مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما ومن تطوع خيرا فإن الله شاكر عليم﴾ وفي الآية مسائل :
المسألة الأولى : اعلم أن تعلق هذه الآية بما قبلها من وجوه. ( أحدها ) : أن الله تعالى بين أنه إنما حول القبلة إلى الكعبة ليتم إنعامه على محمد ﷺ وأمته بإحياء شرائع إبراهيم ودينه على ما قال :﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾ وكان السعي بين الصفا والمروة من شعائر إبراهيم على ما ذكر في قصة بناء الكعبة وسعي هاجر بين الجبلين فلما كان الأمر كذلك ذكر الله تعالى هذا الحكم عقيب تلك الآية. ( وثانيها ) : أنه تعالى لما قال :﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾ إلى قوله :﴿وبشر الصابرين﴾ قال :﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ وإنما جعلهما كذلك لأنهما من آثار هاجر وإسماعيل مما جرى عليهما من البلوى واستدلوا بذلك على أن من صبر على البلوى لا بد وأن يصل إلى أعظم الدرجات وأعلى المقامات. ( وثالثها ) : أن أقسام تكليف الله تعالى ثلاثة. ( أحدها ) : ما يحكم العقل بحسنه في أول الأمر فذكر هذا القسم أولا وهو قوله :﴿اذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾ فإن كان عاقل يعلم أن ذكر المنعم بالمدح والثناء والمواظبة على شكره أمر مستحسن في العقول. ( وثانيها ) : ما يحكم العقل بقبحه في أول الأمر إلا أنه بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه، وذلك مثل إنزال الآلام والفقر والمحن فإن ذلك كالمستقبح في العقول لأن الله تعالى لا ينتفع به ويتألم العبد منه فكان ذلك كالمستقبح إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه، وهي الابتلاء والامتحان على ما قال :﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾ فحينئذ يعتقد المسلم حسنه وكونه حكمة وصوابا. ( وثالثها ) : الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه، بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة وهو مثل أفعال الحج من السعي بين الصفا والمروة، فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين ليكون قد نبه على جميع أقسام تكاليفه وذاكرا لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء والله أعلم.
المسألة الثانية : اعلم أن الصفا والمروة علمان للجبلين المخصوصين إلا أن الناس تكلموا في أصل اشتقاقهما قال القفال رحمه الله : قيل إن الصفا واحد ويجمع على صفي وأصفاء كما يقال عصا وعصي، ورحا وأرحاء قال الراجز :
كأن متنيه من النفيمواقع الطير من الصفي
وقد يكون بمعنى جمع واحدته صفاة قال جرير :
إنا إذا قرع العدو صفاتنالاقوا لنا حجرا أصم صلودا
وفي كتاب الخليل : الصفا الحجر الضخم الصلب الأملس، وإذا نعتوا الصخرة قالوا : صفاة صفواء، وإذا ذكروا قالوا : صفا صفوان، فجعل الصفا والصفاة كأنهما في معنى واحد وقال المبرد الصفا كل حجر لا يخالطه غيره من طين أو تراب متصل به، واشتقاقه من صفا يصفوا إذا خلص وأما المروة فقال الخليل : من الحجارة ما كان أبيض أملس صلبا شديد الصلابة، وقاله غير : هو الحجارة الصغيرة يجمع في القليل مروات وفي الكثير مرو قال أبو ذؤيب :
حتى كأني للحوادث مروةبصفا المشاعر كل يوم يقرع
وأما ﴿شعائر الله﴾ فهي أعلام طاعته، وكل شيء جعل علما من أعلام طاعة الله فهو من شعائر الله، قال الله تعالى :﴿والبدن جعلناها لكم من شعائر الله﴾ أي علامة للقربة، وقال :﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله﴾ وشعائر الحج : معالم نسكه ومنه المشعر الحرام، ومنه إشعار السنام : وهو أن يعلم بالمدية فيكون ذلك علما على إحرام صاحبها، وعلى أنه قد جعله هديا لبيت الله، ومنه الشعائر في الحرب، وهو العلامة التي يتبين بها إحدى الفئتين من الأخرى والشعائر جمع شعيرة، وهو مأخوذ من الإشعار الذي هو الإعلام ومنه قولك : شعرت بكذا، أي علمت.
المسألة الثالثة : الشعائر إما أن نحملها على العبادات أو على النسك، أو نحملها على مواضع العبادات والنسك، فإن قلنا بالأول حصل في الكلام حذف، لأن نفس الجبلين لا يصح وصفهما بأنهما دين ونسك، فالمراد به أن الطواف بينهما والسعي من دين الله تعالى، وإن قلنا بالثاني استقام ظاهر الكلام، لأن هذين الجبلين يمكن أن يكونا موضعين للعبادات والمناسك وكيف كان فالسعي بين هذين الجبلين من شعائر الله ومن أعلام دينه، وقد شرعه الله تعالى لأمة محمد ﷺ ولإبراهيم عليه السلام قبل ذلك، وهو من المناسك الذي حكى الله تعالى عن إبراهيم عليه السلام أنه قال :﴿وأرنا مناسكنا﴾ واعلم أن السعي ليس عبادة تامة في نفسه بل إنما يصير عبادة إذا صار بعضا من أبعاض الحج، فلهذا السر بين الله تعالى الموضع الذي فيه يصير السعي عبادة فقال :﴿فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما﴾.
المسألة الرابعة : الحكمة في شرع هذا السعي الحكاية المشهورة وهي أن هاجر أم إسماعيل حين ضاق بها الأمر في عطشها وعطش ابنها إسماعيل عليه السلام أغاثها الله تعالى بالماء الذي أنبعه لها ولابنها من زمزم حتى يعلم الخلق أنه سبحانه وإن كان لا يخلي أولياءه في دار الدنيا من أنواع المحن إلا أن فرجه قريب ممن دعاه فإنه غياث المستغيثين، فانظر إلى حال هاجر وإسماعيل كيف أغاثهما وأجاب دعاءهما، ثم جعل أفعالهما طاعة لجميع المكلفين إلى يوم القيامة، وآثارهما قدوة للخلائق أجمعين ليعلم أن الله لا يضيع أجر المحسنين، وكل ذلك تحقيق لما أخبر به قبل ذلك من أنه يبتلي عباده بشيء من الخوف والجوع ونقص من الأموال والأنفس والثمرات إلا أن من صبر على ذلك نال السعادة في الدارين وفاز بالمقصد الأقصى في المنزلين.
المسألة الخامسة : ذكر القفال في لفظ الحج أقوالا. ( الأول ) : الحج في اللغة كثرة الاختلاف إلى شيء والتردد إليه، فمن زار البيت للحج فإنه يأتيه أولا ليعرفه ثم يعود إليه للطواف ثم ينصرف إلى منى ثم يعود إليه لطواف الزيارة ثم يعود إليه لطواف الصدر. ( الثاني ) : قال قطرب : الحج الحلق يقال : احجج شجتك، وذلك أن يقطع الشعر من نواحي الشجة ليدخل المحجاج في الشجة، فيكون المعنى : حج فلان أي حلق، قال القفال وهذا محتمل لقوله تعالى :﴿لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رءوسكم ومقصرين﴾ أي حجاجا وعمارا، فعبر عن ذلك بالحلق فلا يبعد أن يكون الحج مسمى بهذا الاسم لمعنى الحلق. ( الثالث ) : قال قوم الحج القصد، يقال : رجل محجوج، ومكان محجوج إذا كان مقصودا، ومن ذلك محجة الطريق، فكان البيت لما كان مقصودا بهذا النوع من العبادة سمي ذلك الفعل حجا، قال القفال : والقول الأول أشبه بالصواب لأن قولهم رجل محجوج إنما هو فيمن يختلف إليه مرة بعد أخرى، وكذلك محجة الطريق هو الذي كثر السير إليه.
وأما العمرة فقال أهل اللغة : الاعتمار هو القصد والزيارة، قال الأعشى :
وجاشت النفس لما جاء جمعهموراكب جاء من تثليث معتمر
وقال قطرب : العمرة في كلام عبد القيس : المسجد، والبيعة، والكنيسة، قال القفال : ولا شبهة في العمرة إذا أضيفت إلى البيت أن تكون بمعنى الزيارة، لأن المعتمر يطوف بالبيت وبالصفا والمروة، ثم ينصرف كالزائر، وأما الجناح فهو من قولهم : جنح إلى كذا أي مال إليه، قال الله تعالى :﴿وإن جنحوا للسلم فاجنح لها﴾ وجنحت السفينة إذا لزمت الماء فلم تمض، وجنح الرجل في الشيء يعلمه بيده إذا مال إليه بصدره وقيل للأضلاع : جوانح لاعوجاجها، وجناح الطائر من هذا، لأنه يميل في أحد شقيه ولا يطير على مستوى خلقته فثبت أن أصله من الميل، ثم من الناس من قال إنه بقي في عرف القرآن كذلك أيضا فمعنى : لا جناح عليه أينما ذكر في القرآن : لا ميل لأحد عليه بمطالبة شيء من الأشياء، ومنهم من قال : بل هو مختص بالميل إلى الباطل وإلى ما يأثم به.
وقوله :﴿أن يطوف بهما﴾ أي يتطوف فأدغمت التاء في الطاء كما قال :﴿يا أيها المدثر﴾ ﴿يا أيها المزمل﴾ أي المتدثر والمتزمل، ويقال : طاف وأطاف بمعنى واحد.
المسألة السادسة : ظاهر قوله تعالى :﴿لا جناح عليهن﴾ أنه لا إثم عليه، والذي يصدق عليه أنه لا إثم في فعله يدخل تحته الواجب والمندوب والمباح، ثم يمتاز كل واحد من هذه الثلاثة عن الآخر بقيد زائد، فإذن ظاهر هذه الآية لا يدل على أن السعي بين الصفا والمروة واجب، أو ليس بواجب، لأن اللفظ الدال على القدر المشترك بين الأقسام لا دلالة فيه البتة على خصوصية من الرجوع إلى دليل آخر، إذا عرفت هذا فنقول : مذهب الشافعي رحمه الله أن هذا السعي ركن، ولا يقوم الدم مقامه، وعند أبي حنيفة رحمه الله أنه ليس بركن، ويقوم الدم مقامه، وروي عن ابن الزبير ومجاهد وعطاء، أن من تركه فلا شيء عليه، حجة الشافعي رضي الله عنه من وجوه. ( أحدها ) : ما روي عن النبي ﷺ أنه قال :( إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا ) فإن قيل : هذا الحديث متروك الظاهر، لأنه يقتضي وجوب السعي وهو العدو، ذلك غير واجب قلنا : لا نسلم أن السعي عبارة عن العدو بدليل قوله :﴿فاسعوا إلى ذكر الله﴾ والعدو فيه غير واجب، وقال الله تعالى :﴿وأن ليس للإنسان إلا ما سعى﴾ وليس المراد منه العدو، بل الجد والاجتهاد في القصد والنية، سلمنا أنه يدل على العدو، ولكن العدو مشتمل على صفة ترك العمل به في حق هذه الصفة، فيبقى أصل المشي واجبا ( وثانيها ) : ما ثبت أنه عليه السلام سعى لما دنا من الصفا في حجته، وقال :( إن الصفا والمروة من شعائر الله ابدؤا بما بدأ الله به ) فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت، وإذا ثبت أنه عليه السلام سعى وجب أن يجب علينا السعي للقرآن والخبر، أما القرآن : فقوله تعالى :﴿واتبعوه﴾ وقوله :﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني﴾ وقوله :﴿لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة﴾ وأما الخبر فقوله عليه السلام :( خذوا عني مناسككم ) والأمر للوجوب، ( وثالثها ) : أنه أشواط شرعت في بقعة من بقاع الحرم، أو يؤتى به في إحرام كامل فكان جنسها ركنا كطواف الزيارة، ولا يلزم طواف الصدر لأن الكلام للجنس لوجوبه مرة، واحتج أبو حنيفة رضي الله عنه بوجهين. ( أحدهما ) : هذه الآية وهي قوله :﴿لا جناح عليه أن يطوف بهما﴾ وهذا لا يقال في الواجبات. ثم إنه تعالى أكد ذلك بقوله :﴿ومن تطوع خيرا﴾ فبين أنه تطوع وليس بواجب. ( وثانيهما ) : قوله :«الحج عرفة » ومن أدرك عرفة فقد تم حجه، وهذا يقتضي التمام من جميع الوجوه، ترك العمل به في بعض الأشياء، فيبقى معمولا به في السعي والجواب عن الأول من وجوه. ( الأول ) : ما بينا أن قوله :﴿فلا جناح عليه﴾ ليس فيه إلا أنه لا إثم على فاعله، وهذا القدر المشترك بين الواجب وغيره، فلا يكون فيه دلالة على نفي الوجوب والذي يحقق ذلك قوله تعالى :﴿فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم﴾ والقصر عند أبي حنيفة واجب، مع أنه قال فيه :﴿فلا جناح عليه﴾ فكذا ههنا ( الثاني ) : أنه رفع الجناح عن الطواف بهما لا عن الطواف بينهما، وعندنا الأول غير واجب، وإنما الثاني هو الواجب. ( الثالث ) : قال ابن عباس : كان على الصفا صنم وعلى المروة صنم وكان أهل الجاهلية يطوفون بهما ويتمسحون بهما فلما جاء الإسلام كره المسلمون الطواف بينهما لأجل الصنمين فأنزل الله تعالى هذه الآية، إذا عرفت هذا فنقول انصرف

تفسير هذه الآية من كتب أخرى