فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني
عن الكتاب
ثم قال :﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ يعني وجوب الاستقبال في الأسفار، فكان هذا أمر بالتوجه إلى الكعبة في جميع المواطن من نواحي الأرض.
وقوله :﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ قيل معناه : لئلا يكون لليهود عليكم حجة إلا للمعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه فعلى هذا المراد بالذين ظلموا : المعاندون من أهل الكتاب، وقيل هم مشركو العرب، وحجتهم قولهم : راجعت قبلتنا، وقيل معناه : لئلا يكون للناس عليكم حجة لئلا يقولوا لكم قد أمرتم باستقبال الكعبة، ولستم ترونها. وقال أبو عبيدة : إنّ إلا ها هنا بمعنى الواو : أي : والذين ظلموا، فهو استثناء بمعنى الواو، ومنه قول الشاعر :
كأنه قال : إلا دار الخليفة ودار مروان، وأبطل الزجاج هذا القول، وقال : إنه استثناء منقطع : أي : لكن الذين ظلموا منهم، فإنهم يحتجون، ومعناه إلا من ظلم باحتجاجه، فيما قد وضح له كما تقول : مالك عليّ حجة إلا أن تظلمني : أي : مالك عليّ حجة البتة، ولكنك تظلمني، وسمي ظلمه حجة ؛ لأن المحتجّ بها سماه حجة، وإن كانت داحضة. وقال قطرب : يجوز أن يكون المعنى : لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا على الذين ظلموا، فالذين بدل من الكاف، والميم في عليكم. ورجح ابن جرير الطبري أن الاستثناء متصل، وقال : نفى الله أن يكون لأحد حجة على النبيّ ﷺ، وأصحابه في استقبالهم الكعبة، والمعنى : لا حجة لأحد عليكم إلا الحجة الداحضة حيث قالوا ما ولاهم، وقالوا : إن محمداً تحير في دينه، وما توجه إلى قبلتنا إلا أنا أهدى منه. وغير ذلك من الأقوال التي لم تنبعث إلا من عابد وثن، أو من يهوديّ، أو منافق. قال : والحجة بمعنى المحاجة التي هي المخاصمة، والمجادلة، وسماها تعالى حجة، وحكم بفسادها حيث كانت من ظالم. ورجح ابن عطية أن الاستثناء منقطع، كما قال الزجاج. قال القرطبي : وهذا على أن يكون المراد بالناس اليهود، ثم استثنى كفار العرب كأنه قال : لكن الذين ظلموا في قولهم رجع محمد إلى قبلتنا، وسيرجع إلى ديننا كله. وقوله :﴿فَلاَ تَخْشَوْهُمْ﴾ يريد الناس : أي : لا تخافوا مطاعنهم، فإنها داحضة باطلة لا تضركم. وقوله :﴿وَلأتمَّ نِعْمَتِى عَلَيْكُمْ﴾ معطوف على :﴿لئلاَّ يَكُونَ﴾ أي : ولأن أتمّ قاله الأخفش، وقيل هو مقطوع عما قبله في موضع رفع بالابتداء، والخبر مضمر، والتقدير : ولأتمّ نعمتي عليكم عرّفتكم قبلتي قاله الزجاج، وقيل : معطوف على علة مقدرة كأنه قيل : واخشوني لأوفقكم، ولأتمّ نعمتي عليكم. وإتمام النعمة الهداية إلى القبلة، وقيل دخول الجنة.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد أخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله :﴿وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا﴾ قال : يعني بذلك أهل الأديان، يقول : لكل قبلة يرضونها. وأخرج ابن أبي حاتم عنه أنه قال في تفسير هذه الآية : صلوا نحو بيت المقدس مرة، ونحو الكعبة مرة أخرى. وأخرج أبو داود في ناسخه، عن قتادة نحوه. وأخرج ابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿فَاسْتَبقُوا الخَيْرَاتِ﴾ يقول : لا تغلبنّ على قبلتكم. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد في قوله :﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ قال : الأعمال الصالحة. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله :﴿فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ﴾ يقول : فسارعوا في الخيرات :﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يَاتِ بِكُمُ الله جَمِيعًا﴾ قال : يوم القيامة. وأخرج ابن جرير، من طريق السدّي، عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة قال : لما صرف النبي ﷺ نحو الكعبة بعد صلاته إلى بيت المقدس قال المشركون من أهل مكة : تحير على محمد دينه، فتوجه بقبلته إليكم، وعلم أنكم أهدى منه سبيلاً، ويوشك أن يدخل في دينكم، فأنزل الله :﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الذين ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ واخشونى﴾ وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن قتادة في قوله :﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ قال : يعني بذلك أهل الكتاب حين صرف نبي الله إلى الكعبة قالوا : اشتاق الرجل إلى بيت أبيه، ودين قومه. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن مجاهد قال : حجتهم قولهم قد أحبّ قبلتنا، وأخرج أبو داود في ناسخه، وابن جرير، وابن المنذر عن قتادة، ومجاهد في قوله :﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ قال : الذين ظلموا منهم مشركو قريش أنهم سيحتجون بذلك عليكم، واحتجوا على نبيّ الله بانصرافه إلى البيت الحرام، وقالوا : سيرجع إلى ديننا كما رجع إلى قبلتنا، فأنزل الله في ذلك كله :﴿يَأَيُّهَا الذين ءامَنُوا استعينوا بالصبر والصلاة إِنَّ الله مَعَ الصابرين﴾ [البقرة: ١٥٣]. وأخرج ابن أبي حاتم، عن أبي العالية في قوله :﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً منْكُمْ﴾ يعني محمداً ﷺ. وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله :﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً منْكُمْ﴾ يقول : كما فعلت فاذكروني. وأخرج أبو الشيخ، والديلمي من طريق جويبر، عن الضحاك، عن ابن عباس قال : قال رسول الله ﷺ :﴿فاذكرونى أَذْكُرْكُمْ﴾ يقول : اذكروني يا معشر العباد بطاعتي أذكركم بمغفرتي». وأخرج الديلمي، وابن عساكر مثله مرفوعاً من حديث أبي هند الداري وزاد :«فمن ذكرني، وهو مطيع، فحق عليّ أن أذكره بمغفرتي، ومن ذكرني، وهو لي عاص، فحق عليّ أن أذكره بمقت». وأخرج عبد بن حميد، عن ابن عباس : يقول الله : ذكرى لكم خير من ذكركم لي. وقد ورد في فضل ذكر الله على الإطلاق، وفضل الشكر أحاديث كثيرة.
وقوله :﴿لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ قيل معناه : لئلا يكون لليهود عليكم حجة إلا للمعاندين منهم القائلين ما ترك قبلتنا إلى الكعبة إلا ميلا إلى دين قومه فعلى هذا المراد بالذين ظلموا : المعاندون من أهل الكتاب، وقيل هم مشركو العرب، وحجتهم قولهم : راجعت قبلتنا، وقيل معناه : لئلا يكون للناس عليكم حجة لئلا يقولوا لكم قد أمرتم باستقبال الكعبة، ولستم ترونها. وقال أبو عبيدة : إنّ إلا ها هنا بمعنى الواو : أي : والذين ظلموا، فهو استثناء بمعنى الواو، ومنه قول الشاعر :
| ما بالمدينة دار غير واحدة | دار الخليفة إلا دار مروانا |