تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
)وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ ) ( البقرة : ١٦٧ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿وقال الذين اتبعوا﴾ : هم الأتباع.
قوله تعالى :﴿لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم﴾ ؛ ﴿لو﴾ هنا ليست شرطية ؛ ولكنها للتمني ؛ يعني : ليت لنا كرة فنتبرأ ؛ والدليل على أنها للتمني أن الفعل نصب بعدها ؛ وهو منصوب ب«أنْ » المضمرة بعد الفاء السببية ؛ و«لو » تأتي في اللغة العربية على ثلاثة أوجه : تكون شرطية ؛ وتكون للتمني ؛ وتكون مصدرية ؛ ف ﴿لو﴾ في قوله تعالى :﴿وودوا لو تكفرون﴾ [الممتحنة: ٢] مصدرية ؛ و ﴿لو﴾ في قوله تعالى :﴿ولو شاء الله ما اقتتلوا﴾ [البقرة: ٢٥٣] شرطية ؛ ﴿لو﴾ في قوله تعالى :﴿لو أن لنا كرة فنتبرأ منهم﴾ للتمني ؛ ومثلها قوله تعالى :﴿فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين﴾ [الشعراء: ١٠٢].
و«الكرة » الرجوع إلى الشيء ؛ والمراد هنا : الرجوع إلى الدنيا ؛ فنتبرأ منهم في الدنيا إذا رجعنا كما تبرءوا منا هنا في الآخرة ؛ فنجازيهم بما جازونا به ؛ لكن أنى لهم ذلك ! ! ! فهذا التمني لا ينفعهم ؛ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى :﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم وما هم بخارجين من النار﴾ ؛ و ﴿كذلك﴾ : الكاف : اسم بمعنى «مثل » ؛ وهي مفعول مطلق عامله الفعل بعده ؛ وهذا كثيراً ما يأتي في القرآن، كقوله تعالى :﴿وكذلك يفعلون﴾ [النمل: ٣]، وقوله تعالى :﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطاً﴾ [البقرة: ١٤٣].
وقوله تعالى :﴿يريهم﴾ من : أرى يُري ؛ فزيادة الهمزة جعلتها تنصب ثلاثة مفاعيل ؛ الأول : الضمير، والثاني :﴿أعمالهم﴾ ؛ والثالث :﴿حسرات﴾ ؛ و ﴿حسرات﴾ جمع حسرة ؛ وهي الندم مع الانكماش، والحزن ؛ فهؤلاء الأتباع شعورهم بالندم، والخيبة، والخسران لا يتصور ؛ فالأعمال التي عملوها لهؤلاء المتبوعين صارت - والعياذ بالله - خسارة عليهم، وندماً ؛ ضاعت بها دنياهم، وآخرتهم ؛ وهذا أعظم ما يكون من الحسرة.
قوله تعالى :﴿وما هم بخارجين من النار﴾، أي أنهم خالدون فيها.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : أن هؤلاء الأتباع يتمنون أن يرجعوا إلى الدنيا ليتبرءوا من متبوعيهم كما تبرأ هؤلاء منهم في الآخرة ؛ وهو غير ممكن ؛ وما يزيدهم هذا إلا حسرة ؛ ولهذا قال الله تعالى :﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾.
٢ ومنها : تحسر هؤلاء، وأمثالهم الذين فاتهم في هذه الدنيا العمل الصالح ؛ فإنهم يتحسرون في الآخرة تحسراً لا نظير له لا يدور في خيالهم اليوم، ولا في خيال غيرهم ؛ لأنه ندم لا يمكن العتبى منه.
٣ ومنها : إثبات نكال الله بهم ؛ لقوله تعالى :﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾.
٤ ومنها : أن المشركين مخلدون في النار لا يخرجون منها ؛ لقوله تعالى :﴿وما هم بخارجين من النار﴾ ؛ وقد ذكر الله سبحانه وتعالى الخلود الأبدي في النار في ثلاثة مواضع من القرآن : في سورة النساء ؛ وفي سورة الأحزاب ؛ وفي سورة الجن ؛ وبه يبطل قول من ادعى أن النار تفنى ؛ لأن خلود الماكث الأبدي يدل على خلود مكانه.
٥ ومنها : إثبات النار، وأنها حق.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى