البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿فاذكروني أذكركم﴾ : أي اذكروني بالطاعة، أذكركم بالثواب والمغفرة، قاله ابن جبير، أو بالدعاء والتسبيح ونحوه، قاله الربيع والسدي.
وقال عكرمة : يقول الله يا ابن آدم أذكرني بعد صلاة الصبح ساعة، وبعد صلاة العصر ساعة، وأنا أكفيك ما بينهما، أو اثنوا عليّ، أثن عليكم.
وقد جاء هذا المعنى في الحديث الطويل في قوله ﷺ :" إن لله ملائكة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر ».
وفيه : ما يقول عبادي ؟ قالوا :« يسبحونك ويحمدونك ويمجدونك ".
وقيل : هو على حذف مضاف، أي اذكروا نعمتي أذكركم بالزيادة.
وقد جاء التصريح بالنعمة في قوله :﴿اذكروا نعمتي﴾.
وقيل : الذكر باللسان وبالقلب عند الأوامر والنواهي.
وقيل : اذكروني بتوحيدي وتصديق نبيي.
وقيل : بما فرضت عليكم، أو ندبتكم إليه، أذكركم، أي أجازكم على ذلك.
وقد تقدم معنى هذا، وهو قول سعيد، فاذكروني بالطاعة أذكركم بالثواب.
وقيل : فاذكروني في الرخاء بالطاعة والدعاء، أذكركم في البلاء بالعطية والنعماء، قاله ابن بحر.
وقيل : اذكروني بالسؤال أذكركم بالنوال، أو اذكروني بالتوبة أذكركم بالعفو عن الحوبة، أو اذكروني في الدنيا أذكركم في الآخرة، أو اذكروني في الخلوات أذكركم في الفلوات، أو اذكروني بمحامدي أذكركم بهدايتي، أو اذكروني بالصدق والإخلاص أذكركم بالخلاص ومزيد الاختصاص، أو اذكروني بالموافقات أذكركم بالكرامات، أو اذكروني بترك كل حظ أذكركم بأن أقيمكم بحقي بعد فنائكم عنكم، أو اذكروني بقطع العلائق أذكركم بنعت الحقائق، أو اذكروني لمن لقيتموه أذكركم لكل من خاطبته، قال : ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه، أو اذكروني أذكركم، أحبوني أحبكم، أو اذكروني بالتذلل أذكركم بالتفضل، أو اذكروني بقلوبكم أذكركم بتحقيق مطلوبكم، أو اذكروني على الباب من حيث الخدمة أذكركم على بساط القرب بإكمال النعمة، أو اذكروني بتصفية السر أذكركم بتوفية البر، أو اذكروني في حال سروركم أذكركم في قبوركم، أو اذكروني وأنتم بوصف السلامة أذكركم يوم القيامة يوم لا تنفع الندامة، أو اذكروني بالرهبة أذكركم بالرغبة.
وقال القشيري : فاذكروني أذكركم، الذكر استغراق الذاكر في شهود المذكور، ثم استهلاكه في وجود المذكور حتى لا يبقى منه إلا أثر يذكر، فيقال : قد كان فلان.
قال تعالى :﴿إنهم كانوا قبل ذلك محسنين﴾ وإنما الدنيا حديث حسن فكن حديثاً حسناً لمن وعى، قال الشاعر :
إنما الدنيا محاسنهاطيب ما يبقى من الخبر
وفي المنتخب ما ملخصه : الذكر يكون باللسان، وهو : الحمد، والتسبيح، والتمجيد، وقراءة كتب الله ؛ وبالقلب، وهو : الفكر في الدلائل الدالة على التكاليف، والأحكام، والأمر، والنهي، والوعد، والوعيد، والفكر في الصفات الإلهية، والفكر في أسرار مخلوقات الله تعالى حتى تصير كل ذرة كالمرآة المجلوة المحاذية لعالم التقديس، فإذا نظر العبد إليها، انعكس شعاع بصره منها إلى عالم الجلال، وبالجوارح، بأن تكون مستغرقة في الأعمال المأمور بها، خالية عن الأعمال المنهي عنها.
وعلى هذا الوجه، سمى الله الصلاة ذكراً بقوله :﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ انتهى.
وقالوا : الذكر هو تنبيه القلب للمذكور والتيقظ له، وأطلق على اللسان لدلالته على ذلك.
ولما كثر إطلاقه عليه، صار هو السابق إلى الفهم.
فالذكر باللسان سريّ وجهريّ، والذكر بالقلب دائم ومتحلل، وبهما أيضاً دائم ومتحلل.
فباللسان ذكر عامّة المؤمنين، وهو أدنى مراتب الذكر، وقد سماه رسول الله ﷺ «ذكراً » خرج ابن ماجة " أن أعرابياً قال : يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ، فأنبئني منها بشيء أتشبث به، قال :«لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله " وخرج أيضاً قال :" يقول الله تعالى أنا مع عبدي إذ هو ذكرني وتحركت بي شفتاه ".
وسئل أبو عثمان، فقيل له : نذكر الله ولا نجد في قلوبنا حلاوة، فقال : احمدوا الله على أن زين جارحة من جوارحكم بطاعته، وبالقلب هو ذكر العارفين وخواص المؤمنين، وقد سماه النبي ﷺ ذكراً، ومعناه استقرار الذكر فيه حتى لا يخطر فيه غير المذكور : قال الشاعر :
سواك ببالي لا يخطرإذا ما نسيتك من أذكر
وبهما : هو ذكر خواص المؤمنين، وهذه ثلاث المقامات، أدومها أفضلها. انتهى.
وقد طال بنا الكلام في هذه الجملة، وتركنا أشياء مما ذكره الناس، وهذه التقييدات والتفسيرات التي فسر بها الذكران، لا يدل اللفظ على شيء منها، وينبغي أن يحمل ذلك من المفسرين له على سبيل التمثيل وجواز أن يكون المراد.
وأما دلالة اللفظ فهي طلب مطلق الذكر، والذي يتبادر إليه الذهن هو الذكر اللساني.
والذكر اللساني لا يكون ذكر لفظ الجلالة مفرداً من غير إسناد، بل لا بدّ من إسناد، وأولاها الأذكار المروية في الآثار، والمشار إليها في القرآن.
وقد جاء الترغيب في ذكر جملة منها، والوعد على ذكرها بالثواب الجزيل.
وتلك الأذكار تتضمن : الثناء على الله، والحمد له، والمدح لجلاله، والتماس الخير من عنده.
فعبر عن ذلك بالذكر، وأمر العبد به، فكأنه قيل : عظموا الله، وأثنوا عليه بالألفاظ الدالة على ذلك.
وسمى الثواب المترتب على ذلك ذكراً، فقال : فاذكروني أذكركم على سبيل المقابلة، لما كان نتيجة الذكر وناشئاً عنه سماه ذكراً.
﴿واشكروا لي﴾ تقدّم تفسير الشكر، وعداه هنا باللام، وكذلك ﴿أن اشكر لي ولوالديك﴾ وهو من الأفعال التي ذكر أنها تارة تتعدّى بحرف جر، وتارة تتعدّى بنفسها، كما قال عمرو بن لجاء التميمي :
هم جمعوا بؤسي ونعمي عليكمفهلا شكرت القوم إذ لم تقابل
وفي إثبات هذا النوع من الفعل، وهو أن يكون يتعدّى تارة بنفسه، وتارة بحرف جر، بحق الوضع فيهما خلاف.
وقالوا : إذا قلت : شكرت لزيد، فالتقدير : شكرت لزيد صنيعه، فجعلوه مما يتعدّى لواحد بحرف جر ولآخر بنفسه.
ولذلك فسر الزمخشري هذا الموضع بقوله : واشكروا لي ما أنعمت به عليكم.
وقال ابن عطية : واشكروا لي، واشكروني بمعنى واحد، ولي أفصح وأشهر مع الشكر ومعناه : نعمتي وأيادي، وكذلك إذا قلت : شكرتك، فالمعنى : شكرت لك صنيعك وذكرته، فحذف المضاف، إذ معنى الشكر : ذكر اليد وذكر مسديها معاً، فما حذف من ذلك فهو اختصار لدلالة ما بقي على ما حذف، انتهى كلامه، ويحتاج، كونه يتعدى لواحد بنفسه، وللآخر بحرف جر، فتقول : شكرت لزيد صنيعه، لسماع من العرب، وحينئذ يصار إليه.
﴿ولا تكفرون﴾ : وهو من كفر النعمة، وهو على حذف مضاف، أي ولا تكفروا نعمتي.
ولو كان من الكفر ضدّ الإيمان، لكان : ولا تكفروا، أو ولا تكفروا بي.
وهذه النون نون الوقاية، حذفت ياء المتكلم بعدها تخفيفاً لتناسب الفواصل.
قيل : المعنى واشكروا لي بالطاعة، ولا تكفرون بالمعصية.
وقيل : معنى الشكر هنا : الاعتراف بحق المنعم، والثناء عليه، ولذلك قابله بقوله :﴿ولا تكفرون﴾.
وهنا ثلاث جمل : جملة الأمر بالذكر، وجملة الأمر بالشكر، وجملة النهي عن الكفران.
فبدئ أولاً بجملة الذكر، لأنه أريد به الثناء والمدح العام والحمد له تعالى، وذكر له جواب مترتب عليه.
وثنى بجملة الشكر، لأنه ثناء على شيء خاص، وقد اندرج تحت الأول، فهو بمنزلة التوكيد، فلم يحتج إلى جواب.
وختم بجملة النهي، لأنه لما أمر بالشكر، لم يكن اللفظ ليدل على عموم الأزمان، ولا يمكن التكليف باستحضار الشكر في كل زمان، فقد يذهل الإنسان عن ذلك في كثير من الأوقات.
ونهى عن الكفران، لأن النهي يقتضي الامتناع من المنهي عنه في كل الأزمان، وذلك ممكن لأنه من باب التروك.
وقد تقدم لنا الكلام على أنه إذا كان أمر ونهي، بدئ بالأمر.
وذكرنا الحكمة في ذلك في قوله :﴿وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم ولا تكونوا أول كافر به﴾ فأغنى عن إعادته هنا. .
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة مزيد التوكيد في الأمر بتولية وجهه من حيث خرج ﷺ شطر المسجد، وبتوليتهم وجوههم شطره للاعتناء بأمر نسخ القبلة، حيث كان النسخ صعباً على النفوس، حيث ألفوا أمراً، وأمروا بتركه والانتقال إلى غيره، وخصوصاً عند من لا يرى النسخ.
فلذلك كرر وأنه تعالى أمر بذلك وفعله لانتفاء حجج الناس، لأن ذلك، إذا كان بأمر منه تعالى، لم تبق لأحد حجة على ممتثل أمر الله، لأن أمر الله ثانياً، كأمره أولاً.
وهو قد أمر أولاً باستقبال بيت المقدس، وأمر آخراً باستقبال الكعبة.
فلا فرق بين الأمرين، ولا حجة لمن خالف.
واستثنى من الناس من ظلم، لأنه لا تنقطع حججه، وإن كانت باطلة، ولا تشغيباته وتمويهاته، لأنه قام به وصف يمنعه من إدراك الحق والبلج به، ثم أمرهم تعالى بخشيته، ونهاهم عن خشية الناس، لأنهم إذا خشوا الله تعالى امتثلوا أوامره واجتنبوا مناهيه.
وعطف على تلك العلة علة أخرى، وهي إتمام النعمة باستقبال الكعبة إذ في ذلك اتباع أبيكم إبراهيم، والرجوع إلى المألوف، ولتحصيل الهداية.
وشبه هذا الإتمام بإتمام نعمة إرسال الرسول منهم فيهم، إذ هذه النعمة هي الأصل، وهي منبع النعم والهداية، ثم وصف المرسل إليهم بتلك الأوصاف الجليلة التي رزقوا منها الحظ الأكمل، وهي تلاوة الكتاب عليهم :﴿أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾
فكيف بمزيد التزكية والتعليم اللذين بهما تحصل الطهارة من الأرجاس والحياة السرمدية في الناس ؟
أخو العلم حيّ خالد بعد موتهوأوصاله تحت التراب رميم

وقال آخر :
محل العلم لا يأوي تراباًولا يبلى على الزمن القديم
ثم أمرهم تعالى بالذكر لهذه النعم لئلا ينسوها، وبالشكر عليها لأن يزيدهم من النعم.
ثم نهاهم عن كفرانها، لأن كفران النعم يقتضي زوالها واستحقاق العذاب الشديد عليه.
ثم نادى من اتصف بالإيمان، وهو ثاني نداء للمؤمنين في هذه السورة، ليقبلوا على ما يأمرهم به.
فأمرهم بالاستعانة بالصبر والصلاة، لأن الاستعانة بهما تحصل سعادة الدنيا والآخرة.
ثم أخبر تعالى أنه مع من صبر ثم نهاهم عن أن يقولوا للشهداء إنهم أموات، وأخبر أنهم أحياء، فوجب تصديق ما أخبر به، وذكر أنا لا نشعر نحن بحياتهم.
ثم أخبر تعالى أنه يبتليهم بما يظهر منهم فيه الصبر، وهو شيء من البلايا التي ذكرها تعالى.
ثم أمر نبيه أن يبشر الصابرين على ما ابتلوا به المسلمين لقضاء الله اعتقاداً وقولاً صريحاً أنهم عبيد الله ومماليكه، وإليه مآبهم ومرجعهم، يتصرف فيهم كما أراد.
ثم ختم ذلك بأن من اتصف بهذا الوصف، فعليه من الله الصلاة والرحمة، وهو المهتدي الذي ثبتت هدايته ورسخت.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى