تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي

عن الكتاب
الآية ١٥٥ وقوله تعالى :( ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع )، وما ذكر فيه تذكير من الله عز وجل الخلق(١) لئلا يجزعوا على ما يصيبهم من أنواع ما ذكر من المصائب ؛ وفي كل نوع [ من ذلك ](٢) إضمار شيء من نحو : شيء من الخوف وشيء من الجوع، والله أعلم ؛ لأن الله عز وجل أخبر في غير آية(٣) أنه خلقهم للموت والفناء، وأن ما أعطاهم من الدنيا والزينة فيها، كله للفناء والفوات، بقوله :( خلق الموت والحياة ليبلوكم ) الآية(٤) [الملك: ٢] وقوله :( إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها ) [ إلى قوله ](٥) :( وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا ) [ الكهف : ٧ و٨ ] ؛ أخبر أن الدنيا وزينتها للفناء، فمن عرف أن ذلك كله دون ما ذكر ؟ وليعلموا(٦) أن ما أعطاهم من الحياة والصحة والسلامة لم يكن أعطاهم لحق(٧) لهم، بل للإفضال والإحسان، وقد جعل ذلك لمدة لا للأبد، فكأنها في غير تلك المدة لغيرهم لا لهم، فعرفوا به منته لوقت، وحقه وقت الأخذ.
ثم يحتمل ما ذكر من الخوف وجهين : على جهة العبادة من نحو الأمر بمجاهدة العدو والقتال معه، ويحتمل لا على جهة العبادة. وكذلك(٨) الجوع يحتمل الجوع الذي فيه عبادة، وهو الصوم، ويحتمل ما يصيبهم من المجاعة في القحط ما أصاب أهل مكة سنين. وكذلك قوله :( ونقص من الأموال ) [ يحتمل امتحانهم ](٩) بأداء الزكاة والصدقة، ويحتمل الهلاك بسببه(١٠). وكذلك ( والأنفس ) يحتمل الصرف على الوجهين اللذين ذكرتهما. وكذلك ( والثمرات ).
ثم لا يحتمل خصوص الامتحان بما ذكر دون غيره، لأنهم كلهم عبيده ؛ له أن يمتحنهم أجمعين(١١) بجميع أنواع المحن. لكن الوجه فيه ما ذكرنا أنه لما عرفهم أن كل ذلك إنما خلق للفناء، فالبعض منه كذلك ليخف ذلك عليهم، والله أعلم.
١ - في ط ع: للخلق..
٢ - في ط ع: ما ذكر من المصائب..
٣ - في النسخ الثلاث: آي..
٤ - أدرج في ط ع: تتمة الآية بدل هذه الكلمة..
٥ - في ط ع: تتمة الآية..
٦ - في النسخ الثلاث: وليعلموا..
٧ - في م: لخير..
٨ - الواو ساقطة من الأصل..
٩ - من ط ع، في الأصل: يمتحنهم، في م: يحتمل: (ونقص من الأموال) يمتحنهم..
١٠ - في النسخ الثلاث: بنفسها..
١١ - في النسخ الثلاث: بأجمعهم..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى