الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ : منصوبٌ بعد الفاء بِأَنْ مضمرةً في جواب التمني الذي أُشْرِبته " لو "، ولذلك أُجيبت بجواب " ليت " الذي في قوله : يا ليتني كنتُ معهم فأفوز "، وإذا أُشْرِبَتْ معنى التمني فهل هي الامتناعيةُ المفتقرةُ إلى جوابٍ أم لا تحتاجُ إلى جوابٍ ؟ الصحيحُ أنها تحتاجُ إلى جوابٍ، وهو مقدَّرٌ في الآيةِ تقديرُه : لتبرَّأنا ونحوُ ذلك. وقيل :" لو " في هذه الآيةِ ونظائرها لِما كان سَيَقَعُ لوقوع غيره، وليس فيها معنى التمني، والفعلُ منصوبٌ ب " أَنْ " مضمرةً على تأويلِ عَطْفِ اسم على اسم وهو " كَرَّة " والتقديرُ : لو أنَّ لنا كرةً فتبرُّؤاً فهو من باب قوله :
لَلُبْسُ عباءةٍ وتَقَرَّ عيني ***. . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ويكونُ جواب لو محذوفاً أيضاً كما تقدَّم. وقال أبو البقاء :" فنتبرأ " منصوبٌ بإضمار أنْ تقديرُه : لو أنّ لنا أن نرجِع فنتبرأ " فَحَلَّ " كرة " إلى قولِه " أَنْ نَرْجِعَ " لأنه بمعناه وهو قريبٌ، إلاَّ أنَّ النَّحْويين يُؤَوِّلون الفعلَ المنصوبَ بمصدرٍ ليَعْطِفُوهُ على الاسم قبلَه، ويتركون الاسمَ على حالِه، وذلك لأنه قد يكونُ اسماً صريحاً غير مصدرٍ نحو :" لولا زيدٌ ويخرج لأكرمتُك " فلا يتأتّى تأويله بحرف مصدري وفعلٍ. والقائل بأنّ " لو " التي للتمني لا جوابَ لها استدلَّ بقول الشاعر :
فلو نَبْشُ المقابرِ عن كُلَيْبٍفَتُخْبَر بالذَّنائِبِ أيُّ زُورِ
وهذا لا يَصِحُّ فإنَّ جوابَها في البيتِ بعدَه وهو قولُه :
بيومِ الشَّعْثَمَيْنِ لقَرَّ عيناًوكيف لقاءُ مَنْ تحتَ القبورِ
واستدلَّ هذا القائلُ أيضاً بأنَّ " أنَّ " تُفْتَحُ بعد " لو " كما تُفْتَحُ بعدَ ليت في قولِه :
يا ليتَ أنَّا ضَمَّنا سَفينَهْحتَّى يعودَ البحرُ كَيَّنُونَهْ
وههنا فائدةٌ ينبغي أن يُنتبه لها وهي : أنَّ النحاة قالوا :" كلُّ موضعٍ نُصِبَ فيه المضارعُ بإضمارِ أَنْ بعد الفاء إذا سَقَطَت الفاءُ جُزِم إلا في النفي "، [ و ] ينبغي أَنْ يُزادَ هذا الموضعُ أيضاً فيُقال : وإلا في جوابِ التمني ب " لو "، فإنَّه يُنْصبُ المضارع فيه بإضمار " أَنْ " بعدَ الفاء الواقعةِ جواباً له، ومع ذلك لو سَقَطَت هذه الفاءُ لم يُجْزَمْ. قال الشيخ :" والسببُ في ذلك أنها محمولةٌ على حرف التمني وهو ليت، والجزمُ في جوابِ ليت إنما هو لتضَمُّنِها معنى الشرط أو لدلالتِها على كونِه محذوفاً على اختلافِ القولين فصارت " لو " فرع الفرع، فَضَعُفَ ذلك فيها.
قوله :" كما " الكافُ موضعُها نصبٌ : إمَّا على كونِها نعتَ مصدرٍ محذوفٍ، أي : تبرُّؤاً مثلَ تبرئتهم، وإمَّا على الحالِ من ضمير المصدر المُعرَّفِ المحذوفِ أي : نتبَّرؤه - أي التبرؤ - مشابهاً لتبرئتهم، كما تقدَّم تقريره غيرَ مرةٍ.
وقال ابنُ عطية :" الكافُ في قوله " كما " في موضعِ نصبٍ على النعت : إمَّا لمصدرٍ أو لحالٍ تقديرُه : متبرئين كما ". قال الشيخ :" وأمّاً قولُه " لحال تقديرُه متبرئين كما " فغيرُ واضحٍ، لأنَّ " ما " مصدريةٌ فصارَتِ الكافُ الداخلةُ عليها من صفاتِ الأفعال، ومتبرئين من صفاتِ الأعيانِ فكيف يُوصف بصفاتِ الأفعالِ " قال :" وأيضاً لا حاجةَ لتقدير هذه الحال ؛ لأنها إذ ذاك تكونُ حالاً مؤكدةً، وهي خلافُ الأصلِ، وأيضاً فالمؤكَّد ينافيه الحذفُ لأنَّ التأكيدَ يُقَوِّيه فالحَذْفُ يناقِضُه ".
قوله :﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ﴾ في هذه الكافِ قولان، أحدُهما : أنَّ موضعَها نصبٌ : إمَّا نعتَ مصدرٍ محذوفٍ، أو حالاً من المصدرِ المعرَّفِ، أي : يُريهم رؤيةً كذلك، أو يَحْشُرهم حشراً كذلك، أو يَجْزيهم جزاءً كذلك، أو يُريهم الإِراءةَ مشبهةً كذلك ونحوُ هذا. والثاني : أن يكونَ موضعُها رفعاً على انه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي : الأمرُ كذلك أو حَشْرُهم كذلك قاله أبو البقاء. قال الشيخ :" وهو ضعيفٌ لأنه يقتضي زيادةَ الكافَ وحَذْفَ مبتدأ، وكلاهما على خلاف الأصل ". والإِشارةُ بذلك إلى إرءَتِهم تلك الأهوال، والتقدير : مثلَ إراءتهم الأهوال يُريهم اللهَ أعمالهم حسراتٍ، وقيل : الإِشارة إلى تبرؤ بعضِهم مِنْ بعضٍ.
والرؤيةُ هنا تحتملُ وَجْهَيْن، أحدُهما : أن تكونَ بصريةً، فتتعدَّى لاثنين بنقل الهمزة، أولُهُما الضميرُ والثاني " أعمالَهم " و " حسراتٍ " على هذا حالٌ من " أعمالهم ". والثاني : أن تكون قلبية، فتتعدَّى لثلاثة ثالثُها " حسرات " و " عليهم " يجوزُ فيه وجهان : أن يتعلَّق ب " حسراتٍ " لأنَّ " يَحْسَر " يُعَدَّى بعلى، ويكونَ ثمَّ مضافٌ محذوفٌ أي : على تفريطهم. والثاني : أن تتعلَّق بمحذوفٍ لأنَّها صفةٌ لحَسَرات، فهي في محل نصبٍ لكونِها صفةً لمنصوبٍ.
والكَرَّةُ : العَوْدَةُ، وفِعْلُها كَرَّ يَكُرُّ كَرَّاً، قال :
أَكُرُّ على الكتيبةِ لا أُباليأفيها كانَ حَتْفِي أَمْ سِواها
والحسرةُ : شِدَّةُ النَّدَمِ، وهو تألمُ القلب بانحساره عما يُؤمِّلهُ، واشتقاقُها : إمَّا من قولِهم : بعيرٌ حَسِير، أي : منقطعُ القوةِ أو مِنَ الحَسْرِ وهو الكِشْفُ.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى