الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ : خبرٌ المبتدأ، و " واحدٌ " صفةٌ، وهو الخبرُ في الحقيقةِ لأنه محطُّ الفائدةِ، ألا ترى أنه لو اقْتُصِر على ما قبلَه لم يُفِدْ وهذا يُشْبِهُ الحال الموطِّئةَ نحو : مررتُ بزيد رجلاً صالحاً، فرجلاً حالٌ وليست مقصودةً، إنما المقصودُ وَصْفُها.
قوله :﴿إِلاَّ هُوَ﴾ رفعُ " هو " على أنَّه بدلٌ من اسم " لا " على المحلِّ، إذ محلُّه الرفعُ على الابتداءِ أو هو بَدَلٌ مِنْ " لا " وما عَمِلَتْ فيه لأنَّها وما بعدَها في محلِّ رفعٍ بالابتداء، وقد تقدَّم تقريرُ ذلك، ولا يجوزُ أن يكونَ " هو " خبرَ لا التبرئة لِما عَرَفْتَ أنها لا تَعْمَلُ في المعارفِ بل الخبرُ محذوفٌ أي : لا إله لنا، هذا إذا فَرَّعنا على أنَّ " لا " المبنيَّ معها اسمُها عاملةٌ في الخبر، أمَّا إذا جَعَلْنا الخبرَ مرفوعاً بما كان عليه قبل دخولِ لا وليس لها فيه عملٌ - وهو مذهبُ سيبويه - فكان ينبغي أَنْ يكونَ " هو " خبراً إلا أنه مَنَعَ من ذلك كونُ المبتدأِ نكرةً والخبرُ معرفةً وهو ممنوعٌ إلا في ضرائِر الشعرِ في بعضِ الأبوابِ.
واستشكل الشيخُ كونَه بدلاً مِنْ " إله " قال :" لأنه لم يُمْكِنْ تكريرُ العاملِ لا تقولُ :" لا رجلَ لا زيدَ "، والذي يظهر لي أنه ليس بدلاً من " اله " ولا مِنْ " رجل " في قولك " لا رجلَ إلا زيدٌ، إنما هو بدلٌ من الضميرِ المستكنِّ في الخبرِ المحذوفِ فإذا قُلْنا :" لا رجلَ إلا زيدٌ " فالتقدير : لا رجلَ كائنٌ أو موجودٌ إلا زيد، فزيدٌ بدلٌ من الضميرِ المستكنِّ في الخبر لا من " رجل "، فليس بدلاً على موضعِ اسم لا، وإنما هو بدلٌ مرفوعٌ من ضمير مرفوع، ذلك الضميرُ هو عائدٌ على اسم [ لا ]، ولولا تصريحُ النَّحْويين أنَّه بدلٌ على الموضع من اسم " لا " لتأوَّلْنا كلامهم على ما تقدَّم تأويلُه ". وهذا الذي قالَه غيرُ مشكل لأنهم لم يقولوا : هو بدلٌ من اسمِ لا على اللفظِ حتى يَلْزَمَهم تكريرُ العاملِ، وإنما كان يُشْكِلُ لو أجازوا إبدالَه من اسمِ " لا " على اللفظِ وهم لم يُجِيزوا ذلك لعدمِ إمكانِ تكريرِ العاملِ، ولذلك مَنَعوا وجهَ البدلِ في قولِهم ﴿لا إله إلا اللهَ﴾ وجعلوه انتصاباً على الاستثناء، وأجازوه في قولك :" لا رجلَ في الدارِ إلا صاحباً لك " لأنه يمكنُ فيه تكريرُ العاملِ.
قوله :﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ فيه أربعة أوجه، أحدها : أن يكونَ بدلاً من " هو " بدلَ ظاهرٍ من مضمر، إلاَّ أنَّ هذا يؤدي إلى البدلِ بالمشتقات وهو قليلٌ، ويمكن.
الجوابُ عنه بأن هاتين الصفتين جَرَتا مجرى الجوامِد/ ولا سيما عند مَنْ يجعلُ " الرحمنُ " علماً، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في البسملة. الثاني : أن يكونَ خبرَ مبتدأٍ محذوفٍ أي : هو الرحمنُ، وحَسَّن حذفَه توالي اللفظ ب " هو " مرتين. الثالث : أن يكونَ خبراً ثالثاً لقولِه :" وإلهُكم " أَخْبر عنه بقولِه :" إله واحد "، وبقولِه :" لا إله إلا هو "، وبقولِه :" الرحمن الرحيم "، وذلك عند مَنْ يرى تعديدَ الخبر مطلقاً، الرابع : أن يكونَ صفةً لقولِه :" هو " وذلك عند الكسائي فإنه يُجيز وصفَ الضمير الغائبِ بصفةِ المَدْحِ، فاشترطَ في وصفِ الضمير هذين الشرطين : أن يكونَ غائباً وأن تكونَ الصفةُ صفةَ مدحٍ، وإنْ كانَ الشيخُ جمالُ الدين بن مالك أَطْلَقَ عنه جوازَ وصفِ ضمير الغائب. ولا يجوزُ أَنْ يكون خبراً ل " هو " هذه المذكورةِ لأنَّ المستثنى ليس بجملةٍ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى