محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٥٨ من سورة البقرة في ١٣١ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٦٠ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٥٨ من سورة البقرة

١٣١ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿إِنّ الصّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطّوّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوّعَ خَيْراً فَإِنّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾
والصفا : جمع صفاة، وهي الصخرة الملساء، ومنه قول الطرمّاح :
أبَى لي ذُو القُوى والطّول ألاّ يُؤَبّسَ حافِرٌ أبْدا صَفاتِي
وقد قالوا إن الصفا واحد، وأنه يثنى صَفَوان، ويجمع أصفاء وصُفِيّا وصِفِيّا واستشهدوا على ذلك بقول الراجز :
كأنّ مَتْنَيْهِ مِنَ النّفِيّ مَوَاقِعُ الطّيْرِ على الصُفِيّ
وقالوا : هو نظير عصا وعُصيّ ورحا ورُحيّ وأرحاء. وأما المروة فإنها الحصاة الصغيرة يجمع قليلها مروات، وكثيرها المرو مثل تمرة وتمرات وتمر. قال الأعشى ميمون بن قيس :
وَتَرَى بالأرْضِ خُفّا زائِلاً فإذَا ما صَادَفَ المَرْوَ رَضَحْ
يعني بالمرو : الصخر الصغار. ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي :
حتى كأني للحَوَادِثِ مَرْوَةٌ بصفَا المُشَرّق كلّ يَوْمٍ تُقْرَعُ
ويقال «المشقّر ».
وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ في هذا الموضع : الجبلين المسميين بهذين الاسمين اللذين في حرمه دون سائر الصفا والمرو ولذلك أدخل فيهما الألف واللام، ليعلم عباده أنه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين الاسمين دون سائر الأصفاء والمرو.
وأما قوله : مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ فإنه يعني من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده معلما ومشعرا يعبدونه عندها، إما بالدعاء وإما بالذكر وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها ومنه قول الكميت :
نُقَتّلُهُمْ جِيلاً فجِيلاً تَرَاهُمُ شَعَائِرَ قُرْبانٍ بِهِمْ يُتَقَرّبُ
وكان مجاهد يقول في الشعائر بما :
حدثني به محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ قال : من الخبر الذي أخبركم عنه.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله. فكأنّ مجاهدا كان يرى أن الشعائر إنما هو جمع شعيرة من إشعار الله عباده أمر الصفا والمروة وما عليهم في الطواف بهما، فمعناه إعلامهم ذلك وذلك تأويل من المفهوم بعيد.
وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ عباده المؤمنين أن السعي بينهما من مشاعر الحجّ التي سنّها لهم، وأمر بها خليله إبراهيم ﷺ، إذ سأله أن يريه مناسك الحج. وذلك وإن كان مخرجه مخرج الخبر، فإنه مراد به الأمر لأن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمدا ﷺ باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، فقال له : ثم أوْحَيْنَا إليكَ أن اتّبِعْ مِلّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفا وجعل تعالى ذكره إبراهيم إماما لمن بعده. فإذا كان صحيحا أن الطواف والسعي بين الصفا والمروة من شعائر الله ومن مناسك الحج، فمعلوم أن إبراهيم ﷺ قد عمل به وسنّه لمن بعده، وقد أمر نبينا ﷺ أمته باتباعه، فعليهم العمل بذلك على ما بينه رسول الله ﷺ.

القول في تأويل قوله تعالى : فَمَنْ حَجّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ.


يعني تعالى ذكره : فَمَنْ حَجّ البَيْتَ فمن أتاه عائدا إليه بعد بدء، وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو حاجّ إليه ومنه قول الشاعر :
وأشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كَثِيرَةً يَحُجّونَ بَيْتَ الزّبْرَقانِ الم زعفرا
يعني بقوله يحجون : يكثرون التردّد إليه لسؤدده ورياسته.
وإنما قيل للحاج حاج لأنه يأتي البيت قبل التعريف، ثم يعود إليه لطواف يوم النحر بعد التعريف، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطواف الصدر، فلتكراره العود إليه مرّة بعد أخرى قيل له حاجّ. وأما المعتمر فإنما قيل له معتمر لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه. وإنما يعني تعالى ذكره بقوله : أوِ اعْتَمَرَ أو اعتمر البيت، ويعني بالاعتمار الزيارة، فكل قاصد لشيء فهو له معتمر ومنه قول العجاج :
لَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْ مَغْزًى بَعِيدا مِنْ بَعِيدٍ وضَبَرْ
يعني بقوله «حين اعتمر » : حين قصده وأمه.

القول في تأويل قوله تعالى : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطّوّفَ بِهِما.


يعني تعالى ذكره بقوله : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطّوّفَ بِهِما يقول : فلا خرج عليه ولا مأثم في طوافه بهما.
فإن قال قائل : وما وجه هذا الكلام، وقد قلت لنا إن قوله : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّه وإن كان ظاهره ظاهر الخبر فإنه في معنى الأمر بالطواف بهما ؟ فكيف يكون أمرا بالطواف، ثم يقال : لا جناح على من حجّ البيت أو اعتمر في الطواف بهما ؟ وإنما يوضع الجناح عمن أتى ما عليه بإتيانه الجناح والحرج، والأمر بالطواف بهما، والترخيص في الطواف بهما غير جائز اجتماعهما في حال واحدة ؟
قيل : إن ذلك بخلاف ما إليه ذهب، وإنما معنى ذلك عند أقوام أن النبي ﷺ لما اعتمر عمرة القضية تخوّف أقوام كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيما منهم لهما فقالوا : وكيف نطوف بهما، وقد علمنا أن تعظيم الأصنام وجميع ما كان يعبد من ذلك من دون الله شرك ؟ ففي طوافنا بهذين الحجرين أحد ذلك، لأن الطواف بهما في الجاهلية إنما كان للصنمين اللذين كانا عليهما، وقد جاء الله بالإسلام اليوم ولا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله بمعنى العبادة له. فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك من أمرهم : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ يعني أن الطواف بهما، فترك ذكر الطواف بهما اكتفاء بذكرهما عنه. وإذ كان معلوما عند المخاطبين به أن معناه : من معالم الله التي جعلها علما لعباده يعبدونه عندهما بالطواف بينهما ويذكرونه عليهما وعندهما بما هو له أهل من الذكر، فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا يتخوّفن الطواف بهما، من أجل ما كان أهل الجاهلية يطوفون بهما، من أجل الصنمين اللذين كانا عليهما، فإن أهل الشرك كانوا يطوفون بهما كفرا، وأنتم تطوفون بهما إيمانا وتصديقا لرسولي وطاعة لأمري، فلا جناح عليكم في الطواف بهما. والجناح : الإثم. كما :
حدثني موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطّوفَ بِهِما يقول : ليس عليه إثم ولكن له أجر.
وبمثل الذي قلنا في ذلك تظاهرت الرواية عن السلف من الصحابة والتابعين. ذكر الأخبار التي رويت بذلك :
حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا داود، عن الشعبي : أن وثنا كان في الجاهلية على الصفا يسمى إسافا، ووثنا على المروة يسمى نائلة فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مسحوا الوثنين فلما جاء الإسلام وكسرت الأوثان، قال المسلمون : إن الصفا والمروة إنما كان يطاف بهما من أجل الوثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر. قال : فأنزل الله : إنهما من الشعائر فَمَنْ حَجّ البَيْتَ أو اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطّوفَ بِهِما.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا عبد الوهاب، قال : حدثنا داود، عن عامر، قال : كان صنم بالصفا يدعى إسافا، ووثن بالمروة يدعى نائلة. ثم ذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب، وزاد فيه، قال : فذكّر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه، وأنّث المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مؤنثا.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، وذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب، عن يزيد، وزاد فيه، قال : فجعله الله تطوّع خير.
حدثني يعقوب، قال : حدثنا ابن أبي زائدة، قال : أخبرني عاصم الأحول، قال : قلت لأنس بن مالك : أكنتم تكرهون الطواف بين الصفا والمروة حتى نزلت هذه الآية ؟ فقال : نعم كنا نكره الطواف بينهما لأنهما من شعائر الجاهلية حتى نزلت هذه الآية : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ.
حدثني عليّ بن سهل الرملي، قال : حدثنا مؤمل بن إسماعيل، قال : حدثنا سفيان، عن عاصم، قال : سألت أنسا عن الصفا والمروة، فقال : كانتا من مشاعر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكوا عنهما، فنزلت : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ.
حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال : حدثني أبو الحسين المعلم، قال : حدثنا سنان أبو معاوية، عن جابر الجعفي، عن عمرو بن حبشي، قال : قلت لابن عمر : إن الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجّ البَيْتَ أو اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطّوفَ بِهِما قال : انطلق إلى ابن عباس فاسأله، فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد ﷺ فأتيته فسألته، فقال : إنه كان عندهما أصنام، فلما حرّمن أمسكوا عن الطواف بينهما حتى أنزلت : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجّ البَيْتَ أو اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطّوّفَ بِهِما.
حدثني المثنى، قال : حدثنا عبد الله بن صالح، قال : حدثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس قوله : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّه وذلك أن ناسا كانوا يتحرّجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فأخبر الله أنهما من شعائره، والطواف بينهما أحب إليه، فمضت السنّة بالطواف بينهما.
حدثني موسى، قال : حدثنا عمرو، قال : حدثنا أسباط، عن السدي : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجّ البَيْتَ أو اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطّوّفَ بِهِما قال : زعم أبو مالك عن ابن عباس أنه كان في الجاهلية شياطين تعزف الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام وظهر، قال المسلمون : يا رسول الله لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شرك كنا نفعله في الجاهلية فأنزل الله : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطّوّفَ بِهِما.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّه قال : قالت الأنصار : إن السعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. فأنزل الله تعالى ذكره : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
حدثني يونس، قال : أخبرنا ابن وهب، قال : قال ابن زيد في قوله : فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطّوّفَ بِهِما قال : كان أهل الجاهلية قد وضعوا على كل واحد منهما صنما يعظمونهما فلما أسلم المسلمون كرهوا الطواف بالصفا والمروة لمكان الصنمين، فقال الله تعالى : إنّ الصّفا والمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجّ البَيْتَ أو اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ يَطّوّفَ بِهِما وقرأ : وَمَنْ يُعَظّمْ شَعَائِرَ اللّه فإنّها مِنْ تَقْوَى القُل
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
عن أبيه، عن الربيع في قوله:"أولئك عليهم صلواتٌ من ربّهم ورحمة"، يقول: الصلوات والرحمة على الذين صبروا واسترجعوا.
٢٣٣١- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن سفيان العُصفُريّ، عن سعيد بن جبير قال: مَا أعطِيَ أحدٌ ما أعطيت هذه الأمة:"الذينَ إذا أصابتهم مصيبه قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صَلواتٌ من رَبهم وَرحمة"، ولو أعطيها أحدٌ لأعطيها يعقوب عليه السلام، ألم تسمعْ إلى قوله: (يَا أسفي عَلَى يُوسُفَ) [سورة يوسف: ٨٤]. (١)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾


قال أبو جعفر:"والصفا" جمع"صَفاة"، وهي الصخرة الملساء، ومنه قول الطرمَّاح:
أَبَى لِي ذُو القُوَى وَالطَّوْلِ ألايُؤَبِّسَ حَافِرٌ أَبَدًا صَفَاتِي (٢)
(١) الخبر: ٢٣٣١- سفيان العصفري: هو سفيان بن زياد العصفري، وهو ثقة، وثقه ابن معين، وأبو حاتم، وأبو زرعة. مترجم في التهذيب ٤: ١١١، برقم: ١٩٨. وابن أبي حاتم ٢/١/٢٢١، برقم: ٩٦٦. والكبير للبخاري ٢/٢/٩٣، برقم: ٢٠٧٦، لكن لم يذكر نسبته"العصفري". وهو يشتبه على كثير من العلماء بآخر، هو"سفيان بن دينار، أبو الورقاء الأحمري". فقد ترجمه ابن أبي حاتم ٢/١/٢٢٠-٢٢١، برقم: ٦٩٥، وثبت في بعض نسخه زيادة"العصفري" في نسبته. والبخاري ترجم"الأحمري" ٢/٢/٩٢، برقم: ٢٠٧٣. ولم يذكر فيه"العصفري" أيضًا. وترجم في التهذيب ٤: ١٠٩، برقم: ١٩٣- مع شيء من التخليط في الترجمتين، يظهر بالتأمل. ومع هذا التخليط فقد رجح الحافظ أنهما اثنان، وقال في ترجمة"سفيان بن دينار"-: "والتحقيق فيه: أن سفيان بن دينار التمار هذا، يقال له: العصفري، أيضًا، وأن سفيان بن زياد العصفري: آخر، بينه الباحي". وقال في ترجمة الآخر: "والصحيح أنهما اثنان، كما قال ابن معين وغيره". وأيا ما كان فالاثنان قتان.
(٢) ديوانه: ١٣٤، وكان في المطبوعة: "يونس حافر أبدي"، وهو خطأ، والطول: القدرة والغنى. وهو ذو الطول والقوة، هو الله سبحانه. وأبس الشيء يؤبسه: ذلله ولينه، أو كسره، ومثله قول عباس بن مرداس:
إنْ تَكُ جُلْمُودَ صَخْرٍ لاَ أُؤَبِّسُهُأُوقِدْ عَلَيْهِ، فأْحمِيهِ، فينصَدِعُ
السَّلْمُ تأخُذُ مِنْهَا مَا رَضِيتَ بِهوَالحَرْبُ يَكْفِيكَ مِنْ أَنْفَاسِهَا جُرَعُ
وقد قالوا إن"الصفا" واحد، وأنه يثنى"صَفَوان"، ويجمع"أصفاء" و"صُفِيًّا، وصِفِيًّا"، واستشهدوا على ذلك بقول الراجز (١)
كأنَّ مَتْنَيْهِ مِنَ النَّفِيِّمَوَاقِعُ الطَّيْرِ عَلَى الصُّفِيِّ (٢)
وقالوا: هو نظير"عَصَا وعُصِيّ [وعِصِيّ، وأَعْصاء]، ورَحَا ورُحِيّ [وَرِحِيّ] وأرْحاء". (٣)
* * *
وأما"المروة"، فإنها الحصاةُ الصغيرة، (٤) يجمع قليلها"مَرَوات"، وكثيرها"المرْو"، مثل"تمرة وتمَرات وتمر"، قال الأعشى ميمون بن قيس:
(١) هو الأخيل الطائي.
(٢) سيأتي في التفسير ٦: ١٤٢ والجمهرة ٣: ١٣٥، والمخصص ١٠: ٩٠، ومجالس ثعلب: ٢٤٩، والحيوان ٢: ٣٣٩، والقالي ٢: ٨، واللسان (صفا) و (نفا) وكلهم رواه"متنيه" إلا ابن دريد فإنه أنشده:
كأنّ مَتْنَيَّ من النَّفِيِّمِنْ طُولِ إشْرَافِي على الطّوِيِّ
والنفي: ما تطاير من دلو المستقى. ومن روى"متني" فكأنه عنى أن الأخيل يصف نفسه. وأما من روى"متنيه"، فإنه عنى غيره. وهو الأصح فيما أرجح، وقد قال الأزهري: "هذا ساق كان أسود الجلدة، استقى من بئر ملح، فكان يبيض نفي الماء على ظهره إذا ترشش. لأنه كان ملحًا". فإذا صح ذلك، كانت رواية البيت الذي يليه"من طول إشراف" بغير ياء الإضافة، ومعنى الشعر أشبه بما قال الأزهري، لتشبيهه في البيت الثالث. و"الطوي" البئر المطوية بالحجارة.
(٣) الزيادة بين الأقواس لا بد منها، ليستقيم تمثيل المتمثل بهذه الجموع، على نظيرها. وهو قوله آنفًا: صفا وأصفاء وصفى وصفى.
(٤) بيان الطبري عن معنى"المرو" ليس بجيد، والأجود ما قاله أصحاب اللغة: المرو، حجارة بيض براقة، تكون فيها النار، وتقدح منها النار، ويتخذ أداة كالسكين يذبح بها، وهي صلبة.
وَتَرَى بالأرْضِ خُفًّا زائِلافَإِذَا مَا صَادَفَ المَرْوَ رَضَح (١)
يعني ب"المرو": الصخرَ الصغار، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي:
حَتَّى كأنِّي لِلْحَوَادِثِ مَرْوَةٌبِصَفَا المُشَرِّقِ كُلَّ يَوْمٍ تُقْرَعُ (٢)
ويقال"المشقِّر".
* * *
وإنما عنى الله تعالى ذكره بقوله:"إنّ الصفا والمروة"، في هذا الموضع: الجبلين المسمَّيَين بهذين الاسمين اللذين في حَرَمه، دون سائر الصفا والمرو. ولذلك أدخل فيهما"الألف واللام"، ليعلم عباده أنه عنى بذلك الجبلين المعروفين بهذين الاسمين، دون سائر الأصفاء والمرْوِ.
* * *
وأما قوله:"منْ شَعائر الله"، فإنه يعني: من معالم الله التي جعلها تعالى ذكره لعباده مَعلمًا ومَشعَرًا يعبدونه عندها، إما بالدعاء، وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها. ومنه قول الكميت:
نُقَتِّلُهُمْ جِيَلا فَجِيلا تَرَاهُمُشَعَائِرَ قُرْبَانٍ بِهِمْ يُتَقَرَّبُ (٣)
(١) ديوانه: ١٦١، وفي الشطر الأول تصحيف لم أتبين صوابه، ورواية الديوان: وَتُولِّي الأَرْضَ خُفًّا مُجْمَرًا
وهو يصف ناقته وشدتها ونشاطها، والخف المجمر: هو الوقاح الصلب الشديد المجتمع، نكبته الحجارة فصلب. رضح الحصا والنوى رضحًا: دقه فكسره. يعني من شدة الخف وصلابته، وذلك محمود في الإبل.
(٢) ديوانه: ٣، والمفضليات: ٥٨٧، من قصيدة البارعة في رثاء أولاده، يقول عن المصائب المتتابعة تركته كهذه الصخرة التي وصف. والمشرق: المصلي بمنى. قال ابن الأنباري: "وإنما خص المشرق، لكثرة مرور الناس به". ثم قال: "ورواها أبو عبيدة: "المشقر": يعني سوق الطائف. يقول: كأني مروة في السوق يمر الناس بها، يقرعها واحد بعد واحد".
(٣) الهاشميات: ٢١، واللسان (شعر)، وغيرهما. والضمير في قوله: "نقتلهم"، إلى الخوارج الذين عدد أسماءهم في بيتين قبل:
عَلاَمَ إذًا زُرْنَا الزُّبَيْر وَنَافِعًابغارتنا، بَعْدَ المقَانِبِ مِقْنَبُ
وَشَاطَ عَلَى أَرْمَاحِنَا بِادِّعَائِهَاوَتَحْوِيلهَا عَنْكُمْ شَبِيبٌ وقَعْنَبُ
والجيل: الأمة، أو الصنف من الناس. وفي المطبوعة واللسان: "تراهم" بالتاء، وهو خطأ. والشعائر هنا جمع شعيرة: وهي البدنة المهداة إلى البيت، وسميت بذلك لأنه يؤثر فيها بالعلامات. وإشعار البدن: إدماؤها بطعن أو رمي أو حديدة حتى تدمي.
وكان مجاهد يقول في الشعائر بما:-
٢٣٣٢- حدثني به محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"إنّ الصفا والمروة من شَعائر الله" قال، من الخبر الذي أخبركم عنه. (١)
٢٣٣٣- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
* * *
فكأن مجاهدًا كان يرى أن الشعائر، إنما هو جمع"شعيرة"، من إشعار الله عباده أمرَ الصفا والمروة، وما عليهم في الطواف بهما. فمعناه: إعلامُهم ذلك.
وذلك تأويل من المفهوم بعيد. وإنما أعلم الله تعالى ذكره بقوله:"إن الصفا والمروة مِنْ شعائر الله" عبادَه المؤمنين أن السعي بينهما من مَشاعر الحج التي سنَّها لهم، وأمرَ بها خليله إبراهيمَ صلى الله عليه وسلم، إذ سَأله أن يُريه مناسك الحج. وذلك وإن كان مَخرجُه مَخرجَ الخبر، فإنه مرادٌ به الأمر. لأن الله تعالى ذكره قد أمر نبيه محمدًا ﷺ باتباع ملة إبراهيم عليه السلام، فقال له: (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا) [سورة النحل: ١٢٣]، وجعل تعالى ذكره إبراهيمَ إمامًا لمنْ بَعده. فإذْ كان صحيحًا أن الطوافَ والسعيَ بين الصفا والمروة من شعائر الله ومن مَناسك الحج، فمعلوم أن إبراهيم صلى الله
(١) في المطبوعة: "من الخير" بالياء المثناة التحتية، وليس يستقيم، والصواب ما أثبت، وكلام الطبري في تعليقه على قول مجاهد، دال على الصواب من ذلك أنها من الإشعار، وهو الإخبار.
عليه وسلم قد عَمل به وسنه لمن بعده، وقد أُمرَ نبينا ﷺ وأمته باتباعه، فعليهم العمل بذلك، على ما بينه رسول الله صلى الله عليه وسلم.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره:"فمن حج البيت"، فمن أتاه عائدًا إليه بَعدَ بدء. وكذلك كل من أكثر الاختلاف إلى شيء فهو"حَاجٌّ إليه"، ومنه قول الشاعر: (١)
لأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولا كثِيرَةًيَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبْرِقَانِ الم زعفرا (٢)
(١) هو المخبل السعدي، وهو مخضرم.
(٢) المعاني الكبير: ٤٧٨، والاشتقاق لابن دريد: ٧٧، ١٥٦، وتهذيب الألفاظ: ٥٦٣، وإصلاح المنطق: ٤١١، والبيان والتبيين ٣: ٩٧، وشرح أدب الكاتب للجواليقي: ٣١٣، وللبطليوسي: ٤٠٥، واللسان (سبب) (حجج)، (قهر) (زبرق)، والجمرة لابن دريد: ١: ٣١، ٤٩/٣: ٤٣٤، وسمط اللآلي: ١٩١، والخزانة ٣: ٤٢٧. وفي المطبوعة: "بيت الزبرقان" والصواب ما أثبت.
وقد ذهب الطبري في تفسير البيت، كما ذهب ابن دريد وابن قتيبة والجاحظ وغيرهم إلى أن"السب" هاهنا العمامة، وأن سادات العرب كانوا يصبغون عمائمهم بالزعفران، ومنهم حصين بن بدر، وهو الزبرقان، وسمي بذلك لصفرة عمامته وسيادته. وذهب أبو عبيدة وقطرب إلى أنه"السب" هنا هي الاست، وكان مقروفًا، وزعموا أن قول قطرب قول شاذ، والصواب عندي أن أبا عبيدة وقطرب قد أصابا، وأنهم أخطأوا في ردهم ما قالا. فقد كان المخبل بذيء اللسان، حتى نسب إلى رسول الله ﷺ أنه قال: "إنما هو عذاب يصبه الله على من يشاء من عباده" (النقائض: ١٠٤٨) قال أبو عبيدة في النقائض: "كان المخبل القريعي أهجى العرب... ثم كان بعده حسان بن ثابت، ثم الحطيئة، والفرزدق، وجرير، والأخطل. هؤلاء الستة الغاية في الهجاء وغيره، ولم يكن في الجاهلية ولا في الإسلام لهم نظير". هذا وقد كان من أمر المخبل والزبرقان بن بدر ما كان في ضيافة الحطيئة (انظر طبقات فحول الشعراء: ٩٦-١٠٠)، وهجاؤه له، ثم ما استشرى من هجاء المخبل له، لما خطب إليه أخته خليدة، فأبى الزبرقان أن يزوجها له، وذمه. فهجاء وهجا أخته مقذعًا، وحط منه حتى قال له:وكل شعره في الزبرقان وأخته مقذع. وهذا البيت الذي استشهد به الطبري من قذعه. وقبل البيت:
يَا زِبْرِقَانُ أخَابَنِي خَلَفٍمَا أنْتَ وَيبَ أبِيكَ والفَخْرُ
مَا أنْتَ إلاّ فِي بَنِي خَلَفٍكالإسْكَتَينِ عَلاَهُمَا البَظْرُ
أَلَمْ تَعْلَمِي يَا أُمَّ عَمْرَةَ أنَّنِيتَخَاطَأَنِي رَيْبُ الزَّمَانِ لأَكْبَرَا
لأَشْهَدَ مِنْ عَوْفٍ حُلُولاً كثيرةًيَحُجُّونَ سِبَّ الزبْرِقَانِ المُزَعْفَرَا
تَمَنَّى حُصَيْنٌ أن يَسُودَ جِذَاعَهُفأَمْسَى حُصَيْنٌ قد أُذِلَّ وأُقْهِرَا
وفي سيرة ابن هشام ٢: ٢٧٥-٢٧٦ قول عتبة بن ربيعة في أبي جهل: "سيعلم مصفراسته من انتفخ سحره، أنا أم هو! " فرماه بمثل ذلك من القبيح، الذي قاله المخبل السعدي. ومن زعم أن المخبل يقول إنه: "كره أن يعيش ويعمر حتى يرى الزبرقان من الجلالة والعظمة بحيث يحج بنو عوف عصابته"، فقد أخطأ، وقد نقض عليه البيت الثالث ما زعم، فإنه يصفه بأنه تمنى السيادة، ولكن ذلك لم يزده إلا ذلا وقهرًا، فكيف يتأتى أن يقول ما زعم هذا أنه أراده؟ بل أراد المخبل أن يسخر به ويتهكم، كما فعل في سائر هجائه له.
وقوله: "وأشهد" منصوب، عطفًا على قوله: "لأكبرا".
يعني بقوله:"يحجون"، يكثرون التردد إليه لسُودده ورياسته. وإنما قيل للحاج"حاجّ"، لأنه يَأتي البيت قَبل التعريف، ثم يعود إليه لطَواف يوم النحر بعد التعريف، ثم ينصرف عنه إلى منى، ثم يعود إليه لطوَاف الصَّدرَ. (١) فلتكراره العودَ إليه مرّة بعد أخرى قيل له:"حاجٌّ".
* * *
وأما"المعتمر"، فإنما قيل له:"معتمر"، لأنه إذا طاف به انصرف عنه بعد زيارته إياه. وإنما يعني تعالى ذكره بقوله:"أو اعتمر"، أو اعتمرَ البيت، ويعني ب"الاعتمار" الزيارة. فكل قاصد لشيء فهو له"معتمر"، ومنه قول العجاج:
لَقَدْ سَمَا ابْنُ مَعْمَرٍ حِينَ اعْتَمَرْغْزًى بَعِيدًا من بَعِيدٍ وَضَبَرْ (٢)
يعني بقوله:"حين اعتمر"، حين قصده وأمَّه.
* * *
(١) عرف يعرف تعريفًا: وقف بعرفات. و"طواف الصدر" من قولهم: صدر الناس من حجهم، أي رجعوا بعد أن يقضوا نسكهم.
(٢) ديوانه: ١٩ من قصيدة مدح بها عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي، مضى منها في ١: ١٩٠، ٢: ١٥٧. وقوله"مغزى"، أي غزوًا. وضبر: جمع قوائمه ليثب ثم وثب. وهو يصف بعده جيش عمر بن عبيد الله، وكان فتح الفتوح الكثيرة، وعظم أمره في قتال الخوارج.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما"، يقول: فلا حَرَج عليه ولا مَأثم في طَوَافه بهما.
* * *
فإن قال قائل: وما وجه هذا الكلام، وقد قلت لنا، إن قوله:"إنّ الصفا والمروة من شعائر الله"، وإن كان ظاهرهُ ظاهرَ الخبر، فإنه في معنى الأمر بالطواف بهما؟ فكيف يكون أمرًا بالطواف، ثم يقال: لا جُناح على من حج البيت أو اعتمر في الطواف بهما؟ وإنما يوضع الجُناح عمن أتى ما عليه بإتيانه الجناحُ والحرجُ؟ والأمر بالطواف بهما، والترخيصُ في الطواف بهما، غيرُ جائز اجتماعهما في حال واحدة؟
قيل: إنّ ذلك بخلاف ما إليه ذهبتَ. (١) وإنما معنى ذلك عند أقوام: أنّ النبي ﷺ لما اعتمر عُمرة القضيَّة، تخوَّف أقوامٌ كانوا يطوفون بهما في الجاهلية قبل الإسلام لصنمين كانا عليهما تعظيمًا منهم لهما، فقالوا: وكيف نَطوف بهما، وقد علمنا أنَّ تَعظيم الأصنام وجميع ما كان يُعبد من ذلك من دون الله، شركٌ؟ ففي طوَافنا بهذين الحجرين أحرَجُ ذلك، (٢) لأن الطواف بهما في الجاهلية إنما كان للصنمين اللذين كانا عليهما، وقد جاء الله بالإسلام اليومَ، ولا سبيل إلى تعظيم شيء مع الله بمعنى العبادة له!
فأنزل الله تعالى ذكره في ذلك من أمرهم:"إنّ الصفا والمروة من شعائر الله"،
(١) في المطبوعة: "إليه ذهب"، والصواب ما أثبت، لأن الطبري ساق قول القائل، على أنه خطاب له إذ قال للطبري: "وقد قلت لنا". فالصواب أن يصرف الرد عليه خطابًا له كما خاطبه.
(٢) في المطبوعة: "أحد ذلك"، ولا معنى له، وفيه تحريف لا شك فيه. فإنهم لم يذكروا متعددًا من الآثام حتى يجعلوا له"أحدًا". وإنما أرادوا: أكبر الإثم والشرك. و"ذلك"، إشارة إلى الشرك. ولو قرئت أيضًا: "أخوف ذلك" لكاتب صوابًا، لأنه سيذكر أنهم كانوا يتخوفون الطواف بهما. ويعني: أخوف الشرك.
يعني: إن الطوافَ بهما، فترك ذكر"الطواف بهما"، اكتفاء بذكرهما عنه. وإذْ كان معلومًا عند المخاطبين به أن معناه: من معالم الله التي جعلها علَمًا لعباده يعبدونه عندهما بالطواف بينهما، ويذكرونه عليهما وعندهما بما هو له أهل من الذكر،"فمن حَج البيتَ أو اعتمر" فلا يتخوَّفنَّ الطواف بهما، من أجل ما كانَ أهل الجاهلية يطوفون بهما من أجل الصنمين اللذين كانا عليهما، فإن أهل الشرك كانوا يطوفون بهما كفرًا، وأنتم تَطوفون بهما إيمانًا، وتصديقًا لرسولي، وطاعةً لأمري، فلا جُناح عليكم في الطواف بهما.
* * *
و"الجناح"، الإثم، كما:-
٢٣٣٤- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فلا جُناح عليه أن يطوّف بهما"، يقول: ليس عليه إثم، ولكن له أجر.
* * *
وبمثل الذي قلنا في ذلك تظاهرت الرواية عن السلف من الصحابة والتابعين.
ذكر الأخبار التي رويت بذلك:
٢٣٣٥- حدثنا محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا داود، عن الشعبي: أن وَثَنًا كان في الجاهلية على الصفا يسمى"إسافًا"، (١) ووثنًا على المرْوة يسمى"نائلة"، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت مَسحوا الوثَنين. فلما جاء الإسلام وكُسرت الأوثان، قال المسلمون: إنّ الصفا والمرْوة إنما كانَ يُطاف بهما من أجل الوَثنين، وليس الطواف بهما من الشعائر! قال: فأنزل الله: إنهما من الشعائر،"فمن حَجّ البيتَ أو اعتمر فلا جُناحَ عليه أن يطوّف بهما".
٢٣٣٦- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا عبد الوهاب قال، حدثنا داود، عن عامر قال: كان صنم بالصفا يدعى"إسافًا"، (٢) ووثَن بالمروة يدعى"نائلة"،
(١) في المطبوعة: "إساف"، والصواب ما أثبت، فهو غير ممنوع من الصرف.
(٢) في المطبوعة: "إساف"، والصواب ما أثبت، فهو غير ممنوع من الصرف.
ثم ذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب - وزاد فيه، قال: فذكِّر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه، وأنِّت المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مؤنثًا. (١)
٢٣٣٧- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، وذكر نحو حديث ابن أبي الشوارب عن يزيد، وزاد فيه - قال: فجعله الله تطوُّعَ خير.
٢٣٣٨- حدثني يعقوب قال، حدثنا ابن أبي زائدة قال، أخبرني عاصم الأحول قال، قلت لأنس بن مالك: أكنتم تكرهون الطواف بين الصفا والمرْوة حَتى نزلت هذه الآية؟ فقال: نعم كنا نكره الطواف بَينهما لأنهما من شعائر الجاهلية، حتى نزلت هذه الآية:"إنّ الصفا والمروة من شعائر الله". (٢)
٢٣٣٩- حدثني علي بن سهل الرملي قال، حدثنا مؤمل بن إسماعيل قال، حدثنا سفيان، عن عاصم قال، سألت أنسًا عن الصفا والمروة، فقال: كانتا من مَشاعر الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكوا عنهما، فنزلت:"إن الصفا والمرْوَة من شَعائر الله". (٣)
(١) الأثر: ٢٣٣٦- هكذا جاء هذا الأثر في الدر المنثور ١: ١٦٠، وصواب عبارته فيما أرجح، أن يحذف"مؤنثًا"، أو أن يقال: "من أجل أن الوثن الذي كان عليه كان مذكرًا، وأنث المروة من أجل أن الوثن الذي كان عليه كان مؤنثًا".
(٢) الحديث: ٢٣٣٨- يعقوب: هو ابن إبراهيم الدورقي. ابن أبي زائدة: هو يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني الوادعي، وهو حافظ ثقة، يقرن بابن المبارك. يقولون: إنه أول من صنف الكتب بالكوفة، مات سنة ١٨٣. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/٢/٢٧٣-٢٧٤. والصغير، ص: ٢٠٦، وابن سعد: ٦: ٢٧٤، وابن أبي حاتم ٤/٢/١٤٤-١٤٥، وتذكرة الحفاظ ١: ٢٢٦-٢٤٧.
عاصم: هو ابن سليمان الأحول، مضى في: ١٨٤، وهو من صغار التابعين. وعده سفيان الثوري أحفظ ثلاثة في البصرة. مترجم في التهذيب، وابن سعد ٧/٢/٢٠-٦٥، وابن أبي حاتم ٣/١/٣٤٣-٣٤٤.
والحديث رواه البخاري ٣: ٤٠٢ (فتح)، من طريق عبد الله، وهو ابن المبارك، عن عاصم الأحول، بنحوه. ورواه أيضًا مسلم، والترمذي، والنسائي. كما في القسطلاني ٣: ١٥٣-١٥٤.
(٣) الحديث: ٢٣٣٩- سفيان: هو الثوري. والحديث مختصر ما قبله. ورواه البخاري مختصرًا ٨: ١٣٢ (فتح)، عن محمد بن يوسف، عن سفيان. ورواه الحاكم ٢: ٢٧٠، من طريق حسين بن حفص، عن سفيان. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. وأخطأ الحاكم في استدراكه، فقد رواه البخاري. كما ذكرنا قبل.
وسيأتي بعض معناه مختصرًا: ٢٣٤٦، ٢٣٤٧، من رواية جرير، عن عاصم، عن أنس.
٢٣٤٠- حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال، حدثني أبو الحسين المعلم قال، حدثنا شيبان أبو معاوية، عن جابر الجعفي، عن عمرو بن حبشي قال، قلت لابن عمر:"إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حَج البيتَ أو اعتمر فَلا جُناحَ عليه أنْ يَطَّوَّف بهما" قال، انطلق إلى ابن عباس فاسأله، فإنه أعلم من بقي بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم. فأتيته فسألته، فقال: إنه كان عندهما أصنامٌ، فلما حُرِّمْن أمسكوا عن الطواف بينهما، حتى أنزلت:"إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حَج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أنْ يَطَّوَّفَ بهما" (١).
(١) الحديث: ٢٣٤٠- عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث بن سعيد العنبري: ثقة، من شيوخ مسلم والترمذي والنسائي وأبي حاتم وغيرهم. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ٣/١/٧٦.
حسين المعلم: هو حسين بن محمد بن بهرام التميمي المروذي، المؤدب، كما لقب بذلك في التهذيب، وهو"المعلم" أيضًا، كما لقبه بذلك البخاري وابن أبي حاتم، وهو ثقة من شيوخ أحمد ويحيى والأئمة. مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/٣٨٦-٣٨٧، وابن سعد ٧/٢/٧٩، وابن أبي حاتم ١/٢/٦٤. وتاريخ بغداد ٨: ٨٨-٩٠، وكان معروفًا برواية"تفسير شيبان النحوي". فروى ابن أبي حاتم عن أبيه قال، "أتيته مرارًا بعد فراغه من تفسير شيبان، وسألته أن يعيد على بعض المجلس، فقال: بكر، بكر. ولم أسمع منه شيئًا".
ومما يوقع في الوهم، الاشتباه بين"عبد الوارث بن عبد الصمد". وشيخه"حسين المعلم" هذا - وبين"عبد الوارث بن سعيد"، وشيخه"حسين المعلم" أيضًا.
ف"عبد الوارث" -شيخ الطبري- هو الذي ترجمنا له هنا. وشيخه"حسين بن محمد المروذي". و"عبد الوارث بن سعيد" - هو جد"عبد الوارث" هذا. و"حسين المعلم" هو"حسين بن ذكوان المعلم"، وهو قديم، يروي عن التابعين.
شيبان أبو معاوية: "هو شيبان بن عبد الرحمن التميمي النحوي؛ وهو إمام حجة حافظ، حدث عند أبو حنيفة، وهو من أقرانه. وروى عنه الأئمة: الطيالسي، وابن مهدي، وغيرهما. مترجم في التهذيب. والكبير ٢/٢/٢٥٥، وابن سعد ٦: ٢٦٢، و ٧/٢/٦٧-٦٨ وابن أبي حاتم ١/١/٣٥٥-٣٥٦، وتاريخ بغداد ٩: ٢٧١-٢٧٤، وتذكرة الحفاظ ١: ٢٠٢-٢٠٣.
ووقع في المطبوعة غلط في اسمه واسم الراوي عنه: فذكر"أبو الحسين المعلم"! وهو تخليط، وذكر"سنان أبو معاوية"! وهو فوق ذلك تصحيف.
جابر الجعفي، بضم الجيم وسكون العين المهملة: وهو جابر بن يزيد بن الحارث، وهو ضعيف جدًا، رمي بالكذب. مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/٢١٠، والضعفاء للبخاري، ص: ٧. والنسائي، ص: ٧، وابن أبي حاتم ١/١/٤٩٧-٤٩٨، والمجروحين لابن حبان، رقم: ١٧٥، ص ١٤٠-١٤١. والميزان ١: ١٧٦-١٧٨.
عمرو بن حبشي، بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة وكسر الشين المعجمة: تابعي ثقة، مترجم في التهذيب. وابن أبي حاتم ٣/١/٢٢٦.
وهذا الحديث -الضعيف الإسناد- لم أجده إلا في هذا الموضع. وذكره السيوطي ١: ١٥٩، ولم ينسبه إلا إلى الطبري.
٢٣٤١- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"إنّ الصفا والمروة من شَعائر الله"، وذلك أنّ ناسًا كانوا يتحرجون أن يَطوفوا بين الصفا والمروة، فأخبر الله أنهما من شعائره، والطواف بينهما أحبُّ إليه، فمضت السُّنة بالطَّواف بينهما.
٢٣٤٢- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"إنّ الصفا والمروة من شَعائر الله فمن حَج البيت أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطوَّف بهما" قال، زعم أبو مالك، عن ابن عباس: أنه كانَ في الجاهلية شَياطين تعزِفُ الليل أجمعَ بين الصفا والمروة، وكانت بَينهما آلهة، فلما جاء الإسلام وظَهر، قال المسلمون: يا رَسولَ الله، لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شركٌ كنا نفعله في الجاهلية! فأنزل الله:"فلا جُناح عليه أن يطوَّف بهما". (١)
(١) الحديث: ٢٣٤٢- هذا الإسناد، هو من أسانيد تفسير السدي الثلاثة، وقد فصلنا القول فيها، في: ١٦٨.
والحديث رواه أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف، ص: ١٠٠-١٠١، عن الحسين بن علي بن مهران، عن عامر بن الفرات، عن أسباط، بهذا الإسناد، نحوه.
وفي إسناد ابن أبي داود فائدة جديدة: أن هناك راويًا لتفسير السدي، غير"عمرو بن طلحة القناد" راويه عن أسباط بن نصر. فها هو ذا عامر بن الفرات يروي شيئًا منه عن أسباط أيضًا. و"عامر بن الفرات": لم أجد له ترجمة أصلا. ومن عجب أن يذكره ابن أبي حاتم، في ترجمة"الحسين بن علي بن مهران" ١/٢/٥٦ - شيخًا له، ثم لا يترجم له في بابه!
ورواه أيضًا الحاكم ٢: ٢٧١، من طريق عمرو بن طلحة القناد، عن أسباط. بهذا الإسناد نحوه. وزاد في آخره: "يقول: عليه إثم ولكن له أجر". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي.
ولنا على الحاكم والذهبي في هذا استدراك، هو: أن أبا مَالك -التابعي راويه عن ابن عباس - وهو"غزوان الغفاري": لم يرو له مسلم في صحيحه أصلا. فلا يكون الحديث على شرط مسلم، في اصطلاح الحاكم!
وفي رواية الحاكم -هذه- فائدة أيضًا: أنا ظننا عند الكلام على أسانيد تفسير السدي الثلاثة، أن الحاكم اختار منها إسنادين فقط، ولكن أظهرنا هذا الإسناد على أنه صحح الثلاثة الأسانيد.
والحديث ذكره السيوطي ١: ١٥٩، وزاد نسبته لابن أبي حاتم أيضًا.
٢٣٤٣- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد في قوله:"إنّ الصفا والمروة من شعائر الله" قال، قالت الأنصار: إنّ السَّعي بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية! فأنزل الله تعالى ذكره:"إنّ الصفا والمروة من شَعائر الله"
٢٣٤٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن أبن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
٢٣٤٥- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فلا جُناح عليه أن يَطَّوَّف بهما" قال، كان أهل الجاهلية قد وَضَعوا على كل واحد منهما صَنمًا يعظمونهما، فلما أسلم المسلمون كرِهوا الطواف بالصفا والمروة لمكان الصنمين، فقال الله تعالى:"إن الصفا والمروةَ من شَعائر الله فمن حج البيتَ أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما"، وقرأ: (وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ) [سورة الحج: ٣٢]، وسَن رسول الله ﷺ الطواف بهما.
٢٣٤٦- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم قال، قلت لأنس: الصفا والمروة، أكنتم تكرَهون أن تطوفوا بهما مع الأصنام التي نُهيتم عنها؟ قال: نعم، حتى نزلت:"إنّ الصفا والمروة من شعائر الله".
٢٣٤٧- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير قال، أخبرنا عاصم قال، سمعت أنس بن مالك يقول: إنّ الصفا والمروة من مَشاعر قُريش في الجاهلية،
فلما كان الإسلام تَركناهما. (١)
* * *
وقال آخرون: بل أنزل الله تعالى ذكره هذه الآية، في سَبب قوم كانوا في الجاهلية لا يَسعوْن بينهما، فلما جاء الإسلام تخوَّفوا السعي بينهما كما كانوا يتخوَّفونه في الجاهلية.
* ذكر من قال ذلك:
٢٣٤٨- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة، قوله:"إنّ الصفا والمرْوَة من شعائر الله" الآية، فكان حَيٌّ من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما، فأخبرهم الله أنّ الصفا والمروة من شعائر الله، وكانَ من سُنة إبراهيم وإسماعيلَ الطواف بينهما.
٢٣٤٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال، كان ناس من أهل تِهامة لا يطوفون بين الصفا والمروة، فأنزل الله:"إنّ الصفا والمروة من شعائر الله".
٢٣٥٠- حدثني المثنى قال، حدثنا عبد الله بن صالح قال، حدثني الليث قال، حدثني عقيل، عن ابن شهاب قال، حدثني عروة بن الزبير قال، سألت عائشة فقلت لها: أرأيتِ قول الله:"إنّ الصفا والمروة من شعائر الله فمن حَجّ البيتَ أو اعتمر فَلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما"؟ وقلت لعائشة: وَالله ما على أحدٍ جناح أن لا يطوف بالصفا والمروة؟ فقالت عائشة: بئس ما قلت يا ابن أختي، إنّ هذه الآية لو كانت كما أوَّلتها كانت: لا جُناح عليه أن لا يطوَّف بهما، ولكنها إنما أنزلت في الأنصار: كانوا قبل أن يُسلموا يُهلُّون لمَناةَ، الطاغيةَ التي كانوا يعبدون بالمشلَّلِ، وكان من أهلَّ لها يتحرَّج أن يَطُوف بين
(١) الحديثان: ٢٣٤٦-٢٣٤٧- جرير: هو ابن عبد الحميد الضبي، وهو ثقة حجة حافظ. مترجم في التهذيب، والكبير ١/٢/٢١٤، وابن سعد ٧/٢/١١٠، وابن أبي حاتم ١/١/٥٠٥-٥٠٧. وتاريخ بغداد ٧: ٢٥٣-٢٦١، وتذكرة الحفاظ ١: ٢٥٠.
والحديثان مضى معناهما، من رواية عاصم عن أنس: ٢٣٣٨، ٢٣٣٩.
الصفا والمروة، فلما سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك - فقالوا: يا رسول الله إذا كنا نتحرج أن نَطُوف بين الصفا والمروة - أنزل الله تعالى ذكره:"إنّ الصفا والمروَة من شعائر الله فمن حَجّ البيتَ أو اعتمرَ فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما". قالت عائشة: ثم قد سَن رَسول الله ﷺ الطواف بينهما، فليس لأحد أن يَترك الطواف بَينهما. (١)
٢٣٥١- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: كان رجالٌ من الأنصار مِمَّن يُهلُّ لمناةَ في الجاهلية -و"مناةُ" صنمٌ بين مكة والمدينة- قالوا: يا نبيّ الله، إنا كنا لا نطوفُ بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة، فهل علينا من حَرَج أن نَطوف بهما؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"إنّ الصفا والمروةَ من شعائر الله فمن حج البيتَ أو اعتمرَ فلا جناح عليه أن يطوف بهما". قال عروة: فقلت لعائشة: ما أبالي أن لا أطوف بين الصفا والمروة! قال الله:"فلا جُناح عليه". قالت: يا ابن أختي، ألا ترى أنه يقول:"إن الصفا والمروة من شَعائر الله"! قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فقال: هذا العلم! قال أبو بكر: ولقد سمعتُ رجالا من أهل العلم يقولون: لما أنزل الله الطوافَ بالبيت ولم يُنزل الطواف بين الصفا والمروة، قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إنا كنا نطوفُ في الجاهلية بين الصفا والمروة، وإنّ الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطوافَ بين الصفا والمروةَ، فهل علينا من حرج أن لا نَطوفَ بهما؟ فأنزل الله تعالى ذكره:"إنّ الصفا والمروةَ من شعائر الله" الآية كلها، قال أبو بكر: فأسمعُ أن هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، فيمن طَافَ وفيمن لم يَطُف. (٢)
(١) الحديث: ٢٣٥٠- عقيل- بضم العين: هو ابن خالد الأيلي، وهو ثقة ثبت حجة، قال ابن معين: "أثبت من روى عن الزهري: مالك، ثم معمر، ثم عقيل". مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٩٤، وابن أبي حاتم ٣/٢/٤٣.
عروة بن الزبير بن العوام: تابعي ثقة فقيه عالم ثبت مأمون، قال أبو الزناد: "كان فقهاء أهل المدينة أربعة: سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وقبيصة بن ذؤيب، وعبد الملك بن مروان". وأمه أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق، وعائشة أم المؤمنين خالته، رضي الله عنهم. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٣١-٣٢، وابن سعد ٢/٢/١٣٤-١٣٥، و ٥: ١٣٢-١٣٥، وابن أبي حاتم ٣/١/٣٩٥-٣٩٦، وتذكرة الحفاظ ١: ٥٨-٥٩، وتاريخ الإسلام ٣: ٣١-٣٤.
والحديث -من هذا الوجه- رواه مسلم ١: ٣٦٢، من طريق عقيل، عن ابن شهاب، وهو الزهري ولم يذكر لفظه كله، إحالة على روايات قبله.
ورواه البخاري ٣: ٣٩٧-٤٠١، مطولا، من طريق شعيب، عن الزهري، باللفظ الذي هنا، إلا خلافًا في أحرف يسيرة: "فلما سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك فقالوا... أنزل الله... " ففي البخاري: "فلما أسلموا سألوا... قالوا... فأنزل الله... ". ولكن زاد البخاري في آخره قول الزهري أنه ذكر ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن - الذي سيأتي في الرواية التالية لهذه، بنحو معناه.
وثبت من أوجه كثيرة، عن الزهري، عن عروة، مطولا ومختصرًا:
فرواه مالك في الموطأ، ص: ٣٧٣، عن هشام بن عروة، عن أبيه. ورواه البخاري ٨: ١٣٢. وابن أبي داود في المصاحف، ص ١٠٠ -ولم يذكر لفظه- كلاهما من طريق مالك.
ورواه أحمد في المسند ٦: ١٤٤، ٢٢٧ (حلبي)، من طريق إبراهيم بن سعد، عن الزهري. وكذلك رواه ابن أبي داود، ص: ١٠٠ -ولم يذكر لفظه- من طريق إبراهيم بن سعد.
ورواه مسلم مطولا ١: ٣٦١-٣٦٢، من طريق سفيان بن عيينة، عن الزهري. وكذلك رواه البخاري ٨: ٤٧٢، من طريق سفيان. ولكنه اختصره جدًا.
ورواه مسلم وابن أبي داود - قبل ذلك وبعده: من أوجه كثيرة.
وذكره السيوطي ١: ١٥٩، وزاد نسبته إلى أبي داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن الأنباري في المصاحف، وابن أبي حاتم، والبيهقي في السنن.
وانظر الحديث التالي لهذا.
قوله"يهلون لمناة": أي يحجون. ومناة، بفتح الميم والنون الخفيفة: صنم كان في الجاهلية. وقال ابن الكلبي: كانت صخرة نصبها عمرو بن لحي لهذيل، وكانوا يعبدونها. والطاغية: صفة لها إسلامية. قاله الحافظ في الفتح.
"المشلل": بضم الميم وفتح الشين المعجمة ولامين، الأولى مفتوحة مثقلة، هي الثنية المشرفة على قديد، وقديد، بضم القاف ودالين مهملتين، مصغرًا: قرية جامعة بين مكة والمدينة، كثيرة المياه. عن الفتح.
(٢) الحديث: ٢٣٥١- هو تكرار للحديث السابق بمعناه، من وجه آخر صحيح، عن الزهري. وفيه زيادة قول الزهري أنه ذكر ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، إلخ. وهذه الزيادة ذكرها البخاري، في روايته من طريق شعيب عن الزهري، كما قلنا آنفًا.
ورواية معمر عن الزهري - هذه: ذكر البخاري بعضها تعليقًا ٨: ٤٧٢، فقال: "قال معمر عن الزهري... ". وقال الحافظ: "وصله الطبري، عن الحسن بن يحيى، عن عبد الرزاق، مطولا". فهذه إشارة إلى الرواية التي هنا، وأشار إليها في الفتح ٣: ٣٩٩، وذكر أنه وصلها أحمد وغيره.
وقد رواها أيضًا ابن أبي داود في المصاحف، ص: ١٠٠، عن"خشيش بن أصرم، والحسن بن أبي الربيع، أن عبد الرزاق أخبرهم عن معمر... ". ولم يسق لفظ الحديث، إحالة على ما قبله. و"خشيش": بضم الخاء وفتح الشين وآخره شين، معجمات كلها. و"الحسن بن أبي الربيع": هو"الحسن بن يحيى" شيخ الطبري، كنية أبيه"أبو الربيع". وخلط المستشرق طابع كتاب المصاحف: فكتب"حشيش" بالحاء المهملة! وكتب"الحسن بن أبي الربيع بن عبد الرزاق"!!
و"أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام" المخزومي القرشي المدني: من كبار التابعين الأئمة، ومن سادات قريش. وهو أحد الفقهاء السبعة. مترجم في التهذيب، والكنى للبخاري، رقم: ٥١، وابن سعد ٢/٢/١٣٣، و ٥: ١٥٣-١٥٤، وتذكرة الحفاظ ١: ٥٩-٦٠، وتاريخ الإسلام ٤: ٧٢-٧٣.
وقول أبي بكر بن عبد الرحمن"فأسمع أن هذه الآية نزلت... " - إلخ: هو في رواية البخاري أيضًا ٣: ٤٠١، وقال الحافظ: "كذا في معظم الروايات، بإثبات الهمزة وضم العين، بصيغة المضارعة للمتكلم. وضبطه الدمياطي في نسخته [يعني من صحيح البخاري] بالوصل وسكون العين. بصيغة الأمر، والأول أصوب، فقد وقع في رواية سفيان المذكورة: فأراها نزلت. وهو بضم الهمزة، أي أظنها".
وانظر كثيرًا من طرق هذا الحديث أيضًا، في السنن الكبرى للبيهقي ٥: ٩٦-٩٧.
٢٣٥٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كانَ ناسٌ من أهل تهامة لا يَطوفون بين الصفا والمروة، فأنزل الله:"إنّ الصفا والمرْوَة من شعائر الله". (١)
* * *
قال أبو جعفر: والصواب من القول في ذلك عندنا أن يقال: إنّ الله تعالى ذكره قد جعل الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، كما جعل الطواف بالبيت من شعائره.
فأما قوله:"فلا جناحَ عليه أن يطَّوَّف بهما"، فجائزٌ أن يكون قيل لكلا الفريقين اللذين تخوَّف بعضهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين ذكرهما الشعبي، وبَعضُهم من أجل ما كان من كراهتهم الطواف بهما في الجاهلية، على ما رُوي عن عائشة.
(١) الأثر: ٢٣٥٢- كان في المطبوعة: "حدثنا الحسن بن يحيى، قال أخبرنا معمر" بإسقاط"أخبرنا عبد الرزاق قال"، وهو إسناد دائر في التفسير، وهو مكرر رقم: ٢٣٤٩ بنصه، وأخشى أن يكون زيادة ناسخ سها.
وأيُّ الأمرين كان من ذلك، فليس في قول الله تعالى ذكره:"فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما"، الآية، دلالةٌ على أنه عَنى به وَضعَ الحرَج عَمن طاف بهما، من أجل أن الطواف بهما كان غير جائزٍ بحظر الله ذلك، ثم جُعل الطواف بهما رُخصة، لإجماع الجميع على أن الله تعالى ذكره لم يحظُر ذلك في وقت، ثم رخص فيه بقوله:"فلا جناح عليه أن يطَّوَّف بهما".
* * *
وإنما الاختلافُ في ذلك بين أهل العلم على أوجُهٍ. فرأى بعضُهم أن تارك الطواف بينهما تاركٌ من مَناسك حجه ما لا يُجزيه منه غيرُ قَضَائه بعينه، كما لا يُجزى تارك الطواف -الذي هو طَواف الإفاضة- إلا قضَاؤه بعينه. وقالوا: هما طَوافانَ: أمرَ الله بأحدهما بالبيت، والآخرُ بينَ الصفا والمروة.
* * *
ورأى بعضهم أن تارك الطواف بهما يُجزيه من تَركه فِدية، ورأوا أن حُكم الطواف بهما حُكمُ رَمي بعض الجمرات، والوقوف بالمشعر، وطَواف الصَّدر وما أشبه ذلك، مما يُجزى تاركه من تَرْكه فِديةٌ، ولا يلزمه العَوْد لقضَائه بعينه.
* * *
ورأى آخرون أنّ الطواف بهما تطوع، إن فعله صاحبه كان مُحسنًا، وإن تَرَكه تاركٌ لم يلزمه بترْكه شيء. (١)
* * *
ذكر من قال: إن السعي بين الصفا والمروة واجبٌ ولا يجزي منه فدية، ومن تركه فعليه العَوْد. (٢)
(١) في المطبوعة: "لم يلزمه بتركه شيء والله تعالى أعلم"، وهذه لا شك زيادة من ناسخ.
(٢) في المطبوعة: "فعليه العودة"، والأجود ما أثبت، وهو أشبه بعبارة الطبري وأقرانه من فقهاء عصره. وسيأتي كذلك بعد مرات في عبارته الآتية، وكأن هذه من تصرف ناسخ أو طابع.
٢٣٥٣- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا وكيع، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: لَعمري ما حَجّ من لم يَسع بين الصفا والمروة، لأن الله قال:"إن الصفا والمروة من شعائر الله".
٢٣٥٣م- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال مالك بن أنس: مَنْ نسي السعي بين الصفا والمروة حتى يستبعد من مكة، فليرجع فَليسْع، وإن كان قد أصاب النساء فعليه العمرَة والهدي. (١)
* * *
وكان الشافعي يقول: عَلى مَنْ تَرَك السعي بين الصفا والمروةَ حتى رجع إلى بلده، العود إلى مكة حتى يَطوف بينهما، لا يجزيه غير ذلك. (٢)
٢٣٥٤- حدثنا بذلك عنه الربيع.
* * *
ذكر من قال: يجزي منه دم، وليس عليه عودٌ لقضائه.
قال الثوري بما:-
٢٣٥٥- حدثني به علي بن سهل، عن زيد بن أبي الزرقاء، عنه، وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد: إن عَاد تاركُ الطوافَ بينهما لقضائه فحسن، وإن لم يعُدْ فعليه دمٌ.
* * *
ذكر من قال: الطوافُ بينهما تطوّعٌ، ولا شيء على من تركه، ومنْ كان يقرأ: (فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما)
٢٣٥٦- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا ابن جريج قال، قال عطاء: لو أن حاجًّا أفاضَ بعدما رمى جمرة العقبة، فطاف بالبيت ولم يَسع، فأصابها -يعني: امرأته- لم يكن عليه شيء، لا حجٌّ ولا عمرة، من أجل قول الله في مصحف ابن مسعود:"فمنْ حَج البيتَ أو اعتمر فَلا جُناح عليه أن لا يَطَّوَّفَ بهما". فعاودته بعد ذلك فقلت: إنه قد ترك سُنة النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ألا تسمعه يقول:"فمن تَطوَّع خَيرًا"، فأبى أن يجعل عليه شيئًا؟
٢٣٥٧- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا عبد الملك،
(١) انظر لفظ مالك في الموطأ: ٣٧٤-٣٧٥.
(٢) انظر لفظ الشافعي في الأم ٢: ١٧٨.
عن عطاء، عن ابن عباس أنه كان يقرأ:"إن الصفا والمروَة منْ شعائر الله" الآية"فلا جُناح عليه أنْ لا يَطَّوَّف بهما".
٢٣٥٨- حدثني علي بن سهل قال، حدثنا مؤمل قال، حدثنا سفيان، عن عاصم قال: سمعت أنسًا يقول: الطواف بينهما تطوع.
٢٣٥٩- حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا حماد قال، أخبرنا عاصم الأحول قال، قال أنس بن مالك: هما تطُّوع.
٢٣٦٠- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه.
٢٣٦١- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"إن الصفا والمروة من شعائر الله فمنْ حَجّ البيتَ أو اعتمر فلا جناح عليه أن يَطَّوفَ بهما" قال، فلم يُحرِّج من لم يَطُفْ بهما.
٢٣٦٢- حدثنا المثنى قال، حدثنا حجاج قال، حدثنا أحمد، عن عيسى بن قيس، عن عطاء، عن عبد الله بن الزبير قال: هما تطوع. (١)
(١) الخبر: ٢٣٦٢- عيسى بن قيس، الراوي عن عطاء: لم أستطع اليقين به. ففي ابن أبي حاتم ٣/١/٢٨٤ ترجمتان: "عيسى بن قيس"، روى عن سعيد بن المسيب، وروى عنه الليث. و"عيسى بن قيس السلمي"، روى عنه هشيم. ولم يذكر عنهما شيئا آخر. إلا أن الأول مجهول. فمن المحتمل أن يكون الراوي هنا أحدهما. فإن عطاء بن أبي رباح مات سنة ١١٤، فالراوي عن سعيد بن المسيب -المتوفي سنة ٧٣- محتمل جدًا أن يروي عن عطاء. والليث وهشيم متقاربا الطبقة، مات الليث سنة ١٧٥، وهشيم سنة ١٨٣. وأما"أحمد" الراوي هنا عن"عيسى بن قيس" - فلم أستطع معرفته.
ثم ترجح عندي أن"حجاجًا" - في هذا الإسناد: هو"حجاج بن الشاعر". وهو: حجاج بن يوسف بن حجاج الثقفي البغدادي، عرف بابن الشاعر، لأن أباه يوسف كان شاعرًا صحب أبا نواس، وحجاج هذا: ثقة، من شيوخ مسلم وأبي داود وغيرهما، قال ابن أبي حاتم: "كان من الحفاظ، ممن يحسن الحديث ويحفظه. مترجم في التهذيب، وابن أبي حاتم ١/٢/١٦٨، وتاريخ بغداد ٨: ٢٤٠-٢٤١، وتذكرة الحفاظ ٢: ١١٧-١١٨.
وأن شيخه"أحمد": هو أحمد بن عبد الله بن يونس، وهو ثقة متقن حافظ، من شيوخ البخاري ومسلم، سماه الإمام أحمد"شيخ الإسلام". وقد مضت الإشارة إليه: ٢١٤٤.
فإن يكن الإسناد هكذا، على ما رجحنا، يكن"عيسى بن قيس" محرفًا، صوابه"عمر بن قيس"، وهو المكي المعروف بـ "سندل" - بفتح السين والدال المهملتين بينهما نون ساكنة. وهو ضعيف جدًا، منكر الحديث كما قال البخاري. وقال ابن عدي: "هو ضعيف بإجماع، لم يشك أحد فيه، وقد كذبه مالك". وهو مترجم في التهذيب. والصغير للبخاري، ص: ١٩٠، والضعفاء له، ص: ٢٥، والنسائي ص: ٢٤، وابن سعد ٥: ٣٥٨، وابن أبي حاتم ٣/١/١٢٩-١٣٠.
وأنا أرجح أن يكون هذا الإسناد على هذا النحو، ولكني لا أستطيع الجزم بذلك، ولا تغيير اسم"عيسى بن قيس" - حتى أستبين بدليل آخر.
٢٣٦٤- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن عاصم قال: قلت لأنس بن مالك: السعي بين الصفا والمروة تطوُّع؟ قال: تطوعٌ.
* * *
والصواب من القول في ذلك عندنا أنّ الطواف بهما فرض واجب، وأن على من تركه العوْد لقضائه، ناسيًا كان، أو عامدًا. لأنه لا يُجزيه غير ذلك، لتظاهر الأخبار عن رسول الله ﷺ أنه حج بالناس، فكان مما علمهم من مناسك حَجّهم الطوافُ بهما.
* * *
ذكر الرواية عنه بذلك:
٢٣٦٥- حدثني يوسف بن سلمان قال، حدثنا حاتم بن إسماعيل قال، حدثنا جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر قال: لما دنا رسول الله ﷺ من الصفا في حجه قال:"إنّ الصفا والمروةَ من شَعائر الله"، ابدؤوا بما بدأ الله بذكره. فبدأ بالصفا فرَقِيَ عليه. (١).
٢٣٦٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا محمود بن ميمون أبو الحسن، عن أبي بكر بن عياش، عن ابن عطاء، عن أبيه، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال:"إنّ الصفا والمروةَ من شَعائر الله"، فأتى الصفا فبدأ بها، فقام عليها، ثم أتى المروة فقام عليها، وطاف وسَعى. (٢)
* * *
(١) الحديث: ٢٣٦٥- هو قطعة من حديث جابر - الطويل، في صفة حجة الوداع. وقد مضت قطعة منه، بهذا الإسناد: ٢٠٠٣. وأخرى من رواية يحيى القطان، عن جعفر الصادق: ١٩٨٩.
(٢) الحديث: ٢٣٦٦- محمود بن ميمون أبو الحسن: لا أدري من هو، ولا ما شأنه. لم أجد له ترجمة ولا ذكرًا.
ابن عطاء، عن أبيه: هو يعقوب بن عطاء بن أبي رباح، وهو ثقة، بينا ذلك في المسند: ١٨٠٩. مترجم في التهذيب والكبير ٤/٢/٢٩٨، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢١١.
وهذا الحديث لم أجده في شيء من المراجع. وإن كان لابن عباس أحاديث أخر في شأن الصفا والمروة والسعي بينهما. من ذلك الحديث الماضي: ٢٣٤٢. وحديث في المستدرك ٢: ٢٧٠-٢٧١، وصححه الحاكم والذهبي.
فإذ كان صحيحًا بإجماع الجميع من الأمة - أنّ الطواف بهما على تعليم رسول الله ﷺ أمَّته في مناسكهم، وعمله في حَجَّه وعُمرته = وكان بيانه ﷺ لأمَّته جُمَلَ ما نَصّ الله في كتابه، وفَرَضه في تنزيله، وأمرَ به مما لم يُدْرَك علمه إلا ببيانه، لازمًا العمل به أمته، كما قد بينا في كتابنا"كتاب البيان عن أصول الأحكام" - إذا اختلفت الأمة في وُجُوبه، (١) ثم كان مُختلفًا في الطواف بينهما: هل هو واحبٌ أو غير واجب = كان بينًا وجُوب فرضه على مَنْ حجَّ أو اعتمر، (٢) لما وصفنا.
وكذلك وُجوب العوْد لقضاء الطواف بين الصفا والمروة - لما كان مختلَفًا فيما عَلى مَنْ تركه، مع إجماع جَميعهم على أنّ ذلك مما فَعله رسول الله ﷺ وعلَّمه أمته في حجهم وعمرتهم إذ علَّمهم مناسك حجهم - كما طاف بالبيت وعلَّمه أمته في حجهم وعمرتهم، إذ علَّمهم مناسك حجهم وعُمْرتهم - وأجمع الجميع على أن الطواف بالبيت لا تُجْزي منه فديةٌ ولا بَدلٌ، ولا يجزي تاركه إلا العودُ لقضائه = كان نظيرًا له الطوافُ بالصفا والمروة، ولا تجزي منه فدية وَلا جزاءٌ، ولا يجزي تاركَه إلا العودُ لقضائه، إذ كانا كلاهما طَوافين: أحدهما بالبيت، والآخرُ بالصفا والمروة.
(١) كان في المطبوعة: "لما قد بينا"، وهو خطأ يختل به الكلام. وقوله: "وكان بيانه... " إلى قوله: "إذا اختلفت الأمة في وجوبه" جملة فاصلة معطوفة على التي قبلها وسياقها وسياق معناها: وكان بيانه لأمته جمل ما نص الله في كتابه.. -مما لا يدرك علمه إلا ببيانه- لازمًا العمل به أمته... إذا اختلفت الأمة في وجوبه.
(٢) وهذه الجملة من تمام قوله ومن سياقها: "وإذا كان صحيحًا بإجماع الأمة... كان بينًا وجوب فرضه على من حج أو اعتمر".
ومن فَرَّق بين حكمهما عُكس عليه القولُ فيه، ثم سئل البرهان على التفرقة بينهما.
فإن اعتل بقراءة من قرأ:"فلا جُناح عليه أنْ لا يَطَّوف بهما".
قيل: ذلك خلافُ ما في مصاحف المسلمين، غيرُ جائز لأحد أن يزيد في مصاحفهم ما ليس فيها. وسواء قَرَأ ذلك كذلك قارئ، أو قرأ قارئ: (ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [سورة الحج: ٢٩]، "فَلا جناح عليهم أنْ لا يَطَّوَّفوا به". (١) فإن جازت إحدى الزيادتين اللتين ليستا في المصحف، (٢) كانت الأخرى نظيرَتها، وإلا كان مُجيزُ إحداهما - إذا منع الأخرى - مُتحكمًا، والتحكم لا يعجِزُ عنه أحدٌ.
وقد رُوي إنكار هذه القراءة، وأن يكون التنزيل بها، عن عائشة.
٢٣٦٧- حدثني يونس بن عبد الأعلى قال، أخبرنا ابن وهب قال، أخبرني مالك بن أنس، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: قلت لعائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم، وأنا يومئذ حديث السِّن: أرأيت قول الله عز وجل:"إنّ الصفا والمروةَ من شَعائر الله فَمنْ حَجّ البيتَ أو اعتمر فَلا جُناح عليه أن يَطَّوَّف بهما"، فما نرَى على أحد شَيئًا أنْ لا يَطَّوَّف بهما! فقالت عائشة: كلا! لو كانت كما تقول، كانت:"فلا جُناح عليه أن لا يَطَّوَّف بهما"، إنما أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يُهلّون لمناة -وكانت مَناة حَذوَ قَديد-، وكانوا يتحرَّجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام، سألوا رسول الله ﷺ عن ذلك، فأنزل الله:"إنّ الصفا والمرْوةَ من شَعائر الله فمن حَجّ
(١) كان في المطبوعة: "فلا جناح عليه"، وهو خطأ بين. ويعني: أن يجعل القارئ قوله: "فلا جناح عليهم أن لا يطوفوا بهما" من تمام آية سورة الحج السالفة، فيزيد في القرآن ما ليس فيه.
(٢) في المطبوعة: "فإن جاءت إحدى الزيادتين" تصحيف، والصواب ما أثبت.
البيت أو اعتمر فلا جُناحَ عليه أن يطوف بهما".
* * *
قال أبو جعفر: وقد يحتمل قراءة من قرأ:"فلا جُناحَ عَليه أنْ لا يَطَّوَّف بهما"، أن تكون"لا" التي مع"أن"، صلةً في الكلام، (١) إذْ كان قد تقدَّمها جَحْدٌ في الكلام قبلها، وهو قوله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ)، فيكون نظير قول الله تعالى ذكره: (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) [سورة الأعراف: ١٢]، بمعنى ما منعك أن تسجدَ، وكما قال الشاعر: (٢)
مَا كَانَ يَرْضَى رَسُولُ اللهِ فِعْلَهُمَاوالطَّيِّبَانِ أبُو بَكْرٍ وَلا عُمَرُ (٣)
ولو كان رسمُ المُصحف كذلك، لم يكن فيه لمحتجّ حجة، مع احتمال الكلام ما وصفنا. لما بيَّنا أن ذلك مما عَلم رسول الله ﷺ أمَّته في مناسكهم، على ما ذكرنا، ولدلالة القياس على صحته، فكيف وهو خلافُ رُسوم مصاحف المسلمين، ومما لو قَرَأه اليوم قارئ كان مستحقًّا العقوبةَ لزيادته في كتاب الله عز وجل ما ليس منه؟
* * *
(١) قوله: "صلة"، أي زيادة ملغاة، وانظر ما سلف ١: ١٩٠، ٤٠٥ وفهرس المصطلحات، وانظر أيضًا معاني القرآن للفراء ١: ٩٥، فقد ذكر هذا الوجه.
(٢) هو جرير.
(٣) سلف تخريجه في ١: ١٩١-١٩٢.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾


قال أبو جعفر: اختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قُراء أهل المدينة والبصرة:"ومن تَطوَّع خَيرًا" على لفظ المضيّ ب"التاء" وفتح"العين". وقرأته عامة قراء الكوفيين:"وَمَنْ يَطَّوَّعْ خَيرًا" ب"الياء" وجَزم"العين" وتشديد"الطاء"، بمعنى: ومن يَتطوع. وذُكر أنها في قراءة عبد الله:"ومَنْ يَتطوَّعْ"، فقرأ ذلك قُرّاء أهل الكوفة، على ما وصفنا، اعتبارًا بالذي ذكرنا من قراءَة عبد الله -سوى عَاصم، فإنه وافق المدنيين- فشددوا"الطاءَ" طلبًا لإدغام"التاء" في"الطاء". وكلتا القراءتين معروفة صحيحة، متفقٌ معنياهما غيرُ مختلفين - لأن الماضي من الفعل مع حروف الجزاء بمعنى المستقبل. فبأيّ القراءتين قرأ ذلك قارئٌ فمصيبٌ.
* * *
(١) [والصواب عندنا في ذلك، أن] معنى ذلك: ومن تطوع بالحج والعمرة بعد قَضَاء حجته الواجبة عليه، فإن الله شاكرٌ له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاءَ وجهه، فمجازيه به، عليمٌ بما قصد وأراد بتطُّوعه بما تطوع به.
وَإنما قُلنا إنّ الصوابَ في معنى قوله:"فمن تطوَّع خيرًا" هو ما وصفنا، دون قول من زَعم أنه معنيٌّ به: فمن تَطوع بالسعي والطواف بين الصفا والمروة، لأن الساعي بينهما لا يكون متطوعًا بالسعي بينهما، إلا في حَج تطوع أو عُمرة تطوع، لما وصفنا قبل. وإذ كان ذلك كذلك كان معلومًا أنه إنما عنى بالتطوع بذلك، التطُّوعَ بما يعملُ ذلك فيه من حَجّ أو عمرة.
* * *
(١) زدت ما بين القوسين، استظهارًا من قوله بعد: "وإنما قلنا إن الصواب في معنى قوله... " والظاهر أنها مما سقط من ناسخ.
وأما الذين زعموا أنّ الطواف بهما تطوُّع لا واجب، فإنّ الصواب أن يكون تأويل ذلك على قولهم: فمن تطوَّع بالطواف بهما، فإنّ الله شاكر =لأن للحاج والمعتمِر على قولهم الطوافَ بهما إن شاء، وتركَ الطواف. فيكون معنى الكلام على تأويلهم: فمن تطوع بالطواف بالصفا والمروة، فإنّ اللهَ شَاكرٌ تطوُّعَه ذلك= عليمٌ بما أراد ونَوَى الطائف بهما كذلك، كما:-
٢٣٦٨- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ومن تطوَّع خيرًا فإن الله شاكرٌ عَليمٌ" قال، من تطوع خيرًا فهو خيرٌ له، تطوَّع رسول الله ﷺ فكانت من السنن.
* * *
وقال آخرون: معنى ذلك: ومن تطوع خَيرًا فاعتمر.
* ذكر من قال ذلك:
٢٣٦٩- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"ومن تطوَّع خيرًا فإن الله شاكر عليم"، من تطوع خيرًا فاعتمر فإن الله شاكر عليمٌ. قال: فالحج فريضةٌ، والعمرةُ تطوع، ليست العمرة واجبةً على أحد من الناس.
* * *

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
قال الإمام أحمد : حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت : قلت : أرأيت قول الله تعالى :﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قلت : فوالله ما على أحد جناح أن لا يطَّوف بهما ؟ فقالت عائشة : بئسما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أوّلتَها(١) عليه كانت : فلا جناح عليه
ألا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يُهِلّون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المُشلَّل. وكان من أهلَّ لها يتحرج أن يطوَّف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ، فقالوا : يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطَّوف بالصفا والمروة في الجاهلية. فأنزل الله عز وجل :﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله :﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قالت عائشة : ثم قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يَدع الطواف بهما. أخرجاه في الصحيحين(٢).
وفي رواية عن الزهري أنه قال : فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال : إن هذا العلم، ما كنت سمعته، ولقد سمعتُ رجالا(٣) من أهل العلم يقولون(٤) إن الناس - إلا من ذكرتْ عائشة - كانوا يقولون : إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار : إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى :﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قال أبو بكر بن عبد الرحمن : فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء.
ورواه البخاري من حديث مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة(٥) بنحو ما تقدم. ثم قال البخاري : حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عاصم بن سُليمان قال : سألت أنسًا عن الصفا والمروة قال : كنا نرى ذلك(٦) من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله عز وجل :﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾(٧).
وذكر القرطبي(٨) في تفسيره عن ابن عباس قال : كانت الشياطين تفرق بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ، عن الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية. وقال الشعبي : كان إساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية. قلت : وذكر ابن إسحاق في كتاب السيرة(٩) أن إسافا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قُريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا، ثم حولا إلى الصفا والمروة، فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب، في قصيدته المشهورة :
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهمبمفضى السيول من إساف ونائل
وفي صحيح مسلم [ من ](١٠) حديثُ جابر الطويلُ، وفيه : أن رسول الله ﷺ لما فرغ من طوافه بالبيت، عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا، وهو يقول :﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثم قال :" أبدأ بما بدأ الله به ". وفي رواية النسائي :" ابدؤوا بما بدأ الله به " (١١).
وقال الإمام أحمد : حدثنا شريح، حدثنا عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حَبِيبة بنت أبي تجراة(١٢) قالت : رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول :" اسعَوا، فإن الله كتب عليكم السعي " (١٣).
ثم رواه الإمام أحمد، عن عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن واصل - مولى أبي عُيَينة - عن موسى بن عبيدة(١٤) عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول :" كتب عليكم السعي، فاسعوا " (١٥).
وقد استُدلّ بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، كما هو مذهب الشافعي، ومن وافقه [ ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك ](١٦). وقيل : إنه واجب، وليس بركن [ فإن تركه عمدًا أو سهوا جبره بدم وهو رواية عن أحمد وبه تقول طائفة وقيل : بل مستحب، وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين، وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكي عن مالك في العتبية، قال القرطبي : واحتجوا بقوله :﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ] (١٧). وقيل : بل مستحب. والقول الأول أرجح، لأنه عليه السلام طاف بينهما، وقال :" لتأخذوا عني مناسككم ". فكل ما فعله في حَجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم [ وقد تقدم قوله عليه السلام :" اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي " ](١٨).
فقد بين الله - تعالى - أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي : مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف (١٩) هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها، لما نفد ماؤها وزادُها، حين تركهما إبراهيم - عليه السلام - هنالك ليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت الضيعة على ولدها هنالك، ونفد ما عندها قامت تطلب الغوث من الله، عز وجل، فلم تزل تردد(٢٠) في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله، عز وجل، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طعم، وشفاء سقم، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله، عز وجل، ليُزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم(٢١) وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوّله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي، إلى حال الكمال والغُفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر - عليها السلام.
وقوله :﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾(٢٢) قيل : زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب ثامنة وتاسعة ونحو ذلك. وقيل : يطوف بينهما(٢٣) في حجة تطوع، أو عمرة تطوع. وقيل : المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات. حكى ذلك [ فخر الدين ](٢٤) الرازي، وعزي الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم. وقوله :﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ أي : يثيب على القليل بالكثير ﴿عَلِيمٌ﴾ بقدر الجزاء فلا يبخس أحدا ثوابه و ﴿لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].
١ في جـ: "كما أولتها"..
٢ المسند (٦/١٤٤) وصحيح البخاري برقم (١٦٤٣)..
٣ في جـ: "رجلا"..
٤ في جـ: "يقول"..
٥ صحيح البخاري برقم (٤٤٩٥)..
٦ في جـ: "أنها"..
٧ صحيح البخاري برقم (٤٤٩٦)..
٨ في أ: "وذكر الطبري"..
٩ السيرة النبوية لابن إسحاق (رقم النص ٤) ط، حميد الله، المغرب..
١٠ زيادة من جـ..
١١ صحيح مسلم برقم (١٢١٨)..
١٢ في جـ: "بنت أبي تجر"..
١٣ المسند (٦/٤٢١)..
١٤ في أ: "بن عبدة"..
١٥ المسند (٦/٤٣٧)..
١٦ زيادة من جـ، ط، أ..
١٧ زيادة من جـ، ط، أ..
١٨ زيادة من جـ، ط، أ..
١٩ في جـ: "تطوف" وفي أ: "طواف"..
٢٠ في جـ: "تزل تتردد"..
٢١ في جـ: "إلى صراط مستقيم"، وفي ط: "إلى صراطه المستقيم"..
٢٢ في أ، و: "ومن"..
٢٣ في أ: "بها"..
٢٤ زيادة من جـ، ط، أ..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَزِيدُ، وعَبَّاد بْنُ عَبَّادٍ قَالَا حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ أَبِي هِشَامٍ، حَدَّثَنَا عَبَّادُ بْنُ زِيَادٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ (١) الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "مَا مِنْ مُسْلِمٍ وَلَا مُسَلَمَةَ يُصَابُ بِمُصِيبَةٍ فَيَذْكُرُهَا وَإِنْ طَالَ عَهْدُهَا -وَقَالَ عَبَّادٌ: قَدُمَ عَهْدُهَا -فَيُحْدِثُ لِذَلِكَ اسْتِرْجَاعًا، إِلَّا جَدَّدَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ ذَلِكَ فَأَعْطَاهُ مِثْلَ أَجْرِهَا يَوْمَ أُصِيبَ" (٢).
وَرَوَاهُ ابنُ مَاجَهْ فِي سُنَنه، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ وَكِيع، عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا [الْحُسَيْنِ] (٣) (٤).
وَقَدْ رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَية، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، عَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ (٥) عَنْ أَبِيهِ، كَذَا عَنْ، فَاطِمَةَ، عَنْ أَبِيهَا.
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِسْحَاقَ السَّالَحِينِيُّ، أَخْبَرَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي سِنَانٍ قَالَ: دفنتُ ابْنًا لِي، فَإِنِّي لَفِي الْقَبْرِ إِذْ أَخَذَ بِيَدِي أَبُو طَلْحَةَ -يَعْنِي الْخَوْلَانِيُّ -فَأَخْرَجَنِي، وَقَالَ لِي: أَلَا أُبَشِّرُكَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: حَدَّثَنِي الضَّحَّاكُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عرْزَب، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "قَالَ اللَّهُ (٦) : يَا مَلَكَ الْمَوْتِ، قبضتَ وَلَدَ عَبْدِي؟ قَبَضْتَ قُرَّة عَيْنِهِ وَثَمَرَةَ فُؤَادِهِ؟ قَالَ نَعَمْ. قَالَ: فَمَا (٧) قَالَ؟ قَالَ: حَمِدَك وَاسْتَرْجَعَ، قَالَ: ابْنُو لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ، وسمُّوه بيتَ الْحَمْدِ".
ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْحَاقَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ. فَذَكَرَهُ (٨). وَهَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُوَيد بْنِ نَصْرٍ، عَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ، بِهِ. (٩) وَقَالَ: حَسَنٌ غَرِيبٌ. وَاسْمُ أَبِي سِنَانٍ: عِيسَىُ بْنُ سِنَانٍ.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾
قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الْهَاشِمِيُّ، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قُلْتُ: أَرَأَيْتِ قَوْلَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قُلْتُ: فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يطَّوف بِهِمَا؟ فَقَالَتْ عَائِشَةُ: بِئْسَمَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَلَى مَا أوّلتَها (١٠) عليه كانت: فلا جناح عليه
(١) في جـ: "بنت".
(٢) المسند (١/٢٠١).
(٣) زيادة من ط.
(٤) سنن ابن ماجة برقم (١٦٠٠) وقال البوصيري في الزوائد (١/٥٢٨) "هذا إسناد فيه هشام بن زياد وهو ضعيف".
(٥) في جـ، ط: "بن يزيد".
(٦) في و: "إذا مات ولد العبد قال الله".
(٧) في جـ: "فماذا".
(٨) المسند (٤/٤١٥).
(٩) سنن الترمذي برقم (١٠٢١).
(١٠) في جـ: "كما أولتها".
أَلَّا يَطَّوَفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا إِنَّمَا أُنْزِلَتْ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا كَانُوا يُهِلّون لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ، التِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ المُشلَّل. وَكَانَ مَنْ أهلَّ لَهَا يَتَحَرَّجُ أَنْ يطوَّف بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نطَّوف بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّوَافَ بِهِمَا، فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَدع الطَّوَافَ بِهِمَا. أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ (١).
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ: فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، فَقَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ، مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ، وَلَقَدْ سمعتُ رِجَالًا (٢) مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ (٣) إِنَّ النَّاسَ -إِلَّا مَنْ ذكرتْ عَائِشَةُ -كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ طَوَافَنَا بَيْنَ هَذَيْنَ الْحَجَرَيْنِ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ. وَقَالَ آخَرُونَ مِنَ الْأَنْصَارِ: إِنَّمَا أُمِرْنَا بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، وَلَمْ نُؤْمَرْ بِالطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: فَلَعَلَّهَا نَزَلَتْ فِي هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ.
وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ (٤) بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ. ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَاصِمِ بْنِ سُليمان قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا عَنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ قَالَ: كُنَّا نَرَى ذَلِكَ (٥) مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ (٦).
وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ (٧) فِي تَفْسِيرِهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتِ الشَّيَاطِينُ تُفَرِّقُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ اللَّيْلَ كُلَّهُ، وَكَانَتْ بَيْنَهُمَا آلِهَةٌ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، عَنِ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: كَانَ إِسَافٌ عَلَى الصَّفَا، وَكَانَتْ نَائِلَةُ عَلَى الْمَرْوَةِ، وَكَانُوا يَسْتَلِمُونَهُمَا فَتَحَرَّجُوا بَعْدَ الْإِسْلَامِ مِنَ الطَّوَافِ بَيْنَهُمَا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. قُلْتُ: وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي كِتَابِ السِّيرَةِ (٨) أَنَّ إِسَافًا وَنَائِلَةَ كَانَا بَشَرَيْنِ، فَزَنَيَا دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَمُسِخَا حَجَرَيْنِ فَنَصَبَتْهُمَا قُريش تُجَاهَ الْكَعْبَةِ لِيَعْتَبِرَ بِهِمَا النَّاسُ، فَلَمَّا طَالَ عَهْدُهُمَا عُبِدَا، ثُمَّ حُوِّلَا إِلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَنُصِبَا هُنَالِكَ، فَكَانَ مَنْ طَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَسْتَلِمُهُمَا، وَلِهَذَا يَقُولُ أَبُو طَالِبٍ، فِي قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ:
وَحَيْثُ يُنِيخُ الْأَشْعَرُونَ رِكَابَهُمْ... بِمَفْضَى السِّيُولُ مِنْ إِسَافِ وَنَائِلِ...
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ [مِنْ] (٩) حديثُ جَابِرٍ الطويلُ، وَفِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم لما فرغ من طوافه
(١) المسند (٦/١٤٤) وصحيح البخاري برقم (١٦٤٣).
(٢) في جـ: "رجلا".
(٣) في جـ: "يقول".
(٤) صحيح البخاري برقم (٤٤٩٥).
(٥) في جـ: "أنها".
(٦) صحيح البخاري برقم (٤٤٩٦).
(٧) في أ: "وذكر الطبري".
(٨) السيرة النبوية لابن إسحاق (رقم النص ٤) ط، حميد الله، المغرب.
(٩) زيادة من جـ.
بِالْبَيْتِ، عَادَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنْ بَابِ الصَّفَا، وَهُوَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ ثُمَّ قَالَ: "أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ". وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ: "ابدؤوا بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ" (١).
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: حَدَّثَنَا شُرَيْحٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، عَنْ حَبِيبة بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ (٢) قَالَتْ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَالنَّاسُ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ وَرَاءَهُمْ، وَهُوَ يَسْعَى حَتَّى أَرَى رُكْبَتَيْهِ مِنْ شِدَّةِ السَّعْيِ يَدُورُ بِهِ إِزَارُهُ، وَهُوَ يَقُولُ: "اسعَوا، فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ" (٣).
ثُمَّ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَر، عَنْ وَاصِلٍ -مَوْلَى أَبِي عُيَينة -عَنْ مُوسَى بْنِ عُبَيْدَةَ (٤) عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ، أَنَّ امْرَأَةً أَخْبَرَتْهَا أَنَّهَا سَمِعَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ يَقُولُ: "كُتِبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيُ، فَاسْعَوْا" (٥).
وَقَدِ استُدلّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى أَنَّ السَّعْيَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ، وَمَنْ وَافَقَهُ [وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ] (٦). وَقِيلَ: إِنَّهُ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ [فَإِنْ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا جَبَرَهُ بِدَمٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ تَقُولُ طَائِفَةٌ وَقِيلَ: بَلْ مُسْتَحَبٌّ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ، وَرُوِيَ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ ] (٧). وَقِيلَ: بَلْ مُسْتَحَبٌّ. وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَرْجَحُ، لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ طَافَ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ: "لِتَأْخُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ". فَكُلُّ مَا فَعَلَهُ فِي حَجته تِلْكَ وَاجِبٌ لَا بُدَّ مِنْ فِعْلِهِ فِي الْحَجِّ، إِلَّا مَا خَرَجَ بِدَلِيلٍ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ [وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْيَ"] (٨).
فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ-تَعَالَى -أَنَّ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ، أَيْ: مِمَّا شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ فِي مَنَاسِكِ الْحَجِّ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ أَصْلَ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ تَطْوَافِ (٩) هَاجَرَ وَتَرْدَادِهَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي طَلَبِ الْمَاءِ لِوَلَدِهَا، لَمَّا نَفِدَ مَاؤُهَا وزادُها، حِينَ تَرَكَهُمَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ -هُنَالِكَ لَيْسَ عِنْدَهُمَا أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ، فَلَمَّا خَافَتِ الضَّيْعَةُ عَلَى وَلَدِهَا هُنَالِكَ، وَنَفِدَ مَا عِنْدَهَا قَامَتْ تَطْلُبُ الْغَوْثَ مِنَ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمْ تَزَلْ تَرَدَّدُ (١٠) فِي هَذِهِ الْبُقْعَةِ الْمُشَرَّفَةِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مُتَذَلِّلَةً خَائِفَةً وَجِلَةً مُضْطَرَّةً فَقِيرَةً إِلَى اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ، حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ كُرْبَتَهَا، وَآنَسَ غُرْبَتَهَا، وَفَرَّجَ شِدَّتَهَا، وَأَنْبَعَ لَهَا زَمْزَمَ التِي مَاؤُهَا طَعَامُ طَعْمٍ، وَشِفَاءُ سُقْمٍ، فَالسَّاعِي بَيْنَهُمَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَحْضِرَ فَقْرَهُ وَذُلُّهُ وَحَاجَتَهُ إِلَى اللَّهِ فِي هِدَايَةِ قَلْبِهِ وَصَلَاحِ حَالِهِ وَغُفْرَانِ ذَنْبِهِ، وَأَنْ يَلْتَجِئَ إلى الله،
(١) صحيح مسلم برقم (١٢١٨).
(٢) في جـ: "بنت أبي تجر".
(٣) المسند (٦/٤٢١).
(٤) في أ: "بن عبدة".
(٥) المسند (٦/٤٣٧).
(٦) زيادة من جـ، ط، أ.
(٧) زيادة من جـ، ط، أ.
(٨) زيادة من جـ، ط، أ.
(٩) في جـ: "تطوف" وفي أ: "طواف".
(١٠) في جـ: "تزل تتردد".

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾
يخبر تعالى أن الصفا والمروة وهما معروفان ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي أعلام دينه الظاهرة، التي تعبد الله بها عباده، وإذا كانا من شعائر الله، فقد أمر الله بتعظيم شعائره فقال :﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ فدل مجموع النصين أنهما من شعائر الله، وأن تعظيم شعائره، من تقوى القلوب.
والتقوى واجبة على كل مكلف، وذلك يدل على أن السعي بهما فرض لازم للحج والعمرة، كما عليه الجمهور، ودلت عليه الأحاديث النبوية وفعله النبي ﷺ وقال : " خذوا عني مناسككم "
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ هذا دفع لوهم من توهم وتحرج من المسلمين عن الطواف بينهما، لكونهما في الجاهلية تعبد عندهما الأصنام، فنفى تعالى الجناح لدفع هذا الوهم، لا لأنه غير لازم.
ودل تقييد نفي الجناح فيمن تطوف بهما في الحج والعمرة، أنه لا يتطوع بالسعي مفردا إلا مع انضمامه لحج أو عمرة، بخلاف الطواف بالبيت، فإنه يشرع مع العمرة والحج، وهو عبادة مفردة.
فأما السعي والوقوف بعرفة ومزدلفة، ورمي الجمار فإنها تتبع النسك، فلو فعلت غير تابعة للنسك، كانت بدعة، لأن البدعة نوعان : نوع يتعبد لله بعبادة، لم يشرعها أصلا، ونوع يتعبد له بعبادة قد شرعها على صفة مخصوصة، فتفعل على غير تلك الصفة، وهذا منه.
وقوله :﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ أي : فعل طاعة مخلصا بها لله تعالى ﴿خَيْرًا﴾ من حج وعمرة، وطواف، وصلاة، وصوم وغير ذلك ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ فدل هذا، على أنه كلما ازداد العبد من طاعة الله، ازداد خيره وكماله، ودرجته عند الله، لزيادة إيمانه.
ودل تقييد التطوع بالخير، أن من تطوع بالبدع، التي لم يشرعها الله ولا رسوله، أنه لا يحصل له إلا العناء، وليس بخير له، بل قد يكون شرا له إن كان متعمدا عالما بعدم مشروعية العمل.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ الشاكر والشكور، من أسماء الله تعالى، الذي يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه، العظيم من الأجر، الذي إذا قام عبده بأوامره، وامتثل طاعته، أعانه على ذلك، وأثنى عليه ومدحه، وجازاه في قلبه نورا وإيمانا، وسعة، وفي بدنه قوة ونشاطا، وفي جميع أحواله زيادة بركة ونماء، وفي أعماله زيادة توفيق.
ثم بعد ذلك، يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملا موفرا، لم تنقصه هذه الأمور.
ومن شكره لعبده، أن من ترك شيئا لله، أعاضه الله خيرا منه، ومن تقرب منه شبرا، تقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا، تقرب منه باعا، ومن أتاه يمشي، أتاه هرولة، ومن عامله، ربح عليه أضعافا مضاعفة.
ومع أنه شاكر، فهو عليم بمن يستحق الثواب الكامل، بحسب نيته وإيمانه وتقواه، ممن ليس كذلك، عليم بأعمال العباد، فلا يضيعها، بل يجدونها أوفر ما كانت، على حسب نياتهم التي اطلع عليها العليم الحكيم.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٥٨} ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
يخبر تعالى أن الصفا والمروة وهما معروفان ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ أي أعلام دينه الظاهرة، التي تعبد الله بها عباده، وإذا كانا من شعائر الله، فقد أمر الله بتعظيم شعائره فقال: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ فدل مجموع النصين أنهما من شعائر الله، وأن تعظيم شعائره، من تقوى القلوب.
والتقوى واجبة على كل مكلف، وذلك يدل على أن السعي بهما فرض لازم للحج والعمرة، كما عليه الجمهور، ودلت عليه الأحاديث النبوية وفعله النبي ﷺ وقال: "خذوا عني مناسككم "
﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ هذا دفع لوهم من توهم وتحرج من المسلمين عن الطواف بينهما، لكونهما في الجاهلية تعبد عندهما الأصنام، فنفى تعالى الجناح لدفع هذا الوهم، لا لأنه غير لازم.
ودل تقييد نفي الجناح فيمن تطوف بهما في الحج والعمرة، أنه لا يتطوع بالسعي مفردا إلا مع انضمامه لحج أو -[٧٧]- عمرة، بخلاف الطواف بالبيت، فإنه يشرع مع العمرة والحج، وهو عبادة مفردة.
فأما السعي والوقوف بعرفة ومزدلفة، ورمي الجمار فإنها تتبع النسك، فلو فعلت غير تابعة للنسك، كانت بدعة، لأن البدعة نوعان: نوع يتعبد لله بعبادة، لم يشرعها أصلا ونوع يتعبد له بعبادة قد شرعها على صفة مخصوصة، فتفعل على غير تلك الصفة، وهذا منه.
وقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ أي: فعل طاعة مخلصا بها لله تعالى ﴿خَيْرًا﴾ من حج وعمرة، وطواف، وصلاة، وصوم وغير ذلك ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ فدل هذا، على أنه كلما ازداد العبد من طاعة الله، ازداد خيره وكماله، ودرجته عند الله، لزيادة إيمانه.
ودل تقييد التطوع بالخير، أن من تطوع بالبدع، التي لم يشرعها الله ولا رسوله، أنه لا يحصل له إلا العناء، وليس بخير له، بل قد يكون شرا له إن كان متعمدا عالما بعدم مشروعية العمل.
﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ الشاكر والشكور، من أسماء الله تعالى، الذي يقبل من عباده اليسير من العمل، ويجازيهم عليه، العظيم من الأجر، الذي إذا قام عبده بأوامره، وامتثل طاعته، أعانه على ذلك، وأثنى عليه ومدحه، وجازاه في قلبه نورا وإيمانا وسعة، وفي بدنه قوة ونشاطا، وفي جميع أحواله زيادة بركة ونماء، وفي أعماله زيادة توفيق.
ثم بعد ذلك، يقدم على الثواب الآجل عند ربه كاملا موفرا، لم تنقصه هذه الأمور.
ومن شكره لعبده، أن من ترك شيئا لله أعاضه الله خيرا منه، ومن تقرب منه شبرا، تقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا، تقرب منه باعا، ومن أتاه يمشي، أتاه هرولة، ومن عامله، ربح عليه أضعافا مضاعفة.
ومع أنه شاكر، فهو عليم بمن يستحق الثواب الكامل، بحسب نيته وإيمانه وتقواه، ممن ليس كذلك، عليم بأعمال العباد، فلا يضيعها، بل يجدونها أوفر ما كانت، على حسب نياتهم التي اطلع عليها العليم الحكيم.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٣١ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية تفسير مجاهد — مجاهد بن جبر غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي التقييد الكبير للبسيلي — البسيلي تفسير ابن خويز منداد — ابن خويزمنداد تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي آراء ابن حزم الظاهري في التفسير — ابن حزم جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري أحكام القرآن — ابن الفرس تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي التفسير القيم من كلام ابن القيم — ابن القيم الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة التفسير المظهري — محمد ثناء الله المظهري حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كتاب نزهة القلوب — أبى بكر السجستاني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

التبيان في تفسير غريب القرآن
الصَّفا وَالْمَرْوَةَ
جبلان بمكّة والصّفا: جمع صفاة، وهي من الحجارة ممّا صفا من مخالطة التّراب والرّمل.والمروة: الأبيض من الحجارة، وقيل: الشديد منها.
شَعائِرِ اللَّهِ
ما جعله الله علما لطاعته، واحدها شعيرة مثل الحرم.
حَجَّ الْبَيْتَ
قصده، يقال: حججت الموضع أحجّه حجّا، إذا قصدته، ثم سمّي السّفر إلى البيت حجّا دون ما سواه. والحجّ والحجّ لغتان .ويقال: الحجّ الاسم.
اعْتَمَرَ
أي زار البيت، والمعتمر: الزائر، قال الشاعر:وراكب جاء من تثليث معتمرا ومن هذا سمّيت العمرة [لأنها زيارة للبيت] .ويقال: اعتمر: قصد، ومنه قول العجّاج:لقد سما ابن معمر حين اعتمر ... مغزى بعيدا من بعيد فصبر قيّد بعضهم القول الأول بزيارة البيت المزور بكونه عامرا. وقال المفضّل: اعتمر: أقام بمكة، والعمرة: الإقامة. وقال قطرب: العمرة: موضع العبادة كالمسجد والبيعة والكنيسة.
جُناحَ
هو الإثم أصله من جنح إذا مال.

إعراب الآية ١٥٨ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٦]

الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ (١٥٦)
الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ نعت للصابرين قالُوا إِنَّا لِلَّهِ قال الكسائي: إن شئت كسرت الألف لاستعمالها وكثرتها، وقال الفراء «١» : وإنما كسرت النون في «إنا لله» لكثرة استعمالهم إيّاها. قال أبو جعفر: أمّا قول الفراء فغلط قبيح لأنّ النون لا تكسر ولا يكون ما قبل الألف أبدا مكسورا ولا مضموما وأما قول الكسائي: فيجوز على أنه يريد أنّ الألف ممالة إلى الكسرة وأما على أن تكسر فمحال لأن الألف لا تحرّك البتة وإنّما أميلت الألف في «إنا لله» لكسرة اللام في لله ولو قلت: إنّا لزيد شاكرون، لم يجز إمالة الألف لأنها في حرف آخر وجاز ذلك في إنا لله لأنه لمّا كثر صار الشيئان بمنزلة شيء واحد، وإن شئت فخّمت. والأصل إنّنا حذفت إحدى النونين تخفيفا، وكذا وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٧]

أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)
أُولئِكَ مبتدأ والخبر، عَلَيْهِمْ صَلَواتٌ مِنْ رَبِّهِمْ. وَرَحْمَةٌ عطف على صلوات. وَأُولئِكَ مبتدأ، هُمُ ابتداء ثان، والْمُهْتَدُونَ خبر الثاني والثاني وخبره خبر الأول، وإن شئت كانت «هم» زائدة توكيدا و «المهتدون» الخبر.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٥٨]

إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)
إِنَّ الصَّفا اسم «إنّ» والألف منقلبة من واو. وَالْمَرْوَةَ عطف على الصفا.
مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ الخبر مشتق من شعرت به وهمز لأنه فعائل لا أصل للياء في الحركة فأبدل منها همزة. فَمَنْ في موضع رفع بالابتداء وحَجَّ في موضع جزم بالشرط، وجوابه وخبر الابتداء فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما «٢» والأصل: يتطوّف ثم أدغمت التاء في الطاء، وحكي أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِما «٣» على التكثير، وروي عن ابن عباس أن يطّاف والأصل أيضا يتطاف «٤» أدغمت التاء في الطاء. قال أبو جعفر: ولا نعلم أحدا قرأ: «أن يطوف بهما». وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ فعل ماض في موضع جزم بالشرط وهذه قراءة أهل المدينة وأبي عمرو وهي حسنة لأنه لا علّة فيها، وقراءة أهل الكوفة إلّا عاصما. وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً «٥» والأصل يتطوع أدغمت التاء في الطاء. فَإِنَّ اللَّهَ اسم
(١) انظر معاني القرآن للفراء ١/ ٩٤، والبحر المحيط ٦٢٥.
(٢) هذه قراءة الجمهور.
(٣) انظر مختصر ابن خالويه ١١.
(٤) انظر إملاء ما منّ به الرّحمن ٧٠، والبحر المحيط ١/ ٦٣٢.
(٥) انظر معاني الفراء ١/ ٩٥، والبحر المحيط ١/ ٦٣٢.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٥٨ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ﴾ الآية [١٥٨].
أخبرنا سعيد بن محمد بن أحمد الزاهد، أخبرنا أبو علي بن أبي بكر الفقيه، أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدَّثني مصعب بن عبد الله الزُّبَيْرِي، حدَّثنا مالك، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت:
أنزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا يحجون لِمَنَاةَ، وكانت مناة حَذْوَ قُدَيْدٍ وكانوا يتحرَّجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن ذلك فأنزل الله تعالى هذه الآية.
رواه البخاري عن عبد الله بن يوسف، عن مالك.
وأخبرنا أبو بكر التميمي، أخبرنا أبو الشيخ الحافظ، حدَّثنا أبو يحيى الرازي، حدَّثنا سهل العسكري، حدَّثنا يحيى وعبد الرحمن، عن هشام، عن أبيه عن عائشة، قالت:
أنزلت هذه الآية في ناس من الأنصار كانوا إذا أهلوا [أهلوا] لمناة في الجاهلية، ولم يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة. فلما قدموا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الحج ذكروا ذلك له. فأنزل الله تعالى هذه الآية. رواه مسلم عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي أسامة، عن هشام [عن أبيه، عن عائشة].
وقال أنس بن مالك: كنا نكره الطواف بين الصفا والمروة؛ لأنهما كانا من مشاعر قريش في الجاهلية، فتركناه في الإسلام. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال عمرو بن حُبْشِي: سألت ابن عمر عن هذه الآية فقال: انطلق إلى ابن عباس فسله، فإنه أعلم مَنْ بقي بما أنزل [الله] على محمد صلى الله عليه وسلم. فأتيته فسألته فقال: كان على الصفا صنم على صورة رجل يقال له: إسَافٌ، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تدعى نائلة؛ زعم أهل الكتاب أنهما زنيا في الكعبة فمسخهما الله تعالى حجرين، فوضعا على الصفا والمروة ليعتبر بهما. فلما طالت المدة عُبِدَا مِنْ دون الله تعالى. فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسحوا [على] الوثنين. فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام، كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
وقال السُّدِّي: كان في الجاهلية تَعْزِفُ الشياطين بالليل بين الصفا والمروة، وكانت بينهما آلهة. فلما ظهر الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله، لا نطوف بين الصفا والمروة، فإنه شرك كنا نصنعه في الجاهلية. فأنزل الله تعالى هذه الآية.
أخبرنا منصور بن عبد الوهاب البَزّاز، أخبرنا محمد بن أحمد بن سنان، أخبرنا حامد بن محمد بن شعيب، أخبرنا محمد بن بكار، حدَّثنا إسماعيل بن زكريا، عن عاصم، عن أنس بن مالك، قال:
كانوا يمسكون عن الطواف بين الصفا والمروة، وكانا من شعائر الجاهلية، وكنا نتقي الطواف بهما. فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلصَّفَا وَٱلْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ ٱللَّهِ فَمَنْ حَجَّ ٱلْبَيْتَ أَوِ ٱعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ الآية.
رواه البخاري عن أحمد بن محمد، عن عاصم.

القراءات في الآية ١٥٨ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

وَمَنْ تَطَوَّعَ

(وَمَنْ تَطَوَّعَ) بالتاء وتخفيف الطاء المفتوحة وبعدها واو مشدده مفتوحة بعدها عين مفتوحة

ورش عن نافع البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم قالون عن نافع ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر

(وَمَنْ يَطَّوَّعْ) بالياء وتشديد الطاء والواو المفتوحتان وسكون العين والإدغام بغنة

إدريس عن خلف إسحاق عن خلف روح عن يعقوب رويس عن يعقوب الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي خلاد عن حمزة

(وَمَن يَّطَّوَّعْ) بالياء وتشديد الطاء والواو المفتوحتان وسكون العين والإدغام بغير غنة

خلف عن حمزة
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٥٨ من سورة البقرة

١٥ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٦٠ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

آثار متعلقة بالآية

٣ أقوال
١
عن عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «إنّما جُعِل الطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار؛ لإقامة ذِكْر الله، لا لغيره»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤٠‏/‏٤٠٨ (٢٤٣٥١)، وأبو داود ٣‏/‏٢٧١ (١٨٨٨)، والترمذي ٢‏/‏٤٠٩-٤١٠ (٩١٨)، وابن خزيمة ٤‏/‏٢٧٩ (٢٨٨٢)، ٤‏/‏٣١٧ (٢٩٧٠)، والحاكم ١‏/‏٦٣٠ (١٦٨٥). قال الترمذي: «حديث حسن صحيح». وقال الحاكم: «هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه». وقال الخطيب في تاريخه ١٣‏/‏٢٣٥ (٦١١٣) في ترجمة علي بن أحمد النعيمي: «وهو حديث غريب». وقال أبو الطيب المكي في شفاء الغرام ١‏/‏٢٤٤: «روينا في مسند الدارمي بسند صحيح».
٢
عن ابن عباس، أنّه رآهم يطوفون بين الصفا والمروة، فقال: هذا مما أوْرَثَتْكُم أُمُّ إسماعيل١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٢٧١.
٣
عن سعيد بن جبير، قال: أقبل إبراهيم ومعه هاجر وإسماعيل عليهم السلام، فوضعهم عند البيت، فقالت: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قال: فعَطِش الصبيُّ، فنظرت فإذا أقرب الجبال إليها الصفا، فسَعَتْ، فرَقَتْ عليه، فنظرت فلم تَرَ شيئًا، ثم نظرت فإذا أقرب الجبال إليها المروة، فنظرت فلم تَرَ شيئًا. قال: فهي أول من سعى بين الصفا والمروة، ثم أقبلتْ، فسمعتْ حفيفًا أمامها، قال: قد أسمع، فإن يكن عندك غِياثٌ فهَلُمَّ. فإذا جبريلُ أمامها يَرْكُضُ زمزم بعَقِبِه، فنَبَع الماءُ، فجاءت بِشَنٍّ لها تَقْرُش فيه الماء١ فقال لها: تخافين العطش؟ هذا بلد ضِيفان الله، لا يخافون العطش٢
التخريج
  1. ١تقرش فيه الماء: أي: تجمعه، وتضم بعضه إلى بعض. لسان العرب (قرش).
  2. ٢عزاه السيوطي إلى الخطيب في تالي التلخيص.

من أحكام الآية

١١ قولًا
١
عن ابن عباس، أنّ النبي ﷺ قال: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾. فأتى الصفا، فبدأ بها، فقام عليها، ثم أتى المروة، فقام عليها، وطاف وسعى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧٢٤. في إسناده محمود بن ميمون، لم نقف له على ترجمة.
٢
عن عائشة -من طريق عروة- قالت: لَعَمْرِي، ما أتَمَّ اللهُ حَجَّ مَن لَمْ يَسْعَ بين الصفا والمروة، ولا عمرته؛ لأن الله قال: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم (١٢٧٧)، وابن ماجه (٢٩٨٦)، وابن جرير ٢‏/‏٧٢١. وعزاه السيوطي إلى عبد الرزاق، وعبد بن حميد، ووكيع.
٣
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- أنّه قرأ: ﴿فلا جناح عليه أن يَطَّوف﴾ مثَقَّلة، فمن تركه فلا بأس، فبلغ ذلك عائشة، فقالت: ليس كما قال، لو كانت كما قال لكانت: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما١. (٢/ ٩٢)
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٦٣٨).
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- أنّه أتاه رجل، فقال: أبْدَأُ بالصفا قبل المروة، أو أبدأ بالمروة قبل الصفا؟ وأصلّي قبل أن أطوف، أو أطوف قبل؟ وأحلق قبل أن أذبح، أو أذبح قبل أن أحلق؟ فقال ابن عباس: خذوا ذلك من كتاب الله، فإنه أجدر أن يُحْفَظ، قال الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾؛ فالصفا قبل المروة. وقال: ﴿لا تحلقوا رؤوسكم حتى يبلغ الهدي محله﴾ [البقرة:١٩٦]؛ فالذبح قبل الحلق. وقال: ﴿وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود﴾ [الحج:٢٦]؛ فالطواف قبل الصلاة١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٢٧٠-٢٧١. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور.
٥
عن سعيد بن جبير، قال: قلتُ لابن عباس: لِمَ بُدِئَ بالصفا قبل المروة؟ قال: لأنّ الله قال: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى وكيع.
٦
عن عبد الله بن الزبير -من طريق عطاء- قال: هما تَطَوُّعٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧٢٣.
٧
عن أنس بن مالك -من طريق عاصم الأحول- قال: كانت الأنصار يكرهون أن يطوفوا بين الصفا والمروة حتّى نزلت هذه الآية: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾؛ فالطواف بينهما تطوع١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد بن حميد (١٢٢٤- منتخب)، ومسلم (١٢٧٨)، وابن جرير ٢‏/‏٧٢٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٦٧.
٨
عن ابن جُرَيْج، قال: قال عطاء: لو أنَّ حاجًّا أفاضَ بعدما رمى الجمرة؛ جمرة العقبة، فطاف بالبيت، ولم يَسْعَ، فأصابها -يعني: امرأته-؛ لم يكن عليه شيء، لا حجٌّ ولا عمرة؛ من أجل قول الله في مصحف ابن مسعود: (فَمَن حَجَّ البَيْتَ أوِ اعْتَمَرَ فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أن لّا يَطَّوَّفَ بِهِما). فعاودتُه بعد ذلك، فقلتُ: إنّه قد ترك سُنَّة النبي ﷺ. قال: ألا تسمعه يقول: ﴿فمن تَطوَّع خَيرًا فهو خير له﴾ [البقرة:١٨٤]. فأبى أن يجعل عليه شيئًا١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧٢٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢هذا القول الذي قاله عطاء مُؤَسَّسٌ على قراءة ابن مسعود، وقد مَرَّ نقدها.
٩
كان عطاء -من طريق ابن أبي نَجِيح- يقول: يبدل مكانه أُسْبُوعَين بالكعبة إن شاء١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢١٧، وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد. وطاف بالكعبة سبعًا -بفتح السين وضمها- وأسبوعا وسُبوعا: أي: سبع مرات. التاج (سبع).
١٠
عن قتادة -من طريق سعيد- قال: فكان حَيٌّ من تِهامة في الجاهلية لا يَسْعَوْن بينهما، فأخبرهم الله أنّ الصفا والمروة من شعائر الله، وكان من سنة إبراهيم وإسماعيل الطواف بينهما١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧١٨.
١١
عن جابر، قال: لَمّا دنا رسول الله ﷺ من الصفا [في حَجَّته]، قرأ: «﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، أبدَأ بما بدأ الله به». فبدأ بالصفا، فَرَقِيَ عليه١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٢‏/‏٨٨٦-٨٩١ (١٢١٨) مطولًا، وابن جرير ٢‏/‏٧٢٤. وأورده الثعلبي ٢‏/‏٢٨.

آثار متعلقة بأحكام الآية

٦ أقوال
١
عن حبيبة بنت أبي تِجْراة، قالت: رأيتُ رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شِدَّة السعي، يدور به إزاره، وهو يقول: «اسْعَوْا؛ فإنّ الله عز وجل كتب عليكم السَّعْيَ»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤٥‏/‏٣٦٣ (٢٧٣٦٧)، ٤٥‏/‏٣٦٧ (٢٧٣٦٨) واللفظ له، والحاكم ٤‏/‏٧٩ (٦٩٤٤). قال ابن الأثير في أسد الغابة ٧‏/‏٦١ (٦٨٣٣) في ترجمة حبيبة بنت أبي تجراة: «وفي إسناده اضطراب على عبد الله بن المؤمل». وقال ابن عبد الهادي في تنقيح التحقيق ٣‏/‏٥١٢ (٢٢٠١): «في إسناده اختلاف». وقال الذهبي في تنقيح التحقيق ٢‏/‏٤٢: «ابن المؤمل ضُعِّف، وعن ابن معين أنه ليس به بأس». وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏٢٤٧ (٥٥٢٢): «رواه أحمد، والطبراني في الكبير... وفيه عبدالله بن المؤمل، وثقه ابن حبان، وقال: يخطئ. وضعّفه غيره». وقال الألباني في الإرواء ٤‏/‏٢٦٨-٢٦٩ (١٠٧٢): «صحيح».
٢
عن ابن عباس، قال: سُئِل رسول الله ﷺ عام الحج عن الرَّمَل. فقال: «إنّ الله كتب عليكم السَّعْيَ، فاسْعَوْا»١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الكبير ١١‏/‏١٨٤ (١١٤٣٧)، وفي الأوسط ٥‏/‏١٨٨ (٥٠٣٢). قال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏٢٣٩ (٥٤٦٧): «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه المفضل بن صدقة، وهو ضعيف».
٣
عن الثوري -من طريق زيد بن أبي الزَّرْقاء- قال: إن عاد تاركُ الطواف بينهما لقضائه فحَسَن، وإن لم يَعُدْ فعليه دم١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧٢٢.
٤
عن أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد بن الحسن، مثله١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن جرير ٢/ ٧٢٢.
٥
عن مالك بن أنس -من طريق ابن وهْب- قال: مَن نسي السَّعْيَ بين الصفا والمروة حتى يستبعد من مكة فليرجع، فلْيَسْعَ، وإن كان قد أصاب النساء فعليه العمرة والهدي١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧٢١.
٦
عن الشافعي -من طريق الربيع- قال: على مَن ترك السَّعْيَ بين الصفا والمروة حتى رجع إلى بلده العودُ إلى مكة، حتى يطوف بينهما، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧٢٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختُلِف في السَّعْيِ بين الصفا والمروة؛ فقال قوم: ذلك واجب، ولا يجزئ تاركُه أو ناسيه إلا العودة. ورأى قومٌ أنّ الدَّم يُجْزِئه، وليس عليه عَوْدٌ لقضائه. وقال آخرون: الطواف بينهما تَطَوُّعٌ، ولا شيء على من تركه. ورَجَّح ابنُ جرير (٢/٧٢٤-٧٢٧) القول الأول الذي قال به عائشة، ومالك، والشافعي، مُسْتَنِدًا إلى السنة، والإجماع، والقياس، بما مفاده الآتي: ١- تظاهر الأخبار، وإجماع الجميع على طواف النبي ﷺ بينهما، وأنّ ذلك مِمّا عَلَّمه لأمته. ٢- أنه كالطواف بالبيت، لا تجزي منه فدية، ولا بدل، ولا يجزي تاركه إلا العود لقضائه؛ إذ كانا كلاهما طوافين. وبنحوه عند ابن كثير (٢/١٣٥) وابن تيمية (١/٣٨٥-٣٨٩ بتصرف) استنادًا إلى دلالة العقل، والسنة، وأقوال السلف، حيث قال: «وأما من قال: إنها واجبة -في الجملة- وهو الذي عليه جمهور أصحابنا، فإن الله قال: هما: ﴿من شعائر الله﴾ وكل ما كان من شعائر الله فلا بد من نسك واجب بهما كسائر الشعائر من عرفة، ومزدلفة، ومنى، والبيت، فلا يجوز أن يجعل المكان شعيرة لله وعلما له، ويكون الخلق مخيرين بين قصده، والإعراض عنه؛ لأن الإعراض عنه مخالف لتعظيمه، وتعظيم الشعائر واجب لقول الله تعالى: ﴿ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب﴾ [الحج:٣٢] والتقوى واجبة على الخلق، وقد أمر الله بها، ووصى بها في غير موضع، وذم من لا يتقي الله، ومن استغنى عن تقواه توعده، وإذا كان الطواف بهما تعظيمًا لهما، وتعظيمهما من تقوى القلوب، والتقوى واجبة، كان الطواف بهما واجبًا، وفي ترك الوقوف بهما ترك لتعظيمهما. وأيضًا: فإنّ النبي ﷺ طاف في عمرته، وفي حجته، والمسلمون معه بين الصفا والمروة، وقال: «لِتأخذوا عَنِّي مناسككم». والطواف بينهما من أكبر المناسك، وأكثرها عملًا، وخرج ذلك منه مخرج الامتثال لأمر الله بالحج في قوله: ﴿ولله على الناس حج البيت﴾ [آل عمران:٩٧]، وفي قوله: ﴿وأتموا الحج والعمرة﴾ [البقرة:١٩٦]، ومخرج التفسير والبيان لمعنى هذا الأمر، فكان فعله هذا على الوجوب، ولا يخرج عن ذلك إلا هيئات في المناسك وتتمات، وأما جنس تام من المناسك، ومشعر من المشاعر يقتطع عن هذه القاعدة، فلا يجوز أصلًا، وبهذا احتجَّ أصحابُ رسول الله ﷺ».

تفسير

١٧ قولًا
١
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، قال: من الخير الذي أخبرتكم عنه١٢
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢١٧، وأخرجه سعيد بن منصور (٢٣٥- تفسير)، وابن جرير ٢‏/‏٧١٠. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (٢/٧١٠) قولَ مجاهد بقوله: «فكأنّ مجاهدًا كان يرى أنّ الشعائر إنّما هو جمع شعيرة، من إشْعار الله عبادَه أمرَ الصفا والمروة، وما عليهم في الطواف بهما، بمعنى: إعلامهم ذلك». ووجَّهه ابنُ عطية (١/٣٩٠) بقوله: «وقال مجاهد: ذلك راجع إلى القول. أي: مِمّا أشعركم الله بفضله، مأخوذ مِن: تَشَعَّرت إذا تَحَسَّست». وانتَقَدَه ابنُ جرير (٢/٧١٠) لِبُعْدِه عن المعنى الظاهر المفهوم.
٢
عن عكرمة -من طريق عِمْران بن حُدَير- قال: الصفا والمروة من مساجد الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٦٧ (١٤٣٣).
٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، يقول: هما مِن أمْرِ المناسك التي أمَرَ الله بها١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٢.
٤
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قول الله: ﴿فلا جناح عليه﴾، يعني: فلا حرج١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٦٧ (١٤٣٤).
٥
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾: فلم يُحَرِّج مَن لم يَطُفْ بهما١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢١٧، وأخرجه سعيد بن منصور (٢٣٥- تفسير)، وابن جرير ٢‏/‏٧٢٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط- ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، يقول: ليس عليه إثم، ولكن له أجر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧١٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٦٧ (١٤٣٥).
٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾، يقول: لا حَرَج عليه أن يطوف بينهما؛ لقولهم: إنّ علينا حَرَجًا في الطواف بينهما١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٢.
تعليقات المحققين
  1. ٢رَفَعَت هذه الآية ما وقع في نفوس بعض العرب من الحرج في الطواف بين الصفا والمروة. واخْتُلِفَ هل كان ذلك لتَحَوُّبِهم الطواف بهما من أجل الصنمين اللذين كانا فيهما، أو لكراهتهم الطواف بهما في الجاهلية؟ وجَمَع ابنُ جرير (٢/٧٢٠ بتصرف) بين القولين، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ الله -تعالى ذِكْرُه- قد جعل الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، كما جعل الطواف بالبيت من شعائره. فأما قوله: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ فجائز أن يكون قِيل لكلا الفريقين».
٨
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿ومَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإنَّ اللَّهَ شاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، قال: من تَطَوَّع خيرًا فهو خيرٌ له، تَطَوَّع رسول الله ﷺ، فطاف بينهما؛ فكانت سُنَّةً١٢
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢١٧، وأخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧٢٨. وعزاه السيوطي إلى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ٢وجَّه ابنُ جرير (٢/٧٢٨ بتصرف) تأويلَ الآية على هذا القول الذي قال به ابن عباس من طريق عطاء، وأنس، وعطاء، ومجاهد، وعبد الله بن الزبير، فقال: «وأما الذين زعموا أنّ الطواف بهما تَطَوُّعٌ لا واجب؛ فإنّ الصواب أن يكون تأويل ذلك على قولهم: فمَن تَطَوَّع بالطواف بهما فإنّ الله شاكر تَطَوُّعَه ذلك، عليم بما أراد، ونوى الطائف بهما كذلك».
٩
عن عامر الشعبي -من طريق داود بن أبي هند- قال: جعله الله تَطَوُّعَ خير١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧١٤.
١٠
عن الحسن البصري، أنّه قال: أراد سائر الأعمال١
التخريج
  1. ١تفسير البغوي ١‏/‏١٧٥. وفي تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٩ بلفظ: يعني به: الدين كله.
١١
عن قتادة -من طريق شَيْبان- قال: لا شيء أشكرُ من الله، ولا أجزى لخير من الله عز وجل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٦٨.
١٢
عن قتادة -من طريق سعيد- قوله: ﴿شاكر عليم﴾، قال: إنّ الله لا يعذب شاكرًا، ولا مؤمنًا١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٦٨ (١٤٣٧).
١٣
عن الكلبيِّ أنّه قال: ﴿ومن تطَوّع﴾، أي: زاد في الطواف بعد الواجب١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٩، وتفسير البغوي ١‏/‏١٧٥.
١٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومن تطوع خيرًا﴾ بعد الفريضة، فزاد في الطواف؛ ﴿فإن الله شاكر عليم﴾ لأعمالكم، عليم بها. وقد طاف إبراهيم الخليل عليه السلام بين الصفا والمروة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٢. وينظر: تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٩، وتفسير البغوي ١‏/‏١٧٥.
١٥
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿ومن تطوَّع خيرًا فإن الله شاكر عليم﴾، أنّه قال: ﴿ومَن تطوع خيرًا﴾ فاعتمر ﴿فإن الله شاكر عليمٌ﴾. قال: فالحج فريضةٌ، والعمرةُ تَطَوُّع، ليست العمرةُ واجبةً على أحد من الناس١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧٢٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف في المراد من التطوع؛ فمن رأى وجوب السعي بين الصفا والمروة قال: المعنى: فمن تطوع بالحج والعمرة بعد أداء حجته الواجبة فإن الله شاكر له. ومَن رأى أن الطواف بينهما غير واجب فإنه قال: المعنى: فمن تطوع بالطواف بين الصفا والمروة فإن الله شاكر له. ورَجَّح ابنُ جرير (٢/٧٢٨) المعنى الأول مُسْتَنِدًا إلى وجوب السعي بين الصفا والمروة، فقال: «لأنّ الساعي بينهما لا يكون متطوعًا بالسعي بينهما إلا في حَجِّ تَطَوُّعٍ أو عمرة تَطَوُّعٍ؛ وإذ كان ذلك كذلك كان معلومًا أنه إنّما عَنى بالتَّطَوُّع بذلك التَّطَوُّع بما يعمل ذلك فيه من حج أو عمرة». وسيأتي بيان الخلاف في حكم السعي.
١٦
عن عامر الشعبي -من طريق داود بن أبي هند- قال: ﴿إن الصفا والمروة﴾ الآية، ... فذُكِّر الصفا من أجل الوَثَن الذي كان عليه، وأُنِّث المروة من أجل الوَثَن الذي كان عليه مُؤَنَّثًا١
التخريج
  1. ١أخرجه سعيد بن منصور (٢٣٤- تفسير)، وابن جرير ٢‏/‏٧١٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٧
عن عائشة -من طريق مجاهد-... ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، قالت: أي: من مناسك الحج١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٦٣٨).

قراءات

٦ أقوال
١
عن الأعمش، قال: في قراءة عبد الله [بن مسعود]: (ومَن تَطَوَّعَ بِخَيْرٍ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص٨. وقراءة عبد الله (ومَن تَطَوَّعَ بِخَيْرٍ) قراءة شاذة. انظر: البحر المحيط ١‏/‏٦٣٢.
٢
عن حمّاد، قال: وجدتُ في مصحف أُبَيّ: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص٥٣. قراءة (ألّا يَطَّوَّفَ) المنسوبة لأبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس، ومجاهد هي قراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص١٨، والمحتسب لابن جني ١‏/‏١١٥.
٣
عن عطاء، قال: في مُصْحَف ابن مسعود: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما)١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد بن حميد -كما في المحلى ٧‏/‏١١-، وابن جرير ٢‏/‏٧٢٢. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.
تعليقات المحققين
  1. ٢انتقد ابنُ عطية (١/٣٩٢-٣٩٣) قراءة ابن مسعود مستندًا لمخالفتها مصاحف أهل الإسلام، فقال: «هي قراءة خالفت مصاحف الإسلام، وقد أنكرتها عائشة رضي الله عنها في قولها لعروة حين قال لها: أرأيتِ قول الله: ﴿فَلا جُناحَ عَلَيْهِ أنْ يَطَّوَّفَ بِهِما﴾، فما نرى على أحد شيئًا ألّا يطوف بهما. قالت: يا عروة، كلا، لو كان ذلك لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما». وبنحوه قال ابنُ جرير (٢/٧٢٥-٧٢٦). ووجَّهها ابنُ عطية (١/٣٩٣) بأنها ترجع إلى معنى: ﴿أن يطوف﴾ وتكون (لا) زائدة صلة في الكلام، كقوله: ﴿ما مَنَعَكَ ألّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف:١٢]، وكقول الشاعر:ما كان يرضى رسول الله فعلهم... والطّيبان أبو بكر ولا عمر. وبنحوه قال ابنُ جرير (٢/٧٢٦-٧٢٧).
٤
عن عبد الله بن عباس -من طريق عطاء- أنّه كان يقرأ: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما)١
التخريج
  1. ١أخرجه أبو عبيد في فضائله ص١٦٣، وابن جرير ٢‏/‏٧٢٣، وابن أبي داود في المصاحف ص٧٣. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن الأنباري.
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- أنه قرأ: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف﴾ مثَقَّلة١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٦٣٨). وقراءة ابن عباس هذه قراءة متواترة، وهي قراءة العشرة.
٦
عن مجاهد -من طريق حُمَيْد- أنه كان يقرأ: (فَلا جُناحَ عَلَيْهِ ألّا يَطَّوَّفَ بِهِما)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود ص٨٩.

نزول الآية

١٧ قولًا
١
عن عائشة، أنّ عُرْوَة قال لها: أرأيتِ قول الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾، فما أرى على أحد جُناحًا أن يطّوّف بهما. فقالت عائشة: بِئسَ ما قُلْتَ، يا ابن أختي، إنّها لو كانت على ما أوَّلْتَها كانت: فلا جناح عليه ألّا يطَّوَّف بهما. ولكنها إنما نزلت أنّ الأنصار قبل أن يسلموا كانوا يُهِلّون لِمَناة الطاغية التي كانوا يعبدونها، وكان مَن أهَلّ لها يَتَحَرَّج أن يطوف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، إنّا كُنّا نَتَحَرَّجُ أن نطوف بالصفا والمروة في الجاهلية. فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية. قالت عائشة رضي الله عنها: ثُمَّ قد سَنَّ رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يَدَعَ الطواف بهما١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٣‏/‏٦ (١٧٩٠)، ٦‏/‏٢٣ (٤٤٩٥)، ومسلم ٢‏/‏٩٢٨ (١٢٧٧)، وابن جرير ٢‏/‏٧١٨-٧١٩، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٦٦ (١٤٣١).
٢
عن عائشة -من طريق عروة- قالت: نزلت هذه الآية في الأنصار؛ كانوا في الجاهلية إذا أحْرَمُوا لا يَحِلُّ لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلَمّا قَدِمْنا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ؛ فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٢٩٧ (٣٠٦٩). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين». ولم يتعقبه الذهبي.
٣
عن عائشة -من طريق عروة- قالت: كان رجال من الأنصار مِمَّن كان يُهِلُّ لِمَناة في الجاهلية -ومَناة صَنَمٌ بين مكة والمدينة- قالوا: يا نبي الله، إنّا كُنّا لا نطوف بين الصفا والمروة تعظيمًا لمناة، فهل علينا من حرج أن نطوف بهما؟ فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية. قال عروة: فقلت لعائشة: ما أُبالِي أن لا أطوف بين الصفا والمروة؛ قال الله: ﴿فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾. فقالت: يا ابن أختي، ألا ترى أنه يقول: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾. قال الزُّهْرِي: فذكرتُ ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. فقال: هذا العلم. قال أبو بكر: ولقد سمعتُ رجالًا من أهل العلم يقولون: لَمّا أنزل الله الطواف بالبيت، ولم ينزل الطواف بين الصفا والمروة؛ قيل للنبي ﷺ: إنّا كنا نطوف في الجاهلية بين الصفا والمروة، وإنّ الله قد ذكر الطواف بالبيت ولم يذكر الطواف بين الصفا والمروة، فهل علينا من حرج أن لا نطوف بهما؟ فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية كلها. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما؛ فيمن طاف، وفيمن لم يَطُف١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١٥٧-١٥٨ (١٦٤٣)، ومسلم ٢‏/‏٩٢٩ (١٢٧٧)، وابن جرير ٢‏/‏٧١٩ واللفظ له.
٤
عن عائشة -من طريق مجاهد- أنّها قالت: إنّه كان على الصفا والمروة صنمان في الجاهلية يطوفون بينهما، فلمّا هدمهما رسول الله ﷺ كما هدم الأصنام تَحَرَّج أصحابُ رسول الله ﷺ أن يطوفوا بين الصفا والمروة، وقالوا: إنّا كُنّا نطوف من أجل الصنمين، فقد هدمهما الله. فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾. أي: من مناسك الحج، فلا تحرّجوا أن يطوف بينهما١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط (٤٦٣٨).
٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق السدي، عن أبي مالك- قال: كانت الشياطين في الجاهلية تَعْزِفُ الليل أجمع بين الصفا والمروة، وكانت فيها آلهة لهم أصنام، فلما جاء الإسلام قال المسلمون: يا رسول الله، ألا نطوف بين الصفا والمروة؛ فإنه شرك كنا نصنعه في الجاهلية. فأنزل الله: ﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾. يقول: ليس عليه إثم، ولكن له أجر١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم ٢‏/‏٢٩٨ (٣٠٧٣)، وابن جرير ٢‏/‏٧١٦، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٦٧ (١٤٣٥). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يُخَرِّجاه». ولم يتعقبه الذهبي.
٦
عن عبد الله بن عباس -من طريق عكرمة- قال: قالت الأنصار: إنّ السَّعْيَ بين الصفا والمروة من أمر الجاهلية. فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الطبراني في الأوسط ٨‏/‏١٧٧-١٧٨ (٨٣٢٣). قال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏٢٤٨ (٥٥٣٠): «رواه الطبراني في الأوسط، وفيه حفص بن جميع، وهو ضعيف». وقال ابن حجر في الفتح ٣‏/‏٥٠٠: «بإسناد حسن». وقال الزرقاني في شرح الموطأ ٢‏/‏٤٧٥: «إسناد حسن».
٧
عن عمرو بن حُبْشِي، قال: سألتُ ابنَ عمر عن قوله: ﴿إن الصفا والمروة﴾ الآية. فقال: انطَلِق إلى ابن عباس فاسأله؛ فإنّه أعلم مَن بقي بما أُنزِل على محمد. فأتيتُه، فسألتُه، فقال: إنّه كان عندهما أصنام، فلمّا أسلموا أمسكوا عن الطواف بينهما؛ حتى أُنزِلت: ﴿إن الصفا والمروة﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧١٥. وأورده الثعلبي ٢‏/‏٢٦. وفي إسناده جابر الجعفي، وهو ضعيف جِدًّا. انظر: الكامل في الضعفاء لابن عدي ٢‏/‏٣٢٧.
٨
وفي رواية الواحدي: سألتُ ابن عمر عن هذه الآية. فقال: انطلِق إلى ابن عباس، فَسَلْه؛ فإنّه أعلمُ مَن بَقِي بما أنزل اللهُ على محمد ﷺ. فأتيته، فسألته، فقال: كان على الصفا صنم على صورة رجلٍ يُقال له: إساف، وعلى المروة صنم على صورة امرأة تُدعى: نائلة، زعم أهلُ الكتاب أنّهما زنيا في الكعبة، فمسخهما الله تعالى حَجَريْن، ووضَعَهَما على الصفا والمروة ليُعتَبر بهما، فلما طالت المدة عُبِدا من دون الله تعالى، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بينهما مسَحُوا على الوثنَيْن، فلما جاء الإسلام وكُسرت الأصنام كَره المسلمون الطواف لأجل الصنَمَيْن؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية١
التخريج
  1. ١ذكره الواحدي في أسباب النزول ص١٥٤.
٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- في قوله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾: وذلك أنّ ناسًا تَحَرَّجُوا أن يطوفوا بين الصفا والمروة؛ فأخبر الله أنهما من شعائره، والطواف بينهما أحب إليه، فمضت السنة بالطواف بينهما١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧١٦. قال ابن حجر في العُجاب ١‏/‏٣٥١: «بسند جيد». وأخرجه أبو عوانة في مستخرجه ٢‏/‏٣٢٨ (٣٣٢٠)، من طريق بكر بن عبد الله، عن ابن عباس.
١٠
عن عاصم الأحول، أنّه سأل أنس بن مالك عن الصفا والمروة. فقال: كنا نرى أنهما من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما؛ فأنزل الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٦‏/‏٢٣ (٤٤٩٦) واللفظ له، ومسلم ٢‏/‏٩٣٠ (١٢٧٨)، وابن جرير ٢‏/‏٧١٥، ٧١٧، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٦٧ (١٤٣٢).
١١
عن مجاهد -من طريق ابن أبي نجيح- قال: قالت الأنصار: إنّما السعي بين هذين الحجرين من أمر أهل الجاهلية. فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مجاهد ص٢١٧، وأخرجه سعيد بن منصور (٢٣٥- تفسير)، وابن جرير ٢‏/‏٧١٦. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٢
عن عامر الشعبي -من طريق داود بن أبي هند- قال: كان وثَنٌ بالصفا يُدْعى: إسافًا، ووَثَنٌ بالمروة يُدْعى: نائِلَة، فكان أهل الجاهلية إذا طافوا بالبيت يسعون بينهما، ويمسحون الوَثَنَيْن، فلمّا قَدِم رسول الله ﷺ قالوا: يا رسول الله، إنّ الصفا والمروة إنما كان يُطاف بهما من أجل الوَثَنَيْن، وليس الطواف بهما من الشعائر. فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة﴾ الآية. فذُكِّر الصفا من أجل الوثن الذي كان عليه، وأُنِّث المروة من أجل الوثن الذي كان عليه مُؤَنَّثًا١
التخريج
  1. ١أخرجه يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي بيأبيزمنين ١‏/‏١٩٠-، وسعيد بن منصور (٢٣٤- تفسير)، وابن جرير ٢‏/‏٧١٤. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
١٣
عن المعتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي يُحَدِّث عن أبي مِجْلَز، قال: كان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة، فقال المسلمون: إنما كان أهل الجاهلية يفعلون ذلك. فأنزل الله عز وجل: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله، فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾. قال: فَرُوِّيتُ أنّ أبا مِجْلَز كان يرى أنهما ليسا بواجبين. قال أبو المعتمر: كم من أمر جميل يقوله الناس وليس بواجب١
التخريج
  1. ١أخرجه الفاكهي في أخبار مكة ٢‏/‏٢٤٠ (١٤٣٦).
١٤
عن قتادة -من طريق مَعْمَر- قال: كان ناس من أهل تِهامَة في الجاهلية لا يطوفون بين الصفا والمروة؛ فأنزل الله: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧١٨. كما أخرج نحوه من طريق سعيد بلفظ: فكان حي من تهامة في الجاهلية لا يسعون بينهما؛ فأخبرهم الله أن الصفا والمروة من شعائر الله، وكان من سنة إبراهيم وإسماعيل الطوافُ بينهما.
١٥
قال مقاتل بن سليمان: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾، وذلك أن الحُمُس -وهم: قريش، وكِنانة، وخُزاعة، وعامر بن صَعْصَعَة- قالوا: ليست الصفا والمروة من شعائر الله. وكان على الصفا صنم يُقال له: نائِلة، وعلى المروة صنم يقال له: يَساف، في الجاهلية، قالوا: إنه حُرِّج علينا في الطواف بينهما. فكانوا لا يطوفون بينهما؛ فأنزل الله عز وجل: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٢.
١٦
عن مقاتل بن حيّان: إنّ النّاس كانوا قد تركوا الطواف بين الصفا والمروة، غير الحُمُس، وهم: قريش، وكِنانة، وخُزاعة، وعامر بن صَعْصَعَة، سُمُّوا حُمُسًا لِتَشَدُّدِهم في دينهم، والحماسة: الشجّاعة والصّلابة. فسألَتِ الحُمُسُ رسولَ الله ﷺ عن السعي بين الصفا والمروة، أمن شعائر الله أم لا؟ فإنّه كان لا يطوف بهما أحد غيرُنا. فنزلت هذه الآية١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٢٧.
١٧
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿فلا جُناح عليه أن يَطَّوَّف بهما﴾، قال: كان أهل الجاهلية قد وضَعوا على كل واحد منهما صَنمًا يُعَظِّمُونهما، فلَمّا أسلم المسلمون كرِهوا الطواف بالصفا والمروة؛ لِمَكان الصَّنَمَيْن؛ فقال الله تعالى: ﴿إن الصفا والمروةَ من شَعائر الله فمن حج البيتَ أو اعتمر فلا جُناح عليه أن يطَّوَّف بهما﴾. وقرأ: ﴿ومَن يُعَظِّمْ شَعائِرَ اللَّهِ فَإنَّها مِن تَقْوى القُلُوبِ﴾ [الحج:٣٢]. وسَنَّ رسول الله ﷺ الطوافَ بهما١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٢‏/‏٧١٧.
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٥٨ من سورة البقرة

٢٣ وقفةً في هذه الآية

  • ( إنَّ الصفَا والمروةَ مِنْ شعائر الله ) السعي يعلمنا التشبث بالأمل والرجاء ، مهما طالت خطواتنا في أشواط الابتلاء.

    — بدون مصدر

  • في قوله: (خيرا) إعلام بفضيلة النفقة في الحج والعمرة بالهدي ووجوه المرافق للرفقاء، بما يفهمه لفظ الخير؛ لأن هذا اللفظ عرف استعماله في خير الرزق والنفقة، كما قال تعالى:(وإنه لحب الخير لشديد) (العاديات:٨).

    — الحرالي

  • ﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ ۖ ﴾.. ما أرحم الله بنا .. جعل شعائره في المكان الذي انكشفت فيه هموم عباده .

    — عبدالله بلقاسم

  • سورة البقرة (158)

    — محمد الربيعة

  • سورة البقرة (158).

    — سعود بن خالد آل سعود الكبير

  • "ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم" ثِق فلن يذهب جهدك سدىً ولا تحزن ألا يعرفه أحد ما دام الله يعلمه. المهم أخلصه لله وانتظر العِوض

    — مجالس التدبر

  • (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ) سبعة مشاوير بين الصفا والمروة ثم سمعت صوت الملك على المروة.. أركض في مسعى لدعاء سبعا وانتظر صوت الإجابة.

    — عبدالله بلقاسم

  • (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ) فرج الله كربتها حين دعت ربها وهي تسعى لا تنتظر حتى تصل للمسجد ادع ربك ولو كنت تركض

    — عبدالله بلقاسم

  • {فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ} ومن شكره لعبده : أن من ترك شيئا لله أعاضه الله خيرا منه، ومن تقرب منه شبرا، تقرب منه ذراعا، ومن تقرب منه ذراعا، تقرب منه باعا، ومن أتاه يمشي، أتاه هرولة، ومن عامله، ربح عليه أضعافا مضاعفة.

    — مجالس التدبر

  • وقفة مع آية : إن الصفا والمروة من شعائر الله

    — علي عبدالعزيز الشبل

  • المتأمِّلُ في شعائر الحج يلحظُ تربيةً عجيبةً على كثرة الذكر، فنجد النصَّ عليه في القرآن في مواضع:‏عند المشعر الحرام، وفي أيام التشريـق، وعند الفراغ من المناسـك، وعند الذبــح، والذكـر على عمـوم نعمـة التوحيـد، والتوفيـق لهـذه المناسـك، فلنفتِّش عن أثر هذه العبادة في مناسكنا.

    — محمد العواجي

  • آية (١٥٨) : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شعائر اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) * الفرق بين (لا جناح عليكم) و (ليس عليكم جناح) أن (لا جناح عليكم) مؤكّدة كونها جملة اسمية وكونها منفية بـ (لا) أما (ليس عليكم جناح) فهي جملة فعلية ومن حيث الحكم النحوي الجملة الاسمية أقوى وأثبت وأدلّ على الثبوت من الجملة الفعلية ، أما من حيث الاستعمال القرآني نجد أن : لا جناح عليكم تستعمل فيما يتعلق بالعبادات وتنظيم الأسرة وشؤونها والحقوق والواجبات الزوجية والأمور المهمة : (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا (١٥٨)) هذه عبادة ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ (٢٢٩)) (فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا (٢٣٠)) (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ (٢٣٣)) (فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ (٢٣٤)) (وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ (٢٣٥)) (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ (٢٣٦)) (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ (٢٤٠)) هذه الآيات كلها في الحقوق وفي شؤون الأسرة. ليس عليكم جناح تستعمل فيما دون ذلك من أمور المعيشة اليومية كالبيع والشراء والتجارة وغيرها مما هو دون العبادات في الأهمية : (لَّيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُوا فَضْلًا مِن رَبِّكُمْ ) . * عبّر السياق بكلمة (يطوّف) بالتشديد ولم يقل يطوف للدلالة على مزيد اعتناء بهذه الشعيرة من شعائر الحج وحثٌ على الازدياد من السعي بين الصفا والمروة والازدياد من هذا الخير كلٌ بقدر طاقته واستطاعته . * الفرق بين الفاء والواو في الآية (١٥٨) قال (وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا) وفي (١٨٤) (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا) : الواو لمطلق الجمع ولا يدل على ترتيب أو تعقيب ، أما الفاء فهي تفيد التعقيب أي يأتي بعدها مباشرة في عقب الشيء وتأتي سببية درس فنجح ، الواو ليس فيها سبب . قال تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨))الآية في الحج والعمرة ومن تطوع خيراً أي من جاء بعبادة أخرى بطواف ، بحج ، بعمرة ، بعبادة أخرى وليس نفس العبادة ، الآية الثانية في الصيام (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)) كيف يتطوع أكثر ؟ يزيد في الفدية في نفس الطاعة نفس العبادة لذا جاءت واحدة بالواو والثانية بالفاء .

    — مختصر لمسات بيانية

و١١ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١٥٨ من سورة البقرة

٣ فتاوى تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٥٨ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(158) Indeed, aṣ-Ṣafā and al-Marwah are among the symbols[55] of Allāh. So whoever makes ḥajj [pilgrimage] to the House or performs ʿumrah - there is no blame upon him for walking between them.[56] And whoever volunteers good - then indeed, Allāh is Appreciative[57] and Knowing.
[55]- Places designated for the rites of ḥajj and ʿumrah.
[56]- Some believers had previously feared that this might be a pagan practice, so Allāh confirms that saʿī is among the rites of His religion.
[57]- i.e., He rewards generously.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال