حجة كانت لمشركي قريش على رسول الله ﷺ وأصحابه، في توجههم في صلاتهم إلى الكعبة؟ وهل يجوز أن يكون للمشركين على المؤمنين -فيما أمرهم الله به أو نهاهم عنه- حُجة؟ (١)
قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما توهمتَ وذهبتَ إليه. وإنما"الحجة" في هذا الموضع، الخصومة والجدال. (٢) ومعنى الكلام: لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خُصُومةٌ ودعوى باطلٌ غيرَ مشركي قريش، فإن لهم عليكم دعوى بَاطلا وخصومةً بغير حق، (٣) بقيلهم لكم:"رَجَع محمدٌ إلى قبلتنا، وسيرجع إلى
(١) في المطبوعة: "... على المؤمنين حجة فيما أمرهم الله تعالى ذكره به، أو نهاهم عنه"، قدم"حجة" وزاد الثناء على الله.
(٢) انظر ما سلف في تفسير: "أتحاجوننا"، في هذا الجزء ٣: ١٢١.
(٣) في المطبوعة: "دعوى باطلة" في الموضعين، ولا بأس بها. يقال: "دعوى باطل وباطلة"
ديننا". فذلك من قولهم وأمانيّهم الباطلة، هي"الحجة" التي كانت لقريش على رسول الله ﷺ وأصحابه. ومن أجل ذلك استثنى الله تعالى ذكره"الذين ظلموا" من قريش من سائر الناس غيرهم، إذ نفى أن يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجّههم إليها حُجة.
وبمثل الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
* ذكر من قال ذلك:
٢٣٠٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قول الله تعالى ذكره:"لئلا يكون للناس عليكم حُجة إلا الذين ظلموا منهم"، قومُ محمد صلى الله عليه وسلم. قال مجاهد: يقول: حُجتهم، قولهم: قد راجعتَ قبلتنا!
٢٣٠١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله - إلا أنه قال: قولهم: قد رَجَعت إلى قبلتنا!
٢٣٠٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، حدثنا معمر، عن قتادة وابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم"، قالا هم مشركو العرب، قالوا حين صرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم، فيوشك أن يرجع إلى دينكم! قال الله عز وجل:"فلا تَخشوْهم واخشوْني".
٢٣٠٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله:"إلا الذين ظلموا منهم"، و"الذين ظلموا": مشركُو قريش. يقول: إنهم سيحتجون عليكم بذلك، فكانت حجتهم على نبيّ الله ﷺ =انصرافَهُ إلى البيت الحرام= (١) أنهم قالوا سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا! فأنزل الله
(١) في المطبوعة والدر المنثور ١: ١٤٨"بانصرافه" وأثبت ما في المخطوطة وابن كثير ١: ٣٥٨، وقوله: "انصرافه" منصوب على الظرفية أي عند انصرافه.
تعالى ذكره في ذلك كله. (١)
٢٣٠٤- حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع مثله.
٢٣٠٥- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي فيما يذكر، عن أبي مالك وعن أبي صالح عن ابن عباس - وعن مرة الهمداني، عن ابن مسعود وعن ناس من أصحاب رسول الله ﷺ قالوا: لما صُرف نبيّ الله ﷺ نحوَ الكعبة، بعد صلاته إلى بيت المقدس، قال المشركون من أهل مكة: تحيّر على محمد دينه! فتوجّه بقبلته إليكم، وعلم أنكم كنتم أهدى منه سبيلا ويُوشك أن يدخل في دينكم! فأنزل الله جل ثناؤه فيهم:"لئلا يَكونَ للناس عليكم حجةٌ إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني". (٢)
٢٣٠٦- حدثنا القاسم قال، حدثني الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: قوله:"لئلا يَكون للناس عَليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم" قال، قالت قريش - لما رَجَع إلى الكعبة وأمِر بها:- ما كان يستغني عنا! قد استقبل قبلتنا! فهي حُجتهم، وهم"الذين ظلموا" - قال ابن جريج: وأخبرني عبد الله بن كثير أنه سمع مجاهدًا يقول مثل قول عطاء، فقال مجاهد: حُجتهم، قولهم: رجعت إلى قبلتنا!
* * *
(١) الأثر: ٢٣٠٣- في تفسير ابن كثير ١: ٣٥٨، والدر المنثور ١: ١٤٨. والذي في المخطوطة والمطبوعة سواء"فأنزل الله في ذلك كله". أما في الدر المنثور: "فأنزل الله في ذلك كله: "يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين". والذي في الطبري يكاد لا يستقيم، والذي في الدر المنثور لا يستقيم، وكأن صواب العبارة: "فأنزل الله في ذلك، ذلك كله إلى قوله: "يا أيها الذين آمنوا... ".
(٢) الأثر: ٢٣٠٥- انظر الأثر السالف: ٢٢٠٤.
فقد أبان تأويلُ من ذكرنا تأويلَه من أهل التأويل قوله:"إلا الذين ظلموا منهم"، عن صحّة ما قلنا في تأويله، وأنه استثناءٌ على مَعنى الاستثناء المعروف، الذي ثبتَ فيهم لما بعدَ حرف الاستثناء ما كان منفيًّا عما قبله. (١) كما قولُ القائل (٢) "ما سَارَ من الناس أحدٌ إلا أخوك"، إثباتٌ للأخ من السير ما هو مَنفيٌّ عن كل أحد من الناس. فكذلك قوله:"لئلا يكونَ للناس عليكم حُجة إلا الذين ظلموا منهم"، نَفى عن أن يكون لأحد خُصومةٌ وجدلٌ قِبَلَ رسول الله ﷺ ودعوى باطلٍ عليه وعَلى أصحابه، بسبب توجُّههم في صلاتهم قبل الكعبة - إلا الذين ظلموا أنفسهم من قريش، فإن لهم قبلهم خصومةً ودعوى باطلا بأن يقولوا: (٣) إنما توجهتم إلينا وإلى قبلتنا، لأنا كنا أهدى منكم سبيلا وأنكم كنتم بتوجهكم نحو بيت المقدس على ضلال وباطل.
وإذ كان ذلك معنى الآية بإجماع الحجة من أهل التأويل، فبيِّنٌ خطأُ قول من زعم أن معنى قوله:"إلا الذين ظلموا منهم": ولا الذين ظلموا منهم، وأن"إلا" بمعنى"الواو". (٤) لأن ذلك لو كان معناه، لكان النفيُ الأول عن جميع الناس - أنْ يكون لهم حُجة على رسول الله ﷺ وأصحابه في تحوُّلهم نحو الكعبة بوجوههم - مبيِّنًا عن المعنى المراد، ولم يكن في ذكر قوله بعد ذلك:"إلا الذين ظَلموا منهم" إلا التلبيس الذي يتعالى عن أن يُضافَ إليه أو يوصف به. (٥)
هذا مع خروج معنى الكلام =إذا وجّهت"وإلا" إلى معنى"الواو"، ومعنى
(١) في المطبوعة: "الذي يثبت فيهم لما بعد حرف الاستثناء ما كان منفيًا عما قبلهم"، وهو خطأ صرف، والصواب ما في المخطوطة.
(٢) في المطبوعة: "كما أن قول القائل"، زادوا"أن" لتكون دارجة على نهجهم، والصواب ما في المخطوطة.
(٣) في المطبوعة: "ودعوى باطلة" في الموضعين. وانظر ما سلف: ٢٠١ تعليق: ٣.
(٤) زاعم هذا القول هو أبو عبيدة في مجاز القرآن: ٦٠-٦١، وانظر معاني القرآن للفراء ١: ٨٩-٩٠.
(٥) رد الطبري على أبي عبيدة أمثل من رد الفراء وأقوم.
العطف= من كلام العرب. وذلك أنه غيرُ موجودة"إلا" في شيء من كلامها بمعنى"الواو"، إلا مع استثناء سابق قد تقدمها. كقول القائل:"سار القوم إلا عمرًا إلا أخاك"، بمعنى: إلا عمرًا وأخاك، فتكون"إلا" حينئذ مؤدّية عما تؤدي عنه"الواو"، لتعلق"إلا" الثانية ب"إلا" الأولى. (١) ويجمع فيها أيضًا بين"إلا" و"الواو" فيقال:"سار القوم إلا عمرًا وإلا أخاك"، فتحذف إحداهما، فتنوب الأخرى عنها، فيقال: (٢) "سار القوم إلا عمرًا وأخاك - أو إلا عمرًا إلا أخاك"، لما وصفنا قبل.
وإذ كان ذلك كذلك، فغير جائز لمدَّعٍ من الناس أن يدَّعي أنّ"إلا" في هذا الموضع بمعنى"الواو" التي تأتي بمعنى العطف.
* * *
وواضحٌ فسادُ قول من زعم أن معنى ذلك: إلا الذين ظلموا منهم، فإنهم لا حجة لهم، فلا تخشوْهم. كقول القائل في الكلام: (٣) "الناس كلهم لك حامدون إلا الظالم [لك] المعتدي عليك"، فإن ذلك لا يعتدّ بعُداوَنه ولا بتركه الحمد، (٤) لموضع العداوة. وكذلك الظالم لا حجة له، وقد سُمي ظالمًا = (٥) لإجماع جميع أهل التأويل على تخطئة ما ادَّعى من التأويل في ذلك. وكفى شاهدًا على خطأ مقالته إجماعُهم على تخطئتها.
* * *
وظاهر بُطُول قول من زَعَم: (٦) أنّ"الذين ظلموا" هاهنا، ناسٌ من العرب
(١) في المخطوطة: "إلى الأول"، وكأنه غير صواب.
(٢) في المخطوطة: "ويجمع أيضًا فيها إلا والواو فيها فيقول: " ولم أستبن ما يقول، والذي في المطبوعة سياق صحيح.
(٣) في المطبوعة: "في كلامه"، والصواب من المخطوطة، ومعاني القرآن للفراء، فهو نص كلامه.
(٤) في المطبوعة، وفي معاني القرآن للفراء: "بعداوته"، والصواب ما في المخطوطة.
(٥) السياق: "وواضح فساد قول من زعم... لإجماع جميع أهل التأويل".
(٦) في المطبوعة: "بطلان" صحيحة المعنى، وفي المخطوطة: "دخول" تصحيف وتحريف لما أثبت. والبطول والبطلان مصدران من الباطل. وهما سواء في المعنى، وقد سلف أن استعملها الطبري مرارًا. انظر ما سلف ٢: ٤٢٦، تعليق: ١ / ٤٣٩ س: ١١/٤٧٩ س: ١٣.
كانوا يَهودًا ونصارَى، فكانوا يحتجون على النبي صلى الله عليه وسلم، فأما سائرُ العرب، فلم تكن لهم حجة، وكانت حُجة من يحتجُّ منكسرة. لأنك تقول لمن تريد أن تَكسِر عليه حجته:"إنّ لك عليّ حجة ولكنها منكسرة، وإنك لتحتج بلا حجة، وحجتك ضعيفة". ووَجَّه معنى:"إلا الذين ظَلموا منهم" إلى معنى: إلا الذينَ ظلموا منهم، منْ أهل الكتاب، فإنّ لَهُم عليكم حُجة وَاهية أو حجة ضعيفة.
* * *
ووَهْيُ قَولِ من قال:"إلا" في هذا الموضع بمعنى"لكن".
وضَعْفُ قولِ من زعم أنه ابتداء بمعنى: إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم. (١)
لأن تأويل أهل التأويل جاء في ذلك بأنّ ذلك من الله عز وجل خَبرٌ عن الذين ظلموا منهم: أنهم يحتجون على النبي ﷺ وأصحابه بما قد ذكرنا، ولم يقصِد في ذلك إلى الخبر عن صفة حُجتهم بالضعف ولا بالقوة -وإن كانت ضعيفةً لأنها باطلة- وإنما قصد فيه الإثباتَ للذين ظلموا، ما قد نَفى عن الذين قبل حرف الاستثناء من الصفة.
٢٣٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه قال، قال الربيع: إنّ يهوديًّا خاصم أبا العالية فقال: إن مُوسَى عليه السلام كان يصلِّي إلى صخرة بيت المقدس. فقال أبو العالية: كان يصلّي عند الصخرة إلى البيت الحرام. قال: قال: فبيني وبينك مسجدُ صالح، فإنه نحته من الجبل. قال أبو العالية: قد صلّيت فيه وقِبلتُه إلى البيت الحرام. قال الربيع: وأخبرني أبو العالية أنه مرّ على مسجد ذي القرنين، وقِبلتُه إلى الكعبة.
* * *
وأما قوله:"فلا تخشوْهم واخشوْني"، يعني: فلا تخشوا هؤلاء الذين وصفت لَكم أمرهم من الظَّلمة في حجتهم وجدالهم وقولهم ما يقولون (٢) في أنّ محمدًا صلى
(١) قوله"ووهي قول... "، و"وضعف قول... " معطوف على قوله آنفًا: "وظاهر بطول قول من زعم... ".
(٢) في المطبوعة: "من الظلم في حجتهم"، والصواب من المخطوطة. ثم فيها: "وقولهم ما يقولون من أن محمدًا"، وصوابه من المخطوطة.
الله عليه وسلم قد رجع إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا! - أو أن يَقدروا لكم على ضرّ في دينكم أو صدِّكم عما هداكم الله تعالى ذكره له من الحق، ولكن اخشوني، فخافوا عقابي، في خلافكم أمري إن خالفتموه.
وذلك من الله جل ثناؤه تقدُّمٌ إلى عباده المؤمنين، (١) بالحضّ على لزوم قبلتهم والصلاة إليها، وبالنهي عن التوجُّه إلى غيرها. يقول جل ثناؤه: واخشوْني أيها المؤمنون، في ترك طاعتي فيما أمرتكم به من الصلاة شَطرَ المسجد الحرام.
وقد حكي عن السدي في ذلك ما:-
٢٣٠٨- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فلا تخشوْهم واخشوْني"، يقول: لا تخشوا أن أردَّكم في دينهم (٢)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾


قال أبو جعفر: يعني بقوله جل ثناؤه:"ولأتمَّ نعمتي عليكم"، ومن حيث خرجتَ من البلاد والأرض، وإلى أيّ بقعة شخصت (٣) فولِّ وجهك شطر المسجد الحرام، وحيثُ كنت، يا محمد والمؤمنون، فولُّوا وجوهكم في صلاتكم شَطرَه،
(١) تقدم إليه بكذا: أمره به.
(٢) إلى هنا انتهى ما عثرنا عليه من الأوراق التي ذكرناها في ص: ١٨٩ تعليق: ١، وفي آخره ما نصه:
"تَمَّ المجلد الثاني بعون الله تعالى، والصلاة على نبيّه محمد وآله وصحبه وسلم. يتلوهُ في الثالث إن شاء الله تعالى، القول في تأويل قوله تعالى: (ولأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُون) إن شاء الله تعالى، وهو بقية الجزء السادس والعشرون؟؟ "
(٣) في المطبوعة: "إلى أي بقعة"، بحذف الواو، والصواب ما أثبت.

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
وقال في الأمر الثاني :﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ فذكر أنه الحق من الله وارتقى عن المقام الأول، حيث كان موافقًا لرضا الرسول ﷺ فبين أنه الحق أيضًا من الله يحبه ويرتضيه، وذكر في الأمر الثالث حكمة قطع حجة المخالف من اليهود الذين كانوا يتحججون باستقبال الرسول إلى قبلتهم، وقد كانوا يعلمون بما في كتبهم أنه سيصرف إلى قبلة إبراهيم، عليه السلام، إلى الكعبة، وكذلك مشركو العرب انقطعت حجتهم لما صرف الرسول ﷺ عن قبلة اليهود إلى قبلة إبراهيم التي هي أشرف، وقد كانوا يعظمون الكعبة وأعجبهم استقبال الرسول ﷺ إليها، وقيل غير ذلك من الأجوبة عن حكمة التكرار، وقد بسطها فخر الدين وغيره، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
وقوله :﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي : أهل الكتاب ؛ فإنهم يعلمون من صفة هذه الأمة التوجه إلى الكعبة، فإذا فقدوا ذلك من صفتها ربما احتجوا بها على المسلمين أو لئلا يحتجوا بموافقة المسلمين إياهم في التوجه إلى بيت المقدس. وهذا أظهر.
قال أبو العالية :﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ يعني به أهل الكتاب حين قالوا : صُرف محمد إلى الكعبة.
وقالوا : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه(١) ودين قومه. وكان حجتهم على النبي ﷺ انصرافه إلى البيت الحرام أن قالوا : سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا.
قال ابن أبي حاتم : وروى عن مجاهد، وعطاء، والضحاك، والربيع بن أنس، وقتادة، والسدي، نحو هذا.
وقال هؤلاء في قوله :﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ يعني : مشركي قريش.
ووجه بعضهم حُجّة الظلمة - وهي داحضة - أن قالوا : إن هذا الرجل يزعمُ أنه على دين إبراهيم : فإن كان توجّهه إلى بيت المقدس على ملة إبراهيم، فلم رجع عنه ؟ والجواب : أن الله تعالى اختار له التوجه إلى بيت المقدس أولا لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فأطاع ربه تعالى في ذلك، ثم صرفه إلى قبلة إبراهيم - وهي الكعبة - فامتثل أمر الله في ذلك أيضًا، فهو، صلوات الله وسلامه عليه، مطيع لله في جميع أحواله، لا يخرج عن أمر الله طرفة عين، وأمتهُ تَبَع له.
وقوله :﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي﴾ أي : لا تخشوا شُبَهَ الظلمة المتعنتين، وأفْرِدُوا الخشية لي، فإنه تعالى هو أهل أن يخشى منه.
وقوله :﴿وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ عطف على ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي : ولأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي : إلى ما ضَلّت عنه الأمم هديناكم إليه، وخَصصْناكم به، ولهذا كانت هذه الأمة أشرفَ الأمم وأفضلها.
١ في أ: "في بيت الله"..

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
ثم خاطب الأمة عموما فقال :﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وقال :﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أكده ب " إن " واللام، لئلا يقع لأحد فيه أدنى شبهة، ولئلا يظن أنه على سبيل التشهي لا الامتثال.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بل هو مطلع عليكم في جميع أحوالكم، فتأدبوا معه، وراقبوه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن أعمالكم غير مغفول عنها، بل مجازون عليها أتم الجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
وقال هنا :﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي : شرعنا لكم استقبال الكعبة المشرفة، لينقطع عنكم احتجاج الناس من أهل الكتاب والمشركين، فإنه لو بقي مستقبلا بيت المقدس، لتوجهت عليه الحجة، فإن أهل الكتاب، يجدون في كتابهم أن قبلته المستقرة، هي الكعبة البيت الحرام، والمشركون يرون أن من مفاخرهم، هذا البيت العظيم، وأنه من ملة إبراهيم، وأنه إذا لم يستقبله محمد ﷺ، توجهت نحوه حججهم، وقالوا : كيف يدعي أنه على ملة إبراهيم، وهو من ذريته، وقد ترك استقبال قبلته ؟
فباستقبال الكعبة(١)  قامت الحجة على أهل الكتاب والمشركين، وانقطعت حججهم عليه.
﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي : من احتج منهم بحجة، هو ظالم فيها، وليس لها مستند إلا اتباع الهوى والظلم، فهذا لا سبيل إلى إقناعه والاحتجاج عليه، وكذلك لا معنى لجعل الشبهة التي يوردونها على سبيل الاحتجاج محلا يؤبه لها، ولا يلقى لها بال، فلهذا قال تعالى :﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ لأن حجتهم باطلة، والباطل كاسمه مخذول، مخذول صاحبه، وهذا بخلاف صاحب الحق، فإن للحق صولة وعزا، يوجب خشية من هو معه، وأمر تعالى بخشيته، التي هي أصل(٢)  كل خير، فمن لم يخش الله، لم ينكف عن معصيته، ولم يمتثل أمره.
وكان صرف المسلمين إلى الكعبة، مما حصلت فيه فتنة كبيرة، أشاعها أهل الكتاب، والمنافقون، والمشركون، وأكثروا فيها من الكلام والشبه، فلهذا بسطها الله تعالى، وبينها أكمل بيان، وأكدها بأنواع من التأكيدات، التي تضمنتها هذه الآيات.
منها : الأمر بها، ثلاث مرات، مع كفاية المرة الواحدة، ومنها : أن المعهود، أن الأمر، إما أن يكون للرسول، فتدخل فيه الأمة تبعا، أو للأمة عموما، وفي هذه الآية أمر فيها الرسول بالخصوص في قوله :﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ والأمة عموما في قوله :﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾
ومنها : أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة، التي أوردها أهل العناد وأبطلها شبهة شبهة، كما تقدم توضيحها، ومنها : أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول قبلة أهل الكتاب، ومنها قوله :﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف، ولكن مع هذا قال :﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾
ومنها : أنه أخبر - وهو العالم بالخفيات - أن أهل الكتاب متقرر عندهم، صحة هذا الأمر، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم.
ولما كان توليته لنا إلى استقبال القبلة، نعمة عظيمة، وكان لطفه بهذه الأمة ورحمته، لم يزل يتزايد، وكلما شرع لهم شريعة، فهي نعمة عظيمة قال :﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾
فأصل النعمة، الهداية لدينه، بإرسال رسوله، وإنزال كتابه، ثم بعد ذلك، النعم المتممات لهذا الأصل، لا تعد كثرة، ولا تحصر، منذ بعث الله رسوله إلى أن قرب رحيله من الدنيا، وقد أعطاه الله من الأحوال والنعم، وأعطى أمته، ما أتم به نعمته عليه وعليهم، وأنزل الله عليه :﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾
فلله الحمد على فضله، الذي لا نبلغ له عدا، فضلا عن القيام بشكره، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي : تعلمون الحق، وتعملون به، فالله تبارك وتعالى - من رحمته - بالعباد، قد يسر لهم أسباب الهداية غاية التيسير، ونبههم على سلوك طرقها، وبينها لهم أتم تبيين، حتى إن من جملة ذلك أنه يقيض للحق، المعاندين له فيجادلون فيه، فيتضح بذلك الحق، وتظهر آياته وأعلامه، ويتضح بطلان الباطل، وأنه لا حقيقة له، ولولا قيامه في مقابلة الحق، لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق، وبضدها تتبين الأشياء، فلولا الليل، ما عرف فضل النهار، ولولا القبيح، ما عرف فضل الحسن، ولولا الظلمة ما عرف منفعة النور، ولولا الباطل ما اتضح الحق اتضاحا ظاهرا، فلله الحمد على ذلك.
١ - في ب: القبلة..
٢ -في ب: رأس..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٤٩ - ١٥٠} ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ * وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾.
أي: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ في أسفارك وغيرها، وهذا للعموم، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: جهته.
ثم خاطب الأمة عموما فقال: ﴿وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ أكده بـ "إن "واللام، لئلا يقع لأحد فيه أدنى شبهة، ولئلا يظن أنه على سبيل التشهي لا الامتثال.
﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ بل هو مطلع عليكم في جميع أحوالكم، فتأدبوا معه، وراقبوه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، فإن أعمالكم غير مغفول عنها، بل مجازون عليها أتم الجزاء، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
وقال هنا: ﴿لِئَلا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ أي: شرعنا لكم استقبال الكعبة المشرفة، لينقطع عنكم احتجاج الناس من أهل الكتاب والمشركين، فإنه لو بقي مستقبلا بيت المقدس، لتوجهت عليه الحجة، فإن أهل الكتاب، يجدون في كتابهم أن قبلته المستقرة، هي الكعبة البيت الحرام، والمشركون يرون أن من مفاخرهم، هذا البيت العظيم، وأنه من ملة إبراهيم، وأنه إذا لم يستقبله محمد صلى الله عليه وسلم، توجهت نحوه حججهم، وقالوا: كيف يدعي أنه على ملة إبراهيم، وهو من ذريته، وقد ترك استقبال قبلته؟
فباستقبال الكعبة (١) قامت الحجة على أهل الكتاب والمشركين، وانقطعت حججهم عليه.
﴿إِلا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي: من احتج منهم بحجة، هو ظالم فيها، وليس لها مستند إلا اتباع الهوى والظلم، فهذا لا سبيل إلى إقناعه والاحتجاج عليه، وكذلك لا معنى لجعل الشبهة التي يوردونها على سبيل الاحتجاج محلا يؤبه لها، ولا يلقى لها بال، فلهذا قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ﴾ لأن حجتهم باطلة، والباطل كاسمه مخذول، مخذول صاحبه، وهذا بخلاف صاحب الحق، فإن للحق صولة وعزا، يوجب خشية من هو معه، وأمر تعالى بخشيته، التي هي أصل (٢) كل خير، فمن لم يخش الله، لم ينكف عن معصيته، ولم يمتثل أمره.
وكان صرف المسلمين إلى الكعبة، مما حصلت فيه فتنة كبيرة، أشاعها أهل الكتاب، والمنافقون، والمشركون، وأكثروا فيها من الكلام والشبه، فلهذا بسطها الله تعالى، وبينها أكمل بيان، وأكدها بأنواع من التأكيدات، التي تضمنتها هذه الآيات.
منها: الأمر بها، ثلاث مرات، مع كفاية المرة الواحدة، ومنها: أن المعهود، أن الأمر، إما أن يكون للرسول، فتدخل فيه الأمة تبعا، أو للأمة عموما، وفي هذه الآية أمر فيها الرسول بالخصوص في قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ﴾ والأمة عموما في قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾.
-[٧٤]-
ومنها: أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة، التي أوردها أهل العناد وأبطلها شبهة شبهة، كما تقدم توضيحها، ومنها: أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول قبلة أهل الكتاب، ومنها قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف، ولكن مع هذا قال: ﴿وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾.
ومنها: أنه أخبر - وهو العالم بالخفيات - أن أهل الكتاب متقرر عندهم، صحة هذا الأمر، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم.
ولما كان توليته لنا إلى استقبال القبلة، نعمة عظيمة، وكان لطفه بهذه الأمة ورحمته، لم يزل يتزايد، وكلما شرع لهم شريعة، فهي نعمة عظيمة قال: ﴿وَلأتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾.
فأصل النعمة، الهداية لدينه، بإرسال رسوله، وإنزال كتابه، ثم بعد ذلك، النعم المتممات لهذا الأصل، لا تعد كثرة، ولا تحصر، منذ بعث الله رسوله إلى أن قرب رحيله من الدنيا، وقد أعطاه الله من الأحوال والنعم، وأعطى أمته، ما أتم به نعمته عليه وعليهم، وأنزل الله عليه: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإسْلامَ دِينًا﴾.
فلله الحمد على فضله، الذي لا نبلغ له عدا، فضلا عن القيام بشكره، ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ أي: تعلمون الحق، وتعملون به، فالله تبارك وتعالى - من رحمته - بالعباد، قد يسر لهم أسباب الهداية غاية التيسير، ونبههم على سلوك طرقها، وبينها لهم أتم تبيين، حتى إن من جملة ذلك أنه يقيض للحق، المعاندين له فيجادلون فيه، فيتضح بذلك الحق، وتظهر آياته وأعلامه، ويتضح بطلان الباطل، وأنه لا حقيقة له، ولولا قيامه في مقابلة الحق، لربما لم يتبين حاله لأكثر الخلق، وبضدها تتبين الأشياء، فلولا الليل، ما عرف فضل النهار، ولولا القبيح، ما عرف فضل الحسن، ولولا الظلمة ما عرف منفعة النور، ولولا الباطل ما اتضح الحق اتضاحا ظاهرا، فلله الحمد على ذلك.
(١) في ب: القبلة.
(٢) في ب: رأس.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٢٣ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني أحكام القرآن — إلكيا الهراسي جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن — زكريا الأنصاري فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

تذكرة الأريب في تفسير الغريب
لئلا يكون للناس
يعني اليهود واحتاجهم انهم قالوا ان كانت ضلاله فقد دنت بها وان كانت هدى فقد نقلت عنها

إعراب الآية ١٥٠ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

فليس تنفعهم الآيات. قال الأخفش: والفرّاء «١» : أجيبت «إن» بجواب «لو» لأن المعنى ولو أتيت الذين أوتوا الكتاب بكلّ آية، ما تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وكذا تجاب «لو» بجواب «إن» تقول: لو أحسنت أحسن إليك ومثله وَلَئِنْ أَرْسَلْنا رِيحاً فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا [الروم:
٥١] أي لو أرسلنا ريحا. قال أبو جعفر: هذا القول خطأ على مذهب سيبويه «٢» وهو الحق، لأن معنى «إن» خلاف معنى «لو» يعني أنّ معنى إن يجب بها الشيء لوجوب غيره تقول: إن أكرمتني أكرمتك ومعنى «لو» أنه يمتنع بها الشيء لامتناع غيره فلا تدخل واحدة منهما على الأخرى. والمعنى ولئن أتيت الذين أوتوا الكتاب بكل آية لا يتبعون قبلتك. وقال سيبويه: المعنى ولئن أرسلنا ريحا فرأوه مصفرا ليظلنّ.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٦]

الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦)
الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ ابتداء، يَعْرِفُونَهُ في موضع أي يعرفون التحويل أو يعرفون النبي صلّى الله عليه وسلّم.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٧]

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ رفع بالابتداء أو على إضمار ابتداء وروي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قرأ الحق «٣» منصوبا أي يعلمون الحق فأما الذي في «الأنبياء» الْحَقَّ فَهُمْ مُعْرِضُونَ [الأنبياء: ٢٤] فلا نعلم أحدا قرأه إلّا منصوبا والفرق الذي بينهما أنّ الذي في سورة البقرة مبتدأ آية والذي في سورة الأنبياء ليس كذلك.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٤٨]

وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ أَيْنَ ما تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً إِنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)
لِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيها
الهاء والألف مفعول أول والمفعول الثاني محذوف أي هو مولّيها وجهه أو نفسه والمعنى هو مولّ نحوها وجهه والعرب تحذف من كلّ وبعض فيقولون كلّ منطلق: أي كل رجل والتقدير ولكلّ أمة وأهل ملة. اسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
أمر أي بادروا ما أمركم الله جلّ وعزّ به من استقبال شطر البيت الحرام.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٠]

وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)
(١) انظر معاني الفراء ١/ ٨٤. [.....]
(٢) انظر الكتاب ٣/ ١٢٤.
(٣) انظر البحر المحيط ١/ ٦٠٤، ومختصر ابن خالويه ١٠.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

القراءات في الآية ١٥٠ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

لِئَلاَّ

لِئَلاَّ : بهمزة مفتوحة بعد اللام

روح عن يعقوب الدوري عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة ابن جمّاز عن أبي جعفر خلف عن حمزة حفص عن عاصم رويس عن يعقوب شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو إسحاق عن خلف قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف قالون عن نافع

لِيَلاَّ : بياء مفتوحة بعد اللام

ورش عن نافع

لِلنَّاسِ

بالإمالة

الدوري عن أبي عمرو

بالفتح

روح عن يعقوب إدريس عن خلف رويس عن يعقوب ابن جمّاز عن أبي جعفر إسحاق عن خلف ابن وردان عن أبي جعفر الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم شعبة عن عاصم ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر السوسي عن أبي عمرو قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير ورش عن نافع قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٥٠ من سورة البقرة

٩ موضوعات تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٢٩ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير الآية

١٠ أقوال
١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾، قال: الذين ظلموا منهم مشركو قريش، إنهم سيحتجّون بذلك عليكم، واحتجّوا على نبي الله ﷺ بانصرافه إلى البيت الحرام، وقالوا: سيرجع محمد إلى ديننا، كما رجع إلى قبلتنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٦٨٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٦٨٦، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٥٩ مختصرًا.
٣
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- قال: هم المشركون من أهل مكة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٦٨٤.
٤
قال مقاتل بن سليمان: ثم استثنى، فقال: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾. يعني: من الناس، يعني: مشركي العرب، وذلك أنّ مشركي مكة قالوا: إنّ الكعبة هي القبلة، فما بال محمد تركها؟ وكانت لهم في ذلك حجة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٤٩.
٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ في انصرافكم إلى الكعبة، وهي القبلة، ﴿ولعلكم﴾ ولكي ﴿تهتدون﴾ من الضلالة؛ فإن الصلاة قِبَل بيت المقدس بعد ما نُسِخَت الصلاة إليه ضلالة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٤٩.
٦
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾، يعني: مشركي قريش، يقول: إنهم سَيَحْتَجُّون عليكم بذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٥٩.
٧
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح-، وقتادة بن دِعامة -من طريق معمر- في قوله: ﴿إلا الذين ظلموا منهم﴾، قالا: هم مشركو العرب، قالوا حين صُرفت القبلة إلى الكعبة: قد رجع إلى قبلتكم؛ فيُوشكُ أن يرجع إلى دينكم. قال الله: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ واخْشَوْنِي﴾١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١/ ٦٢، وابن جرير ٢/ ٦٨٦. وعزاه السيوطي إلى أبي داود في ناسخه، وابن المنذر. وفي لفظ عن مجاهد عند ابن جرير ٢/ ٦٨٦: قوم محمد - ﷺ -.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (٢/ ٦٨٥) غير هذا القول في المراد من قوله تعالى: ﴿إلا الذين ظلموا﴾. وذكر أنّ معنى الحجة على هذا القول: خصومةُ قريش وجدالُهم، فقال: «الحجة في هذا الموضع: الخصومةُ والجدالُ، ومعنى الكلام: لئلا يكون لأحد من الناس عليكم خصومة ودعوى باطل غير مشركي قريش، فإنّ لهم عليكم دعوى باطل، وخصومة بغير حق بقيلهم لكم: رجع محمد إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا. فذلك من قولهم، وأمانيهم الباطلة هي الحجة التي كانت لقريش على رسول الله - ﷺ - وأصحابه؛ ومن أجل ذلك استثنى الله -تعالى ذِكْرُه- الذين ظلموا من قريش من سائر الناس غيرهم، إذ نفى أن يكون لأحد منهم في قبلتهم التي وجههم إليها حجة». وقد ذَهَبَ ابنُ عطية (١/ ٣٨٢) إلى أنّ قوله: ﴿إلا الذين ظلموا﴾ يدخل فيه اليهود وغيرهم ممن استهزأ بتولّي النبي وصحابته عن بيت المقدس إذا كان الاستثناء متصلًا، وأمّا إذا كان الاستثناء منقطعًا فيكون المعنيُّ بقوله: ﴿الذين ظلموا﴾: كفارَ قريش، حيث قال: «قالت فرقة: ﴿إلّا الَّذِينَ﴾ استثناء متصل، وهذا مع عموم لفظة الناس، والمعنى: أنّه لا حُجَّة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة للذين ظلموا، يعني: اليهود وغيرهم مِن كُلِّ مَن تكلم في النازلة في قولهم: ﴿ما ولّاهُمْ﴾ استهزاء، وفي قولهم: تحير محمد في دينه. وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن، أو من يهودي، أو من منافق، وسمّاها تعالى حجّةً، وحكم بفسادها حين كانت من ظَلَمَة. وقالت طائفة: ﴿إلّا الَّذِينَ﴾ استثناء منقطع، وهذا مع كون الناس اليهودَ فقط، وقد ذكرنا ضعف هذا القول، والمعنى: لكن الذين ظلموا، يعني: كفار قريش في قولهم: رجع محمد إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا كله. ويدخل في ذلك كلُّ من تكلم في النازلة من غير اليهود».
٨
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق عبد الله بن كثير- قال: هم مشركو قريش، وحجتُهم: قولُهم: رجعت إلى قِبلتنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٦٨٤، ٦٨٦. وعلّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٥٩.
٩
عن الحسن البصري -من طريق عبّاد بن منصور- ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾، يقول: لَن يحتج عليكم بذلك إلا ظالم، فولّوا وجوهكم شطره؛ لِئَلّا يحتج عليكم الظَّلَمة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٥٩. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏٤٨٧-.
١٠
عن ابن جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاء [بن أبي رباح]: قوله: ﴿لئلا يَكون للناس عَليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾. قال: قالت قريش لَمّا رَجَع إلى الكعبة وأُمِر بها: ما كان يستغني عنا، قد استقبل قبلتنا. فهي حُجَّتُهم، وهم الذين ظلموا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٦٨٤، ٦٨٧. وعلّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٥٩.

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
قال الربيع: إنّ يهوديًّا خاصَم أبا العالية، فقال: إنّ موسى عليه السلام كان يُصَلِّي إلى صخرة بيت المقدس. فقال أبو العالية: كان يُصلّي عند الصخرة إلى البيت الحرام. قال: قال: فبيني وبينك مسجدُ صالح؛ فإنّه نَحَتَه من الجبل. قال أبو العالية: قد صَلَّيْتُ فيه، وقِبلتُه إلى البيت الحرام١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٦٩٠.
٢
عن علي بن أبي طالب: تمامُ النِّعْمَةِ الموتُ على الإسلام١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ١‏/‏١٦٦.
٣
عن سعيد بن جبير: لا يَتِمُّ نِعْمَةٌ على مسلم إلا أن يدخله الله الجنة١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ١‏/‏١٦٦.

تفسير

١٥ قولًا
١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿فلا تخشوْهم واخشوْني﴾، يقول: لا تخشوا أن أرُدَّكم في دينهم١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٦٨٦، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٥٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير ٢/٦٩٠-٦٩١ غيرَ هذا القول.
٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فلا تخشوهم﴾ أن يكون لهم عليكم حجة في شيء غيرها، ﴿واخشوني﴾ في تَرْك أمري في أمْرِ القبلة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٤٩.
٣
عن الضحاك بن مُزاحِم، وعطاء بن أبي رباح، قالا: قد رجعتَ إلى قبلتنا١
التخريج
  1. ١علّقه ابن أبي حاتم ١/ ٢٥٨.
٤
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-، مثل ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٥٨.
٥
وعن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، مثل ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٥٨.
٦
عن الحسن البصري: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ أخبره الله تعالى أنه لا يُحَوِّله عن الكعبة إلى غيرها أبدًا؛ فيحتج عليه بذلك محتجّون، كما احتجّ عليه مشركو العرب في قولهم: رغبتَ عن قبلة آبائك، ثُمَّ رجعتَ إليها١
التخريج
  1. ١ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٨٧-.
٧
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾، قال: يعني بذلك: أهل الكتاب، قالوا حين صُرِف نبي الله إلى الكعبة البيت الحرام: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه، ودين قومه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٦٨٢. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٨
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾، يعني بذلك: أهلَ الكتاب، قالوا حين صُرف نبيُّ الله ﷺ إلى الكعبة: اشتاق الرجلُ إلى بيت أبيه، ودين قومه١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٦٨٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٥٨.
تعليقات المحققين
  1. ٢لم يذكر ابنُ جرير (٢/٦٨٣) غير هذا القول، وبيّن حجة أهل الكتاب التي كانوا يحتجون بها على رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال: «قيل: إنهم كانوا يقولون: ما درى محمد وأصحابه أين قبلتهم حتى هديناهم نحن. وقولهم: يخالفنا محمد في ديننا ويَتَّبِع قبلتنا. فهي الحجة التي كانوا يحتجون بها على رسول الله ﷺ وأصحابه على وجه الخصومة منهم لهم، والتمويه منهم بها على الجهال وأهل الغباء من المشركين». وبنحوه قال ابنُ كثير (١/٤٦٤). وأما ابنُ عطية (١/٣٨٢) فقد رَجَّح العمومَ في الآية، حيث قال: «قوله: ﴿لِلنّاسِ﴾ عموم في اليهود والعرب وغيرهم». وانتقد قولَ من جعلها في اليهود خاصة، كما سيأتي في التعليق التالي.
٩
عن أبي رَوْق عطية بن الحارث الهمداني: ﴿لئلا يكونَ للناس﴾، قال: يعني: اليهود١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏١٦، وتفسير البغوي ١‏/‏١٦٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتَقَد ابنُ عطية (١/٣٨٢) قولَ أبي رَوْق، مُسْتَنِدًا إلى ظاهر الآية، فقال: «وقيل: المراد بالناس: اليهود، ثم استثنى كفار العرب. وقوله: ﴿مِنهُمْ﴾ يَرُدُّ هذا التأويل».
١٠
قال مقاتل بن سليمان: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾ يعني: اليهود، [في] أنّ الكعبة هي القبلة، ولا حجّة لهم عليكم في انصرافكم إليها١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٤٩.
١١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق أبي سِنان الشَّيْبانِيِّ- ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾، قال: كل قبلة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٥٨.
١٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومن حيث خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام﴾ يعني: الحرم كله؛ فإنه مسجد كله، ﴿وحيث ما كنتم من الأرض فولّوا وجوهكم شطره﴾ يعني: فحَوِّلُوا وجوهكم تِلْقاءَه١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٤٩.
١٣
عن أبي العالِية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾، يعني به: أهل الكتاب حين قالوا: صُرِف محمد ﷺ إلى الكعبة. وقالوا: اشتاق الرجل إلى بيت أبيه ودين قومه. وكان حجتهم على النبي ﷺ عند انصرافه إلى البيت الحرام أن قالوا: سيرجع إلى ديننا، كما رجع إلى قبلتنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٥٨ (١٣٨٧).
١٤
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق عيسى، عن ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾، قال: حُجَّتُهم قولُهم: قد راجَعْتَ قبلتنا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٦٨٥. وعلّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٥٨. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٥
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ورْقاء، عن ابن أبي نَجِيح- ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة﴾، يعني: على أُمَّةِ محمد ﷺ، وحجتُهم قولُهم: تركت قبلتنا١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢١٦.

نزول الآية

قول واحد
١
عن عبد الله بن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ --من طريق السدي، عن مُرَّة الهمداني-، وعبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك وأبي صالح- قالوا: لَمّا صُرِف النبي - ﷺ - نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس؛ قال المشركون منأهل مكة: تحيَّر على محمد دينُه، فتَوَجَّه بقبلته إليكم، وعلم أنّكم أهدى مِنه سبيلًا، ويُوشك أن يَدْخُل في دينكم. فأنزل الله: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم فلا تخشوهم واخشوني﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢/ ٦٨٦ - ٦٨٧، من طريق موسى بن هارون، عن عمرو بن حماد، عن أسباط بن نصر، عن السدي عنهم به. وأسانيدها جيدة. ينظر: مقدمة الموسوعة.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٥٠ من سورة البقرة

١٣ وقفةً في هذه الآية

  • "فلا تخشوهم واخشوني" علاج الخوف من الناس .. أن تحيي في قلبك الخوف من الله.

    — بدون مصدر

  • سورة البقرة (150)

    — محمد الربيعة

  • مجالس في تدبر القران تدبر أية 150 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • صرف المسلمين إلى الكعبة حصلت فيه فتنة كبيرة أشاعها أهل الكتاب والمنافقون والمشركون لهذا بينها الله أكمل بيان وأكدها وأمر بها ثلاث مرات.

    — بدون مصدر

  • قوله {ومن حيث خرجت} هذه الآية مكررة ثلاث مرات قيل إن الأولى لنسخ القبلة والثانية للسبب وهو قوله {وإنه للحق من ربك} والثالثة للعلة وهو قوله {لئلا يكون للناس عليكم حجة} وقيل الأولى في مسجد المدينة والثانية خارج المسجد والثالثة خارج البلد . وقيل في الآيات خروجان خروج إلى مكان ترى فيه القبلة وخروج إلى مكان لا ترى أي الحالتان فيه سواء قلت إنما كرر لأن المراد بذلك الحال والمكان والزمان وقلت في الآية الأولى {ومن حيث خرجت} وليس فيها {وحيث ما كنتم} فجمع في الآية الثالثة بين قوله {حيث خرجت} {وحيث ما كنتم} ليعلم أن للنبي والمؤمنين في ذلك سواء .

    — كتاب أسرار التكرار للكرماني

  • مسألة: قوله تعالى: (فول وجهك شطر المسجد الحرام) كرر ذلك مرات. فما فائدته ؟ جوابه: أن الأول: إعلام بنسخ استقبال بيت المقدس له ولأمته. والثانية: لبيان المسبب وهو: اتباع الحق، لقوله تعالى: " وإنه للحق " والثالثة: إعلام بالعلة، وهو: (لئلا يكون للناس عليكم حجة) وبعموم الحكم في سائر الناس والأقطار والجهات، وسائر الأزمنة لاحتمال تخيل أن ذلك مخصوص بجهة المدينة، وما ولاها وهي جهة الجنوب، أو أنه خاص بمن يشاهد الكعبة، أو قصد بتكراره مزيد التوكيد في استقبال الكعبة والتمسك به، لأن النسخ في مظان تطرق الشبهة وأبعد على ضعفاء النظر كما قالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فلذلك بالغ في التأكيد بتكرار الأمر.

    — كتاب كشف المعاني / لابن جماعة

  • آية (١٥٠) : (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) * ذكر تعالى الناس معرّفة بـ (أل) وذلك حتى تستغرق هذه الكلمة الناس جميعاً مهما اختلفت مللهم . * قال (لئلا يكون للناس) ولم يقل لئلا يكون للمشركين ولم يقتصر على ذكر الذين اعترضوا في ذلك الوقت على تحوّل القِبلة وشككوا في النبي وكأن هذه الكلمة (للناس) قد دلّت على أن التوجه إلى الكعبة المشرفة مبطلٌ لمزاعم الناس المشككين كلهم في كل زمان وكل مكان . * متى تثبت الياء ومتى تحذف كما في قوله (واخشوني، واخشون) ؟ في جميع القرآن عندما يُظهِر الياء يكون التحذير أشد ويكون الأمر أكبر فلو اغتاب أحدهم آخر تقول له اتقِ الله ولكن إن أراد أن يقتل شخصاً فتقول له اتقِ الله ، فالتحذير يختلف بحسب الفعل ، وهذا التعبير له نظائر في القرآن (اتّبعني اتبعنِ ، كيدوني كيدونِ ، أخّرتني أخرتنِ) ، أما إخشوني واخشونِ فوردت الأولى في سورة البقرة والثانية في المائدة . في سورة البقرة التحذير أكبر فالسياق هنا في تبديل القِبلة وقد صار كلام كثير ولغط وإرجاف بين اليهود والمنافقين حتى ارتد بعض المسلمين ، هي أمر كبير لذا قال (واخشوني) . في سورة المائدة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ (٣))هذا يأس هؤلاء يائسين فصار التحذير أقل . في الآية الأخرى في سورة المائدة (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)) ليس فيها محاربة ولا مقابلة فقال (واخشونِ) بدون ياء . الحذف في قواعد النحو يجوز والعرب تتخفف من الياء لكن الله سبحانه وتعالى قرنها بأشياء فنية .

    — مختصر لمسات بيانية

  • *(وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ (150) البقرة) لِمَ قال (لئلا يكون للناس) ولم يقل لئلا يكون للمشركين؟ ذكر تعالى الناس معرّفة بـ (أل) وذلك حتى تستغرق هذه الكلمة الناس جميعاً مهما اختلفت مللهم ولم يقتصر على ذكر المشركين الذين اعترضوا في ذلك الوقت على تحوّل القِبلة وشككوا في النبي  بسبب ذلك وكأن هذه الكلمة (للناس) قد دلّت على أن استقبال القبلة سيدحضها أي دعوة يزعمها إنسان في عصر من العصور أن هذا الدين مقتبس من اي دين قد سبقه فالتوجه إلى الكعبة المشرفة مبطلٌ لمزاعم الناس المشككين كلهم في كل زمان وكل مكان.

    — برنامج ورتل القران ترتيلا

  • * متى تثبت الياء ومتى تحذف كما في قوله (واخشوني، واخشون) هذا التعبير له نظائر في القرآن (اتّبعني، إتبعنِ، كيدوني، كيدونِ، أخّرتني، أخرتنِ). أما إخشوني واخشونِ فوردت الأولى في سورة البقرة والثانية وردت في المائدة. عندما تحذّر أحدهم التحذير يكون بحسب الفِعلة قد تكون فِعلة شديدة. مثلاً لو أحدهم اغتاب آخر تقول له اتقِ ربك وقد يريد أن يقتل شخصاً فتقول له اتقِ الله، فالتحذير يختلف بحسب الفعل إذا كان الفعل كبيراً يكون التحذير أشد. فعندما يُطهِر الياء يكون التحذير أشد في جميع القرآن عندما يُظهِر الياء يكون الأمر أكبر. عندنا (إخشوني) إذن التحذير أكبر. ننظر السياق في الآية التي فيها الياء (واخشوني) (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (150) البقرة) هذه في تبديل القِبلة فجاءت إخشوني بالياء لأنه صار كلام كثير ولغط وإرجاف بين اليهود والمنافقين حتى ارتد بعض المسلمين، هذا تبديل للقِبلة (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (143) البقرة) هي أمر كبير لذا قال (واخشوني). الآية الأخرى في سورة المائدة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ.(3)) هذا يأس وذاك إرجاف. هذا الموقف ليس مثل ذاك، هؤلاء يائسين فصار التحذير أقل. وفي الآية الثانية (إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ لِلَّذِينَ هَادُواْ وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُواْ مِن كِتَابِ اللّهِ وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلاً وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44)) ليس فيها محاربة ولا مقابلة فقال (واخشونِ) بدون ياء. إذن المواطن التي فيها شدة وتحذير شديد أظهر الياء. والحذف في قواعد النحو يجوز والعرب تتخفف من الياء لكن الله سبحانه وتعالى قرنها بأشياء فنية.

    — فاضل السامرائي

  • قوله تعالى: (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَليْكُمْ حُجَّةٌ إِلّاَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ. .) . إن قلتَ: كيف يكون للظالمين من اليهود حجَّةٌ على المؤمنين؟ قلتُ: حجَّتُهم قولُهم: ما تحوَّل محمدٌ عن الكعبة، إِلَّا أنه بدا له الرجوع إِلى قبلةِ آبائه، ويوشك أن يرجع إِلى دينهم.!! وهذا باطلٌ، وإِنما سُمِّي حجَّةً كقوله " حجَّتُهم داحضةٌ " لشبهه لها صورةً، فالمعنى إلا أن يقولوا ظلماَ وباطلًا، كقولك لرجلٍ: ما لكَ عندي حقٌ إِلاَّ أن تظلم أي إلا أن تقول الباطل.

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

  • قوله تعالى: (وَلأًتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ. .) عطفٌ على قوله " لِئَلاَّ يكون للنَّاس عليكم حُجَةٌ ".

    — كتاب فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن

  • سورة البقرة الآية 150

    — محمد بن صالح ابن عثيمين

ووقفة واحدة أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١٥٠ من سورة البقرة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٥٠ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(150) And from wherever you go out [for prayer], turn your face toward al-Masjid al-Ḥarām. And wherever you [believers] may be, turn your faces toward it in order that the people will not have any argument against you, except for those of them who commit wrong; so fear them not but fear Me. And [it is] so I may complete My favor upon you and that you may be guided,
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال