البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الليل : قيل هو اسم جنس، مثل : تمرة وتمر، والصحيح أنه مفرد، ولا يحفظ جمعاً لليل، وأخطأ من ظنّ أن الليالي جمع الليل، بل الليالي جمع ليلة، وهو جمع غريب، ونظيره : كيكه والكياكي، والكيكة : البيضة، كأنهم توهموا أنهما ليلاه وكيكاه، ويدل على هذا التوهم قولهم في تصغير ليلة : لييلية، وقد صرحوا بليلاه في الشعر، قال الشاعر :
في كل يوم وبكل ليلاة***
على أنه يحتمل أن تكون هذه الألف إشباعاً نحو :
أعوذ باللَّه من العقراب***
وقال ابن فارس : بعض الطير يسمى ليلاً، ويقال : إنه ولد الحبارى.
وأما النهار : فجمعه نهر وأنهرة، كقذل وأقذلة، وهما جمعان مقيسان فيه.
وقيل : النهار مفرد لا يجمع لأنه بمنزلة المصدر، كقولك : الضياء يقع على القليل والكثير، وليس بصحيح.
قال الشاعر :
ويقال : رجل نهر، إذا كان يعمل في النهار، وفيه معنى النسب.
قالوا : والنهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يدل على ذلك قوله ﷺ لعدي :« إنما هو بياض النهار وسواد الليل »، يعني في قوله تعالى :﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ وظاهر اللغة أنه من وقت الأسفار.
وقال النضر بن شميل : ويغلب أول النهار طلوع الشمس.
زاد النضر : ولا يعد ما قبل ذلك من النهار.
وقال الزجاج، في ( كتب الأنواء ) : أول النهار ذرور الشمس، واستدل بقول أمية بن أبي الصلت :
وقال عدي بن زيد :
والمصر : القطع.
وأنشد الكسائي :
وقال ابن الأنباري : من طلوع الشمس إلى غروبها نهار، ومن الفجر إلى طلوعها مشترك بين الليل والنهار.
وقد تقدمت مادّة نهر في قوله :﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ الفلك : السفن، ويكون مفرداً وجمعاً.
وزعموا أن حركاته في الجمع ليست حركاته في المفرد، وإذا استعمل مفرد أنثى، قالوا : فلكان.
وقيل : إذا أريد به الجمع، فهو اسم جمع، والذي نذهب إليه أنه لفظ مشترك بين المفرد والجمع، وأن حركاته في الجمع حركاته في المفرد، ولا تقدر بغيرها.
وإذا كان مفرداً فهو مذكر، كما قال :﴿في الفلك المشحون﴾ وقالوا : ويؤنث تأنيث المفرد، قال :﴿والفلك التي تجري﴾، ولا حجة في هذا، إذ يكون هنا استعمل جمعاً، فهو من تأنيث الجمع، والجمع يوصف بالتي، كما توصف به المؤنثة.
وقيل : واحد الفُلك، فَلَك، كأُسُد وأَسَد، وأصله من الدوران، ومنه : فلك السماء الذي تدور فيه النجوم، وفلكة المغزل، وفلكة الجارية : استدرار نهدها.
بث : نشر وفرق وأظهر.
قال الشاعر :
وفي الأرض مبثوثاً شجاع وعقرب***
ومضارعه : يبث، على القياس في كل ثلاثي مضعف متعد أنه يفعل إلاّ ما شذ.
الدابة : اسم لكل حيوان، ورد قول من أخرج منه الطير بقول علقمة :
ويقول الأعشى :
دبيب قطا البطحاء في كل منهل***
وفعله : دب يدب، وهذا قياسه لأنه لازم، وسمع فيه يدب بضم عين الكلمة، والهاء في الدابة للتأنيث، إما على معنى نفس دابة، وإما للمبالغة، لكثرة وقوع هذا الفعل، وتطلق على الذكر والأنثى.
التصريف : مصدر صرف، ومعناه : راجع للصرف، وهو الرد.
صرفت زيداً عن كذا : رددته.
الرياح : جمع ريح، جمع تكسير، وياؤه واو لأنها من راح يروح، وقلبت ياء لكسرة ما قبلها، وحين زال موجب القلب، وهو الكسر، ظهرت الواو، وقالوا : أرواح، كجمع الروح.
قال الشاعر :
قال ابن عطية : وقد لحن في هذه اللفظة عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، فاستعمل الأرياح في شعره، ولحن في ذلك.
وقال أبو حاتم : إن الأرياح لا يجوز، فقال له عمارة : ألا تسمع قولهم : رياح ؟ فقال له أبو حاتم : هذا خلاف ذلك، فقال له : صدقت ورجع. انتهى.
وفي محفوظي قديماً أن الأرياح جاءت في شعر بعض فصحاء العرب الذين يستشهد بكلامهم، كأنهم بنوه على المفرد، وإن كانت علة القلب مفقودة في الجمع، كما قالوا : عيد وأعياد، وإنما ذلك من العود، لكنه لما لزم البدل جعله كالحرف الأصلي.
السحاب : اسم جنس، المفرد سحابة، سمي بذلك لأنه ينسحب، كما يقال له : حبى، لأنه يحبو، قاله أبو علي.
التسخير : هو التذليل وجعل الشيء داخلاً تحت الطوع.
قال الراغب : التسخير : القهر على الفعل، وهو أبلغ من الإكراه.
﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ : روي أنه لما نزل ﴿وإلهكم﴾ الآية، قالت كفار قريش : كيف يسع الناس إله واحد ؟ فنزل :﴿إن في خلق﴾.
ولما تقدم وصفه تعالى بالوحدانية واختصاصه بالإلهية، استدل بهذا الخلق الغريب والبناء العجيب استدلالاً بالأثر على المؤثر، وبالصنعة على الصانع، وعرفهم طريق النظر، وفيم ينظرون.
فبدأ أولاً بذكر العالم العلوي فقال :﴿إن في خلق السموات﴾.
وخلقها : إيجادها واختراعها، أو خلقها وتركيب أجرامها وائتلاف أجزائها من قولهم : خلق فلان حسن : أي خلقته وشكله.
وقيل : خلق هنا زائدة والتقدير : إن في السموات والأرض، لأن الخلق إرادة تكوين الشيء.
والآيات في المشاهد من السموات والأرض، لا في الإرادة، وهذا ضعيف، لأن زيادة الأسماء لم تثبت في اللسان، ولأن الخلق ليس هو الإرادة، بل الخلق ناشىء عن الإرادة.
قالوا : وجمع السموات لأنها أجناس، كل سماء من جنس غير جنس الأحرى، ووحد الأرض لأنها كلها من تراب.
وبدأ بذكر السماء لشرفها وعظم ما احتوت عليه من الأفلاك والأملاك والعرش والكرسي وغير ذلك، وآياتها : ارتفاعها من غير عمد تحتها، ولا علائق من فوقها، ثم ما فيها من النيرين، الشمس والقمر والنجوم السيارة والكواكب الزاهرة، شارقة وغاربة، نيرة وممحوّة، وعظم أجرامها وارتفاعها، حتى قال أرباب الهيئة : إن الشمس قدر الأرض مائة وأربع وستين مرّة، وإن أصغر نجم في السماء قدر الأرض سبع مرّات، وإن الأفلاك عظيمة الأجرام، قد ذكر أرباب علم الهيئة مقاديرها، وإنها سبعة أفلاك، يجمعها الفلك المحيط.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال :« أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد » وصح أيضاً.
« أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفاً، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة » وآية الأرض : بسطها، لا دعامة من تحتها ولا علائق من فوقها، وأنهارها ومياهها وجبالها ورواسيها وشجرها وسهلها ووعرها ومعادنها، واختصاص كل موضع منها بما هيىء له، ومنافع نباتها ومضارها.
وذكر أرباب الهيئة أن الأرض نقطة في وسط الدائرة ليس لها جهة، وأن البحار محيطة بها، والهواء محيط بالماء، والنار محيطة بالهواء، والأفلاك وراء ذلك.
وقد ذكر القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتابه المعروف ( بالدقائق ) خلافاً عن الناس المتقدمين : هل الأرض واقفة أم متحركة ؟ وفي كل قول من هذين مذاهب كثيرة في السبب الموجب لوقوفها، أو لتحركها.
وكذلك تكلموا على جرم السموات ولونها وعظمها وأبراجها، وذكر مذاهب للمنجمين والمانوية، وتخاليط كثيرة.
والذي تكلم عليه أهل الهيئة هو شيء استدلوا عليه بعقولهم، وليس في الشرع شيء من ذلك.
والمعتمد عليه أن هذه الأشياء لا يعلم حقيقة خلقها إلا الله تعالى، ومن أطلعه الله على شيء منها بالوحي
﴿أحاط بكل شيء علماً﴾ ﴿وأحصى كل شيء عدداً﴾
﴿واختلاف الليل والنهار﴾ : اختلافهما بإقبال هذا وإدبار هذا، أو اختلافهما بالأوصاف في النور والظلمة، والطول والقصر، أو تساويهما، قاله ابن كيسان.
وقدم الليل على النهار لسبقه في الخلق، قال تعالى :﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ وقال قوم : إن النور سابق على الظلمة، وعلى هذا الخلاف انبنى الخلاف في ليلة اليوم.
فعلى القول الأول : تكون ليلة اليوم هي التي قبله، وهو قول الجمهور ؛ وعلى القول الثاني : ليلة اليوم هي الليلة التي تليه، وكذلك ينبني على اختلافهم في النهار، اختلافهم في مسألة : لو حلف لا يكلم زيداً نهاراً.
﴿والفلك التي تجري في البحر﴾ : أول من عمل الفلك نوح، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وقال له جبريل عليه السلام : ضعها على جؤجؤ الطائر.
فالسفينة طائر مقلوب، والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها، قاله أبو بكر بن العربي.
وآيتها تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء، ووقوفها فوقه مع ثقلها وتبليغها المقاصد.
ولو رميت في البحر حصاة لغرقت.
ووصفها بهذه الصفة من الجريان، لأنها آيتها العظمى، وجعل الصفة موصولاً، صلته تجري : فعل مضارع يدل على تجدد ذلك الوصف لها في كل وقت يراد منها.
وذكر مكان تلك الصفة على سبيل التوكيد، إذ من المعلوم أنها لا تجري إلا في البحر.
والألف واللام فيه للجنس، وأسند الجريان للفلك على سبيل التوسع، وكان لها من ذاتها صفة مقتضية للجري.
﴿بما ينفع الناس﴾ : يحتمل أن تكون ما موصولة، أي تجري مصحوبة بالأعيان التي تنفع الناس من أنواع المتاجر والبضائع المنقولة من بلد إلى بلد، فتكون الباء للحال.
ويحتمل أن تكون ما مصدرية، أي ينفع الناس في تجاراتهم وأسفارهم للغزو والحج وغيرهما، فتكون الباء للسبب.
واقتصر على ذكر النفع، وإن كانت تجري بما يضر، لأنه ذكرها في معرض الامتنان.
﴿وما أنزل الله من السماء من ماء﴾ : أي من جهة السماء.
من الأولى لابتداء الغاية تتعلق بأنزل، وفي أنزل ضمير نصب عائد على ما، أي والذي أنزله الله من السماء.
ومن الثانية مع ما بعدها بدل من قوله :﴿من السماء﴾، بدل اشتمال، فهو على نية تكرار العامل، أو لبيان الجنس عند من يثبت لها هذا المعنى، أو للتبعيض، وتتعلق بإنزل.
ولا يقال : كيف تتعلق بإنزل من الأولى والثانية، لأن معنييهما مختلفان.
﴿فأحيا به الأرض بعد موتها﴾ : عطف على صلة ما، الذي هو أنزل بالفاء المقتضية للتعقيب وسرعة النبات، وبه عائد على الموصول.
وكنى بالإحياء عن ظهور ما أودع فيها من النبات، وبالموت عن استقرار ذلك فيها وعدم ظهوره.
وهما كنايتان غريبتان، لأن ما برز منها بالمطر جعل تعالى فيه القوة الغاذية والنامية والمحركة، وما لم يظهر فهو كامن فيها، كأنه دفين فيها، وهي له قبر.
﴿وبث فيها من كل دابة﴾ : إن قدرت هذه الجملة معطوفة على ما قبلها من الصلتين، احتاجت إلى ضمير يعود على الموصول، لأن الضمير في فيها عائد على الأرض وتقديره : وبث فيها من كل دابة.
لكن حذف هذا الضمير، إذا كان مجروراً بالحرف، له شرط، وهو أن يدخل على الموصول، أو الموصوف بالموصول، أو المضاف إلى الموصول حرف جر، مثل ما دخل على الضمير لفظاً ومعنى، وأن يتحد ما تعلق به الحرفان لفظاً ومعنى، وأن لا يكون ذلك المجرور العائد على الموصول وجاره في موضع رفع، وأن لا يكون محصوراً، ولا في معنى المحصور، وأن يكون متعيناً للربط.
وهذا الشرط مفقود هنا.
قال
في كل يوم وبكل ليلاة***
على أنه يحتمل أن تكون هذه الألف إشباعاً نحو :
أعوذ باللَّه من العقراب***
وقال ابن فارس : بعض الطير يسمى ليلاً، ويقال : إنه ولد الحبارى.
وأما النهار : فجمعه نهر وأنهرة، كقذل وأقذلة، وهما جمعان مقيسان فيه.
وقيل : النهار مفرد لا يجمع لأنه بمنزلة المصدر، كقولك : الضياء يقع على القليل والكثير، وليس بصحيح.
قال الشاعر :
| لولا الثريدان هلكنا بالضمر | ثريد ليل وثريد بالنهر |
قالوا : والنهار من طلوع الفجر إلى غروب الشمس، يدل على ذلك قوله ﷺ لعدي :« إنما هو بياض النهار وسواد الليل »، يعني في قوله تعالى :﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ وظاهر اللغة أنه من وقت الأسفار.
وقال النضر بن شميل : ويغلب أول النهار طلوع الشمس.
زاد النضر : ولا يعد ما قبل ذلك من النهار.
وقال الزجاج، في ( كتب الأنواء ) : أول النهار ذرور الشمس، واستدل بقول أمية بن أبي الصلت :
| والشمس تطلع كل آخر ليلة | حمراء يصبح لونها يتورد |
| وجاعل الشمس مصراً لا خفاء به | بين النهار وبين الليل قد فصلا |
وأنشد الكسائي :
| إذا طلعت شمس النهار فإنها | أمارة تسليمي عليك فودّعي |
وقد تقدمت مادّة نهر في قوله :﴿تجري من تحتها الأنهار﴾ الفلك : السفن، ويكون مفرداً وجمعاً.
وزعموا أن حركاته في الجمع ليست حركاته في المفرد، وإذا استعمل مفرد أنثى، قالوا : فلكان.
وقيل : إذا أريد به الجمع، فهو اسم جمع، والذي نذهب إليه أنه لفظ مشترك بين المفرد والجمع، وأن حركاته في الجمع حركاته في المفرد، ولا تقدر بغيرها.
وإذا كان مفرداً فهو مذكر، كما قال :﴿في الفلك المشحون﴾ وقالوا : ويؤنث تأنيث المفرد، قال :﴿والفلك التي تجري﴾، ولا حجة في هذا، إذ يكون هنا استعمل جمعاً، فهو من تأنيث الجمع، والجمع يوصف بالتي، كما توصف به المؤنثة.
وقيل : واحد الفُلك، فَلَك، كأُسُد وأَسَد، وأصله من الدوران، ومنه : فلك السماء الذي تدور فيه النجوم، وفلكة المغزل، وفلكة الجارية : استدرار نهدها.
بث : نشر وفرق وأظهر.
قال الشاعر :
وفي الأرض مبثوثاً شجاع وعقرب***
ومضارعه : يبث، على القياس في كل ثلاثي مضعف متعد أنه يفعل إلاّ ما شذ.
الدابة : اسم لكل حيوان، ورد قول من أخرج منه الطير بقول علقمة :
| كأنهم صابت عليهم سحابة | صواعقها لطيرهنّ دبيب |
دبيب قطا البطحاء في كل منهل***
وفعله : دب يدب، وهذا قياسه لأنه لازم، وسمع فيه يدب بضم عين الكلمة، والهاء في الدابة للتأنيث، إما على معنى نفس دابة، وإما للمبالغة، لكثرة وقوع هذا الفعل، وتطلق على الذكر والأنثى.
التصريف : مصدر صرف، ومعناه : راجع للصرف، وهو الرد.
صرفت زيداً عن كذا : رددته.
الرياح : جمع ريح، جمع تكسير، وياؤه واو لأنها من راح يروح، وقلبت ياء لكسرة ما قبلها، وحين زال موجب القلب، وهو الكسر، ظهرت الواو، وقالوا : أرواح، كجمع الروح.
قال الشاعر :
| أريت بها الأرواح كل عشية | فلم يبق إلا ال نؤي منضد |
وقال أبو حاتم : إن الأرياح لا يجوز، فقال له عمارة : ألا تسمع قولهم : رياح ؟ فقال له أبو حاتم : هذا خلاف ذلك، فقال له : صدقت ورجع. انتهى.
وفي محفوظي قديماً أن الأرياح جاءت في شعر بعض فصحاء العرب الذين يستشهد بكلامهم، كأنهم بنوه على المفرد، وإن كانت علة القلب مفقودة في الجمع، كما قالوا : عيد وأعياد، وإنما ذلك من العود، لكنه لما لزم البدل جعله كالحرف الأصلي.
السحاب : اسم جنس، المفرد سحابة، سمي بذلك لأنه ينسحب، كما يقال له : حبى، لأنه يحبو، قاله أبو علي.
التسخير : هو التذليل وجعل الشيء داخلاً تحت الطوع.
قال الراغب : التسخير : القهر على الفعل، وهو أبلغ من الإكراه.
﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ : روي أنه لما نزل ﴿وإلهكم﴾ الآية، قالت كفار قريش : كيف يسع الناس إله واحد ؟ فنزل :﴿إن في خلق﴾.
ولما تقدم وصفه تعالى بالوحدانية واختصاصه بالإلهية، استدل بهذا الخلق الغريب والبناء العجيب استدلالاً بالأثر على المؤثر، وبالصنعة على الصانع، وعرفهم طريق النظر، وفيم ينظرون.
فبدأ أولاً بذكر العالم العلوي فقال :﴿إن في خلق السموات﴾.
وخلقها : إيجادها واختراعها، أو خلقها وتركيب أجرامها وائتلاف أجزائها من قولهم : خلق فلان حسن : أي خلقته وشكله.
وقيل : خلق هنا زائدة والتقدير : إن في السموات والأرض، لأن الخلق إرادة تكوين الشيء.
والآيات في المشاهد من السموات والأرض، لا في الإرادة، وهذا ضعيف، لأن زيادة الأسماء لم تثبت في اللسان، ولأن الخلق ليس هو الإرادة، بل الخلق ناشىء عن الإرادة.
قالوا : وجمع السموات لأنها أجناس، كل سماء من جنس غير جنس الأحرى، ووحد الأرض لأنها كلها من تراب.
وبدأ بذكر السماء لشرفها وعظم ما احتوت عليه من الأفلاك والأملاك والعرش والكرسي وغير ذلك، وآياتها : ارتفاعها من غير عمد تحتها، ولا علائق من فوقها، ثم ما فيها من النيرين، الشمس والقمر والنجوم السيارة والكواكب الزاهرة، شارقة وغاربة، نيرة وممحوّة، وعظم أجرامها وارتفاعها، حتى قال أرباب الهيئة : إن الشمس قدر الأرض مائة وأربع وستين مرّة، وإن أصغر نجم في السماء قدر الأرض سبع مرّات، وإن الأفلاك عظيمة الأجرام، قد ذكر أرباب علم الهيئة مقاديرها، وإنها سبعة أفلاك، يجمعها الفلك المحيط.
وقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال :« أطت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد » وصح أيضاً.
« أن البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألفاً، لا يعودون إليه إلى يوم القيامة » وآية الأرض : بسطها، لا دعامة من تحتها ولا علائق من فوقها، وأنهارها ومياهها وجبالها ورواسيها وشجرها وسهلها ووعرها ومعادنها، واختصاص كل موضع منها بما هيىء له، ومنافع نباتها ومضارها.
وذكر أرباب الهيئة أن الأرض نقطة في وسط الدائرة ليس لها جهة، وأن البحار محيطة بها، والهواء محيط بالماء، والنار محيطة بالهواء، والأفلاك وراء ذلك.
وقد ذكر القاضي أبو بكر محمد بن الطيب الباقلاني في كتابه المعروف ( بالدقائق ) خلافاً عن الناس المتقدمين : هل الأرض واقفة أم متحركة ؟ وفي كل قول من هذين مذاهب كثيرة في السبب الموجب لوقوفها، أو لتحركها.
وكذلك تكلموا على جرم السموات ولونها وعظمها وأبراجها، وذكر مذاهب للمنجمين والمانوية، وتخاليط كثيرة.
والذي تكلم عليه أهل الهيئة هو شيء استدلوا عليه بعقولهم، وليس في الشرع شيء من ذلك.
والمعتمد عليه أن هذه الأشياء لا يعلم حقيقة خلقها إلا الله تعالى، ومن أطلعه الله على شيء منها بالوحي
﴿أحاط بكل شيء علماً﴾ ﴿وأحصى كل شيء عدداً﴾
﴿واختلاف الليل والنهار﴾ : اختلافهما بإقبال هذا وإدبار هذا، أو اختلافهما بالأوصاف في النور والظلمة، والطول والقصر، أو تساويهما، قاله ابن كيسان.
وقدم الليل على النهار لسبقه في الخلق، قال تعالى :﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ وقال قوم : إن النور سابق على الظلمة، وعلى هذا الخلاف انبنى الخلاف في ليلة اليوم.
فعلى القول الأول : تكون ليلة اليوم هي التي قبله، وهو قول الجمهور ؛ وعلى القول الثاني : ليلة اليوم هي الليلة التي تليه، وكذلك ينبني على اختلافهم في النهار، اختلافهم في مسألة : لو حلف لا يكلم زيداً نهاراً.
﴿والفلك التي تجري في البحر﴾ : أول من عمل الفلك نوح، على نبينا وعليه أفضل الصلاة والسلام، وقال له جبريل عليه السلام : ضعها على جؤجؤ الطائر.
فالسفينة طائر مقلوب، والماء في أسفلها نظير الهواء في أعلاها، قاله أبو بكر بن العربي.
وآيتها تسخير الله إياها حتى تجري على وجه الماء، ووقوفها فوقه مع ثقلها وتبليغها المقاصد.
ولو رميت في البحر حصاة لغرقت.
ووصفها بهذه الصفة من الجريان، لأنها آيتها العظمى، وجعل الصفة موصولاً، صلته تجري : فعل مضارع يدل على تجدد ذلك الوصف لها في كل وقت يراد منها.
وذكر مكان تلك الصفة على سبيل التوكيد، إذ من المعلوم أنها لا تجري إلا في البحر.
والألف واللام فيه للجنس، وأسند الجريان للفلك على سبيل التوسع، وكان لها من ذاتها صفة مقتضية للجري.
﴿بما ينفع الناس﴾ : يحتمل أن تكون ما موصولة، أي تجري مصحوبة بالأعيان التي تنفع الناس من أنواع المتاجر والبضائع المنقولة من بلد إلى بلد، فتكون الباء للحال.
ويحتمل أن تكون ما مصدرية، أي ينفع الناس في تجاراتهم وأسفارهم للغزو والحج وغيرهما، فتكون الباء للسبب.
واقتصر على ذكر النفع، وإن كانت تجري بما يضر، لأنه ذكرها في معرض الامتنان.
﴿وما أنزل الله من السماء من ماء﴾ : أي من جهة السماء.
من الأولى لابتداء الغاية تتعلق بأنزل، وفي أنزل ضمير نصب عائد على ما، أي والذي أنزله الله من السماء.
ومن الثانية مع ما بعدها بدل من قوله :﴿من السماء﴾، بدل اشتمال، فهو على نية تكرار العامل، أو لبيان الجنس عند من يثبت لها هذا المعنى، أو للتبعيض، وتتعلق بإنزل.
ولا يقال : كيف تتعلق بإنزل من الأولى والثانية، لأن معنييهما مختلفان.
﴿فأحيا به الأرض بعد موتها﴾ : عطف على صلة ما، الذي هو أنزل بالفاء المقتضية للتعقيب وسرعة النبات، وبه عائد على الموصول.
وكنى بالإحياء عن ظهور ما أودع فيها من النبات، وبالموت عن استقرار ذلك فيها وعدم ظهوره.
وهما كنايتان غريبتان، لأن ما برز منها بالمطر جعل تعالى فيه القوة الغاذية والنامية والمحركة، وما لم يظهر فهو كامن فيها، كأنه دفين فيها، وهي له قبر.
﴿وبث فيها من كل دابة﴾ : إن قدرت هذه الجملة معطوفة على ما قبلها من الصلتين، احتاجت إلى ضمير يعود على الموصول، لأن الضمير في فيها عائد على الأرض وتقديره : وبث فيها من كل دابة.
لكن حذف هذا الضمير، إذا كان مجروراً بالحرف، له شرط، وهو أن يدخل على الموصول، أو الموصوف بالموصول، أو المضاف إلى الموصول حرف جر، مثل ما دخل على الضمير لفظاً ومعنى، وأن يتحد ما تعلق به الحرفان لفظاً ومعنى، وأن لا يكون ذلك المجرور العائد على الموصول وجاره في موضع رفع، وأن لا يكون محصوراً، ولا في معنى المحصور، وأن يكون متعيناً للربط.
وهذا الشرط مفقود هنا.
قال