البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
﴿وإلهكم إله واحد﴾ الآية.
روي عن ابن عباس أنها نزلت في كفار قريش، قالوا : يا محمد، صف وانسب لنا ربك، فنزلت سورة الإخلاص وهذه الآية.
وروي عنه أيضاً أنه كان في الكعبة، وقيل حولها، ثلاثمائة وستون صنماً يعبدونها من دون الله، فنزلت.
وظاهر الخطاب أنه لجميع المخلوقات المتصور منهم العبادة، فهو إعلام لهم بوحدانية الله تعالى.
ويحتمل أن يكون خطاباً لمن قال : صف لنا ربك وانسبه، أو خطاباً لمن يعبد مع الله غيره من صنم ووثن ونار.
وإله : خبر عن إلهكم، وواحد : صفته، وهو الخبر في المعنى لجواز الاستغناء عن إله، ومنع الاقتصار عليه، فهو شبيه بالحال الموطئة، كقولك : مررت بزيد رجلاً صالحاً.
والواحد المراد به نفي النظير، أو القديم الذي لم يكن معه في الأزل شيء، أو الذي لا أبعاض له ولا أجزاء، أو المتوحد في استحقاق العبادة.
أقوال أربعة أظهرها الأول.
تقول : فلان واحد في عصره، أي لا نظير له ولا شبيه، وليس المعنى هنا بواحد مبدأ العدد.
﴿لا إله إلا هو﴾ : توكيد لمعنى الوحدانية ونفي الإلهية عن غيره.
وهي جملة جاءت لنفي كل فرد فرد من الآلهة، ثم حصر ذلك المعنى فيه تبارك وتعالى، فدلت الآية الأولى على نسبة الواحدية إليه تعالى، ودلت الثانية على حصر الإلهية فيه من اللفظ الناص على ذلك، وإن كانت الآية الأولى تستلزم ذلك، لأن من ثبتت له الواحدية ثبتت له الإلهية.
وتقدم الكلام على إعراب الاسم بعد لا في قوله :﴿لا ريب فيه﴾، والخبر محذوف، وهو بدل من اسم لا على الموضع، ولا يجوز أن يكون خبراً.
كما جاز ذلك في قولك : زيد ما العالم إلا هو، لأن لا لا تعمل في المعارف، هذا إذا فرعنا على أن الخبر بعد لا التي يبني الاسم معها هو مرفوع بها، وأما إذا فرعنا على أن الخبر ليس مرفوعاً بها، بل هو خبر المبتدأ الذي هو لا مع المبني معها، وهو مذهب سيبويه، فلا يجوز أيضاً، لأنه يلزم من ذلك جعل المبتدأ نكرة، والخبر معرفة، وهو عكس ما استقر في اللسان العربي.
وتقرير البدل فيه أيضاً مشكل على قولهم : إنه بدل من إله، لأنه لا يمكن أن يكون على تقدير تكرار العامل، لا تقول : لا رجل إلا زيد.
والذي يظهر لي فيه أنه ليس بدلاً من إله ولا من رجل في قولك : لا رجل إلا زيد، إنما هو بدل من الضمير المستكن في الخبر المحذوف، فإذا قلنا : لا رجل إلا زيد، فالتقدير : لا رجل كائن أو موجود إلا زيد.
كما تقول : ما أحد يقوم إلا زيد، فزيد بدل من الضمير في يقوم لا من أحد، وعلى هذا يتمشى ما ورد من هذا الباب، فليس بدلاً على موضع اسم لا، وإنما هو بدل مرفوع من ضمير مرفوع، ذلك الضمير هو عائد على اسم لا.
ولولا تصريح النحويين أنه يدل على الموضع من اسم لا، لتأوّلنا كلامهم على أنهم يريدون بقولهم بدل من اسم لا، أي من الضمير العائد على اسم لا.
قال بعضهم : وقد ذكر أن هو بدل من إله على المحل، قال : ولا يجوز فيه النصب هاهنا، لأن الرفع يدل على الاعتماد على الثاني، والمعنى في الآية على ذلك، والنصب على أن الاعتماد على الأول.
انتهى كلامه.
ولا فرق في المعنى بين : ما قام القوم إلا زيد، وإلا زيداً، من حيث أن زيداً مستثنى من جهة المعنى.
إلا أنهم فرقوا من حيث الإعراب، فأعربوا ما كان تابعاً لما قبله بدلاً، وأعربوا هذا منصوباً على الاستثناء، غير أن الإتباع أولى للمشاكلة اللفظية، والنصب جائز، ولا نعلم في ذلك خلافاً.
وقال في المنتخب : لما قال تعالى :﴿وإلهكم إله واحد﴾، أمكن أن يخطر ببال أحد أن يقول : هب أن إلهنا واحد، فلعل إله غيرنا مغاير لإلهنا، فلا جرم.
أزال ذلك الوهم ببيان التوحيد المطلق فقال : لا إله إلا هو.
فقوله : لا إله يقتضي النفي العام الشامل، فإذا قال بعده : إلا الله، أفاد التوحيد التامّ المطلق المحقق.
ولا يجوز أن يكون في الكلام حذف، كما يقوله النحويون، والتقدير : لا إله لنا، أو في الوجود، إلا الله، لأن هذا غير مطابق للتوحيد الحق، لأنه إن كان المحذوف لنا، كان توحيداً لإلهنا لا توحيداً للإله المطلق، فحينئذ لا يبقى بين قوله :﴿وإلهكم إله واحد﴾، وبين قوله :﴿لا إله إلا هو فرق﴾، فيكون ذلك تكراراً محضاً، وأنه غير جائز.
وأما إن كان المحذوف في الوجود، كان هذا نفياً لوجود الإله الثاني.
أما لو لم يضمر، كان نفياً لماهية الإله الثاني، ومعلوم أن نفي الماهية أقوى في التوحيد الصرف من نفي الوجود، فكان إجراء الكلام على ظاهره، والإعراض عن هذا الإضمار أولى، وإنما قدم النفي على الإثبات، لغرض إثبات التوحيد، ونفي الشركاء والأنداد.
انتهى الكلام.
قال أبو عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسي في ( ريّ الظمآن ) : هذا كلام من لا يعرف لسان العرب.
فإن لا إله في موضع المبتدأ، على قول سيبويه، وعند غيره اسم لا، وعلى التقديرين، لا بد من خبر للمبتدأ، أو للا، فما قاله من الاستغناء عن الإضمار فاسد.
وأما قوله : إذا لم يضمر كان نفياً للماهية، قلنا : نفي الماهية هو نفي الوجود، لأن نفي الماهية لا يتصوّر عندنا إلا مع الوجود، فلا فرق عنده بين لا ماهية ولا وجود، وهذا مذهب أهل السنة، خلافاً للمعتزلة، فإنهم يثبتون الماهية عرية عن الوجود، والدليل يأبى ذلك.
انتهى كلامه، وما قاله من تقدير خبر لا بد منه، لأن قوله : لا إله، كلام، فمن حيث هو كلام، لا بد فيه من مسنده ومسند إليه.
فالمسند إليه هو إله، والمسند هو الكون المطلق، ولذلك ساغ حذفه، كما ساغ بعد قولهم : لولا زيد لأكرمتك، إذ تقديره : لولا زيد موجود، لأنها جملة تعليقية، أو شرطية عند من يطلق عليها ذلك، فلا بد فيها من مسند ومسند إليه، ولذلك نقلوا أن الخبر بعد لا، إذا علم، كثر حذفه عند الحجازيين، ووجب حذفه عند التميميين.
وإذا كان الخبر كوناً مطلقاً، كان معلوماً، لأنه إذا دخل النفي المراد به نفي العموم، فالمتبادر إلى الذهن هو نفي الوجود، لأنه لا تنتفي الماهية إلا بانتفاء وجودها، بخلاف الكون المقيد، فإنه لا يتبادر الذهن إلى تعيينه، فلذلك لا يجوز حذفه نحو : لا رجل يأمر بالمعروف إلا زيد، إلا أن دل على ذلك قرينة من خارج فيعلم، فيجوز حذفه.
﴿الرحمن الرحيم﴾ : ذكر هاتين الصفتين منبهاً بهما على استحقاق العبادة له، لأن من ابتدأك بالرحمة إنشاء بشراً سوياً عاقلاً وتربية في دار الدنيا موعوداً الوعد الصدق بحسن العاقبة في الآخرة، جدير بعبادتك له والوقوف عند أمره ونهيه، وأطمعك بهاتين الصفتين في سعة رحمته.
وجاءت هذه الآية عقيب آية مختومة باللعنة والعذاب لمن مات غير موحد له تعالى، إذ غالب القرآن أنه إذا ذكرت آية عذاب، ذكرت آية رحمة، وإذا ذكرت آية رحمة، ذكرت آية عذاب.
وتقدم شرح هاتين الصفتين، فأغنى عن إعادته.
ويجوز ارتفاع الرحمن على البدل من هو، وعلى إضمار مبتدأ محذوف، أي هو الرحمن الرحيم، وعلى أن يكون خبراً بعد خبر لقوله : وإلهكم، فيكون قد قضى هذا المبتدأ ثلاثة أخبار : إله واحد خبر، ولا إله إلا هو خبر ثان، والرحمن الرحيم خبر ثالث.
ولا يجوز أن يكون خبراً لهو هذه المذكورة لأن المستثنى هنا ليس بجملة، بخلاف قولك : ما مررت برجل إلا هو أفضل من زيد.
قالوا : ولا يجوز أن يرتفع على الصفة لهو، لأن المضمر لا يوصف. انتهى.
وهو جائز على مذهب الكسائي، إذا كانت الصفة للمدح، وكان الضمير الغائب.
وأهمل ابن مالك القيد الأول، فأطلق عن الكسائي أنه يجيز وصف الضمير الغائب.
روي عن رسول الله ﷺ أنه قال :« إن هاتين الآيتين اسم الله الأعظم، وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم »
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة إخباره تعالى بأن الصفا والمروة من معالمه التي جعلها محملاً لعبادته، وإن كان قد سبق غشيان المشركين لها، وتقربهم بالأصنام عليها.
وصرّح برفع الإثم عمن طاف بهما ممن حج أو اعتمر.
ثم ذكر أن من تبرع بخير، فإن الله شاكر لفعله، عليم بنيته، لما كان التطوّع يشتمل على فعل ونية، ختم بهاتين الصفتين المتناسبتين.
ثم أخبر تعالى عمن كتم ما أنزل الله من الحكم الإلهي من بعد ما بينه في كتابه، لعنه الله وملائكته ومن يسوغ منه اللعن من صالحي عباده.
ثم استثنى من تاب وأصلح، وبين ما كتم.
ولم يكتف بالتوبة فقط حتى أضاف إليها الإصلاح، لأن كتم ما أنزل الله من أعظم الإفساد، إذ فيه حمل الناس على غير المنهج الشرعي.
وأضاف التبيين لما كتم حتى يتضح للناس وضوحاً بيناً ما كان عليه من الضلال، وأنه أقلع عن ذلك، وسلك نقيض فعله الأول، فكان ذلك أدعى لزوال ما قرر أولاً من كتمان الحق وبضدها تتبين الأشياء
ثم أخبر تعالى عن هؤلاء المستثنين، أنه يتوب عليهم، وأنه تعالى لا يتعاظم عنده ذنب، وإن كان أعظم الذنوب، إذا تاب العبد منه.
ثم أخبر تعالى أنه التواب الرحيم، بصفتي المبالغة التي في فعال وفعيل.
ولما ذكر تعالى حال المؤمنين المتسمين بالصبر والصلاة والحج، وغير ذلك من أعمال البر، وحال من ارتكب المعاصي، ثم أقلع عن ذلك وتاب إلى الله.
ذكر حال من وافى على الكفر، وأنه تحت لعنة الله وملائكته والناس، وأنهم خالدون في اللعنة، غير مخفف عنهم العذاب، ولا مرجئون إلى وقت.
ثم لما كان كفر معظم الكفار إنما هو لاتخاذهم مع الله آلهة ﴿أجعل الآلهة إلهاً واحداً﴾ ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمّي آلهين من دون الله﴾
وفي الحديث :« أنهم يسألون فيقولون كنا نعبد عزيراً »
أخبر تعالى أن الإله هو واحد لا يتعدد ولا يتجزأ، ولا له مثيل في صفاته.
ثم حصر الإلهية فيه، فتضمن ذلك أنه هو المثيب المعاقب، فوصف نفسه بهاتين الصفتين من الرحمانية والرحيمية.
ثم أخذ في ذكر ما يدل على الوحدانية والانفراد بالإلهية.
فبدأ بذكر اختراع الأفلاك العلوية، والجرم الكثيف الأرضي، وما يكون فيهما من اختلاف ما به السكون والحركة، من الليل والنهار الناشئين عما أودع الله تعالى في العالم العلوي، واختلاف الفلك ذاهبة وآيبة بما ينفع الناس الناشىء ذلك عما أودع في العالم السفلي، وما يكون مشتركاً بين العالمين، من إنزال الماء، وتشقق الأرض بالنبات، وانتشار العالم فيها.
ولما ذكر أشياء في الأجرام العلوية، وأشياء في الجرم الأرضي، ذكر شيئاً مما هو بين الجرمين، وهو تصريف الرّياح والسحاب، إذ كان بذلك تتم النعمة المقتضية لصلاح العالم في منافعهم البحرية والبرية.
ثم ذكر أن هذا كله هي آيات للعاقل، تدله على وحدانية الله تعالى واختصاصه بالإلهية، إذ من عبدوه من دون الله يعلمون قطعاً أنه لا يمكنه اقتدار على شيء مما تضمنته هذه الآيات، وأنهم بعض ما حوته الدائرة العلوية والدائرة السفلية، وأن نسبتهم إلى من لم يعبدوه من سائر المخلوقات نسبة واحدة في الافتقار والتغير، فلا مزية لهم على غيرهم إلا عند من سلب نور العقل، وغشيته ظلمات الجهل.
ثم ذكر تعالى، بعد ذكر هذه البينات الواضحات الدالة على الوحدانية واستحقاق العبادة، أن من الناس متخذي أنداد، وأنهم يؤثرونهم ويحبونهم مثل محبة الله، فهم يسوّون بين الخالق والمخلوق في المحبة، ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾ ثم ذكر أن من المؤمنين أشدّ حبًّا لله من هؤلاء لأصناهم.
ثم خاطب من خاطب بقوله :﴿ولو يرى الذين ظلموا﴾، حين عاينوا نتيجة اتخاذهم الأنداد، وهو العذاب، الحال بهم، أي لرأيت أمراً عظيماً.
ثم نبه على أن أندادهم لا طاقة لها ولا قوة بدفع العذاب عمن اتخذوهم، لأن جميع القوى والقدر هي لله تعالى.
ثم ذكر تعالى تبرؤ المتبوعين من التابعين وقت رؤية العذاب وزالت المودات التي كانت بينهم، وأن التابعين تمنوا الرجوع إلى الدنيا حتى يؤمنوا ويتبرأوا من متبوعيهم حيث لا ينفع التمني ولا يمكن أن يقع، فهو تمني مستحيل، لأن الله تعالى قد حكم وأمضى أن لا عودة إلى الدنيا.
ثم ذكر تعالى أنهم بعد رؤيتهم العذاب وتقطع الأسباب، أراهم أعمالهم ندامات حيث لا ينفع الندم، ليتضاعف بذلك الألم.
ثم ختم ذلك بما ختم لهم من العذاب السرمدي والشقاء الأبدي.
نعوذ بالله من سطا نقماته، ونستنزل من كرمه العميم نشر رحماته.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى