البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿خالدين فيها﴾ : أي في اللعنة، وهو الظاهر، إذ لم يتقدم ما يعود عليها في اللفظ إلا اللعنة.
وقيل : يعود على النار، أضمرت لدلالة المعنى عليها، ولكثرة ما جاء في القرآن من قوله : خالدين فيها، وهو عائد على النار، ولدلالة اللعنة على النار، لأن كل من لعنه الله فهو في النار.
﴿لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون﴾ : سبق الكلام على مثل هاتين الجملتين تلو قوله ﴿أولئك الذين اشتروا الحياة الدنيا بالآخرة فلا يخفف﴾، الآية، فأغنى عن إعادته هنا.
إلا أن الجملة من قوله :﴿لا يخفف﴾ هي في موضع نصب من الضمير المستكن في خالدين، أي غير مخفف عنهم العذاب.
فهي حال متداخلة، أي حال من حال، لأن خالدين حال من الضمير في عليهم.
ومن أجاز تعدي العامل إلى حالين لذي حال واحد، أجاز أن تكون الجملة من قوله :﴿لا يخفف﴾، حال من الضمير في عليهم، ويجوز أن تكون : لا يخفف جملة استئنافية، فلا موضع لها من الإعراب.
وفي آخر الجملة الثانية، هناك : ولا ينصرون، نفى عنهم النصر، وهنا : ولا هم ينظرون، نفي الأنظار، وهو تأخير العذاب.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة إخباره تعالى بأن الصفا والمروة من معالمه التي جعلها محملاً لعبادته، وإن كان قد سبق غشيان المشركين لها، وتقربهم بالأصنام عليها.
وصرّح برفع الإثم عمن طاف بهما ممن حج أو اعتمر.
ثم ذكر أن من تبرع بخير، فإن الله شاكر لفعله، عليم بنيته، لما كان التطوّع يشتمل على فعل ونية، ختم بهاتين الصفتين المتناسبتين.
ثم أخبر تعالى عمن كتم ما أنزل الله من الحكم الإلهي من بعد ما بينه في كتابه، لعنه الله وملائكته ومن يسوغ منه اللعن من صالحي عباده.
ثم استثنى من تاب وأصلح، وبين ما كتم.
ولم يكتف بالتوبة فقط حتى أضاف إليها الإصلاح، لأن كتم ما أنزل الله من أعظم الإفساد، إذ فيه حمل الناس على غير المنهج الشرعي.
وأضاف التبيين لما كتم حتى يتضح للناس وضوحاً بيناً ما كان عليه من الضلال، وأنه أقلع عن ذلك، وسلك نقيض فعله الأول، فكان ذلك أدعى لزوال ما قرر أولاً من كتمان الحق وبضدها تتبين الأشياء
ثم أخبر تعالى عن هؤلاء المستثنين، أنه يتوب عليهم، وأنه تعالى لا يتعاظم عنده ذنب، وإن كان أعظم الذنوب، إذا تاب العبد منه.
ثم أخبر تعالى أنه التواب الرحيم، بصفتي المبالغة التي في فعال وفعيل.
ولما ذكر تعالى حال المؤمنين المتسمين بالصبر والصلاة والحج، وغير ذلك من أعمال البر، وحال من ارتكب المعاصي، ثم أقلع عن ذلك وتاب إلى الله.
ذكر حال من وافى على الكفر، وأنه تحت لعنة الله وملائكته والناس، وأنهم خالدون في اللعنة، غير مخفف عنهم العذاب، ولا مرجئون إلى وقت.
ثم لما كان كفر معظم الكفار إنما هو لاتخاذهم مع الله آلهة ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً﴾ ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي آلهين من دون الله﴾
وفي الحديث :« أنهم يسألون فيقولون كنا نعبد عزيراً »
أخبر تعالى أن الإله هو واحد لا يتعدد ولا يتجزأ، ولا له مثيل في صفاته.
ثم حصر الإلهية فيه، فتضمن ذلك أنه هو المثيب المعاقب، فوصف نفسه بهاتين الصفتين من الرحمانية والرحيمية.
ثم أخذ في ذكر ما يدل على الوحدانية والانفراد بالإلهية.
فبدأ بذكر اختراع الأفلاك العلوية، والجرم الكثيف الأرضي، وما يكون فيهما من اختلاف ما به السكون والحركة، من الليل والنهار الناشئين عما أودع الله تعالى في العالم العلوي، واختلاف الفلك ذاهبة وآيبة بما ينفع الناس الناشىء ذلك عما أودع في العالم السفلي، وما يكون مشتركاً بين العالمين، من إنزال الماء، وتشقق الأرض بالنبات، وانتشار العالم فيها.
ولما ذكر أشياء في الأجرام العلوية، وأشياء في الجرم الأرضي، ذكر شيئاً مما هو بين الجرمين، وهو تصريف الرّياح والسحاب، إذ كان بذلك تتم النعمة المقتضية لصلاح العالم في منافعهم البحرية والبرية.
ثم ذكر أن هذا كله هي آيات للعاقل، تدله على وحدانية الله تعالى واختصاصه بالإلهية، إذ من عبدوه من دون الله يعلمون قطعاً أنه لا يمكنه اقتدار على شيء مما تضمنته هذه الآيات، وأنهم بعض ما حوته الدائرة العلوية والدائرة السفلية، وأن نسبتهم إلى من لم يعبدوه من سائر المخلوقات نسبة واحدة في الافتقار والتغير، فلا مزية لهم على غيرهم إلا عند من سلب نور العقل، وغشيته ظلمات الجهل.
ثم ذكر تعالى، بعد ذكر هذه البينات الواضحات الدالة على الوحدانية واستحقاق العبادة، أن من الناس متخذي أنداد، وأنهم يؤثرونهم ويحبونهم مثل محبة الله، فهم يسوّون بين الخالق والمخلوق في المحبة، ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ ثم ذكر أن من المؤمنين أشدّ حبًّا لله من هؤلاء لأصناهم.
ثم خاطب من خاطب بقوله :﴿ولو يرى الذين ظلموا﴾، حين عاينوا نتيجة اتخاذهم الأنداد، وهو العذاب، الحال بهم، أي لرأيت أمراً عظيماً.
ثم نبه على أن أندادهم لا طاقة لها ولا قوة بدفع العذاب عمن اتخذوهم، لأن جميع القوى والقدر هي لله تعالى.
ثم ذكر تعالى تبرؤ المتبوعين من التابعين وقت رؤية العذاب وزالت المودات التي كانت بينهم، وأن التابعين تمنوا الرجوع إلى الدنيا حتى يؤمنوا ويتبرأوا من متبوعيهم حيث لا ينفع التمني ولا يمكن أن يقع، فهو تمني مستحيل، لأن الله تعالى قد حكم وأمضى أن لا عودة إلى الدنيا.
ثم ذكر تعالى أنهم بعد رؤيتهم العذاب وتقطع الأسباب، أراهم أعمالهم ندامات حيث لا ينفع الندم، ليتضاعف بذلك الألم.
ثم ختم ذلك بما ختم لهم من العذاب السرمدي والشقاء الأبدي.
نعوذ بالله من سطا نقماته، ونستنزل من كرمه العميم نشر رحماته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى