تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( إن في خلق السماوات والأرض ) روى أنه لما نزل قوله :( وإلهكم إله واحد ) قال المشركون لرسول الله ﷺ : ما الدليل على أنه واحد ؛ فنزل قوله :( إن في خلق السماوات والأرض ) والخلق : هو ابتداع الشيء وتقديره، ومنه قول الشاعر :
ولأنت تفري ما خلقت وبعض القوم يخلق ثم لا يفري
أي : يقطع ما قدرت.
والسماوات : جمع سماء، وهي سبع سماوات، وكذلك الأرضون سبع، على الصحيح.
وإنما ذكر السماوات بلفظ الجمع، والأرض بلفظ الواحد ؛ لأن كل سماء من جنس آخر. والأرضون كلها من جنس واحد. وهو التراب، والآية في السماوات : سمكها [ وسعته ](١) وارتفاعها من غير عمد ولا عُلاَّقة، وما ترى فيها من الشمس والقمر والنجوم.
والآية في الأرض : مدها وبسطها وسعتها وما يرى فيها من الأشجار والأنهار والجبال والبحار والجواهر والنبات.
وقوله تعالى :( واختلاف الليل والنهار ) وذلك [ ذهابهما ومجيئهم ] (٢) ومنه قولهم : فلان يختلف إلى فلان. أي : يذهب ويجيء مرة بعد أخرى. ومثله قوله تعالى :( وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة ) (٣) أي : يخلف أحدهما الآخر، والآية في الليل والنهار نقصانهما وزيادتهما وأن يذهب ضوء النهار فلا يدري أين ذهب، ويذهب سواد الليل فلا يدري أين ذهب.
وقوله تعالى :( والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس ) والفلك : اسم للجمع والواحدان فإذا أريد به الجمع يؤنث، وإذا أريد به الواحد يذكر، وقد ورد بالصيغتين في القرآن، والمراد ها هنا الجمع. والآية في الفلك تسخيره[ وجريها ] (٤) على وجه الماء. وهي موفرة مثقلة لا ترسب تحت الماء بل تعلو على وجه الماء.
قوله تعالى :( وما أنزل الله من السماء من ماء ) قيل : إن الله تعالى يخلق الماء في السحاب، فعلى هذا ؛ السماء ها هنا بمعنى السحاب. وقيل : بل يخلق الماء في السماء، ومن السماء ينزل إلى السحاب ثم من السحاب ينزل إلى الأرض.
وقوله تعالى :( فأحيا به الأرض بعد موتها ) أي : بعد يبسها وجدوبتها. فإن الأرض إذا أجدبت فقد ماتت. وإذا أخصبت فقد حييت.
وقوله تعالى :( وبث فيها من كل دابة ) أي : فرق فيها. وقوله :( وتصريف الرياح ) قيل : تصريفها أن الرياح تارة تكون شمالا وتارة تكون جنوبا، وتارة تكون قبولا، وتارة تكون دبورا، وتارة نكباء، والنكباء : فهي التي لا تعرف لها جهة.
وقيل : تصريفها : أن الريح تارة تكون لينا، وتارة عاصفا، وتارة حارة، وتارة باردة.
قال ابن عباس : أعظم جنود الله الريح والماء.
وقال ابن المبارك : للريح جناحان، والسحاب : غلاف مملوء نت الماء.
وفي مصحف حفصة ( وتصريف الأرواح ) وهو قريب من الرياح. وسميت الريح ريحا ؛ لأنها تريح النفس. قال شريح القاضي : ما هبت ريح إلا لشفاء سقيم أو لسقم صحيح.
وقوله تعالى :( والسحاب المسخر ) أي : المذلل ( بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون ).
قال وهب بن منبه : ثلاثة لا يدري من أين تجيء : الرعد، والبرق، والسحاب.
١ - في "الأصل، وك": شعلها..
٢ - في "الأصل، وك" ذهابها ومجيئها..
٣ - الفرقان: ٦٢..
٤ - ليست في الأصل، ولا "ك"، وما أثبتناه من تفسير البغوي (١/١٣٥) فإن البغوي ينقل عن المصحف..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى