البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾، قيل : سبب نزول هذه الآية أنه قيل لمن قتل في سبيل الله : مات فلان وذهب عنه نعيم الدنيا ولذتها، فأنزلت.
نهوا عن قولهم عن الشهداء أموات، وأخبر تعالى أنهم أحياء، وارتفاع أموات وأحياء على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هم أموات، بل هم أحياء.
ويحتمل أن يكون بل أحياء، مندرجاً تحت قول مضمر، أي بل قولوا هم أحياء.
لكن يرجح الوجه الأول، وهو أنه إخبار من الله تعالى قوله :﴿ولكن لا تشعرون﴾، لأن معناه : أن حياتهم لا شعور لكم بها، والظاهر أن المراد حقيقة الموت والحياة.
وقيل : ذلك مجاز.
واختلفوا فقيل : أموات بانقطاع الذكر، بل أحياء ببقائه وثبوت الأجر.
وكانت العرب تسمي من لا يبقى له ذكر بعد موته كالولد، وغيره ميتاً.
وقيل : أموات بالضلال، بل أحياء بالطاعة والهدى، كما قال :﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾ وإذا حمل الموت والحياة على الحقيقة فاختلفوا، فقال قوم : معناه النهي عن قول الجاهلية أنهم لا يبعثون، فالمعنى : أنهم سيحيون بالبعث، فيثابون ثواب الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله.
وأكثر أهل العلم على أنهم أحياء في الوقت.
ومعنى هذه الحياة : بقاء أرواحهم دون أجسادهم، إذ أجسادهم نشاهد فسادها وفناءها.
واستدلوا على بقاء الأرواح بعذاب القبر، وبقوله :﴿ولكن لا تشعرون﴾ معناه : لا تشعرون بكيفية حياتهم.
ولو كان المعنى بإحياء أنهم سيحيون يوم القيامة، أو أنهم على هدى ونور، لم يظهر لنفي الشعور معنى، إذ هو خطاب للمؤمنين، وهم قد علموا بالبعث، وبأنهم كانوا على هدى.
فلا يقال فيه : ولكن لا تشعرون، لأنهم قد شعروا به وبقوله :﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم﴾ وقد ذهب بعض الناس إلى أن الشهيد حي الجسد والروح، ولا يقدح في ذلك عدم الشعور به من الحي غيره.
فنحن نراهم على صفة الأموات وهم أحياء، كما قال تعالى :﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمرمر السحاب﴾ وكما ترى النائم على هيئته، وهو يرى في منامه ما ينعم به أو يتألم به.
ونقل السهيلي في كتاب ( دلائل النبوّة ) من تأليفه، حكاية عن بعض الصحابة، أنه حفر في مكان، فانفتحت طاقة، فإذا شخص جالس على سرير وبين يديه مصحف يقرأ فيه وأمامه روضة خضراء، وذلك بأحد، وعلم أنه من الشهداء، لأنه رأى في صفحة وجهه جرحاً.
وإذا ثبت أن الشهداء أحياء، إما أرواحهم، وإما أجسادهم وأرواحهم، فاختلف في مستقرها.
فقيل : قبورهم يرزقون فيها.
وقيل : في قباب بيض في الجنة يرزقون فيها، قاله أبو بشار السلمي.
وقيل : في طير بيض تأكل من ثمار الجنة ومساكنهم سدرة المنتهى، قاله قتادة.
وقيل : يأكلون من ثمر الجنة ويجدون ريحها، وليسوا فيها، قاله مجاهد.
وروي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ أنه قال :« الشهداء على نهر بباب الجنة في قبة خضراء ».
وروي : في روضة خضراء يجري عليهم رزقهم من الجنة بكرة وعشيا.
وروي عنه ﷺ :« أن أرواح الشهداء في طير خضر تعلق من ثمر الجنة، وأنهم في قناديل من ذهب، وأنهم في قبة خضراء ».
وإذا صح ذلك، فهي أحوال لطوائف من الشهداء، أو في أوقات مختلفة.
والجمهور : على أنهم في الجنة، ويؤيده قوله ﷺ لأم حارثة :« إنهم في الفردوس ».
ومذهب أهل السنة : أن الأرواح لا تفنى، وأنها باقية بعد خروجها من البدن.
فأرواح أهل السعادة منعمة إلى يوم الدين، وأرواح أهل الشقاوة معذبة إلى يوم الدّين.
والفرق بين الشهيد وغيره من المؤمنين إنما هو الرّزق، فضلهم الله بذلك، وقال تعالى في حق الكفار :﴿النار يعرضون عليها غدواً وعشياً﴾ وقال الحسن : الشهداء أحياء عند الله، تعرض أرزاقهم على أرواحهم، فيصل إليهم الروح والفرح، كما تعرض النار على آل فرعون غدوة وعشياً، فيصل إليهم الوجع.
وقالوا : يجوز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة فيحييها ويوصل إليها النعيم، وإن كانت في حجم الذرة.
ولم تتعرض الآية الكريمة لرزق أرواح الشهداء ولا لمستقرّها، وإنما جرى ذكر ذلك على سبيل الاستطراد، اتباعاً للمفسرين، حيث تكلموا في ذلك في هذه الآية، وإلا فمظنة الكلام على ذلك في قوله :﴿بل أحياء عند ربهم يرزقون﴾ حيث ذكر العندية والرزق، وظاهر قوله :﴿لمن يقتل في سبيل الله﴾، العموم.
وقيل : نزلت في شهداء بدر، كانوا أربعة عشر، ولا يخصص هذا العموم بهذا السبب، بل العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وفي هذه الآية تسلية لأقرباء الشهداء وإخوانهم من المؤمنين بذكر أنهم أحياء، فهم مغبوطون لا محزونون عليهم.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة مزيد التوكيد في الأمر بتولية وجهه من حيث خرج ﷺ شطر المسجد، وبتوليتهم وجوههم شطره للاعتناء بأمر نسخ القبلة، حيث كان النسخ صعباً على النفوس، حيث ألفوا أمراً، وأمروا بتركه والانتقال إلى غيره، وخصوصاً عند من لا يرى النسخ.
فلذلك كرر وأنه تعالى أمر بذلك وفعله لانتفاء حجج الناس، لأن ذلك، إذا كان بأمر منه تعالى، لم تبق لأحد حجة على ممتثل أمر الله، لأن أمر الله ثانياً، كأمره أولاً.
وهو قد أمر أولاً باستقبال بيت المقدس، وأمر آخراً باستقبال الكعبة.
فلا فرق بين الأمرين، ولا حجة لمن خالف.
واستثنى من الناس من ظلم، لأنه لا تنقطع حججه، وإن كانت باطلة، ولا تشغيباته وتمويهاته، لأنه قام به وصف يمنعه من إدراك الحق والبلج به، ثم أمرهم تعالى بخشيته، ونهاهم عن خشية الناس، لأنهم إذا خشوا الله تعالى امتثلوا أوامره واجتنبوا مناهيه.
وعطف على تلك العلة علة أخرى، وهي إتمام النعمة باستقبال الكعبة إذ في ذلك اتباع أبيكم إبراهيم، والرجوع إلى المألوف، ولتحصيل الهداية.
وشبه هذا الإتمام بإتمام نعمة إرسال الرسول منهم فيهم، إذ هذه النعمة هي الأصل، وهي منبع النعم والهداية، ثم وصف المرسل إليهم بتلك الأوصاف الجليلة التي رزقوا منها الحظ الأكمل، وهي تلاوة الكتاب عليهم :﴿أو لم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾
فكيف بمزيد التزكية والتعليم اللذين بهما تحصل الطهارة من الأرجاس والحياة السرمدية في الناس ؟
أخو العلم حيّ خالد بعد موتهوأوصاله تحت التراب رميم

وقال آخر :
محل العلم لا يأوي تراباًولا يبلى على الزمن القديم
ثم أمرهم تعالى بالذكر لهذه النعم لئلا ينسوها، وبالشكر عليها لأن يزيدهم من النعم.
ثم نهاهم عن كفرانها، لأن كفران النعم يقتضي زوالها واستحقاق العذاب الشديد عليه.
ثم نادى من اتصف بالإيمان، وهو ثاني نداء للمؤمنين في هذه السورة، ليقبلوا على ما يأمرهم به.
فأمرهم بالاستعانة بالصبر والصلاة، لأن الاستعانة بهما تحصل سعادة الدنيا والآخرة.
ثم أخبر تعالى أنه مع من صبر ثم نهاهم عن أن يقولوا للشهداء إنهم أموات، وأخبر أنهم أحياء، فوجب تصديق ما أخبر به، وذكر أنا لا نشعر نحن بحياتهم.
ثم أخبر تعالى أنه يبتليهم بما يظهر منهم فيه الصبر، وهو شيء من البلايا التي ذكرها تعالى.
ثم أمر نبيه أن يبشر الصابرين على ما ابتلوا به المسلمين لقضاء الله اعتقاداً وقولاً صريحاً أنهم عبيد الله ومماليكه، وإليه مآبهم ومرجعهم، يتصرف فيهم كما أراد.
ثم ختم ذلك بأن من اتصف بهذا الوصف، فعليه من الله الصلاة والرحمة، وهو المهتدي الذي ثبتت هدايته ورسخت.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى