البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الصفا : ألفه منقلبة عن واو لقولهم : صفوان، ولاشتقاقه من الصفو، وهو الخالص.
وقيل : هو اسم جنس بينه وبين مفرد تاءه التأنيث، ومفرده صفاة.
وقيل : هو اسم مفرد يجمع على فعول وأفعال، قالوا : صفيّ وأصفاء.
مثل : قفيّ وأقفاء.
وتضم الصاد في فعول وتكسر، كعصي، وهو الحجر الأملس.
وقيل : الحجر الذي لا يخالطه غيره من طين، أو تراب يتصل به، وهو الذي يدل عليه الاشتقاق.
وقيل : هو الصخرة العظيمة.
المروة : واحدة المرو، وهو اسم جنس، قال :
وقالوا : مروان في جمع مروة، وهو القياس في جمع تصحيح مروة، وهي الحجارة الصغار التي فيها لين.
وقيل : الحجارة الصلبة.
وقيل : الصغار المرهفة الأطراف.
وقيل : الحجارة السود.
وقيل : البيض.
وقيل : البيض الصلبة.
والصفا والمروة في الآية : علمان لجبلين معروفين، والألف واللام لزمتا فيهما للغلبة، كهما في البيت : للكعبة، والنجم : للثريا،
الشعائر : جمع شعيرة أو شعارة.
قال الهروي : سمعت الأزهري يقول : هي العلائم التي ندب الله إليها، وأمر بالقيام بها.
وقال الزجاج : كل ما كان من موقف ومشهد ومسعى ومذبح.
وقد تقدّمت لنا هذه المادة، أعني مادة شعر، أي أدرك وعلم.
وتقول العرب : بيتنا شعار : أي علامة، ومنه أشعار الهدى.
الحج : القصد مرة بعد أخرى.
قال الراجز :
والاعتمار : الزيارة.
وقيل : القصد، ثم صار الحج والعمرة علمين لقصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين، وهما في المعاني : كالبيت والنجم في الأعيان.
وقد تقدّمت هاتان المادّتان في يحاجوكم وفي يعمر.
الجناح : الميل إلى المأثم، ثم أطلق على الإثم.
يقال : جنح إلى كذا جنوحاً : مال، ومنه جنح الليل : ميله بظلمته، وجناح الطائر.
تطوّع : تفعل من الطوع، وهو الانقياد.
﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، سبب النزول : أن الأنصار كانوا يحجون لمناة، وكانت مناة خزفاً وحديداً، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا، فأنزلت.
وخرّج هذا السبب في الصحيحين وغيرهما.
وقد ذكر في التحرّج عن الطواف بينهما أقوال.
مناسبة هذه الآية لما قبلها : أن الله تعالى لما أثنى على الصابرين، وكان الحج من الأعمال الشاقة المفنية للمال والبدن وكان أحد أركان الإسلام، ناسب ذكره بعد ذلك.
والصفا والمروة، كما ذكرنا، قيل : علمان لهذين الجبلين، والأعلام لا يلحظ فيها تذكير اللفظ ولا تأنيثه.
ألا ترى إلى قولهم : طلحة وهند ؟ وقد نقلوا أن قوماً قالوا : ذكّر الصفا، لأن آدم وقف عليه، وأنثت المروة، لأن حوّاء وقفت عليها.
وقال الشعبي : كان على الصفا صنم يدعى أسافا، وعلى المروة صنم يدعى نائلة، فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث، وقدم المذكر.
نقل القولين ابن عطية : ولولا أن ذلك دوّن في كتاب ما ذكرته.
ولبعض الصوفية وبعض أهل البيت كلام منقول عنهم في الصفا والمروة، رغبنا عن ذكره.
وليس الجبلان لذاتهما من شعائر الله، بل ذلك على حذف مضاف، أي إن طواف الصفا والمروة، ومعنى من شعائر الله : معالمه.
وإذا قلنا : معنى من شعائر الله من مواضع عبادته، فلا يحتاج إلى حذف مضاف في الأول، بل يكون ذلك في الجر.
ولما كان الطواف بينهما ليس عبادة مستقلة، إنما يكون عبادة إذا كان بعض حج أو عمرة.
بين تعالى ذلك بقوله :﴿فمن حج البيت أو اعتمر﴾، ومن شرطية.
﴿فلا جناح عليه أن يطوّف بهما﴾، قرأ الجمهور : أن يطوّف.
وقرأ أنس وابن عباس وابن سيرين وشهر : أن لا، وكذلك هي في مصحف أبي وعبد الله، وخرج ذلك على زيادة لا، نحو :﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ وقوله :
فتتحد معنى القراءتين، ولا يلزم ذلك، لأن رفع الجناح في فعل الشيء هو رفع في تركه، إذ هو تخيير بين الفعل والترك، نحو قوله تعالى :﴿فلا جناح عليهما أن يتراجعا﴾ فعلى هذا تكون لا على بابها للنفي، وتكون قراءة الجمهور فيها رفع الجناح في فعل الطواف نصاً، وفي هذه رفع الجناح في الترك نصاً، وكلتا القراءتين تدل على التخيير بين الفعل والترك، فليس الطواف بهما واجباً، وهو مروي عن ابن عباس، وأنس، وابن الزبير، وعطاء، ومجاهد، وأحمد بن حنبل، فيما نقل عنه أبو طالب، وأنه لا شيء على من تركه، عمداً كان أو سهواً، ولا ينبغي أن يتركه.
ومن ذهب إلى أنه ركن، كالشافعي وأحمد ومالك، في مشهور مذهبه، أو واجب يجبر بالدم، كالثوري وأبي حنيفة، أو إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، أو ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين، كأبي حنيفة في بعض الرّوايات، يحتاج إلى نص جلي ينسخ هذا النص القرآني.
وقول عائشة لعروة حين قال لها : أرأيت قول الله :﴿فلا جناح عليه أن يطوّف بهما﴾، فما نرى على أحد شيئاً ؟ فقالت : يا عرية، كلا، لو كان كذلك لقال : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما.
كلام لا يخرج اللفظ عما دل عليه من رفع الإثم عمن طاف بهما، ولا يدل ذلك على وجوب الطواف، لأن مدلول اللفظ إباحة الفعل، وإذا كان مباحاً كنت مخيراً بين فعله وتركه.
وظاهر هذا الطواف أن يكون بالصفا والمروة، فمن سعى بينهما من غير صعود عليهما، لم يعد طائفاً.
ودلت الآية على مطلق الطواف، لا على كيفية، ولا عدد.
واتفق علماء الأمصار على أن الرّمل في السعي سنة.
وروى عطاء، عن ابن عباس : من شاء سعى بمسيل مكة، ومن شاء لم يسع، وإنما يعني الرمل في بطن الوادي.
وكان عمر يمشي بين الصفا والمروة وقال : إن مشيت، فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي، وإن سعيت، فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى.
وسعى رسول الله ﷺ بينهما ليرى المشركين قوته.
فيحتمل أن يزول الحكم بزوال سببه، ويحتمل مشروعيته دائماً، وإن زال السبب، والركوب في السعي بينهما مكروه عند أبي حنيفة وأصحابه، ولا يجوز عند مالك الركوب في السعي، ولا في الطواف بالبيت، إلا من عذر، وعليه إذ ذاك دم.
وإن طاف راكباً بغير عذر، أعاد إن كان بحضرة البيت، وإلا أهدى.
وشكت أم سلمة إلى رسول الله ﷺ فقال :« طوفي من وراء الناس وأنت راكبة » ولم يجىء في هذا الحديث أنه أمرها بدم.
وفرق بعض أهل العلم فقال : إن طاف على ظهر بعير أجزاه، أو على ظهر إنسان لم يجزه.
وكون الضمير مثنى في قوله : بهما، لا يدل على البداءة بالصفا، بل الظاهر أنه لو بدأ بالمروة في السعي أجزأه، ومشروعية السعي، على قول كافة العلماء، البداءة بالصفا.
فإن بدأ بالمروة، فمذهب مالك، ومشهور مذهب أبي حنيفة، أنه يلغي ذلك الشوط، فإن لم يفعل، لم يجزه.
وروي عن أبي حنيفة أيضاً : إن لم يلغه، فلا شيء عليه، نزله بمنزلة الترتيب في أعضاء الوضوء.
وقرأ الجمهور : يطوف وأصله يتطوّف، وفي الماضي كان أصله تطوف، ثم أدغم التاء في الطاء، فاحتاج إلى اجتلاب همزة الوصل، لأن المدغم في الشيء لا بدّ من تسكينه، فصار أطوف، وجاء مضارعه يطوف، فانحذفت همزة الوصل لتحصين الحرف المدغم بحرف المضارعة.
وقرأ أبو حمزة : أن يطوف بهما، من طاف يطوف، وهي قراءة ظاهرة.
وقرأ ابن عباس وأبو السمال : يطاف بهما، وأصله : يطتوف، يفتعل، وماضيه : اطتوف افتعل، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، وأدغمت الطاء في التاء بعد قلب التاء طاء، كما قلبوا في اطلب، فهو مطلب، فصار : أطاف، وجاء مضارعه : يطاف، كما جاء يطلب : ومصدر اطوف : اطوّفا، ومصدر اطاف : اطيافاً، عادت الواو إلى أصلها، لأن موجب إعلالها قد زال، ثم قلبت ياء لكسرة ما قبلها، كما قالوا : اعتاد اعتياداً، وأن يطوف أصله، في أن يطوف، أي لا إثم عليه في الطواف بهما، فحذف الحرف مع أن، وحذفه قياس معها إذا لم يلبس، وفيه الخلاف السابق، أموضعها بعد الحذف جر أم نصب ؟ وجوّز بعض من لا يحسن علم النحو أن يكون : أن يطوّف، في موضع رفع، على أن يكون خبراً أيضاً، قال التقدير : فلا جناح الطواف بهما، وأن يكون في موضع نصب على الحال، والتقدير : فلا جناح عليه في حال تطوّفه بهما، قال : والعامل في الحال العامل في الجر، وهي حال من الهاء في عليه.
وهذان القولان ساقطان، ولولا تسطيرهما في بعض كتب التفسير لما ذكرتهما.
﴿ومن تطوّع خيراً﴾ : التطوّع : ما تترغب به من ذات نفسك مما لا يجب عليك.
ألا ترى إلى قوله في حديث ضمام : هل عيّ غيرها ؟ قال : لا، إلا أن تطوّع، أي تتبرّع.
هذا هو الظاهر، فيكون المراد التبرع بأي فعل طاعة كان، وهو قول الحسن ؛ أو بالنفل على واجب الطواف، قاله مجاهد، أو بالعمرة، قاله ابن زيد ؛ أو بالحج والعمرة بعد قضاء الواجب عليه، أو بالسعي بين الصفا والمروة، وهذا قول من أسقط وجوب السعي، لما فهم الإباحة في التطوف بهما من قوله :﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾، حمل هذا على الطواف بهما، كأنه قيل : ومن تبرع بالطواف بينهما، أو بالسعي في الحجة الثانية التي هي غير واجبة، أقوال ستة.
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر : تطوّع فعلاً ماضياً هنا، وفي قوله :﴿فمن تطوّع خيراً فهو خير له﴾، فيحتمل من أن يكون بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون شرطية.
وقرأ حمزة، والكسائي : يطوّع مضارعاً مجزوماً بمن الشرطية، وافقهما زيد ورويس في الأول منهما، وانتصاب خيراً على المفعول بعد إسقاط حرف الجر، أي بخير، وهي قراءة ابن مسعود، قرأ : يتطوّع بخير.
ويطوّع أصله : يتطوّع، كقراءة عبد الله، فأدغم.
وأجازوا جعل خيراً نعتاً لمصدر محذوف، أي ومن يتطوع تطوعاً خيراً.
﴿فإن الله شاكر عليم﴾ : هذه الجملة جواب الشرط.
وإذا كانت من موصولة في احتمال أحد وجهي من في قراءة من قرأ تطوّع فعلاً ماضياً، فهي جملة في موضع خبر المبتدأ، لأن تطوّع إذ ذاك تكون صلة.
وشكر الله العبد بأحد معنيين : إما بالثواب، وإما بالثناء.
وعلمه هنا هو علمه بقدر الجزاء الذي للعبد على فعل الطاعة، أو بنيته وإخلاصه في العمل.
وقد وقعت الصفتان هنا الموقع الحسن، لأن التطوّع بالخير يتضمن الفعل والقصد، فناسب ذكر الشكر باعتبار الفعل، وذكر العلم باعتبار القصد، وأخرت صفة العلم، وإن كانت متقدمة، على الشكر، كما أن النية مقدمة على الفعل لتواخي رؤوس الآي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة إخباره تعالى بأن الصفا والمروة من معالمه التي جعلها محملاً لعبادته، وإن كان قد سبق غشيان المشركين لها، وتقربهم بالأصنام عليها.
وصرّح برفع الإثم عمن طاف بهما ممن حج أو اعتمر.
ثم ذكر أن من تبرع بخير، فإن الله شاكر لفعله، عليم بنيته، لما كان التطوّع يشتمل على فعل ونية، ختم بهاتين الصفتين المتناسبتين.
ثم أخبر تعالى عمن كتم ما أنزل الله من الحكم الإلهي من بعد ما بينه في كتابه، لعنه الله وملائكته ومن يسوغ منه اللعن من صالحي عباده.
ثم استثنى من تاب وأصلح، وبين ما كتم.
ولم يكتف بالتوبة فقط حتى أضاف إليها الإصلاح، لأن كتم ما أنزل الله من أعظم الإفساد، إذ فيه حمل الناس على غير المنهج الشرعي.
وأضاف التبيين لما كتم حتى يتضح للناس وضوحاً بيناً ما كان عليه من الضلال، وأنه أقلع عن ذلك، وسلك نقيض فعله الأول، فكان ذلك أدعى لزوال ما قرر أولاً من كتمان الحق وبضدها تتبين الأشياء
ثم أخبر تعالى عن هؤلاء المستثنين، أنه يتوب عليهم، وأنه تعالى لا يتعاظم عنده ذنب، وإن كان أعظم الذنوب، إذا تاب العبد منه.
ثم أخبر تعالى أنه التواب الرحيم، بصفتي المبالغة التي في فعال وفعيل.
ولما ذكر تعالى حال المؤمنين المتسمين بالصبر والصلاة والحج، وغير ذلك من أعمال البر، وحال من ارتكب المعاصي، ثم أقلع عن ذلك وتاب إلى الله.
ذكر حال من وافى على الكفر، وأنه تحت لعنة الله وملائكته والناس، وأنهم خالدون في اللعنة، غير مخفف عنهم العذاب، ولا مرجئون إلى وقت.
ثم لما كان كفر معظم الكفار إنما هو لاتخاذهم مع الله آلهة ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً﴾ ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي آلهين من دون الله﴾
وفي الحديث :« أنهم يسألون فيقولون كنا نعبد عزيراً »
أخبر تعالى أن الإله هو واحد لا يتعدد ولا يتجزأ، ولا له مثيل في صفاته.
ثم حصر الإلهية فيه، فتضمن ذلك أنه هو المثيب المعاقب، فوصف نفسه بهاتين الصفتين من الرحمانية والرحيمية.
ثم أخذ في ذكر ما يدل على الوحدانية والانفراد بالإلهية.
فبدأ بذكر اختراع الأفلاك العلوية، والجرم الكثيف الأرضي، وما يكون فيهما من اختلاف ما به السكون والحركة، من الليل والنهار الناشئين عما أودع الله تعالى في العالم العلوي، واختلاف الفلك ذاهبة وآيبة بما ينفع الناس الناشىء ذلك عما أودع في العالم السفلي، وما يكون مشتركاً بين العالمين، من إنزال الماء، وتشقق الأرض بالنبات، وانتشار العالم فيها.
ولما ذكر أشياء في الأجرام العلوية، وأشياء في الجرم الأرضي، ذكر شيئاً مما هو بين الجرمين، وهو تصريف الرّياح والسحاب، إذ كان بذلك تتم النعمة المقتضية لصلاح العالم في منافعهم البحرية والبرية.
ثم ذكر أن هذا كله هي آيات للعاقل، تدله على وحدانية الله تعالى واختصاصه بالإلهية، إذ من عبدوه من دون الله يعلمون قطعاً أنه لا يمكنه اقتدار على شيء مما تضمنته هذه الآيات، وأنهم بعض ما حوته الدائرة العلوية والدائرة السفلية، وأن نسبتهم إلى من لم يعبدوه من سائر المخلوقات نسبة واحدة في الافتقار والتغير، فلا مزية لهم على غيرهم إلا عند من سلب نور العقل، وغشيته ظلمات الجهل.
ثم ذكر تعالى، بعد ذكر هذه البينات الواضحات الدالة على الوحدانية واستحقاق العبادة، أن من الناس متخذي أنداد، وأنهم يؤثرونهم ويحبونهم مثل محبة الله، فهم يسوّون بين الخالق والمخلوق في المحبة، ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ ثم ذكر أن من المؤمنين أشدّ حبًّا لله من هؤلاء لأصناهم.
ثم خاطب من خاطب بقوله :﴿ولو يرى الذين ظلموا﴾، حين عاينوا نتيجة اتخاذهم الأنداد، وهو العذاب، الحال بهم، أي لرأيت أمراً عظيماً.
ثم نبه على أن أندادهم لا طاقة لها ولا قوة بدفع العذاب عمن اتخذوهم، لأن جميع القوى والقدر هي لله تعالى.
ثم ذكر تعالى تبرؤ المتبوعين من التابعين وقت رؤية العذاب وزالت المودات التي كانت بينهم، وأن التابعين تمنوا الرجوع إلى الدنيا حتى يؤمنوا ويتبرأوا من متبوعيهم حيث لا ينفع التمني ولا يمكن أن يقع، فهو تمني مستحيل، لأن الله تعالى قد حكم وأمضى أن لا عودة إلى الدنيا.
ثم ذكر تعالى أنهم بعد رؤيتهم العذاب وتقطع الأسباب، أراهم أعمالهم ندامات حيث لا ينفع الندم، ليتضاعف بذلك الألم.
ثم ختم ذلك بما ختم لهم من العذاب السرمدي والشقاء الأبدي.
نعوذ بالله من سطا نقماته، ونستنزل من كرمه العميم نشر رحماته.
وقيل : هو اسم جنس بينه وبين مفرد تاءه التأنيث، ومفرده صفاة.
وقيل : هو اسم مفرد يجمع على فعول وأفعال، قالوا : صفيّ وأصفاء.
مثل : قفيّ وأقفاء.
وتضم الصاد في فعول وتكسر، كعصي، وهو الحجر الأملس.
وقيل : الحجر الذي لا يخالطه غيره من طين، أو تراب يتصل به، وهو الذي يدل عليه الاشتقاق.
وقيل : هو الصخرة العظيمة.
المروة : واحدة المرو، وهو اسم جنس، قال :
| فترى المرو إذا ما هجرت | عن يديها كالفراش المشفتر |
وقيل : الحجارة الصلبة.
وقيل : الصغار المرهفة الأطراف.
وقيل : الحجارة السود.
وقيل : البيض.
وقيل : البيض الصلبة.
والصفا والمروة في الآية : علمان لجبلين معروفين، والألف واللام لزمتا فيهما للغلبة، كهما في البيت : للكعبة، والنجم : للثريا،
الشعائر : جمع شعيرة أو شعارة.
قال الهروي : سمعت الأزهري يقول : هي العلائم التي ندب الله إليها، وأمر بالقيام بها.
وقال الزجاج : كل ما كان من موقف ومشهد ومسعى ومذبح.
وقد تقدّمت لنا هذه المادة، أعني مادة شعر، أي أدرك وعلم.
وتقول العرب : بيتنا شعار : أي علامة، ومنه أشعار الهدى.
الحج : القصد مرة بعد أخرى.
قال الراجز :
| لراهب يحج بيت المقدس | في منقل وبرجد وبرنس |
وقيل : القصد، ثم صار الحج والعمرة علمين لقصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين، وهما في المعاني : كالبيت والنجم في الأعيان.
وقد تقدّمت هاتان المادّتان في يحاجوكم وفي يعمر.
الجناح : الميل إلى المأثم، ثم أطلق على الإثم.
يقال : جنح إلى كذا جنوحاً : مال، ومنه جنح الليل : ميله بظلمته، وجناح الطائر.
تطوّع : تفعل من الطوع، وهو الانقياد.
﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، سبب النزول : أن الأنصار كانوا يحجون لمناة، وكانت مناة خزفاً وحديداً، وكانوا يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما جاء الإسلام سألوا، فأنزلت.
وخرّج هذا السبب في الصحيحين وغيرهما.
وقد ذكر في التحرّج عن الطواف بينهما أقوال.
مناسبة هذه الآية لما قبلها : أن الله تعالى لما أثنى على الصابرين، وكان الحج من الأعمال الشاقة المفنية للمال والبدن وكان أحد أركان الإسلام، ناسب ذكره بعد ذلك.
والصفا والمروة، كما ذكرنا، قيل : علمان لهذين الجبلين، والأعلام لا يلحظ فيها تذكير اللفظ ولا تأنيثه.
ألا ترى إلى قولهم : طلحة وهند ؟ وقد نقلوا أن قوماً قالوا : ذكّر الصفا، لأن آدم وقف عليه، وأنثت المروة، لأن حوّاء وقفت عليها.
وقال الشعبي : كان على الصفا صنم يدعى أسافا، وعلى المروة صنم يدعى نائلة، فاطرد ذلك في التذكير والتأنيث، وقدم المذكر.
نقل القولين ابن عطية : ولولا أن ذلك دوّن في كتاب ما ذكرته.
ولبعض الصوفية وبعض أهل البيت كلام منقول عنهم في الصفا والمروة، رغبنا عن ذكره.
وليس الجبلان لذاتهما من شعائر الله، بل ذلك على حذف مضاف، أي إن طواف الصفا والمروة، ومعنى من شعائر الله : معالمه.
وإذا قلنا : معنى من شعائر الله من مواضع عبادته، فلا يحتاج إلى حذف مضاف في الأول، بل يكون ذلك في الجر.
ولما كان الطواف بينهما ليس عبادة مستقلة، إنما يكون عبادة إذا كان بعض حج أو عمرة.
بين تعالى ذلك بقوله :﴿فمن حج البيت أو اعتمر﴾، ومن شرطية.
﴿فلا جناح عليه أن يطوّف بهما﴾، قرأ الجمهور : أن يطوّف.
وقرأ أنس وابن عباس وابن سيرين وشهر : أن لا، وكذلك هي في مصحف أبي وعبد الله، وخرج ذلك على زيادة لا، نحو :﴿ما منعك أن لا تسجد﴾ وقوله :
| وما ألوم البيض أن لا تسخرا | إذا رأين الشمط القفندرا |
ومن ذهب إلى أنه ركن، كالشافعي وأحمد ومالك، في مشهور مذهبه، أو واجب يجبر بالدم، كالثوري وأبي حنيفة، أو إن ترك أكثر من ثلاثة أشواط فعليه دم، أو ثلاثة فأقل فعليه لكل شوط إطعام مسكين، كأبي حنيفة في بعض الرّوايات، يحتاج إلى نص جلي ينسخ هذا النص القرآني.
وقول عائشة لعروة حين قال لها : أرأيت قول الله :﴿فلا جناح عليه أن يطوّف بهما﴾، فما نرى على أحد شيئاً ؟ فقالت : يا عرية، كلا، لو كان كذلك لقال : فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما.
كلام لا يخرج اللفظ عما دل عليه من رفع الإثم عمن طاف بهما، ولا يدل ذلك على وجوب الطواف، لأن مدلول اللفظ إباحة الفعل، وإذا كان مباحاً كنت مخيراً بين فعله وتركه.
وظاهر هذا الطواف أن يكون بالصفا والمروة، فمن سعى بينهما من غير صعود عليهما، لم يعد طائفاً.
ودلت الآية على مطلق الطواف، لا على كيفية، ولا عدد.
واتفق علماء الأمصار على أن الرّمل في السعي سنة.
وروى عطاء، عن ابن عباس : من شاء سعى بمسيل مكة، ومن شاء لم يسع، وإنما يعني الرمل في بطن الوادي.
وكان عمر يمشي بين الصفا والمروة وقال : إن مشيت، فقد رأيت رسول الله ﷺ يمشي، وإن سعيت، فقد رأيت رسول الله ﷺ يسعى.
وسعى رسول الله ﷺ بينهما ليرى المشركين قوته.
فيحتمل أن يزول الحكم بزوال سببه، ويحتمل مشروعيته دائماً، وإن زال السبب، والركوب في السعي بينهما مكروه عند أبي حنيفة وأصحابه، ولا يجوز عند مالك الركوب في السعي، ولا في الطواف بالبيت، إلا من عذر، وعليه إذ ذاك دم.
وإن طاف راكباً بغير عذر، أعاد إن كان بحضرة البيت، وإلا أهدى.
وشكت أم سلمة إلى رسول الله ﷺ فقال :« طوفي من وراء الناس وأنت راكبة » ولم يجىء في هذا الحديث أنه أمرها بدم.
وفرق بعض أهل العلم فقال : إن طاف على ظهر بعير أجزاه، أو على ظهر إنسان لم يجزه.
وكون الضمير مثنى في قوله : بهما، لا يدل على البداءة بالصفا، بل الظاهر أنه لو بدأ بالمروة في السعي أجزأه، ومشروعية السعي، على قول كافة العلماء، البداءة بالصفا.
فإن بدأ بالمروة، فمذهب مالك، ومشهور مذهب أبي حنيفة، أنه يلغي ذلك الشوط، فإن لم يفعل، لم يجزه.
وروي عن أبي حنيفة أيضاً : إن لم يلغه، فلا شيء عليه، نزله بمنزلة الترتيب في أعضاء الوضوء.
وقرأ الجمهور : يطوف وأصله يتطوّف، وفي الماضي كان أصله تطوف، ثم أدغم التاء في الطاء، فاحتاج إلى اجتلاب همزة الوصل، لأن المدغم في الشيء لا بدّ من تسكينه، فصار أطوف، وجاء مضارعه يطوف، فانحذفت همزة الوصل لتحصين الحرف المدغم بحرف المضارعة.
وقرأ أبو حمزة : أن يطوف بهما، من طاف يطوف، وهي قراءة ظاهرة.
وقرأ ابن عباس وأبو السمال : يطاف بهما، وأصله : يطتوف، يفتعل، وماضيه : اطتوف افتعل، تحركت الواو، وانفتح ما قبلها، فقلبت ألفاً، وأدغمت الطاء في التاء بعد قلب التاء طاء، كما قلبوا في اطلب، فهو مطلب، فصار : أطاف، وجاء مضارعه : يطاف، كما جاء يطلب : ومصدر اطوف : اطوّفا، ومصدر اطاف : اطيافاً، عادت الواو إلى أصلها، لأن موجب إعلالها قد زال، ثم قلبت ياء لكسرة ما قبلها، كما قالوا : اعتاد اعتياداً، وأن يطوف أصله، في أن يطوف، أي لا إثم عليه في الطواف بهما، فحذف الحرف مع أن، وحذفه قياس معها إذا لم يلبس، وفيه الخلاف السابق، أموضعها بعد الحذف جر أم نصب ؟ وجوّز بعض من لا يحسن علم النحو أن يكون : أن يطوّف، في موضع رفع، على أن يكون خبراً أيضاً، قال التقدير : فلا جناح الطواف بهما، وأن يكون في موضع نصب على الحال، والتقدير : فلا جناح عليه في حال تطوّفه بهما، قال : والعامل في الحال العامل في الجر، وهي حال من الهاء في عليه.
وهذان القولان ساقطان، ولولا تسطيرهما في بعض كتب التفسير لما ذكرتهما.
﴿ومن تطوّع خيراً﴾ : التطوّع : ما تترغب به من ذات نفسك مما لا يجب عليك.
ألا ترى إلى قوله في حديث ضمام : هل عيّ غيرها ؟ قال : لا، إلا أن تطوّع، أي تتبرّع.
هذا هو الظاهر، فيكون المراد التبرع بأي فعل طاعة كان، وهو قول الحسن ؛ أو بالنفل على واجب الطواف، قاله مجاهد، أو بالعمرة، قاله ابن زيد ؛ أو بالحج والعمرة بعد قضاء الواجب عليه، أو بالسعي بين الصفا والمروة، وهذا قول من أسقط وجوب السعي، لما فهم الإباحة في التطوف بهما من قوله :﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾، حمل هذا على الطواف بهما، كأنه قيل : ومن تبرع بالطواف بينهما، أو بالسعي في الحجة الثانية التي هي غير واجبة، أقوال ستة.
وقرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وعاصم، وابن عامر : تطوّع فعلاً ماضياً هنا، وفي قوله :﴿فمن تطوّع خيراً فهو خير له﴾، فيحتمل من أن يكون بمعنى الذي، ويحتمل أن تكون شرطية.
وقرأ حمزة، والكسائي : يطوّع مضارعاً مجزوماً بمن الشرطية، وافقهما زيد ورويس في الأول منهما، وانتصاب خيراً على المفعول بعد إسقاط حرف الجر، أي بخير، وهي قراءة ابن مسعود، قرأ : يتطوّع بخير.
ويطوّع أصله : يتطوّع، كقراءة عبد الله، فأدغم.
وأجازوا جعل خيراً نعتاً لمصدر محذوف، أي ومن يتطوع تطوعاً خيراً.
﴿فإن الله شاكر عليم﴾ : هذه الجملة جواب الشرط.
وإذا كانت من موصولة في احتمال أحد وجهي من في قراءة من قرأ تطوّع فعلاً ماضياً، فهي جملة في موضع خبر المبتدأ، لأن تطوّع إذ ذاك تكون صلة.
وشكر الله العبد بأحد معنيين : إما بالثواب، وإما بالثناء.
وعلمه هنا هو علمه بقدر الجزاء الذي للعبد على فعل الطاعة، أو بنيته وإخلاصه في العمل.
وقد وقعت الصفتان هنا الموقع الحسن، لأن التطوّع بالخير يتضمن الفعل والقصد، فناسب ذكر الشكر باعتبار الفعل، وذكر العلم باعتبار القصد، وأخرت صفة العلم، وإن كانت متقدمة، على الشكر، كما أن النية مقدمة على الفعل لتواخي رؤوس الآي.
وصرّح برفع الإثم عمن طاف بهما ممن حج أو اعتمر.
ثم ذكر أن من تبرع بخير، فإن الله شاكر لفعله، عليم بنيته، لما كان التطوّع يشتمل على فعل ونية، ختم بهاتين الصفتين المتناسبتين.
ثم أخبر تعالى عمن كتم ما أنزل الله من الحكم الإلهي من بعد ما بينه في كتابه، لعنه الله وملائكته ومن يسوغ منه اللعن من صالحي عباده.
ثم استثنى من تاب وأصلح، وبين ما كتم.
ولم يكتف بالتوبة فقط حتى أضاف إليها الإصلاح، لأن كتم ما أنزل الله من أعظم الإفساد، إذ فيه حمل الناس على غير المنهج الشرعي.
وأضاف التبيين لما كتم حتى يتضح للناس وضوحاً بيناً ما كان عليه من الضلال، وأنه أقلع عن ذلك، وسلك نقيض فعله الأول، فكان ذلك أدعى لزوال ما قرر أولاً من كتمان الحق وبضدها تتبين الأشياء
ثم أخبر تعالى عن هؤلاء المستثنين، أنه يتوب عليهم، وأنه تعالى لا يتعاظم عنده ذنب، وإن كان أعظم الذنوب، إذا تاب العبد منه.
ثم أخبر تعالى أنه التواب الرحيم، بصفتي المبالغة التي في فعال وفعيل.
ولما ذكر تعالى حال المؤمنين المتسمين بالصبر والصلاة والحج، وغير ذلك من أعمال البر، وحال من ارتكب المعاصي، ثم أقلع عن ذلك وتاب إلى الله.
ذكر حال من وافى على الكفر، وأنه تحت لعنة الله وملائكته والناس، وأنهم خالدون في اللعنة، غير مخفف عنهم العذاب، ولا مرجئون إلى وقت.
ثم لما كان كفر معظم الكفار إنما هو لاتخاذهم مع الله آلهة ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً﴾ ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي آلهين من دون الله﴾
وفي الحديث :« أنهم يسألون فيقولون كنا نعبد عزيراً »
أخبر تعالى أن الإله هو واحد لا يتعدد ولا يتجزأ، ولا له مثيل في صفاته.
ثم حصر الإلهية فيه، فتضمن ذلك أنه هو المثيب المعاقب، فوصف نفسه بهاتين الصفتين من الرحمانية والرحيمية.
ثم أخذ في ذكر ما يدل على الوحدانية والانفراد بالإلهية.
فبدأ بذكر اختراع الأفلاك العلوية، والجرم الكثيف الأرضي، وما يكون فيهما من اختلاف ما به السكون والحركة، من الليل والنهار الناشئين عما أودع الله تعالى في العالم العلوي، واختلاف الفلك ذاهبة وآيبة بما ينفع الناس الناشىء ذلك عما أودع في العالم السفلي، وما يكون مشتركاً بين العالمين، من إنزال الماء، وتشقق الأرض بالنبات، وانتشار العالم فيها.
ولما ذكر أشياء في الأجرام العلوية، وأشياء في الجرم الأرضي، ذكر شيئاً مما هو بين الجرمين، وهو تصريف الرّياح والسحاب، إذ كان بذلك تتم النعمة المقتضية لصلاح العالم في منافعهم البحرية والبرية.
ثم ذكر أن هذا كله هي آيات للعاقل، تدله على وحدانية الله تعالى واختصاصه بالإلهية، إذ من عبدوه من دون الله يعلمون قطعاً أنه لا يمكنه اقتدار على شيء مما تضمنته هذه الآيات، وأنهم بعض ما حوته الدائرة العلوية والدائرة السفلية، وأن نسبتهم إلى من لم يعبدوه من سائر المخلوقات نسبة واحدة في الافتقار والتغير، فلا مزية لهم على غيرهم إلا عند من سلب نور العقل، وغشيته ظلمات الجهل.
ثم ذكر تعالى، بعد ذكر هذه البينات الواضحات الدالة على الوحدانية واستحقاق العبادة، أن من الناس متخذي أنداد، وأنهم يؤثرونهم ويحبونهم مثل محبة الله، فهم يسوّون بين الخالق والمخلوق في المحبة، ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ ثم ذكر أن من المؤمنين أشدّ حبًّا لله من هؤلاء لأصناهم.
ثم خاطب من خاطب بقوله :﴿ولو يرى الذين ظلموا﴾، حين عاينوا نتيجة اتخاذهم الأنداد، وهو العذاب، الحال بهم، أي لرأيت أمراً عظيماً.
ثم نبه على أن أندادهم لا طاقة لها ولا قوة بدفع العذاب عمن اتخذوهم، لأن جميع القوى والقدر هي لله تعالى.
ثم ذكر تعالى تبرؤ المتبوعين من التابعين وقت رؤية العذاب وزالت المودات التي كانت بينهم، وأن التابعين تمنوا الرجوع إلى الدنيا حتى يؤمنوا ويتبرأوا من متبوعيهم حيث لا ينفع التمني ولا يمكن أن يقع، فهو تمني مستحيل، لأن الله تعالى قد حكم وأمضى أن لا عودة إلى الدنيا.
ثم ذكر تعالى أنهم بعد رؤيتهم العذاب وتقطع الأسباب، أراهم أعمالهم ندامات حيث لا ينفع الندم، ليتضاعف بذلك الألم.
ثم ختم ذلك بما ختم لهم من العذاب السرمدي والشقاء الأبدي.
نعوذ بالله من سطا نقماته، ونستنزل من كرمه العميم نشر رحماته.