كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني

عن الكتاب
قوله عَزَّ وَجَلَّ :﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾ ؛ قال الكلبيُّ :(نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي كُفَّار مَكَّةَ، قَالُواْ : يَا مُحَمَّدُ صِفْ لَنَا وَانْسِبْ لَنَا رَبَّكَ، فَأَنْزَلَ اللهُ سُورَةَ الإخْلاَصِ وَهَذِهِ الآيَةَ). وقال الضَّحاكُ : عن ابنِ عباس :(كَانَ لِلْمُشْرِكِيْنَ فِي الْكَعْبَةِ ثَلاَثُمَائَةٍ وَسُتُّونَ صَنَماً يَعْبُدُونَهُم مِنْ دُونِ اللهِ إفْكاً وَإثْماً، فَدَعَاهُمُ اللهُ إلَى تَوْحِيْدِهِ وَالإخْلاَصِ فِي عِبَادَتِهِ، فَقَالَ :﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾. ويقال : نزلت هذه الآية في صنف من المجوس ؛ ويقال لهم : الملَكَانية ؛ يقولون : هما اثنان : خالقُ الخيرِ، وخالق الشر.
ومعنى الآية : أن الذي يستحق أن تَأْلَهَ قلوبكم إليه في المنافع والمضار وفي جميع حوائجكم وفي التعظيم له إله واحد لا يستحق الإلهية أحد غيره. فلما نزلت هذه الآية عجِبَ المشركون وقالوا : إن محمداً يقول : إن إلهكم إلهٌ واحدٌ، فليأتنا بآية إن كان من الصادقين. فأنزل الله تعالى :﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ ؛ أي في تعاقب الليل والنهار ؛ وفي الذهاب والمجيء.
والاختلاف مأخوذٌ من خَلَفَ يَخْلُفُ بمعنى أن كل واحد منها يخلف صاحبه وإذا ذهب أحدهما جاء الآخر خلافه ؛ أي بعده. نظيره قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ الَّيلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾[الفرقان: ٦٢]. وقال عطاء :(أرَادَ اخْتِلاَفَ اللَّيلِ وَالنَّهَار فِي اللَّوْنِ وَالطُّولِ وَالْقِصَرِ وَالنُّور وَالظُّلْمَةِ وَالزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ). والليل : جمعُ لَيلَةٍ مثل نخلة ونخلٌ ؛ والليالي جمعُ الجمعِ. والنهار واحدٌ وجمعه نُهُرٌ. وقدَّم الليل على النهار ؛ لأنه هو الأصل والأقدم. قَالَ اللهُ تَعَالَى :﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾[يس: ٣٧].
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾ يعني السَّفَنُ، واحده وجمعه سواءٌ، قال الله تعالى في واحده :﴿وَآيَةٌ لَّهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾[يس: ٤١] وقال في جمعه :﴿حَتَّى إِذَا كُنتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِم﴾[يونس: ٢٢]. ويذكَّر ويؤنث قال الله تعالى في التذكير :﴿الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ﴾[يس: ٤١] وقال في التأنيث :﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ﴾. قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ﴾ يعني ركوبَها والحمل عليها في التجارات والمكاسب وأنواع المطالب.
قَوْلُهُ تَعَالَى :﴿وَمَآ أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَآءِ مِن مَّآءٍ﴾ ؛ يعني المطر، ﴿فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ؛ أي بعد يبسها وجذوبتها، ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ﴾ ؛ أي نشرَ وفرقَ من كل دابة من أجناس مختلفة، منهم من يمشي على بطنه ومنهم من يمشي على رجلين، ومنهم من يمشي على أربع، ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ ؛ أي تقليبها دبوراً وشمالاً وجنوباً وصبا. وقيل : تصريفها مرة بالرحمة ومرة بالعذاب.
وقرأ حمزة والكسائي وخلف :(وَتَصْرِيْفِ الرِّيْحِ) بغير ألف على الواحد. وقرأ الباقون :(الرِّيَاحِ) على الجمع. قال ابن عباس :(الرِّيَاحُ لِلرَّحْمَةِ ؛ وَالرِّيحُ لِلْعَذَابِ)، وكان النبيُّ ﷺ إذا هاجَتِ الريحُ يقول :

تفسير هذه الآية من كتب أخرى