مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء من ماء فأحيا به الأرض بعد موتها وبث فيها من كل دابة وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض لآيات لقوم يعقلون﴾
اعلم أنه سبحانه وتعالى لما حكم بالفردانية والوحدانية ذكر ثمانية أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده سبحانه أولا وعلى توحيده وبراءته على الأضداد والأنداد ثانيا، وقبل الخوض في شرح تلكم الدلائل لا بد من بيان مسائل :
المسألة الأولى : وهي أن الناس اختلفوا في أن الخلق هل هو المخلوق أو غيره ؟ فقال عالم من الناس : الخلق هو المخلوق. واحتجوا عليه بالآية والمعقول، أما الآية فهي هذه الآية، وذلك لأنه تعالى قال :﴿إن في خلق السموات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ إلى قول :﴿لآيات لقوم يعقلون﴾ ومعلوم أن الآيات ليست إلا في المخلوق هو الذي يدل على الصانع فدلت هذه الآية على أن الخلق هو المخلوق، وأما المعقول فقد احتجوا عليه بأمور. ( أحدها ) : أن الخلق عبارة عن إخراج الشيء من العدم إلى الوجود، فهذا الإخراج لو كان أمرا مغايرا للقدرة والأثر فهو إما أن يكون قديما أو حديثا، فإن كان قديما فقد حصل في الأزل مسمى الإخراج من العدم إلى الوجود والإخراج من العدم إلى الوجود مسبوق بالعدم والأزل هو نفي المسبوقية فلو حصل الإخراج في الأزل لزم اجتماع النقيضين وهو محال، وإن كان محدثا فلا بد له أيضا من مخرج يخرجه من العدم إلى الوجود فلا بد له من إخراج آخر والكلام فيه كما في الأول ويلزم التسلسل. ( وثانيها ) : أنه تعالى في الأزل لم يكن مخرجا للأشياء من عدمها إلى وجودها، ثم في الأزل هل أحدث أمرا أو لم يحدث ؟ فإن أحدث أمرا فذلك الأمر الحادث هو المخلوق، وإن لم يحدث أمرا فالله تعالى قط لم يخلق شيئا ( وثالثها ) : أن المؤثرية نسبة بين ذات المؤثر وذات الأثر والنسبة بين الأمرين يستحيل تقريرها بدون المنتسب فهذه المؤثرية إن كانت حادثة لزم التسلسل وإن كانت قديمة كانت من لوازم ذات الله تعالى، وحصول الأثر إما في الحال أو في الاستقبال من لوازم هذا الصفة القديمة العظيمة ولازم اللازم لازم فيلزم أن يكون الأثر من لوازم ذات الله تعالى فلا يكون الله تعالى قادرا مختارا بل ملجأ مضطرا إلى ذلك التأثير فيكون علة موجبة وذلك كفر.
واحتج القائلون بأن الخلق غير المخلوق بوجوه. ( أولها ) : أن قالوا : لا نزاع في أن الله تعالى موصوف بأنه خالق قبل أن يخلق الأشياء، والخالق هو الموصوف بالخلق، فلو كان الخلق هو المخلوق لزم كونه تعالى موصوفا بالمخلوقات التي منها الشياطين والأبالسة والقاذورات، وذلك لا يقوله عاقل ( وثانيها ) : أنا إذا رأينا حادثا حدث بعد أن لم يكن قلنا : لم وجد هذا الشيء بعد أن لم يكن فإذا قيل لنا إن الله تعالى خلقه وأوجده قبلنا ذلك وقلنا : إنه حق وصواب، ولو قيل إنه إنما وجد بنفسه لقلنا إنه خطأ وكفر ومتناقض، فلما صح تعليل حدوثه بعد ما لم يكن بأن الله تعالى خلقه ولم يصح تعليل حدوثه بحدوثه بنفسه، علمنا أن خلق الله تعالى إياه مغاير لوجوده في نفسه، فالخلق غير المخلوق. ( وثالثها ) : أنا نعرف أفعال العباد ونعرف الله تعالى وقدرته مع أنا لا نعرف أن المؤثر في أفعال العباد أهو قدرة الله أم هو قدرة العبد والمعلوم غير ما هو معلوم فمؤثرية قدرة القادر في وقوع المقدور مغايرة لنفس تلك القدرة ولنفس ذلك المقدور، ثم إن هذه المغايرة يستحيل أن تكون سلبية لأنه نقيض المؤثرية التي هي عدمية، فهذه المؤثرية صفة ثبوتية زائدة على ذات المؤثر وذات الأثر وهو المطلوب. ( ورابعها ) : أن النحاة قالوا : إذ قلنا خلق الله العالم فالعالم ليس هو المصدر بل هو المفعول به، وذلك يدل على أن خلق العالم غير العالم ( وخامسها ) : أنه يصح أن يقال : خلق السواد وخلق البياض وخلق الجوهر وخلق العرض فمفهوم الخلق أمر واحد في الكل مغاير لهذه الماهيات المختلفة بدليل أنه يصح تقسيم الخالقية إلى خالقية الجوهر وخالقية العرض ومورد التقسيم مشترك بين الأقسام، فثبت أن الخلق غير المخلوق فهذا جملة ما في هذه المسألة.
المسألة الثانية : قال أبو مسلم رحمه الله : أصل الخلق في كلام العرب التقدير وصار ذلك اسما لأفعال الله تعالى لما كان جميعها صوابا قال تعالى :﴿وخلق كل شيء فقدره تقديرا﴾ ويقول الناس في كل أمر محكم هو معمول على تقدير.
المسألة الثالثة : دلت هذه الآية على أنه لا بد من الاستدلال على وجود الصانع بالدلائل العقلية وأن التقليد ليس طريقا البتة إلى تحصيل هذا الغرض.
المسألة الرابعة : ذكر ابن جرير في سبب نزول هذه الآية : عن عطاء أنه عليه السلام عند قدومه المدينة نزل عليه :﴿وإلهكم إله واحد﴾ فقال كفار قريش بمكة كيف يسع الناس إله واحد ؟ فأنزل الله تعالى :﴿إن في خلق السموات والأرض﴾ وعن سعيد بن مسروق قال : سألت قريش اليهود فقالوا حدثونا عما جاءكم به موسى من الآيات فحدثوهم بالعصا وباليد البيضاء وسألوا النصارى عن ذلك فحدثوهم بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى فقالت قريش عند ذلك للنبي عليه السلام ادع الله أن يجعل لنا الصفا ذهبا فنزداد يقينا وقوة على عدونا، فسأل ربه ذلك فأوحى الله تعالى إليه أن يعطيهم ولكن إن كذبوا بعد ذلك عذبتهم عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فقال عليه السلام :«ذرني وقومي أدعوهم يوما فيوما » فأنزل الله تعالى هذه الآية مبينا لهم أنهم إن كانوا يريدون أن أجعل لهم الصفا ذهبا ليزدادوا يقينا فخلق السموات والأرض وسائر ما ذكر أعظم.
واعلم أن الكلام في هذه الأنواع الثمانية من الدلائل على أقسام :
القسم الأول : في تفصيل القول في كل واحد منها، فالنوع الأول من الدلائل : الاستدلال بأحوال السموات وقد ذكرنا طرفا من ذلك في تفسير قوله تعالى :﴿الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء﴾ ولنذكر ههنا نمطا آخر من الكلام :
روي أن عمر بن الحسام كان يقرأ كتاب المجسطي على عمر الأبهري، فقال بعض الفقهاء يوما : ما الذي تقرؤنه فقال : أفسر آية من القرآن، وهي قوله تعالى :﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها﴾ فأنا أفسر كيفية بنيانها، ولقد صدق الأبهري فيما قال فإن كل من كان أكثر توغلا في بحار مخلوقات الله تعالى كان أكثر علما بجلال الله تعالى وعظمته فنقول : الكلام في أحوال السموات على الوجه المختصر الذي يليق بهذا الموضع مرتب في فصول :
الفصل الأول
في ترتيب الأفلاك
قالوا : أقربها إلينا كرة القمر، وفوقها كرة عطارد، ثم كرة الزهرة، ثم كرة الشمس، ثم كرة المريخ، ثم كرة المشتري، ثم كرة زحل، ثم كرة الثوابت، ثم الفلك الأعظم.
واعلم أن في هذا الموضع أبحاثا :
البحث الأول : ذكروا في طريق معرفة هذا الترتيب ثلاثة أوجه. ( الأول ) : السير، وذلك أن الكوكب الأسفل إذا مر بين أبصارنا وبين الكوكب الأعلى فإنهما يبصران ككوكب واحد، . ويتميز السائر عن المستور بلونه الغالب، كصفرة عطارد، وبياض الزهرة وحمرة المريخ، ودرية المشتري، وكمودة زحل، ثم إن القدماء وجدوا القمر يكسف الكواكب الستة، وكثيرا من الثوابت في طريقه في ممر البروج، وكوكب عطارد يكسف الزهرة، والزهرة تكسف المريخ وعلى هذا الترتيب فهذا الطريق يدل على كون القمر تحت الشمس لانكسافها به، لكن لا يدل على كون الشمس فوق سائر الكواكب أو تحتها، لأن الشمس لا تنكسف بشيء منها لاضمحلال أضوائها في ضوء الشمس، فسقط هذا الطريق بالنسبة إلى الشمس. ( الثاني ) : اختلاف المنظر فإنه محسوس للقمر وعطارد والزهرة، وغير محسوس للمريخ والمشتري وزحل، وأما في حق الشمس فقليل جدا، فوجب أن تكون الشمس متوسطة بين القسمين، وهذا الطريق بين جدا لمن اعتبر اختلاف منظر الكواكب، وشاهده على الوجه الذي حكيناه، فأما من لم يمارسه، فإنه يكون مقلدا فيه، لاسيما وأن أبا الريحان وهو أستاذ هذه الصناعة ذكر في تلخيصه لفصول الفرغاني أن اختلاف المنظر لا يحس به إلا في القمر. ( الثالث ) : قال بطليموس : إن زحل والمشتري والمريخ تبعد عن الشمس في جميع الأبعاد، وأما عطارد والزهرة فإنهما لا يبعدان عن الشمس بعد التسديس فضلا عن سائر الأبعاد، فوجب كون الشمس متوسطة بين القسمين، وهذا الدليل ضعيف، فإنه منقوض بالقمر، فإنه يبعد عن الشمس كل الأبعاد، مع أنه تحت الكل.
البحث الثاني : في أعداد الأفلاك، قالوا إنها تسعة فقط، والحق أن الرصد لما دل على هذه التسعة أثبتناها، فأما ما عداها، فلما لم يدل الرصد عليه، لا جرم ما جزمنا بثبوتها ولا بانتفائها، وذكر ابن سينا في الشفاء : أنه لم يتبين لي إلى الآن أن كرة الثوابت كرة واحدة، أو كرات منطبق بعضها على بعض، وأقول : هذا الاحتمال واقع، لأن الذي يمكن أن يستدل به على وحدة كرة الثوابت ليس إلا أن يقال : إن حركاتها متساوية، وإذا كان كذلك وجب كونها مركوزة في كرة واحدة، والمقدمتان ضعيفتان.
( أما المقدمة الأولى ) : فلأن حركاتها وإن كانت في حواسنا متشابهة، لكنها في الحقيقة لعلها ليست كذلك، لأنا لو قدرنا أن الواحد منها يتم الدور في ستة وثلاثين ألف سنة، والآخر يتم هذا الدور في مثل هذا الزمان لكن ينقصان عاشرة، إذا وزعنا تلك العاشرة على أيام ستة وثلاثين ألف سنة، لا شك أن حصة كل يوم، بل كل سنة، بل كل ألف سنة مما لا يصير محسوسا، وإذا كان كذلك سقط القطع بتشابه حركات الثوابت.
( وأما المقدمة الثانية ) : وهي أنها لما تشابهت في حركاتها وجب كونها مركوزة في كرة واحدة وهي أيضا ليست يقينية، فإن الأشياء المختلفة لا يستبعد اشتراكها في لازم واحد، بل أقول هذا الاحتمال الذي ذكره ابن سينا في كرة الثوابت قائم في جميع الكرات، لأن الطريق إلى وحدة كل كرة ليس إلا ما ذكرناه وزيفناه، فإذن لا يمكن الجزم بوحدة الكرة المتحركة اليومية فلعلها كرات كثيرة مختلفة في مقادير حركاتها بمقدار قليل جدا لا تفي بضبط ذلك التفاوت أعمارنا، وكذلك القول في جميع الممثلات والحوامل.
ومن الناس من أثبت كرة فوق كرة الثوابت، وتحت الفلك الأعظم، واحتجوا من وجوه. ( الأول ) : أن الراصدين للميل الأعظم وجدوه مختلف المقدار، وكل من كان رصده أقدم كان وجدان الميل الأعظم أعظم، فإن بطليموس وجده. ( كج نا ) ثم وجد في زمان المأمون ( كج له ) ثم وجد بعد المأمون وقد تناقص بدقيقة، وذلك يقتضي أن من شأن القطبين أن يقل ميلهما تارة ويكثر أخرى، وهذا إنما يمكن إذا كان بين كرة الكل، وكرة الثوابت كرة أخرى يدور قطباها حول قطبي كرة الكل، وتكون كرة الثوابت يدور أيضا قطباها حول قطبي تلك الكرة فيعرض لقطبها تارة أن يصير إلى جانب الشمال منخفضا، وتارة إلى جانب الجنوب مرتفعا فيلزم من ذلك أن ينطبق معدل النهار على منطقة البروج، وأن ينفصل عنه تارة أخرى إلى الجنوب. ( وثانيها ) : أن أصحاب الأرصاد اضطربوا اضطرابا شديدا في مقدار مسير الشمس على ما هو مشروح في المطولات، حتى أن بطليموس حكى عن ابرخس أنه كان شاكا في أن هذا السير يكون في أزمنة متساوية أو مختلفة.
ثم إن الناس ذك

تفسير هذه الآية من كتب أخرى