اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي
عن الكتاب
قرأ الجُمْهُور برفع " البِرُّ " وحمزة، وحفصٌ عن عاصم بنصبه، فقراءةُ الجُمْهُور على أنَّه اسمُ " لَيْسَ " و " أَنْ تُولُّوا " خبرها في تأويل مصدَرٍ، أي : ليس البِرُّ تَوْلِيَتكُمْ، ورجِّحت هذه القراءةُ مِنْ حيث إنَّه ولي الفعل مرفوعه قبْل منصوبه، وأَمَّا قراءة(١) حمزة وحَفْصٍ ف " البرُّ " خبرٌ مقدَّمٌ، و " أَنْ تُوَلُّوا " اسمُها في تأويل مصدرٍ، ورجِّحت هذه القراءة بأنَّ المصدر المؤَوَّل أعرفُ من المحلَّى بالألف واللام ؛ لأنَّهُ يشبه الضَّمير، من حيث إِنَّهُ لا يوصَفُ ؛ ولا يوصف به، والأعْرَفُ ينبغي أنْ يُجْعَل الاسْمَ وغيْر الأعْرَفِ الخَبَرَ ؛ وتقديمُ خَبَر " لَيْسَ " على اسمها قليلٌ ؛ حتى زَعَم منْعَهُ جماعةٌ [ منْهم ابنُ دَرَسْتَوَيْهِ(٢)، قال : لأنَّها تشبه " مَا " المجازيَّة ولأَنَّها حرفٌ على قول جماعةٍ، لكنه ](٣) محجوج بهذه القراءة المتواترة، وبقول الشاعر [ الطويل ]
وقال آخر :[ الطويل ]
وفي مصحف أُبَيٍّ(٦)، وعبْد الله " بِأَنْ تُوَلُّوا " بزيادةِ الباء، وهي واضحة ؛ فإن الباء تزادُ في خبر " لَيْسَ " كثيراً.
الجمهُور على أن " لَيْسَ " فعلٌ(٧)وقال بعضُهُمْ إنه حرفٌ حجَّة القائلين بأنَّها فعلٌ : اتصالُ الضمائر بها الَّتي لا تتصلُ إلاَّ بالأَفْعال ؛ كقَولك، " لَسْتُ، ولَسْنَا، ولَسْتُمْ "، و " القَوْمُ لَيْسُوا قَائِمِينَ "، وهذا منقوضٌ بقوله :" إِنَّنِي، ولَيْتَنِي، ولَعَلَّني ".
وحجَّة مَنْ قال بأنَّهَا حرفٌ أمور :
الأوَّل : أنَّها لو كانت فعلاً، لكانت فعلاً ماضِياً ولا يجوزُ أن تكون فعلاً ماضياً ؛ لاتفاق الجمهُور على أَنَّهُ لِنَفي الحالِ، والقائلُونَ بأَنَّه فعْلٌ قالوا : إنه فعْلٌ ماضٍ.
وثانيها : أَنَّهُ يدخلُ على الفعْلِ، فنقول :" لَيْسَ يَخْرُجُ زَيْدٌ "، والفعلُ لا يدخُلُ على الفعْل عَقْلاً ونقلاً.
وقولُ مَنْ قال :" إن لَيْسَ " داخلٌ على ضمير القصَّة، والشأن، وكونُ هذه الجملةِ تفسيراً لذلك الضَّمير ضعيفٌ ؛ فإنَّهُ لو جاز ذلك، جاز مثلُه في " مَا ".
وثالثها : أَنَّ الحرف " مَا " يظهرُ في معنَاهُ في هذه الكَلِمَة، فإنك لَو قُلْتَ :" لَيْسَ زَيْدُ " لم يتمَّ الكلام، لا بُدَّ أن تقول :" لَيْسَ زَيْدٌ قَائِماً ".
ورابعُها : أن " لَيْسَ " لو كان فعْلاً، لكان " ما " فعلاً، وهذا باطلٌ، فذاك باطلٌ، بيان الملازمةِ : أن " لَيْسَ " لو كان فعْلاً لكان ذلك لدلالَتِهِ على حُصُول معنى السَّلْب مقترناً بزمان مخْصُوصٍ، وهو الحالُ، وهذا المعْنَى قائمٌ في " مَا " فيجبُ أن تكونَ " مَا " فعْلاً، فلَمَّا لم يكُنْ هذا فعْلاً، فكذلك القَوْل في ذلك أو تكون في عبارةٍ أُخْرَى :" لَيْسَ " كلمةٌ جامدةٌ، وضعت لنَفْي الحالِ، فأشبهت " مَا " في نفْي الفعليَّة بذلك.
وخامسُها : أنَّك تَصِلُ " مَا " بالأفْعَال الماضيةِ، فتقولُ :" مَا أَحْسَنَ زَيْداً "، ولا يجوزُ أنْ تصلَ " مَا " ب " لَيْسَ " فلا تَقُولُ :" مَا لَيْسَ زَيْدٌ يَذْكُرُكَ ".
وسادسها : أَنَّه على غير أوزَانِ الفِعْل.
وأجابَ القَاضِي، والقائلُونَ بالفعليَّة عن الأَوَّل بأنَّ " لَيْسَ " قد يجيءُ لنفي المَاضِي بمعنَاه ؛ كقولهم :" جَاءَنِي القَوْمُ لَيْسَ زَيْداً ".
وعن الثَّاني أنه منقوضٌ بقولهم :" أَخَذَ يَفْعَلُ كَذَا ".
وعن الثَّالث : أنه منقوضٌ بسائر الأفعال النَّاقِصَة.
وعن الرَّابع : أنَّ المماثَلَة مِنْ بعض الوجوه لا تَقتضي المماثلة من كُلِّ الوُجُوه.
وعن الخَامِس : أَنَّ ذلك إِنَّمَا امتنع مِنْ قِبَلِ أَنَّ :" مَا " للحال و " لَيْسَ " للماضي، فلا يمكنُ الجَمْع بينهما.
وعن السَّادس : أن تغير البناءِ وإن كان على خلافِ الأَصل، لكنَّه يجبُ المصيرُ إِلَيْه ؛ لدلالةِ العَمَل بما ذكر، وذكَرُوا وجوهاً أُخَرَ مخالفةً للنَّحْوِ.
قوله :" قِبَلَ " منصوبٌ على الظَّرْف المكانيِّ بقوله :" تُوَلُّوا "، وحقيقةُ قولِكَ :" زَيْدٌ قِبَلَكَ " أي في المكان الَّذي يقابلُكَ فيه وقد يُتَّسَعُ فيه، فيكون بمعنى " عِنْدَ " ؛ نحو قولك :" قِبَلَ زَيْدٍ دَيْنٌ "، أي " عِنْدَهُ ديْنٌ ".
اختلفوا : هَلْ هذا الخطاب عَامٌّ، أو خاصٌّ ؟ فقال قتادةُ، ومقاتلُ بْنُ حَيَّان : لمَّا شددوا أهل الكتاب بالثبات على التوجُّه نحو بيْت المَقْدِس، قال تعالى :﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ﴾ هذه الطريقة، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾.
وقال مجاهدٌ وعطاءٌ والضَّحَّاك - رضِيَ الله عنهم- : المرادُ مخاطبةُ المؤمنين، لَمَّا ظنُّوا هذا الكلام.
وقال بعضُهُم : هو خطابٌ للكلّ ؛ لأنَّه لما حُوِّلت القبلةُ، حَصَلَ للمؤمنينَ الاغتباطُ بهذه القِبْلة، وحَصَلَ منْهم التشديدُ في هذه القِبْلَة ؛ حتَّى ظنُّوا أنَّه الغرضُ الأكْبَر في الدِّين، فبعثهم الله تعالى بهذا الخِطَاب استيفاءَ جميع الطاعات والعبادات، ولَيْسَ البرَّ بأنْ تولُّوا وجوهَكُم شَرْقاً وغرباً، وإِنَّمَا البِرُّ كَيْتََ وكَيْتَ، فكأنَّه تبارك وتعالى قال : ليْس البرُّ المطلوبُ هو أمْرَ القِبْلة، بل البِرُّ المطلوبُ هذه الخصالُ الَّتي عدَّدتُّها.
قال القفَّال(٨) : والذي عندَنا أنَّه إشارةٌ إلى السُّفَهاء الذين طَعَنُوا في المُسْلِمين، وقالُوا : ما ولاَّهم عن قبلتهم الَّتي كانُوا علَيْها ؟ مع أنَّ اليَهُود كانُوا يستَقْبلون المَغْرب، والنَّصَارَى كانُوا يستقْبِلُون المَشْرِق، فقال الله تعالى : إنَّ صَفَةَ البِرِّ لا تحصُلُ باستقبالِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، بل البرُّ يحصُلُ بأُمُور.
منها : الإيمانُ بالله تعالى، وأهْلُ الكتابِ أخَلُّوا بذلك، فَأَمَّا اليهود، فلقولهم بالتَّجْسِيم، ولقَوْلِهِم بأنَّ عُزَيْراً ابْنُ اللَّهِ، وأَمَّا النصارَى ؛ فلقولهم : المَسِيحُ ابْنُ الله، واليهودُ وصَفُوا الله تعالى بالبُخْل.
وثانيها : الإيمانُ باليَوْم الآخِر، واليهود أخلُّوا بذلك، وقالوا :
﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] والنصارى أنْكَرُوا المعادَ الجِسْمانيَّ، وكلُّ ذلك تكذيبٌ باليوم الآخر.
وثالثها : الإيمانُ بالمَلاَئكة، واليهودُ أخلُّوا بذلك ؛ حيْثُ أظْهَرُوا عداوة جِبْرِيلَ.
ورابعها : الإيمانُ بكُتُب الله تعالى، واليهودُ أخلُّوا بذلك، لأن مع قيام الدَّلائل على أنَّ القرآنَ كتابُ الله تعالى رَدُّوه ولم يقْبلُوه ؛ قال تعالى :﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].
وخامسها : الإيمانُ بِالنَّبيِّين، واليَهُود أخلُّوا بذلك ؛ حيث قتلوا الأنْبياءَ ؛ على ما قال تعالى :﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] وطَعَنُوا في نبوَّة محمَّد - ﷺ -.
وسادسها : بَذْلُ الأمْوَالِ علَى وَفْقِ أمْرِ الله تعالى، واليهود أخلُّوا بذلك ؛ لأنَّهم يُلْقُون الشُّبُهات ؛ لِطَلَب المَال القَليلِ ؛ قال تبارك وتعالى :﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
وسابعها : إقَامة الصَّلاة، وإيتاءُ الزَّكاة، واليهودُ كانوا يمنَعُون النَّاسَ منها.
وثامنها : الوفَاءُ بالعَهْد، واليهودُ نَقَضُوا العَهْد ؛ قال تبارك وتعالى :
﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
وتاسعها : قوله :﴿فِي الْبَأْسَآءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ والمرادُ بذلك المحافظةُ على الجهادِ، واليهودُ أخلُّوا بذلك ؛ حيْثُ كانُوا في غاية الخَوْف، والجبْنِ ؛ قال تعالى :﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤].
فإن قيل : نفى تبارك وتعالى أنْ يكُون التوجُّه إلى القْبلَةِ بِرّاً، ثم حَكَم بأنَّ البِرَّ بمجموع أمُور : أحدُها : الصَّلواتُ، ولا بُدَّ فيها من الاستقبال، فيلزَمُ التناقضُ.
فالجوابُ : أنَّ المفسِّرين اختلفُوا على أقْوَال(٩) :
منها : أنَّ قوله تعالى :" لَيْسَ البِرّ " نَفْيٌ لكمالِ البِرِّ ولَيْسَ نَفْياً لأصْله ؛ كأنه قال :" لَيْسَ البِرُّ كلُّه هو هذا " ؛ فإنَّ البِرَّ اسمٌ من أسماء الخصالِ الحَمِيدة، واستقبال القبلة واحِدٌ منها، فلا يكونُ ذلك تمامَ البِرِّ.
الثاني : أنْ يكُونَ هذا نفياً لأصْلِ كَوْنه بِرّاً ؛ لأن استقبالَهُم للمشْرِق والمَغْرِب كان خَطَأً في وقُتِ النبيِّ - ﷺ - وَحِينَمَا نَسَخ الله تباركَ وتعالى ذلك ؛ بل كان ذلِكَ ممَّا لا يجُوز ؛ لأَنَّهُ عمل بمَنْسُوخ قد نهى الله عَنه، وَمَا كَانَ كذلك، فهو لا يُعَدُّ من البِرِّ.
الثالث : أنَّ استقبالَ القِبْلة لا يكُون بِرّاً، إذ البِرُّ يتقدَّمه معرفةُ الله تعَالى، وإنَّما يكون بِرّاً، إذا أتَى بها مع الإيمانِ بِالله ورسُوله، فالإتيانُ بها دُونَ هذا الشَّرْط، لا يكونُ مِنْ أَفْعَال البِرِّ، إلاَّ إذا أُتِيَ بها مع شَرْطه، كما أنَّ السَّجْدة لا تكُونُ مِنْ أفْعال البِرِّ، إلاَّ إذا أَتَى بها مع الإيمَانِ بالله ورسُوله.
ورُوِيَ أنَّه لَمَّا حُوِّلَت القبْلة، كَثُرَ الخَوْضُ في نَسْخِهَا، كأنه لا يُرَاعَى بطاعة الله تعالى إلاَّ الاستقبالُ ؛ فأنْزَلَ الله تعالَى هذه الآيَةَ ؛ كأنه تبارك وتعالى قال :" ما هذا الخَوضُ الشَّديدُ في أَمْر القِبْلَةِ مع الإعْرَاضِ عَنْ كُلِّ أَرْكَانِ الدِّينِ ".
قوله ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ في هذه الآية خَمْسَة أوجه :
أحدها : أن " البِرَّ " اسم فاعل من : بَرَّ يَبَرُّ، فهو " برُّ " والأصل :" بَرِرٌ " بكسر الراء الأولى بزنة " فطِنٍ " فلمَّا أريد الإدغام، نقلت كسرة الرَّاء إلى الباء بعد سكبها حركتها ؛ فعلى هذه القراءة : لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويلٍ ؛ لأنَّ البِرَّ من صفات الأعيان ؛ كأنه قيل :" وَلكِنَّ الشخْصَ البِرَّ مَنْ آمن ".
الثاني : أنَّ في الكلام حذف مضافٍ من الأوَّل، تقديره :" ولكنَّ ذا البِرِّ من آمن " ؛ كقوله تعالى :﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] أي : لذي التقوى ؛ وقوله ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣] أي : ذوو درجاتٍ، قاله الزَّجَّاج(١٠).
الثالث : أن يكون الحذف من الثاني : أي :" وَلكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ " وهذا تخريجُ سيبويه(١١)، واختيار
| ٩١٠ - سَلِي إِنْ جَهِلْتِ النَّاسَ عَنَّا وَعَنْهُمْ | فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ(٤) |
| ٩١١ - أَلَيْسَ عَظِيماً أَنْ تُلِمَّ مُلِمَّةٌ | وَلَيْسَ عَلَيْنَا فِي الخُطُوبِ مُعَوَّلُ(٥) |
فصل في الاختلاف في أصل ليس
الجمهُور على أن " لَيْسَ " فعلٌ(٧)وقال بعضُهُمْ إنه حرفٌ حجَّة القائلين بأنَّها فعلٌ : اتصالُ الضمائر بها الَّتي لا تتصلُ إلاَّ بالأَفْعال ؛ كقَولك، " لَسْتُ، ولَسْنَا، ولَسْتُمْ "، و " القَوْمُ لَيْسُوا قَائِمِينَ "، وهذا منقوضٌ بقوله :" إِنَّنِي، ولَيْتَنِي، ولَعَلَّني ".
وحجَّة مَنْ قال بأنَّهَا حرفٌ أمور :
الأوَّل : أنَّها لو كانت فعلاً، لكانت فعلاً ماضِياً ولا يجوزُ أن تكون فعلاً ماضياً ؛ لاتفاق الجمهُور على أَنَّهُ لِنَفي الحالِ، والقائلُونَ بأَنَّه فعْلٌ قالوا : إنه فعْلٌ ماضٍ.
وثانيها : أَنَّهُ يدخلُ على الفعْلِ، فنقول :" لَيْسَ يَخْرُجُ زَيْدٌ "، والفعلُ لا يدخُلُ على الفعْل عَقْلاً ونقلاً.
وقولُ مَنْ قال :" إن لَيْسَ " داخلٌ على ضمير القصَّة، والشأن، وكونُ هذه الجملةِ تفسيراً لذلك الضَّمير ضعيفٌ ؛ فإنَّهُ لو جاز ذلك، جاز مثلُه في " مَا ".
وثالثها : أَنَّ الحرف " مَا " يظهرُ في معنَاهُ في هذه الكَلِمَة، فإنك لَو قُلْتَ :" لَيْسَ زَيْدُ " لم يتمَّ الكلام، لا بُدَّ أن تقول :" لَيْسَ زَيْدٌ قَائِماً ".
ورابعُها : أن " لَيْسَ " لو كان فعْلاً، لكان " ما " فعلاً، وهذا باطلٌ، فذاك باطلٌ، بيان الملازمةِ : أن " لَيْسَ " لو كان فعْلاً لكان ذلك لدلالَتِهِ على حُصُول معنى السَّلْب مقترناً بزمان مخْصُوصٍ، وهو الحالُ، وهذا المعْنَى قائمٌ في " مَا " فيجبُ أن تكونَ " مَا " فعْلاً، فلَمَّا لم يكُنْ هذا فعْلاً، فكذلك القَوْل في ذلك أو تكون في عبارةٍ أُخْرَى :" لَيْسَ " كلمةٌ جامدةٌ، وضعت لنَفْي الحالِ، فأشبهت " مَا " في نفْي الفعليَّة بذلك.
وخامسُها : أنَّك تَصِلُ " مَا " بالأفْعَال الماضيةِ، فتقولُ :" مَا أَحْسَنَ زَيْداً "، ولا يجوزُ أنْ تصلَ " مَا " ب " لَيْسَ " فلا تَقُولُ :" مَا لَيْسَ زَيْدٌ يَذْكُرُكَ ".
وسادسها : أَنَّه على غير أوزَانِ الفِعْل.
وأجابَ القَاضِي، والقائلُونَ بالفعليَّة عن الأَوَّل بأنَّ " لَيْسَ " قد يجيءُ لنفي المَاضِي بمعنَاه ؛ كقولهم :" جَاءَنِي القَوْمُ لَيْسَ زَيْداً ".
وعن الثَّاني أنه منقوضٌ بقولهم :" أَخَذَ يَفْعَلُ كَذَا ".
وعن الثَّالث : أنه منقوضٌ بسائر الأفعال النَّاقِصَة.
وعن الرَّابع : أنَّ المماثَلَة مِنْ بعض الوجوه لا تَقتضي المماثلة من كُلِّ الوُجُوه.
وعن الخَامِس : أَنَّ ذلك إِنَّمَا امتنع مِنْ قِبَلِ أَنَّ :" مَا " للحال و " لَيْسَ " للماضي، فلا يمكنُ الجَمْع بينهما.
وعن السَّادس : أن تغير البناءِ وإن كان على خلافِ الأَصل، لكنَّه يجبُ المصيرُ إِلَيْه ؛ لدلالةِ العَمَل بما ذكر، وذكَرُوا وجوهاً أُخَرَ مخالفةً للنَّحْوِ.
قوله :" قِبَلَ " منصوبٌ على الظَّرْف المكانيِّ بقوله :" تُوَلُّوا "، وحقيقةُ قولِكَ :" زَيْدٌ قِبَلَكَ " أي في المكان الَّذي يقابلُكَ فيه وقد يُتَّسَعُ فيه، فيكون بمعنى " عِنْدَ " ؛ نحو قولك :" قِبَلَ زَيْدٍ دَيْنٌ "، أي " عِنْدَهُ ديْنٌ ".
فصل في اختلافهم في عموم هذا الخطاب وخصوصه.
اختلفوا : هَلْ هذا الخطاب عَامٌّ، أو خاصٌّ ؟ فقال قتادةُ، ومقاتلُ بْنُ حَيَّان : لمَّا شددوا أهل الكتاب بالثبات على التوجُّه نحو بيْت المَقْدِس، قال تعالى :﴿لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ﴾ هذه الطريقة، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾.
وقال مجاهدٌ وعطاءٌ والضَّحَّاك - رضِيَ الله عنهم- : المرادُ مخاطبةُ المؤمنين، لَمَّا ظنُّوا هذا الكلام.
وقال بعضُهُم : هو خطابٌ للكلّ ؛ لأنَّه لما حُوِّلت القبلةُ، حَصَلَ للمؤمنينَ الاغتباطُ بهذه القِبْلة، وحَصَلَ منْهم التشديدُ في هذه القِبْلَة ؛ حتَّى ظنُّوا أنَّه الغرضُ الأكْبَر في الدِّين، فبعثهم الله تعالى بهذا الخِطَاب استيفاءَ جميع الطاعات والعبادات، ولَيْسَ البرَّ بأنْ تولُّوا وجوهَكُم شَرْقاً وغرباً، وإِنَّمَا البِرُّ كَيْتََ وكَيْتَ، فكأنَّه تبارك وتعالى قال : ليْس البرُّ المطلوبُ هو أمْرَ القِبْلة، بل البِرُّ المطلوبُ هذه الخصالُ الَّتي عدَّدتُّها.
فصل في المشار إليه بالضمير
قال القفَّال(٨) : والذي عندَنا أنَّه إشارةٌ إلى السُّفَهاء الذين طَعَنُوا في المُسْلِمين، وقالُوا : ما ولاَّهم عن قبلتهم الَّتي كانُوا علَيْها ؟ مع أنَّ اليَهُود كانُوا يستَقْبلون المَغْرب، والنَّصَارَى كانُوا يستقْبِلُون المَشْرِق، فقال الله تعالى : إنَّ صَفَةَ البِرِّ لا تحصُلُ باستقبالِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، بل البرُّ يحصُلُ بأُمُور.
منها : الإيمانُ بالله تعالى، وأهْلُ الكتابِ أخَلُّوا بذلك، فَأَمَّا اليهود، فلقولهم بالتَّجْسِيم، ولقَوْلِهِم بأنَّ عُزَيْراً ابْنُ اللَّهِ، وأَمَّا النصارَى ؛ فلقولهم : المَسِيحُ ابْنُ الله، واليهودُ وصَفُوا الله تعالى بالبُخْل.
وثانيها : الإيمانُ باليَوْم الآخِر، واليهود أخلُّوا بذلك، وقالوا :
﴿لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] والنصارى أنْكَرُوا المعادَ الجِسْمانيَّ، وكلُّ ذلك تكذيبٌ باليوم الآخر.
وثالثها : الإيمانُ بالمَلاَئكة، واليهودُ أخلُّوا بذلك ؛ حيْثُ أظْهَرُوا عداوة جِبْرِيلَ.
ورابعها : الإيمانُ بكُتُب الله تعالى، واليهودُ أخلُّوا بذلك، لأن مع قيام الدَّلائل على أنَّ القرآنَ كتابُ الله تعالى رَدُّوه ولم يقْبلُوه ؛ قال تعالى :﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ [البقرة: ٨٥].
وخامسها : الإيمانُ بِالنَّبيِّين، واليَهُود أخلُّوا بذلك ؛ حيث قتلوا الأنْبياءَ ؛ على ما قال تعالى :﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] وطَعَنُوا في نبوَّة محمَّد - ﷺ -.
وسادسها : بَذْلُ الأمْوَالِ علَى وَفْقِ أمْرِ الله تعالى، واليهود أخلُّوا بذلك ؛ لأنَّهم يُلْقُون الشُّبُهات ؛ لِطَلَب المَال القَليلِ ؛ قال تبارك وتعالى :﴿وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً﴾.
وسابعها : إقَامة الصَّلاة، وإيتاءُ الزَّكاة، واليهودُ كانوا يمنَعُون النَّاسَ منها.
وثامنها : الوفَاءُ بالعَهْد، واليهودُ نَقَضُوا العَهْد ؛ قال تبارك وتعالى :
﴿وَأَوْفُواْ بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].
وتاسعها : قوله :﴿فِي الْبَأْسَآءِ والضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ والمرادُ بذلك المحافظةُ على الجهادِ، واليهودُ أخلُّوا بذلك ؛ حيْثُ كانُوا في غاية الخَوْف، والجبْنِ ؛ قال تعالى :﴿لاَ يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعاً إِلاَّ فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَآءِ جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعاً وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ [الحشر: ١٤].
فإن قيل : نفى تبارك وتعالى أنْ يكُون التوجُّه إلى القْبلَةِ بِرّاً، ثم حَكَم بأنَّ البِرَّ بمجموع أمُور : أحدُها : الصَّلواتُ، ولا بُدَّ فيها من الاستقبال، فيلزَمُ التناقضُ.
فالجوابُ : أنَّ المفسِّرين اختلفُوا على أقْوَال(٩) :
منها : أنَّ قوله تعالى :" لَيْسَ البِرّ " نَفْيٌ لكمالِ البِرِّ ولَيْسَ نَفْياً لأصْله ؛ كأنه قال :" لَيْسَ البِرُّ كلُّه هو هذا " ؛ فإنَّ البِرَّ اسمٌ من أسماء الخصالِ الحَمِيدة، واستقبال القبلة واحِدٌ منها، فلا يكونُ ذلك تمامَ البِرِّ.
الثاني : أنْ يكُونَ هذا نفياً لأصْلِ كَوْنه بِرّاً ؛ لأن استقبالَهُم للمشْرِق والمَغْرِب كان خَطَأً في وقُتِ النبيِّ - ﷺ - وَحِينَمَا نَسَخ الله تباركَ وتعالى ذلك ؛ بل كان ذلِكَ ممَّا لا يجُوز ؛ لأَنَّهُ عمل بمَنْسُوخ قد نهى الله عَنه، وَمَا كَانَ كذلك، فهو لا يُعَدُّ من البِرِّ.
الثالث : أنَّ استقبالَ القِبْلة لا يكُون بِرّاً، إذ البِرُّ يتقدَّمه معرفةُ الله تعَالى، وإنَّما يكون بِرّاً، إذا أتَى بها مع الإيمانِ بِالله ورسُوله، فالإتيانُ بها دُونَ هذا الشَّرْط، لا يكونُ مِنْ أَفْعَال البِرِّ، إلاَّ إذا أُتِيَ بها مع شَرْطه، كما أنَّ السَّجْدة لا تكُونُ مِنْ أفْعال البِرِّ، إلاَّ إذا أَتَى بها مع الإيمَانِ بالله ورسُوله.
ورُوِيَ أنَّه لَمَّا حُوِّلَت القبْلة، كَثُرَ الخَوْضُ في نَسْخِهَا، كأنه لا يُرَاعَى بطاعة الله تعالى إلاَّ الاستقبالُ ؛ فأنْزَلَ الله تعالَى هذه الآيَةَ ؛ كأنه تبارك وتعالى قال :" ما هذا الخَوضُ الشَّديدُ في أَمْر القِبْلَةِ مع الإعْرَاضِ عَنْ كُلِّ أَرْكَانِ الدِّينِ ".
قوله ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ في هذه الآية خَمْسَة أوجه :
أحدها : أن " البِرَّ " اسم فاعل من : بَرَّ يَبَرُّ، فهو " برُّ " والأصل :" بَرِرٌ " بكسر الراء الأولى بزنة " فطِنٍ " فلمَّا أريد الإدغام، نقلت كسرة الرَّاء إلى الباء بعد سكبها حركتها ؛ فعلى هذه القراءة : لا يحتاج الكلام إلى حذف وتأويلٍ ؛ لأنَّ البِرَّ من صفات الأعيان ؛ كأنه قيل :" وَلكِنَّ الشخْصَ البِرَّ مَنْ آمن ".
الثاني : أنَّ في الكلام حذف مضافٍ من الأوَّل، تقديره :" ولكنَّ ذا البِرِّ من آمن " ؛ كقوله تعالى :﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢] أي : لذي التقوى ؛ وقوله ﴿هُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٣] أي : ذوو درجاتٍ، قاله الزَّجَّاج(١٠).
الثالث : أن يكون الحذف من الثاني : أي :" وَلكِنَّ البِرَّ بِرُّ مَنْ آمَنَ " وهذا تخريجُ سيبويه(١١)، واختيار
١ - ينظر: المحرر الوجيز ١/٢٤٣، والبحر المحيط ٢/٤، والدر المصون ١/٤٤٦..
٢ - عبد الله بن جعفر بن درستويه- بضم الدال والراء- وضبطه ابن ماكولا بالفتح. صنف الإرشاد في النحو وشرح الفصيح توفي سنة ٣٤٧هـ. ينظر البغية ٢/ ٣٦..
٣ - سقط في ب..
٤ - البيت للسموأل ينظر ديوانه ص ٩٢، وخزانة الأدب ١/ ٣٣١، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٢٣، وله أو للجلاح الحارثي في تخليص الشواهد ص ٢٣٧، والمقاصد النحوية ٢/٧٦، والأشموني ١/١٢، وشرح ابن عقيل ص ١٤٠، وشرح عمدة الحافظ ص٢٠٤، وشرح قطر الندى ص ١٣٠، والدر المصون ١/٤٤٦..
٥ - البيت لعروة بن الورد ينظر: ديوانه (١٣١). وهو من شواهد البحر (٢/٤)، والحماسة (١/٥٩٥)..
٦ -ينظر: المحرر الوجيز ١/ ٢٤٣، والبحر المحيط ٢/٤ والدر المصون ١/ ٤٤٦..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٣١..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٣٢..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٣٣..
١٠ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/ ١٦٠..
١١ - ينظر: الكتاب ١/١٠٨..
٢ - عبد الله بن جعفر بن درستويه- بضم الدال والراء- وضبطه ابن ماكولا بالفتح. صنف الإرشاد في النحو وشرح الفصيح توفي سنة ٣٤٧هـ. ينظر البغية ٢/ ٣٦..
٣ - سقط في ب..
٤ - البيت للسموأل ينظر ديوانه ص ٩٢، وخزانة الأدب ١/ ٣٣١، شرح ديوان الحماسة للمرزوقي ص ١٢٣، وله أو للجلاح الحارثي في تخليص الشواهد ص ٢٣٧، والمقاصد النحوية ٢/٧٦، والأشموني ١/١٢، وشرح ابن عقيل ص ١٤٠، وشرح عمدة الحافظ ص٢٠٤، وشرح قطر الندى ص ١٣٠، والدر المصون ١/٤٤٦..
٥ - البيت لعروة بن الورد ينظر: ديوانه (١٣١). وهو من شواهد البحر (٢/٤)، والحماسة (١/٥٩٥)..
٦ -ينظر: المحرر الوجيز ١/ ٢٤٣، والبحر المحيط ٢/٤ والدر المصون ١/ ٤٤٦..
٧ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٣١..
٨ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٣٢..
٩ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/ ٣٣..
١٠ - ينظر: تفسير القرطبي ٢/ ١٦٠..
١١ - ينظر: الكتاب ١/١٠٨..