الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي

عن الكتاب
﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا﴾ هنا الكاف للتشبيه ويحتاج إلى شيء يرجع إليه واختلفوا فيه فقال بعضهم : هو راجع إلى ما قبلها والكاف من ما قبلها تقديره : فلا تخشوهم واخشوني ولأتمّ نعمتي كما أرسلت فيكم رسولاً فيكون إرسال الرّسول شرطاً للخشية مزدّياً باتمام النّعمة.
وقيل : معناه ولعلّكم تهتدون كما أرسلنا.
وقال محمّد بن جرير : إنّ إبراهيم دعا بدعوتين فقال ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ﴾ [البقرة: ١٢٨] فهذه الدعوة الأولى.
والثانية قوله ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٢٩] فبعث الله الرسول وهو محمّد ﷺ ووعد في هذه الآية أن يجيب الدّعوة الثانية أن يجعل من ذرّيته أمّة مسلمة لك فمعنى الآية : ولأتِم نعمتي عليكم : ببيان شرائع ملّتكم الحنيفية وأهديكم لدين خليلي إبراهيم. ﴿كَمَآ أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنْكُمْ﴾ يعني فكما أجبت دعوته بانبعاث الرّسول كذلك أجبت دعوته بأن أهديكم لدينه وأجعلكم مسلمين وهذا على قول من يجعله متصلاً بما قبلها وجواباً للآية الأولى وهو إختيار الفرّاء.
وقال بعضهم : إنّها متعلّقة بما بعدها وهو قوله ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ تقديرها : كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم فاذكروني اذكركم فيكون جزأً له جوابان مقدّم ومؤخّر كما تقول : إذا جاءك فلان فآته ترضه. فقوله : فآته وترضه جوابان لقوله إذا جاءك وكقولك : إنّ تأتني أحسن إليك أكرمك وهذا قول مجاهد وعطاء والكلبي ومقاتل والأخفش وابن كيسان واختيار الزجّاج، وهذه الآية خطاب للعرب وأهل مكّة يعني : كما أرسلنا فيكم يا معشر العرب رسولاً منكم محمّد ﷺ ﴿يَتْلُواْ عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ يعني القرآن. ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ أي يعلّمون من الأحكام وشرائع الإسلام.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى