تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسلُ من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة والهدى النافع للقلوب، من بعد ما بينه الله - تعالى - لعباده في كتبه، التي أنزلها على رسله.
قال(١) أبو العالية : نزلت في أهل الكتاب، كتمُوا صفة محمد ﷺ ثم أخبر أنهم(٢). يلعنهم كلّ شيء على صنيعهم ذلك، فكما أن العالم يستغفر له كلّ شيء، حتى الحوت في الماء والطير في الهواء، فهؤلاء(٣) بخلاف العلماء [ الذين يكتمون ](٤) فيلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. وقد ورد في الحديث المسند من طرق يشد بعضها بعضًا، عن أبي هريرة، وغيره : أن رسول الله ﷺ قال :" من سُئِل عن علم فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار " (٥). والذي في الصحيح عن أبي هريرة أنه قال : لولا آية في كتاب الله ما حدثتُ أحدًا شيئًا :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية(٦).
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة، حدثنا عمار بن محمد، عن ليث بن أبي سليم، عن(٧) المنهال بن عمرو، عن زاذان أبي عُمَر(٨) عن البراء بن عازب، قال : كنا مع النبي ﷺ في جنازة، فقال :" إن الكافر يضرب ضربة بين عينيه، فيسمع كل(٩) دابة غير الثقلين، فتلعنه كل دابة سمعت صوته، فذلك قول الله تعالى :﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ يعني : دواب الأرض " (١٠).
[ ورواه ابن ماجة عن محمد بن الصباح عن عمار بن محمد به ](١١).
وقال عطاء بن أبي رباح : كل دابة والجن والإنس. وقال مجاهد : إذا أجدبت الأرض قالت البهائم : هذا من أجل عُصاة بني آدم، لعن الله عصاة بني آدم.
وقال أبو العالية، والربيع بن أنس، وقتادة ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ يعني تلعنهم ملائكة الله، والمؤمنون.
[ وقد جاء في الحديث، أن العالم يستغفر له كل شيء حتى الحيتان، وجاء في هذه الآية : أن كاتم العلم يلعنه الله والملائكة والناس أجمعون، واللاعنون أيضًا، وهم كل فصيح وأعجمي إما بلسان المقال، أو الحال، أو لو كان له عقل، أو يوم القيامة، والله أعلم ](١٢).
١ في جـ: "وقال"..
٢ في جـ: "أنه"..
٣ في جـ: "فهو"..
٤ زيادة من جـ، ط..
٥ المسند (٢/٢٦٣) وقد توسع الحافظ الزيلعي في كتابه "تخريج أحاديث الكشاف" (١/٢٥٢ - ٢٥٧) في ذكر طرق هذا الحديث..
٦ صحيح البخاري برقم (١١٨) وصحيح مسلم برقم (٢٤٩٢)..
٧ في جـ: "قال"..
٨ في أ: "زاذان بن عمر"..
٩ في جـ، أ، و: "يسمعها"..
١٠ هذا قطعة من حديث طويل رواه أبو داود في السنن برقم (٤٧٥٣، ٤٧٥٤) والنسائي في السنن (٤/٧٨) من طريق زاذان به، وسيأتي ذكره عند قوله تعالى: (يثبت الله الذين آمنوا) في تفسير سور إبراهيم..
١١ زيادة من جـ، ط، أ..
١٢ زيادة من جـ، ط، أ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى