فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني

عن الكتاب
والبلاء أصله المحنة، ومعنى نبلوكم : نمتحنكم لنختبركم، هل تصبرون على القضاء أم لا ؟ وتنكير شيء للتقليل، أي : بشيء قليل من هذه الأمور. وقرأ الضحاك :«بأشياء ». والمراد بالخوف : ما يحصل لمن يخشى من نزول ضرر به من عدوّ أو غيره، وبالجوع : المجاعة التي تحصل عند الجدب، والقحط، وبنقص الأموال : ما يحدث فيها بسبب الجوائح، وما أوجبه الله فيها من الزكاة، ونحوها. وبنقص الأنفس : الموت والقتل في الجهاد، وبنقص الثمرات : ما يصيبها من الآفات، وهو من عطف الخاص على العام لشمول الأموال للثمرات وغيرها، وقيل : المراد بنقص الثمرات : موت الأولاد.
وقوله :﴿وَبَشّرِ الصابرين﴾ أمر لرسول الله ﷺ، أو لكل من يقدر على التبشير. وقد تقدّم معنى البشارة. والصبر أصله الحبس، ووصفهم بأنهم المسترجعون عند المصيبة ؛ لأن ذلك تسليم ورضا.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وأخرج الحاكم، والبيهقي في الدلائل، عن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف قال : غشي على عبد الرحمن بن عوف في وجعه غشية ظنوا أنه قد فاضت نفسه فيها، حتى قاموا من عنده، وجللُوه ثوباً، وخرجت أم كلثوم بنت عقبة امرأته إلى المسجد تستعين بما أمرت به من الصبر، والصلاة، فلبثوا ساعة، وهو في غشيته، ثم أفاق. وأخرج ابن منده في المعرفة، عن ابن عباس قال : قتل عمير بن الحمام ببدر، وفيه وفي غيره نزلت :﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ﴾ الآية. وأخرج ابن أبي حاتم، عن سعيد بن جبير قال :﴿فِى سَبِيلِ الله﴾ في طاعة الله في قتال المشركين. وقد وردت أحاديث أن أرواح الشهداء في أجواف طيور خضر تأكل من ثمار الجنة. فمنها عن كعب بن مالك مرفوعاً عند أحمد، والترمذي وصححه، والنسائي، وابن ماجه. وروي أن أرواح الشهداء تكون على صور طيور بيض، كما أخرجه عبد الرزاق، عن قتادة قال : بلغنا، فذكر ذلك. وأخرجه عبد بن حميد، وابن جرير عنه أيضاً بنحوه، وروى أنها على صور طيور خضر، كما أخرجه ابن أبي حاتم، والبيهقي في شعب الإيمان عن أبي العالية. وأخرجه ابن أبي شيبة في البعث، والنشور عن كعب. وأخرجه هناد بن السَرِيِّ عن هذيل. وأخرجه عنه عبد الرزاق في المصنف عن عبد الله بن كعب بن مالك مرفوعاً، وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، عن عطاء في قوله :﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ منَ الخوف والجوع﴾ قال : هم أصحاب محمد ﷺ. وأخرج ابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، والطبراني، والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله :﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم﴾ الآية، قال : أخبر الله المؤمنين أن الدنيا دار بلاء، وأنه مبتليهم فيها، وأمرهم بالصبر، وبشرهم فقال :﴿وَبَشّرِ الصابرين﴾ وأخبر أن المؤمن إذا سلم لأمر الله ورجع واسترجع عند المصيبة كتب الله له ثلاث خصال من الخير : الصلاة من الله، والرحمة، وتخفيف سبيل الهدى. وقال رسول الله ﷺ : من استرجع عند المصيبة جبر الله مصيبته، وأحسن عقباه، وجعل له خلفاً صالحاً يرضاه وأخرج عبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم عن رجاء بن حيوة في قوله :﴿وَنَقْصٍ من الثمرات﴾ قال : يأتي على الناس زمان لا تحمل النخلة فيه إلا تمرة. وأخرج الطبراني، وابن مردويه عن ابن عباس قال : قال النبي ﷺ :«أعطيت أمتي شيئاً لم يعطه أحد من الأمم، أن يقولوا عند المصيبة :﴿إنا لله، وإنا إليه راجعون﴾» وقد ورد في فضل الاسترجاع عند المصيبة أحاديث كثيرة.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى