اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾(١)
قال القفال [ رحمه الله :] هذا متعلق بقوله تعالى :﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ فإنما نبلوكم بالخَوْفِ وبكذا، وفيه مسائِلُ.
فإن قيل : إنه تعالى قال :
﴿وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] والشكرُ يوجب المزيدَ، لقوله :﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فكيف أردَفَهُ بقوله :﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ﴾ ؟.
[ قال ابن الخطيب ](٢) : والجواب من وَجْهَيْنِ :
الأولُ : أنه - تعالى - أخبر أَنَّ إكمَالَ الشرائعِ إتمامُ النعمةِ، فكأنه كذلك موجباً للشُّكْرِ، ثم أَخبر أن القيامَ بتلك الشرائع لا يُمْكِن إِلا بتحمّل المِحَن، فلا جَرَمَ أمر فيها بالصَّبْر.
الثاني : أنه - تبارك وتعالى - أَنْعَم أولاً فأَمَر بالشكْر، ثم ابْتَلَى وأمر بالصَّبْرِ، لينال [ الرجل ](٣)درجةَ الشاكرِين وَالصَّابِرينَ مَعاً، فيكمل إيمانُهُ على ما قال عليه الصلاة والسلام :" الإِيْمَانُ نِصْفَانِ نِصْفٌ صَبْرٌ، وَنِصْفٌ شُكْرٌ " (٤).
قال بعضَهم : الخطابُ لجميع أُمَّةِ محمد ﷺ.
وقال عَطاءٌ والرَّبِيعُ بنُ أَنس : المرادُ بهذه المخاطبةِ أصحاب النبي - ﷺ - بعد الهِجْرة وهذا الابتلاءُ لإِظْهَارِ المطيع من العاصي لا ليعلم شيئاً، ولم يَكُنْ عَالِماً به، وقد يُطْلق الابتلاءُ على الأَمانةِ ؛ كهذه الآية الكريمةِ، والمعنى : وليصيبنكُم اللَّهُ بشيْءٍ من الخوف، وقد تقدَّم الكلامُ فِيه، في قوله تعالى :
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وفي حكمة هذا الابتلاء وجوه :
أَحَدُها : ليوطِّنُوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت، فيكُونُ ذلك أبعدَ لهم من الجَزَعِ، وأَسْهَل عليهم بعد الورُود.
وثَانِيهَا : أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المِحَن، اشتَدَّ خَوْفُهم(٥)فيصير ذلك الخوفُ تَعْجِيلاً للابتلاءِ، فيستحِقُّون به مزيدَ الثَّوابِ.
وثَالِثُها : أن الكفارَ إذا شاهدوا محمداً وأصحَابَهُ مقِيمينَ على دينهم مُسْتقرّين عليه، مع ما كانوا عليه منْ نِهَاية الضر(٦)والمِحْنَةِ والجُوعِ، يَعْلَمُونَ أن القومَ إِنَّما اختاروا هذا الدِّينَ لقطْعِهم بصحّته، فيدعُوهم ذلك إِلى مَزِيد التأمّل في دَلاَئِله.
ومن المعلُوم الظَّاهِر أَنَّ التَّبَعَ إذا عَرَفُوا أن المتبوعَ في أَعْظَم المِحنَ بسبب المذهب الذي ينصرُه، ثم رأوه مع ذلك مُصِرّاً على ذلك المذهب كان ذلكَ أَدْعَى لهم إلى اتَّباعِه مما إذا رأوه مُرَفّه الحَالِ، لا كُلْفة عليه في ذلك المذهب.
ورَابِعُهَا : أنه تعالى أخبر بوقوُع ذلك الابتلاءِ قَبْل وقُوعِه، فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه، فكان ذلك إخْباراً عن الغَيْب، فكان معجزاً.
وخَامِسُها : أَنَّ من المُنَافِقِينَ مَنْ أَظْهَر متابعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه طمعاً منه في المال، وسعة الرزق، فإذا اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق من الموافق ؛ لأنَّ المنافِقَ إِذَا سَمِعَ ذلكن نَفَر منه، وتركَ دِينَه، فكانَ في هَذَا الاختبارِ هَذِهِ الفَائِدَةُ.
وسَادِسُها : أن إخلاص الإنسان حالة [ البلاء، ورجوعه إلى باب الله تعالى(٧) ] أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه.
قوله تعالى :" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ " هذا جواب قسم محذوف، ومتى كان جوابه مضارعاً مثبتاً مستقبلاً، وجب تلقيه باللام وإحدى النونين خلافاً للكوفيين حيث يعاقبون بينهما، ولا يُجيز البصريون ذلك إلا في الضرورة، وفتح الفعل المضارع لاتصاله بالنون، وقد تقدم تحقيق(٨) ذلك وما فيه من الخلاف.
[ قال القُرْطِبيُّ : وهذه " الوَاوُ " مفتوحَةٌ عِنْد سِيبَوَيْه ؛ لالتِقَاءِ السّاكِنَين. وقال غيرُه : لَمَّا ضُمَّتَا إلى النُّونِ الثَّقِيلَةِ بُنِيَ الفِعْلُ مُضَارِعاً بمنزِلَةِ خَمْسَةَ عَشَر، والبَلاَءُ يَكُون حَسَناً وَيَكُونُ سَيِّئاً، وأَصْلَهُ : المِحْنَةُ، وقدم تقدَّمَ ](٩).
قوله تعالى :" بِشَيء " متعلق بقوله :" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ " و " الباء " معناها الإلصاق، وقراءة الجمهور على إفراد " شيء "، ومعناها الدلالة على التقليل ؛ إذ لو جمعه لاحتمل أن يكون ضرباً من كل واحد.
وقرأ (١٠)الضحاك بن مزاحم :" بأشياء " على الجمع.
وقراءة الجمهور لا بد فيها من حذف تقديره : وبشيء من الجوع ؛ وبشيء من النقص.
وأما قراءة الضحاك فلا تحتاج إلى هذا.
وقوله :" مِنَ الْخَوْفِ " في مَحَلّ جَرِّ صفة لشيء، فيتعلّق بمحذوف.
اعْلَم أَنَّ كلّ ما يلاقي الإنسان من مكروه ومحبوب، فينقسم إلى موجود في الحال، وإلى ما كان موجوداً في الماضي، وإلى ما سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبل.
فإذا خَطَر بالبالِ [ وجود شيء ](١١) فيما مضى سمي ذكراً وتذكراً، وإن كان مَوْجُوداً في الحَال يُسَمى ذوقاً ووجداً، وإنما سمي وَجْداً ؛ لأنها حالةٌ تجدها مِنْ نَفْسِك.
وإن خطر بالبالِ وُجُودُ شَيْءٍ في الاستقبال وغلب ذلك على القَلْبِ سُمِّيَ انتظاراً وتوقّعاً.
فإن كان المنتظر مكروهاً يحصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقاً، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً في القلب.
قال ابنُ عباسٍ رَضي الله عنهما : الخوفُ خوفُ العَدُوِّ والجُوع القَحْط والنقصُ مِنَ الأَمْوَالِ بالخُسْرَانِ والهَلاَكِ والأنفس بمعنى القتل.
وقيل : بالمرض والسبي.
وقال القفال رحمه الله : أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدّين، فكانوا لا يؤمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم، وقد كان من الخوف وقعة " الأحزاب " ما كان، قال الله تعالى :﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب: ١١].
وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي - ﷺ - إلى " المدينة " لقلّة أموالهم، حتى أنه عليه الصلاة والسلام [ كان يشدّ الحجر على بطنه.
وروى أبو الهيثم من التّيهان أنه - عليه السلام ](١٢) - لما خرج التقى بأبي بكر قال مَا أَخْرَجَكَ ؟ قال : الجُوعُ، قال : أَخْرَجَنِي مَا أَخْرَجَكَ [ وأما نَقْصُ الأَمْوَالِ والأَنْفُسِ، فقد يَحْصُلُ ذلك عند مُحَاربة العَدُوِّ، بأَنْ ينفق مَالَهُ في الاسْتِعْدادِ والجهَادِ، وقد يُقْتَلُ ؛ فهناك يحصلُ النَّقْصُ في المال والنفس ](١٣)وقال اللَّهُ تَعَالَى :
﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١] وقد يحصلُ الجُوعُ في سفر الجِهَادِ عند فَنَاءِ الزَّادِ ؛ قال الله تعالى :﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠].
وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجَدْب، وقد يكون بترك عِمَارة الضِّيَاع للاشتغال بجهاد الأعداء، وقد يكون ذلك بالإنْفَاق على من كان يَرِدُ على رسول الله - ﷺ - من الوفود.
قال الشافعي رضي الله عنه : الخوف : خوف الله عز وجل، والجوع : صيام شهر رَمَضان، والنقص من الأموال : بالزكوات والصدقات، ومن الأنفس بالأمراض، ومن الثمرات، موت الأولاد.
قولهُ تَعَالى :" وَنَقْصٍ " فِيه وَجْهان :
أَحدُهُما : أَنْ يكُونَ معطوفاً على " شَيْءٍ "، والمعنى : بشيءٍ من الخَوْفِ وبنقص.
والثَّانِي : أن يكون مَعْطوفاً على الخَوْفِ، أَيْ : شيءٌ من نقص الأموال.
والأول أَوْلَى ؛ لاشتراكهما في التنكير.
قَوْلَهُ :" مِنَ الأَمْوَالِ " فيه خَمْسة أَوْجُه :
أَحدها : أَنْ يكونَ مُتعَلقاً ب " نقص " ؛ لأنه مصدر " نقص "، وهو يتعدَّى إلى واحدٍ، وقد حُذِف، أَيْ : ونقص شيء مِنْ كَذا.
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ في محلّ جَرٍّ صفة لذلك المحذوف، فيتعلّق بمحذوف، أي ونقص شيء كائن من كذا.
الثَّالِثُ : أَنْ يكونَ في محلِّ نَصْبٍ صفَةً لمفعول مَحْذُوفٍ نصب بهذا المصدر المنون، والتقديرُ : ونقصُ شيء كَائِنٌ من كذا، ذكره أَبُو الْبَقَاء.
ويكونُ مَعنى " مِنْ " على هذين الوجهين التَّبْعِيضُ.
الرَّابعُ : أَنْ يكون في محل جرِّ صِفَةً ل " نَقص "، فيتعلق بمحذوف أيضاً، أَيْ : نقص كائن من كذا، وتكونُ " مِنْ " لابتداء الغَايَةِ.
الخِامِسُ : أن تكون " مِنْ " زائدةً عن الأَخْفَشِ، وحينئذ لا تعلّق لها بِشَيْءٍ.
قوله تعالى :" وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ " الخِطَابُ لرسول الله ﷺ، ولمن أتَى بَعْدَهُ من أمته، أي : الصابرين على البَلاَءِ والرَّزَايا، أي بشرهم بالثواب على الصبر، والصبر أصله الحبس وثوابه غير مقدر، ولكن لاَ يكُون ذلك إلا بالصَّبْر عند الصَّدْمَة الأولى [ لقوله عليه الصلاةُ والسَّلامُ :" إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُوْلَى(١٤) " ](١٥) أي الشاقة على النفس الذي يَعْظُمُ الثوابُ عليه، إنما هو عند هُجُوم المُصيبة ومَرَارتها.
والصَّبْرُ صَبْرانِ ؛ صَبْرٌ عن معصية الله تعالى فهذا مُجَاهِدٌ، والصبرُ عَلَى طَاعَةِ الله فهذا عَابِدٌ.
قال القفال [ رحمه الله :] هذا متعلق بقوله تعالى :﴿وَاسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ﴾ فإنما نبلوكم بالخَوْفِ وبكذا، وفيه مسائِلُ.
فإن قيل : إنه تعالى قال :
﴿وَاشْكُرُواْ لِي وَلاَ تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] والشكرُ يوجب المزيدَ، لقوله :﴿لَئِن شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ﴾ [إبراهيم: ٧] فكيف أردَفَهُ بقوله :﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ﴾ ؟.
[ قال ابن الخطيب ](٢) : والجواب من وَجْهَيْنِ :
الأولُ : أنه - تعالى - أخبر أَنَّ إكمَالَ الشرائعِ إتمامُ النعمةِ، فكأنه كذلك موجباً للشُّكْرِ، ثم أَخبر أن القيامَ بتلك الشرائع لا يُمْكِن إِلا بتحمّل المِحَن، فلا جَرَمَ أمر فيها بالصَّبْر.
الثاني : أنه - تبارك وتعالى - أَنْعَم أولاً فأَمَر بالشكْر، ثم ابْتَلَى وأمر بالصَّبْرِ، لينال [ الرجل ](٣)درجةَ الشاكرِين وَالصَّابِرينَ مَعاً، فيكمل إيمانُهُ على ما قال عليه الصلاة والسلام :" الإِيْمَانُ نِصْفَانِ نِصْفٌ صَبْرٌ، وَنِصْفٌ شُكْرٌ " (٤).
قال بعضَهم : الخطابُ لجميع أُمَّةِ محمد ﷺ.
وقال عَطاءٌ والرَّبِيعُ بنُ أَنس : المرادُ بهذه المخاطبةِ أصحاب النبي - ﷺ - بعد الهِجْرة وهذا الابتلاءُ لإِظْهَارِ المطيع من العاصي لا ليعلم شيئاً، ولم يَكُنْ عَالِماً به، وقد يُطْلق الابتلاءُ على الأَمانةِ ؛ كهذه الآية الكريمةِ، والمعنى : وليصيبنكُم اللَّهُ بشيْءٍ من الخوف، وقد تقدَّم الكلامُ فِيه، في قوله تعالى :
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤].
وفي حكمة هذا الابتلاء وجوه :
أَحَدُها : ليوطِّنُوا أنفسهم على الصبر عليها إذا وردت، فيكُونُ ذلك أبعدَ لهم من الجَزَعِ، وأَسْهَل عليهم بعد الورُود.
وثَانِيهَا : أنهم إذا علموا أنه ستصل إليهم تلك المِحَن، اشتَدَّ خَوْفُهم(٥)فيصير ذلك الخوفُ تَعْجِيلاً للابتلاءِ، فيستحِقُّون به مزيدَ الثَّوابِ.
وثَالِثُها : أن الكفارَ إذا شاهدوا محمداً وأصحَابَهُ مقِيمينَ على دينهم مُسْتقرّين عليه، مع ما كانوا عليه منْ نِهَاية الضر(٦)والمِحْنَةِ والجُوعِ، يَعْلَمُونَ أن القومَ إِنَّما اختاروا هذا الدِّينَ لقطْعِهم بصحّته، فيدعُوهم ذلك إِلى مَزِيد التأمّل في دَلاَئِله.
ومن المعلُوم الظَّاهِر أَنَّ التَّبَعَ إذا عَرَفُوا أن المتبوعَ في أَعْظَم المِحنَ بسبب المذهب الذي ينصرُه، ثم رأوه مع ذلك مُصِرّاً على ذلك المذهب كان ذلكَ أَدْعَى لهم إلى اتَّباعِه مما إذا رأوه مُرَفّه الحَالِ، لا كُلْفة عليه في ذلك المذهب.
ورَابِعُهَا : أنه تعالى أخبر بوقوُع ذلك الابتلاءِ قَبْل وقُوعِه، فوجد مخبر ذلك الخبر على ما أخبر عنه، فكان ذلك إخْباراً عن الغَيْب، فكان معجزاً.
وخَامِسُها : أَنَّ من المُنَافِقِينَ مَنْ أَظْهَر متابعة الرسول صلوات الله وسلامه عليه طمعاً منه في المال، وسعة الرزق، فإذا اختبره تعالى بنزول هذه المحن فعند ذلك يتميز المنافق من الموافق ؛ لأنَّ المنافِقَ إِذَا سَمِعَ ذلكن نَفَر منه، وتركَ دِينَه، فكانَ في هَذَا الاختبارِ هَذِهِ الفَائِدَةُ.
وسَادِسُها : أن إخلاص الإنسان حالة [ البلاء، ورجوعه إلى باب الله تعالى(٧) ] أكثر من إخلاصه حال إقبال الدنيا عليه.
قوله تعالى :" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ " هذا جواب قسم محذوف، ومتى كان جوابه مضارعاً مثبتاً مستقبلاً، وجب تلقيه باللام وإحدى النونين خلافاً للكوفيين حيث يعاقبون بينهما، ولا يُجيز البصريون ذلك إلا في الضرورة، وفتح الفعل المضارع لاتصاله بالنون، وقد تقدم تحقيق(٨) ذلك وما فيه من الخلاف.
[ قال القُرْطِبيُّ : وهذه " الوَاوُ " مفتوحَةٌ عِنْد سِيبَوَيْه ؛ لالتِقَاءِ السّاكِنَين. وقال غيرُه : لَمَّا ضُمَّتَا إلى النُّونِ الثَّقِيلَةِ بُنِيَ الفِعْلُ مُضَارِعاً بمنزِلَةِ خَمْسَةَ عَشَر، والبَلاَءُ يَكُون حَسَناً وَيَكُونُ سَيِّئاً، وأَصْلَهُ : المِحْنَةُ، وقدم تقدَّمَ ](٩).
قوله تعالى :" بِشَيء " متعلق بقوله :" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ " و " الباء " معناها الإلصاق، وقراءة الجمهور على إفراد " شيء "، ومعناها الدلالة على التقليل ؛ إذ لو جمعه لاحتمل أن يكون ضرباً من كل واحد.
وقرأ (١٠)الضحاك بن مزاحم :" بأشياء " على الجمع.
وقراءة الجمهور لا بد فيها من حذف تقديره : وبشيء من الجوع ؛ وبشيء من النقص.
وأما قراءة الضحاك فلا تحتاج إلى هذا.
وقوله :" مِنَ الْخَوْفِ " في مَحَلّ جَرِّ صفة لشيء، فيتعلّق بمحذوف.
فصل في أقسام ما يلاقيه الإنسان من المكاره
اعْلَم أَنَّ كلّ ما يلاقي الإنسان من مكروه ومحبوب، فينقسم إلى موجود في الحال، وإلى ما كان موجوداً في الماضي، وإلى ما سَيُوجَدُ في المُسْتَقْبل.
فإذا خَطَر بالبالِ [ وجود شيء ](١١) فيما مضى سمي ذكراً وتذكراً، وإن كان مَوْجُوداً في الحَال يُسَمى ذوقاً ووجداً، وإنما سمي وَجْداً ؛ لأنها حالةٌ تجدها مِنْ نَفْسِك.
وإن خطر بالبالِ وُجُودُ شَيْءٍ في الاستقبال وغلب ذلك على القَلْبِ سُمِّيَ انتظاراً وتوقّعاً.
فإن كان المنتظر مكروهاً يحصل منه ألم في القلب يسمى خوفاً وإشفاقاً، وإن كان محبوباً سمي ذلك ارتياحاً في القلب.
فصل في الفرق بين الخوْف والجُوع والنَّقْص
قال ابنُ عباسٍ رَضي الله عنهما : الخوفُ خوفُ العَدُوِّ والجُوع القَحْط والنقصُ مِنَ الأَمْوَالِ بالخُسْرَانِ والهَلاَكِ والأنفس بمعنى القتل.
وقيل : بالمرض والسبي.
وقال القفال رحمه الله : أما الخوف الشديد فقد حصل لهم عند مكاشفتهم العرب بسبب الدّين، فكانوا لا يؤمنون قصدهم إياهم واجتماعهم عليهم، وقد كان من الخوف وقعة " الأحزاب " ما كان، قال الله تعالى :﴿هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُواْ زِلْزَالاً شَدِيداً﴾ [الأحزاب: ١١].
وأما الجوع فقد أصابهم في أول مهاجرة النبي - ﷺ - إلى " المدينة " لقلّة أموالهم، حتى أنه عليه الصلاة والسلام [ كان يشدّ الحجر على بطنه.
وروى أبو الهيثم من التّيهان أنه - عليه السلام ](١٢) - لما خرج التقى بأبي بكر قال مَا أَخْرَجَكَ ؟ قال : الجُوعُ، قال : أَخْرَجَنِي مَا أَخْرَجَكَ [ وأما نَقْصُ الأَمْوَالِ والأَنْفُسِ، فقد يَحْصُلُ ذلك عند مُحَاربة العَدُوِّ، بأَنْ ينفق مَالَهُ في الاسْتِعْدادِ والجهَادِ، وقد يُقْتَلُ ؛ فهناك يحصلُ النَّقْصُ في المال والنفس ](١٣)وقال اللَّهُ تَعَالَى :
﴿وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ٤١] وقد يحصلُ الجُوعُ في سفر الجِهَادِ عند فَنَاءِ الزَّادِ ؛ قال الله تعالى :﴿ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلاَ نَصَبٌ وَلاَ مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠].
وأما نقص الثمرات فقد يكون بالجَدْب، وقد يكون بترك عِمَارة الضِّيَاع للاشتغال بجهاد الأعداء، وقد يكون ذلك بالإنْفَاق على من كان يَرِدُ على رسول الله - ﷺ - من الوفود.
قال الشافعي رضي الله عنه : الخوف : خوف الله عز وجل، والجوع : صيام شهر رَمَضان، والنقص من الأموال : بالزكوات والصدقات، ومن الأنفس بالأمراض، ومن الثمرات، موت الأولاد.
قولهُ تَعَالى :" وَنَقْصٍ " فِيه وَجْهان :
أَحدُهُما : أَنْ يكُونَ معطوفاً على " شَيْءٍ "، والمعنى : بشيءٍ من الخَوْفِ وبنقص.
والثَّانِي : أن يكون مَعْطوفاً على الخَوْفِ، أَيْ : شيءٌ من نقص الأموال.
والأول أَوْلَى ؛ لاشتراكهما في التنكير.
قَوْلَهُ :" مِنَ الأَمْوَالِ " فيه خَمْسة أَوْجُه :
أَحدها : أَنْ يكونَ مُتعَلقاً ب " نقص " ؛ لأنه مصدر " نقص "، وهو يتعدَّى إلى واحدٍ، وقد حُذِف، أَيْ : ونقص شيء مِنْ كَذا.
الثَّانِي، أَنْ يَكُونَ في محلّ جَرٍّ صفة لذلك المحذوف، فيتعلّق بمحذوف، أي ونقص شيء كائن من كذا.
الثَّالِثُ : أَنْ يكونَ في محلِّ نَصْبٍ صفَةً لمفعول مَحْذُوفٍ نصب بهذا المصدر المنون، والتقديرُ : ونقصُ شيء كَائِنٌ من كذا، ذكره أَبُو الْبَقَاء.
ويكونُ مَعنى " مِنْ " على هذين الوجهين التَّبْعِيضُ.
الرَّابعُ : أَنْ يكون في محل جرِّ صِفَةً ل " نَقص "، فيتعلق بمحذوف أيضاً، أَيْ : نقص كائن من كذا، وتكونُ " مِنْ " لابتداء الغَايَةِ.
الخِامِسُ : أن تكون " مِنْ " زائدةً عن الأَخْفَشِ، وحينئذ لا تعلّق لها بِشَيْءٍ.
قوله تعالى :" وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ " الخِطَابُ لرسول الله ﷺ، ولمن أتَى بَعْدَهُ من أمته، أي : الصابرين على البَلاَءِ والرَّزَايا، أي بشرهم بالثواب على الصبر، والصبر أصله الحبس وثوابه غير مقدر، ولكن لاَ يكُون ذلك إلا بالصَّبْر عند الصَّدْمَة الأولى [ لقوله عليه الصلاةُ والسَّلامُ :" إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُوْلَى(١٤) " ](١٥) أي الشاقة على النفس الذي يَعْظُمُ الثوابُ عليه، إنما هو عند هُجُوم المُصيبة ومَرَارتها.
والصَّبْرُ صَبْرانِ ؛ صَبْرٌ عن معصية الله تعالى فهذا مُجَاهِدٌ، والصبرُ عَلَى طَاعَةِ الله فهذا عَابِدٌ.
١ - في أ: إلى قوله تعالى: "والصابرين"..
٢ - سقط في ب..
٣ - في أ: العبد..
٤ - ذكره السيوطي في الجامع الصغير رقم (٣١٠٦) من رواية البيهقي في "شعب الإيمان" ورمز لضعفه قال المناوي في "فيض القدير" (٣/١٨٨): وفيه يزيد الرقاشي قال الذهبي وغيره: متروك.
والحديث ذكره الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/٦٠) وقال: أخرجه أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ويزيد ضعيف. والحديث ذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (٦١).
وذكره الألباني في "الضعيفة" (٢/٨٩) رقم ٦٢٥..
٥ - في ب: فوقهم..
٦ - في أ: الصبر..
٧ - في أ: الابتلاء..
٨ - في أ: تحقيقه..
٩ - سقط في ب..
١٠ - انظر المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٨، والبحر المحيط: ١/٦٢٣، والدر المصون: ١/٤١٢..
١١ - في ب: موجود..
١٢ - سقط في أ..
١٣ - سقط في ب..
١٤ - أخرجه البخاري (٢/ ١٧١) كتاب الجنائز باب زيارة القبور (١٢٨٣) وأبو داود (٢/٢١٠) كتاب الجنائز باب الصبر عند الصدمة الأولى رقم (٣١٢٤) وابن ماجه (١/٥٠٩) كتاب الجنائز باب ما جاء في الصبر على المصيبة رقم (١٥٩٦) وابن عساكر (٥/٢٧٤- تهذيب).
وأخرجه بلفظ: إنما الصبر عند أول صدمة مسلم كتاب الجنائز باب (١٥) وأبو داود (٢/ ٢١٠) رقم (٣١٢٤)..
١٥ - سقط في ب..
٢ - سقط في ب..
٣ - في أ: العبد..
٤ - ذكره السيوطي في الجامع الصغير رقم (٣١٠٦) من رواية البيهقي في "شعب الإيمان" ورمز لضعفه قال المناوي في "فيض القدير" (٣/١٨٨): وفيه يزيد الرقاشي قال الذهبي وغيره: متروك.
والحديث ذكره الحافظ العراقي في "تخريج الإحياء" (٤/٦٠) وقال: أخرجه أبو منصور الديلمي في "مسند الفردوس" من رواية يزيد الرقاشي عن أنس ويزيد ضعيف. والحديث ذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (٦١).
وذكره الألباني في "الضعيفة" (٢/٨٩) رقم ٦٢٥..
٥ - في ب: فوقهم..
٦ - في أ: الصبر..
٧ - في أ: الابتلاء..
٨ - في أ: تحقيقه..
٩ - سقط في ب..
١٠ - انظر المحرر الوجيز: ١/ ٢٢٨، والبحر المحيط: ١/٦٢٣، والدر المصون: ١/٤١٢..
١١ - في ب: موجود..
١٢ - سقط في أ..
١٣ - سقط في ب..
١٤ - أخرجه البخاري (٢/ ١٧١) كتاب الجنائز باب زيارة القبور (١٢٨٣) وأبو داود (٢/٢١٠) كتاب الجنائز باب الصبر عند الصدمة الأولى رقم (٣١٢٤) وابن ماجه (١/٥٠٩) كتاب الجنائز باب ما جاء في الصبر على المصيبة رقم (١٥٩٦) وابن عساكر (٥/٢٧٤- تهذيب).
وأخرجه بلفظ: إنما الصبر عند أول صدمة مسلم كتاب الجنائز باب (١٥) وأبو داود (٢/ ٢١٠) رقم (٣١٢٤)..
١٥ - سقط في ب..