محتويات صفحة تفسير الآية

تجد في هذه الصفحة تفسير الآية ١٧٧ من سورة البقرة في ١٣٠ كتابًا من كتب التفسير، ومعاني غريب كلماتها، وإعرابها، وقراءات القراء العشرة فيها، و٩٨ قولًا من التفسير بالمأثور، وما يتصل بها من الموضوعات والوقفات والترجمات.

تفسير الآية ١٧٧ من سورة البقرة

١٣٠ كتابًا من كتب التفسير

جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري

عن الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى :﴿لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلََكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخر وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىَ حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ وَالسّآئِلِينَ وَفِي الرّقَابِ وَأَقَامَ الصّلاةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَآءِ والضّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولََئِكَ الّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولََئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ﴾
اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ذلك، فقال بعضهم : معنى ذلك : ليس البرّ الصلاة وحدها، ولكن البرّ الخصال التي أبينها لكم.
حدثني محمد بن سعد، قال : حدثني أبي، قال : حدثني عمي، قال : حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله : لَيْسَ البِرّ أنْ تُوَلوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ يعني الصلاة. يقول : ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا، فهذا منذ تحوّل من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض، وحدّ الحدود، فأمر الله بالفرائض والعمل بها.
حدثني محمد بن عمرو، قال : حدثنا أبو عاصم، قال : حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد : لَيْسَ البرّ أنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ والمغرِبِ ولكنّ البرّ ما ثبت في القلوب من طاعة الله.
حدثني القاسم، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، مثله.
حدثني القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن عباس، قال : هذه الآية نزلت بالمدينة : لَيْسَ البِرّ أنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرق وَالمَغْرِبِ يعني الصلاة، يقول : ليس البرّ أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك. قال ابن جريج وقال مجاهد : لَيْسَ البِرّ أنْ تُوَلّوا وجوهَكم قِبَل المشرِق والمغرِبِ يعني السجود ولكنّ البرّ ما ثبت في القلب من طاعة الله.
حدثنا القاسم، قال : حدثنا الحسين، قال : حدثنا أبو نميلة، عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم أنه قال فيها، قال يقول : ليس البرّ أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك. وهذا حين تحوّل من مكة إلى المدينة، فأنزل الله الفرائض وحدّ الحدود بالمدينة، وأمر بالفرائض أن يؤخذ بها.
وقال آخرون : عنى الله بذلك اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود تصلي فتوجّه قبل المغرب، والنصارى تصلي فتوجّه قبل المشرق، فأنزل الله فيهم هذه الآية يخبرهم فيها أن البرّ غير العمل الذي يعملونه ولكنه ما بيناه في هذه الآية. ذكر من قال ذلك :
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر عن قتادة، قال : كانت اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق، فنزلت : لَيْسَ البِرّ أنْ تُوَلوا وُجُوهَكُمْ قِبَل المَشْرِق وَالمَغْرِبِ.
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد بن زريع، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : لَيْسَ البِرّ أنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وَلَكِنّ البِرّ مَنْ آمَنَ باللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ ذكر لنا أن رجلاً سأل نبيّ الله ﷺ عن البرّ، فأنزل الله هذه الآية، وذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ دعا الرجل فتلاها عليه. وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ثم مات على ذلك يُرْجَى له ويطمع له في خير فأنزل الله : لَيْسَ البِرّ أنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ وكانت اليهود توجهت قِبَل المغرب، والنصارى قِبَل المشرق وَلَكِنّ البِرّ مَنْ آمَنَ باللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِر الآية.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال : كانت اليهود تصلي قِبَل المغرب، والنصارى قِبَل المشرق، فنزلت : لَيْسَ البِرّ أنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ.
وأولى هذين القولين بتأويل الآية القول الذي قاله قتادة والربيع بن أنس أن يكون عنى بقوله : لَيْسَ البِرّ أنْ تُوَلوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ اليهود والنصارى، لأن الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولومهم والخبر عنهم وعما أعدّ لهم من أليم العذاب، وهذا في سياق ما قبلها، إذ كان الأمر كذلك، ليس البرّ أيها اليهود والنصارى أن يولي بعضكم وجهه قِبَل المشرق وبعضكم قِبَل المغرب، وَلَكِنّ البِرّ مَنْ آمَنَ باللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ وَالمَلائِكَةِ وَالكِتابِ الآية.
فإن قال قائل : فكيف قيل : وَلَكِنّ البِرّ مَنْ آمَنِ باللّهِ، وقد علمت أن البرّ فعل، و«مَنْ » اسم، فكيف يكون الفعل هو الإنسان ؟ قيل : إن معنى ذلك غير ما توهمته، وإنما معناه : ولكن البر كمن آمن بالله واليوم الاَخر، فوضع «مَنْ » موضع الفعل اكتفاء بدلالته ودلالة صلته التي هي له صفة من الفعل المحذوف كما تفعله العرب فتضع الأسماء مواضع أفعالها التي هي بها مشهورة، فتقول :«الجود حاتم، والشجاعة عنترة » و«إنما الجود حاتم، والشجاعة عنترة »، ومعناها : الجود جود حاتم، فتستغني بذكر حاتم إذ كان معروفا بالجود من إعادة ذكر الجود بعد الذي قد ذكرته فتضعه موضع جوده لدلالة الكلام على ما حذفته استغناء بما ذكرته عما لم تذكره، كما قيل : واسْألِ الْقَرْيَةَ الّتِي كُنّا فِيهَا والمعنى : أهل القرية، وكما قال الشاعر، وهو ذو الخِرَق الطهوي :
حَسِبْتُ بُغامَ رَاحِلَتِي عَناقا وَما هِيَ وَيْبَ غَيْرِكَ بالعنَاقِ
يريد بغام عناق أو صوت ( عناق ) كما يقال : حسبت صياحي أخاك، يعني به حسبت صياحي صياح أخيك. وقد يجوز أن يكون معنى الكلام : ولكن البارّ من آمن بالله، فيكون البرّ مصدرا وضع موضع الاسم.
القول في تأويل قوله تعالى :﴿وآتى المَالَ على حُبّهِ ذَوِي القُرْبَى واليتَامَى وَالمَساكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وَفِي الرّقابِ﴾.
يعني تعالى ذكره بقوله : وآتى المَالَ على حُبّهِ وأعطى ماله في حين محبته إياه وضنه به وشحه عليه. كما :
حدثنا أبو كريب وأبو السائب، قالا : حدثنا ابن إدريس، قال : سمعت ليثا، عن زبيد، عن مرة بن شرا حيل البكيلي، عن عبد الله بن مسعود : وآتى المَالَ على حُبّهِ أي يؤتيه وهو صحيح شحيح يأمل العيش ويخشى الفقر.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا عبد الرحمن، وحدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قالا جميعا، عن سفيان، عن زبيد اليامي، عن مرة، عن عبد الله : وآتى المَالَ على حُبّهِ قال : وأنت صحيح تأمل العيش وتخشى الفقر.
حدثنا محمد بن المثنى، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن زبيد اليامي، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية : وآتى المَالَ على حُبّهِ قال : وأنت حريص شحيح تأمل الغنى وتخشى الفقر.
حدثنا أحمد بن نعمة المصري، قال : حدثنا أبو صالح، قال : حدثنا الليث، قال : حدثنا إبراهيم بن أعين، عن شعبة بن الحجاج، عن زبيد اليامي، عن مرة الهمداني، قال : قال عبد الله بن مسعود في قول الله : وآتى المَالَ على حُبّهِ ذوي القربى، قال : حريصا شحيحا يأمل الغنى ويخشى الفقر.
حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا : حدثنا هشيم، قال : أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي سمعته يسأل : هل على الرجل حق في ماله سوى الزكاة ؟ قال : نعم، وتلا هذه الآية : وآتى المَالَ على حُبّهِ ذَوِي القُرْبَى واليَتامَى وَالمَساكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ وَالسّائِلِينَ وفِي الرّقابِ وأقامَ الصّلاةَ وآتى الزّكاة.
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا سويد بن عمرو الكلبي، قال : حدثنا حماد بن سلمة، قال : أخبرنا أبو حمزة قال : قلت للشعبي : إذا زكى الرجل ماله أيطيب له ماله ؟ فقرأ هذه الآية : لَيْسَ البِرّ أنْ تُوَلّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ إلى وآتى المَالَ على حُبّهِ إلى آخرها. ثم قال : حدثتني فاطمة بنت قيس أنها قالت : يا رسول الله إن لي سبعين مثقالاً من ذهب، فقال :«اجْعَلِيها فِي قَرابَتِكِ ».
حدثنا أبو كريب، قال : حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك، قال : حدثنا أبو حمزة فيما أعلم عن عامر، عن فاطمة بنت قيس أنها سمعته يقول : إن في المال لحقّا سوى الزكاة.
حدثني يعقوب بن إبراهيم، قال : حدثنا ابن علية، عن أبي حيان، قال : حدثني مزاحم بن زفر، قال : كنت جالسا عند عطاء، فأتاه أعرابي فقال له : إن لي أبلاً فهل عليّ فيها حقّ بعد الصدقة ؟ قال : نعم قال : ماذا ؟ قال : عارية الذلول، وطروق الفحل، والحلب.
حدثني موسى بن هارون، حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي، ذكره عن مرة الهمداني في : وآتى المَالَ على حُبّهِ قال : قال عبد الله بن مسعود : تعطيه وأنت صحيح شحيح تطيل الأمل وتخاف الفقر. وذكر أيضا عن السدي أن هذا شيء واجب في المال حقّ على صاحب المال أن يفعله سوى الذي عليه من الزكاة.
حدثنا الربيع بن سليمان، قال : حدثنا أسد، قال : حدثنا سويد بن عبد الله، عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بن قيس، عن النبيّ ﷺ أنه قال :«فِي المَال حَقّ سوَى الزّكاة » وتلا هذه الآية : لَيْسَ البِرّ إلى آخر الآية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن منصور، عن زبيد اليامي، عن مرة بن شراحيل، عن عبد الله في قوله :( وآتى المَالَ على حُبّهِ )قال : أن يعطى الرجل وهو صحيح شحيح به يأمل العيش ويخاف الفقر.
فتأويل الآية : وأعطى المال وهو له محبّ حريص على جمعه، شحيح به ذوي قرابته فوصل به أرحامهم.
وإنما قلت : عنى بقوله : ذَوِي القُرْبَى ذوي قرابة مؤدّي المال على حبه للخبر الذي ورد عن رسول الله ﷺ من أمره فاطمة بنت قيس، وقوله ﷺ حين سئل : أيّ الصدقة أفضل ؟ قال :«جُهْدُ المُقلّ على ذِي القَرَابَةِ الكاشِح ».
وأما اليتامى والمساكين فقد بينا معانيهما فيما مضى. وأما ابن السبيل فإنه المجتاز بالرجل.
ثم اختلف أهل العلم في صفته، فقال بعضهم : هو الضيفُ من ذلك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا بشر بن معاذ، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة : وابْنَ السّبِيلِ قال : هو الضيف قال : قد ذكر لنا أن نبيّ الله ﷺ كان يقول :«مَنْ كانَ يُؤْمِنَ باللّهِ وَاليَوْمِ الاَخِرِ فَلْيقُلْ خَيْرا أوْ لِيَسْكُتْ » قال : وكان يقول :«حَقّ الضّيافَةِ ثَلاثُ لَيالٍ، فَكُلّ شَيْءٍ أضَافَهُ بَعْدَ ذَلِكَ صَدقَةٌ ».
وقال بعضهم : هو المسافر يمرّ عليك. ذكر من قال ذلك :
حدثنا سفيان بن وكيع، قال : حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن أبي جعفر : وابْنَ السّبِيل قال : المجتاز من أرض إلى أرض.
حدثني المثنى، قال : حدثنا إسحاق، قال : حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وقتادة في قوله : وَابْنَ ا
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل قوله ذلك. فقال بعضهم: معنى ذلك: ليس البرَّ الصلاةُ وحدها، ولكن البرّ الخصال التي أبينها لكم.
٢٥١٣- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"ليسَ البرّ أن تُولوا وُجُوهكم قِبَل
المشرق والمغرب"، يعني: الصلاة. يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تَعملوا، فهذا منذ تحوَّل من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض، وحدَّ الحدود. فأمر الله بالفرائض والعمل بها.
٢٥١٤- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب"، ولكنّ البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله.
٢٥١٥- حدثني القاسم قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد مثله.
٢٥١٦- حدثني القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج، عن ابن عباس قال: هذه الآية نزلت بالمدينة:"ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب"، يعني: الصلاة. يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا غيرَ ذلك. قال ابن جريج، وقال مجاهد:"ليس البرّ أن تُولوا وجوهكم قبَل المشرق والمغرب"، يعني السجود، ولكن البر ما ثبت في القلب من طاعة الله.
٢٥١٧- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثنا أبو تميلة، (١) عن عبيد بن سليمان، عن الضحاك بن مزاحم، أنه قال فيها، قال يقول: ليس البر أن تصلوا ولا تعملوا غير ذلك. وهذا حين تحوّل من مكة إلى المدينة، فأنزل الله الفرائض وحدَّ الحدود بالمدينة، وأمر بالفرائض أن يؤخذ بها.
* * *
وقال آخرون: عنى الله بذلك اليهود والنصارى. وذلك أن اليهود تصلي فتوجِّه قبل المغرب، والنصارى تصلي فتوَجَّه قبل المشرق، فأنزل الله فيهم هذه الآية، يخبرهم فيها أن البرّ غير العمل الذي يعملونه، ولكنه ما بيناه في هذه الآية
* ذكر من قال ذلك:
(١) في المطبوعة: "أبو نميلة" بالنون، والصواب ما أثبت. وانظر الأثر رقم: ٢٤٩٠ والتعليق عليه.
٢٥١٨- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة قال: كانت اليهود تصلي قبَل المغرب والنصارى تصلي قبل المشرق، فنزلت:"ليس البر أن تولوا وُجُوهكم قبل المشرق والمغرب".
٢٥١٩- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر"، ذُكر لنا أن رَجلا سأل نبي الله ﷺ عن البر فأنزل الله هذه الآية. وذُكر لنا أن نبي الله ﷺ دعا الرجل فتلاها عليه. وقد كان الرجلُ قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله ثم مات على ذلك يُرْجى له ويطمع له في خير، فأنزل الله:"ليسَ البر أن تولوا وجوهَكم قبل المشرق والمغرب". وكانت اليهود تَوجَّهت قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق -"ولكن البر من آمنَ بالله واليوم الآخر" الآية.
٢٥٢٠- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس قال: كانت اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق، فنزلت:"ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب".
* * *
قال أبو جعفر: وأولى هذين القولين بتأويل الآية، القول الذي قاله قتادة والربيع بن أنس =: أن يكون عنى بقوله:"ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب"، اليهودَ والنصارَى. لأن الآيات قبلها مضت بتوبيخهم ولَومهم، والخبر عنهم وعما أُعدّ لهم من أليم العذاب. وهذا في سياق ما قبلها، إذْ كان الأمر كذلك، -"ليس البر"، - أيها اليهود والنصارى، أنْ يولي بعضُكم وجهه قبل المشرق وبعضُكم قبل المغرب،"ولكنّ البر مَنْ آمن بالله واليوم الآخر وَالملائكة والكتاب" الآية.
* * *
فإن قال قائل: فكيف قيل:"ولكن البر من آمن بالله"، وقد علمت أن"البر" فعل، و"مَنْ" اسم، فكيف يكون الفعل هو الإنسان؟
قيل: إن معنى ذلك غيرَ ما توهمته، وإنما معناه: ولكنّ البرَّ برُّ من آمن بالله واليوم الآخر، (١) فوضع"مَنْ" موضع الفعل، اكتفاءً بدلالته، ودلالة صلته التي هي له صفةٌ، مَنْ الفعل المحذوف، كما تفعله العرب، فتضع الأسماء مواضع أفعالها التي هي بها مشهورة، فتقول:"الجود حاتم، والشجاعة عنترة"، و"إنما الجود حاتم والشجاعة عنترة"، ومعناها: الجُود جود حاتم فتستغني بذكر"حاتم" إذ كان معروفًا بالجود، من إعادة ذكر"الجود" بعد الذي قد ذكرته، فتضعه موضع"جوده"، لدلالة الكلام على ما حذفته، استغناء بما ذكرته عما لم تذكره. (٢) كما قيل: (وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا) [سورة يوسف: ٨٢] والمعنى: أهل القرية، وكما قال الشاعر، وهو ذو الخِرَق الطُّهَوي:
حَسِبْتَ بُغَامَ رَاحِلَتِي عَنَاقًا!وَمَا هي، وَيْبَ غَيْرِكَ بالعَنَاقِ (٣)
يريد: بُغَامَ عنَاق، أو صوتَ [عناق]، (٤) كما يقال:"حسبت صياحي أخاك"، يعني به: حسبتَ صياحي صياحَ أخيك.
* * *
وقد يجوز أن يكون معنى الكلام: ولكن البارَّ مَنْ آمن بالله، فيكون"البر" مصدرًا وُضع موضعَ الاسم. (٥)
* * *
(١) في المطبوعة: "ولكن البر كمن آمن بالله" وهو خطأ محض، صوابه ما أثبت.
(٢) انظر ما سلف: ٢: ٦١، ٣٥٩ وهذا الجزء ٣: ٣٣٤.
(٣) سلف تخريجه في هذا الجزء ٣: ١٠٣ تعليق: ٣.
(٤) الزيادة بين القوسين لا بد منها.
(٥) هذا قول أبي عبيدة في مجاز القرآن: ٦٥، وذكره الفراء في معاني القرآن ١: ١٠٤.
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وآتى المالَ على حُبه"، وأعطى مَاله في حين محبته إياه، وضِنِّه به، وشُحِّه عليه، (١). كما:-
٢٥٢١- حدثنا أبو كريب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس قال، سمعت ليثًا، عن زبيد، عن مرة بن شرا حيل البكيلي، عن عبد الله بن مسعود:"وآتَى المالَ على حُبه"، أي: يؤتيه وهو صَحيحٌ شحيحٌ، يأمل العيش ويخشى الفقر. (٢)
٢٥٢٢- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا عبد الرحمن -وحدثنا الحسن بن يحيى قال أخبرنا عبد الرزاق- قالا جميعًا، عن سفيان، عن زُبيد الياميّ،
(١) انظر معنى"الإيتاء" فيما سلف ١: ٥٧٤/٢: ١٦٠، ٣١٧.
(٢) الخبر: ٢٥٢١- ابن إدريس: هو عبد الله بن إدريس بن يزيد الأودي، مضى في: ٤٣٨، ٢٠٣٠.
ليث: هو ابن أبي سليم، مضى في شرح: ١٤٩٧.
زبيد- بالباء الموحدة مصغرًا: هو ابن الحارث بن عبد الكريم اليامي، وهو ثقة ثبت. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/١/٤١١، وابن سعد ٦: ٢١٦، وابن أبي حاتم ١/٢/٦٢٣.
مرة بن شراحيل: وهو الهمداني الكوفي، من كبار التابعين، كما مضى توثيقه: ١٦٨، وهو مترجم في التهذيب ١٠: ٨٨-٨٩، والكبير ٤/٢/٥، وابن سعد ٦: ٧٩، وابن أبي حاتم ٤/١/٣٦٦. و"البكيلي" - بفتح الباء الموحدة وكسر الكاف: نسبه إلى"بكيل"، وهم بطن من همدان. انظر الاشتقاق لابن دريد، ص: ٢٥٠، ٢٥٦، ٣١٢، وجمهرة الأنساب لابن حزم ص: ٣٧٢-٣٧٣. وكذلك نسب مرة إلى"بكيل" في كتاب ابن أبي حاتم، وهو الصواب. ووقع في التهذيب بدلها"السكسكي"؛ وهو تصحيف لا شك فيه، فإن"السكسك": هو ابن أشرس بن كندة. وشتان بين همدان وكندة، إنما يجتمعان بعد بضعة جدود، في"زيد بن كهلان بن سبأ". انظر جمهرة الأنساب، ص: ٤٠٥، وما قبلها.
عن مرة، عن عبد الله:"وآتى المالَ على حُبه" قال، وأنت صحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر. (١)
٢٥٢٣- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة، عن زبيد اليامي، عن عبد الله أنه قال في هذه الآية:"وآتى المال على حبه" قال، وأنت حريصٌ شحيحٌ، تأمل الغنى، وتخشى الفقر.
٢٥٢٤- حدثنا أحمد بن نعمة المصري قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا الليث قال، حدثنا إبراهيم بن أعين، عن شعبة بن الحجاج، عن زبيد اليامي، عن مرة الهمداني قال، قال عبد الله بن مسعود في قول الله:"وآتى المال على حبه ذوي القربى"، قال: حريصًا شحيحًا، يأمل الغنى ويَخشى الفقر. (٢)
(١) الخبر: ٢٥٢٢- عبد الرحمن: هو ابن مهدي الإمام. وسفيان هو الثوري. فالطبري يرويه من طريق ابن مهدي. ومن طريق عبد الرزاق - كلاهما عن سفيان.
والخبر في تفسير عبد الرزاق، ص: ١٥، وفيه: "وأنت صحيح شحيح"، بزيادة"شحيح".
(٢) الخبر: ٢٥٢٤- شيخ الطبري"أحمد بن نعمة المصري": لم أجد له ترجمة. أبو صالح: هو عبد الله بن صالح، كاتب الليث. الليث: هو ابن سعد إمام أهل مصر.
إبراهيم بن أعين الشيباني البصري، نزل مصر: ضعيف: قال البخاري: "فيه نظر في إسناده". وقال أبو حاتم: "هذا شيخ بصري، ضعيف الحديث، منكر الحديث وقع إلى مصر". مترجم في التهذيب وفرق بينه وبين"إبراهيم بن أعين" آخر ثقة. وترجم ابن أبي حاتم ١/١/٨٧ ثلاث تراجم. والبخاري ١/١/٢٧٢ ترجمة واحدة.
وهذه الأسانيد الثلاثة: ٢٥٢١-٢٥٢٣، لخبر موقوف اللفظ على ابن مسعود. وهو في الحقيقة مرفوع حكمًا، إذ مثل هذا لا يعرف بالرأي. وسيأتي معناه موقوفًا عليه أيضًا: ٢٥٢٩، ٢٥٣١. وكذلك رواه الحاكم ٢: ٢٧٢، من رواية منصور، عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود، موقوفًا. وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه". ووافقه الذهبي. ونسبه السيوطي ١: ١٧٠-١٧١ لابن المبارك، ووكيع، وغيرهما. ثم ذكر أنه رواه الحاكم أيضًا"عن ابن مسعود، مرفوعًا". وكذلك نقل ابن كثير ١: ٣٨٨ أن الحاكم رواه مرفوعًا. ولم أجده مرفوعًا في المستدرك. ثم ذكر ابن كثير الرواية الموقوفة، وزعم أنها أصح.
وهذا المعنى ثابت أيضًا في حديث مرفوع صحيح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ - وقد سئل: أي الصدقة أعظم أجرًا؟ - فقال: "أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل البقاء، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت: لفلان كذا، وقد كان لفلان". رواه أحمد في المسند: ٧١٥٩، ٧٤٠١. ورواه البخاري ومسلم وأبو داود، كما بينا هناك.
٢٥٢٥- حدثنا أبو كريب ويعقوب بن إبراهيم قالا حدثنا هشيم قال، أخبرنا إسماعيل بن سالم، عن الشعبي، سمعته يُسْأل: هل على الرجل حَق في ماله سوى الزكاة؟ قال: نعم! وتلا هذه الآية:"وآتى المالَ على حُبه ذَوي القربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة".
٢٥٢٦- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا سُويد بن عمرو الكلبي قال، حدثنا حمّاد بن سلمة قال، أخبرنا أبو حمزة قال، قلت للشعبي: إذا زكَّى الرجلُ ماله، أيطيبُ له ماله؟ فقرا هذه الآية:"ليس البر أنْ تُولوا وجوهَكم قبل المشرق والمغرب" إلى"وآتى المال على حُبه" إلى آخرها، ثم قال: حدثتني فاطمة بنت قيس أنها قالت: يا رسول الله، إنّ لي سبعين مثقالا من ذَهَب. فقال: اجعليها في قَرَابتك. (١)
٢٥٢٧- حدثنا أبو كريب قال، حدثنا يحيى بن آدم، عن شريك قال، حدثنا أبو حمزة، فيما أعلم - عن عامر، عن فاطمة بنت قيس أنها سمعته يقول: إنّ في المال لحقًّا سوَى الزكاة. (٢)
٢٥٢٨- حدثني يعقوب بن إبراهيم قال، حدثنا ابن علية، عن أبي حيان
(١) الحديث: ٢٥٢٦- سويد بن عمرو الكلبي: ثقة من شيوخ أحمد. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/١٤٩، وابن أبي حاتم ٢/١/٢٣٩.
أبو حمزة: هو ميمون الأعور القصاب، وهو ضعيف جدًا. مترجم في التهذيب، والكبير ٤/١/٣٤٣، وابن أبي حاتم ٤/١/٢٣٥-٢٣٦.
وهذا الحديث بهذا السياق لم أجده في موضع آخر. وقد روى قريب من معناه، بإسناد آخر أشد ضعفًا. فروى الدارقطني في سننه، ص: ٢٠٥، من طريق أبي بكر الهذلي، عن شعيب بن الحبحاب، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، قالت: "أتيت النبي ﷺ بطوق فيه سبعون مثقالا من ذهب، فقلت: يا رسول الله، خذ منه الفريضة، فأخذ منه مثقالا وثلاثة أرباع مثقال". وقال الدارقطني: "أبو بكر الهذلي: متروك، ولم يأت به غيره". وقد مضى بيان ضعف الهذلي هذا: ٥٩٧.
(٢) الحديث: ٢٥٢٧- شريك: هو ابن عبد الله بن أبي شريك، النخعي القاضي، وهو ثقة. مترجم في التهذيب، والكبير ٢/٢/٢٣٨، وابن أبي حاتم ٢/١/٣٦٥-٣٦٧.
وقوله: "عن فاطمة بنت قيس: أنها سمعت": يعني النبي صلى الله عليه وسلم. كما هو ظاهر من سياق القول، ومن الروايات الأخر. وسيأتي الحديث أيضًا: ٢٥٣٠- وتخريجه هناك، إن شاء الله.
قال، حدثني مزاحم بن زفر قال، كنت جالسًا عند عطاء فأتاه أعرابي فقال له: إن لي إبلا فهل عليّ فيها حقٌّ بعد الصدقة؟ قال: نعم! قال: ماذا؟ قال: عَاريَّة الدلو، وطُروق الفحل، والحلَب. (١)
٢٥٢٩- حدثني موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي، ذكره عن مرة الهمداني في:"وآتى المالَ على حُبه" قال: قال عبد الله بن مسعود: تُعطيه وأنت صحيحٌ شحيحٌ، تطيل الأمل، وتخاف الفقر. وذكر أيضًا عن السدي أن هذا شيء واجبٌ في المال، حق على صاحب المال أن يفعله، سوى الذي عليه من الزكاة.
٢٥٣٠- حدثنا الربيع بن سليمان قال، حدثنا أسد قال، حدثنا سويد بن عبد الله، عن أبي حمزة، عن عامر، عن فاطمة بنت قيس عن النبي ﷺ أنه قال:"في المال حق سوى الزكاة، وتلا هذه الآية:"ليس البر" إلى آخر الآية. (٢)
(١) في المطبوعة: "عارية الذلول"، وهو خطأ. في حديث عبد الله مسعود: "كنا نعد الماعون على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم: عارية الدلو والقدر"، وفي حديث أبي هريرة أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم: "فما حق الإبل؟ قال: تعطى الكريمة، وتمنح الغزيرة، وتفقر الظهر، وتطرق الفحل، وتسقى اللبن". وفي حديث عبيد بن عمير قال قال رجل: يا رسول الله، ما حق الإبل -فذكره نحوه- زاد: "وإعارة دلوها". (سنن أبي داود ٢: ١٦٧، ١٦٨ باب حقوق المال).
وطرق الفحل الناقة يطرقها طرقًا وطروقًا: قعا عليها وضربها. وإطراق الفحل: إعارته للضراب. والحلب (بفتحتين) : اللبن المحلوب، سمي بمصدره من: حلب الناقة يحلبهَا وحلبًا وحلابًا.
(٢) الحديث: ٢٥٣٠- أسد: هو ابن موسى، الذي يقال له"أسد السنة". مضى في: ٢٣. سويد بن عبد الله هكذا ثبت في المطبوعة. وعندي أنه خطأ، صواب"شريك بن عبد الله"، الذي مضى في الإسناد السابق: ٢٥٢٧. فإن الحديث معروف أنه من رواية شريك. ثم ليس في الرواة -الذين رأينا تراجمهم- من يسمى"سويد بن عبد الله" إلا رجلا له شأن لا بهذا الإسناد، لم يعرف إلا بخبر آخر منكر، وهو مترجم في لسان الميزان.
وهذا الحديث تكرار للحديث: ٢٥٢٧ بأطول منه قليلا. ورواه أيضًا الدارمي ١: ٣٨٥، عن محمد بن الطفيل. والترمذي ٢: ٢٢، من طريق الأسود بن عامر، وعن الدارمي عن محمد بن الطفيل. وابن ماجه: ١٧٨٩، من طريق يحيى بن آدم. والبيهقي في السنن الكبرى ٤: ٨٤، من طريق شاذان - كلهم عن شريك، بهذا الإسناد، مطولا ومختصرًا.
قال الترمذي: "هذا حديث ليس إسناده بذاك. أبو ميمون الأعور يضعف".
وقال البيهقي: "فهذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور، كوفي، وقد جرحه أحمد بن حنبل ويحيى بن معين، فمن بعدهما من حفاظ الحديث".
ونقل ابن كثير ١: ٣٨٩-٣٩٠ أنه رواه أيضًا ابن أبي حاتم، عن يحيى بن عبد الحميد. ورواه ابن مردويه، من حديث آدم بن أبي إياس، ويحيى بن عبد الحميد - كلاهما عن شريك، ثم ذكر أنه أخرجه ابن ماجه، والترمذي.
ووقع لفظ الحديث في ابن ماجه مغلوطًا، بنقيض معناه. بلفظ: "ليس في المال حق سوى الزكاة"!
وهذا خطأ قديم في بعض نسخ ابن ماجه. وحاول بعض العلماء الاستدلال على صحة هذا اللفظ عند ابن ماجه، كما في التلخيص الحبير للحافظ ابن حجر، ص ١٧٧، وشرح الجامع الصغير للمناوي: ٧٦٤١.
ولكن رواية الطبري الماضية: ٢٥٢٧- وهي من طريق يحيى بن آدم، التي رواه منها ابن ماجه: تدل على أن اللفظ الصحيح هو ما في سائر الروايات.
ويؤيد ذلك أن ابن كثير نسب الحديث للترمذي وابن ماجه، معًا، ولم يفرق بين روايتهما، وكذلك صنع النابلسي في ذخائر المواريث: ١١٦٩٩، إذ نسبه إليهما حديثًا واحدًا.
ويؤيد أيضًا أن البيهقي، بعد أن رواه قال: "والذي يرويه أصحابنا في التعاليق: ليس في المال حق سوى الزكاة - فلست أحفظ فيه إسنادًا. والذي رويت في معناه ما قدمت ذكره". ولو كان في ابن ماجه على هذا اللفظ، لما قال ذلك، إن شاء الله.
٢٥٣١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن منصور، عن زبيد اليامي، عن مرة بن شراحيل، عن عبد الله في قوله:"وآتى المالَ على حُبه" قال، أن يعطي الرجلُ وهو صحيح شحيحٌ به، يأمل العيش ويخاف الفقر.
* * *
قال أبو جعفر: فتأويل الآية: وأعطى المال - وهو له محب، حريصٌ على جمعه، شحيح به - ذَوي قَرابته فوصل به أرحامهم.
وإنما قلت عنى بقوله:"ذوي القرْبى"، ذوي قرابة مؤدِّي المال على حُبه، للخبر الذي رَوَى عن رسول الله ﷺ من أمره فاطمةُ بنت قيس=
٢٥٣٢- وقوله ﷺ حين سئل: أيُّ الصَّدقة أفضَل؟ قال: جُهْد المُقِلّ على ذي القَرَابة الكاشح. (١)
* * *
(١) الحديث: ٢٥٣٢- معناه ثابت من حديث أبي هريرة. رواه أحمد في المسند: ٨٦٨٧ (٢: ٣٥٨ حلبي) :"عن أبي هريرة: أنه قال: يا رسول الله أي الصدقة أفضل؟ قال: جهد المقل، وابدأ بمن تعول".
وذكره المنذري في الترغيب والترهيب ٢: ٢٨، وقال: "رواه أبو داود، وابن خزيمة في صحيحه، والحاكم، وقال: صحيح على شرط مسلم".
وروى الحاكم في المستدرك ١: ٤٠٦، عن أم كلثوم بنت عقبة، قالت: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح". وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي.
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد ٣: ١١٦، وقال: "رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح"، وذكر قبله أحاديث أخر بنحوه.
والكاشح: المبغض: قال ابن الأثير: "العدو الذي يضمر عداوته، ويطوي عليهما كشحه، أي باطنه".
والكاشح الذي يضمر لك العداوة، كأنه يطويها في كشحه. وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع، أو يعرض عنك بوجهه ويوليك كشحه.
وأما"اليتامى""والمساكين"، فقد بينا معانيهما فيما مضى. (١)
* * *
وأما"ابن السبيل"، فإنه المجتاز بالرَّجل. ثم اختلف أهل العلم في صفته. فقال بعضهم: هو الضيفُ من ذلك.
* ذكر من قال ذلك:
٢٥٣٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال: حدثنا سعيد، عن قتادة:"وابن السبيل" قال، هو الضيف قال: قد ذُكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول:" من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خَيرًا أو ليسكت. قال: وكان يَقول: حَق الضيافة ثلاثُ ليال، فكل شيء أضافه بَعد ذَلك صدقة. (٢)
* * *
(١) انظر ما سلف في معنى"مسكين" ٢: ١٣٧، ٢٩٣، ومعنى: "ذي القربى"، و"اليتامى" ٢: ٢٩٢.
(٢) الحديث: ٢٥٣٣- هو حديث مرسل، يقول قتادة -وهو تابعي-: "قد ذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول.. "، فذكره.
و"سعيد" الذي يروي عن قتادة: هو سعيد بن أبي عروبة. و"يزيد" الراوي عنه: هو يزيد بن زريع.
والحديث ثبت معناه ضمن حديث رواه مسلم ٢: ٤٥، من حديث أبي شريح العدوي الخزاعي: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه جائزته، قالوا: وما جائزته يا رسول الله؟ قال: يومه وليلته، والضيافة ثلاثة أيام، فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت". ورواه أيضًا أحمد، وسائر أصحاب الكتب الستة، كما في الفتح الكبير ٣: ٢٣١.
وقال بعضهم: هو المسافر يمر عليك.
* ذكر من قال ذلك:
٢٥٣٤- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن جابر، عن أبي جعفر:"وابن السبيل" قال، المجتاز من أرض إلى أرض.
٢٥٣٥- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد وقتادة في قوله:"وابن السبيل" قال، الذي يمر عليك وهو مسافر.
٢٥٣٦- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عمن ذكره، عن ابن جريج عن مجاهد وقتادة مثله.
* * *
وإنما قيل للمسافر"ابن السبيل"، لملازمته الطريق -والطريق هو"السبيل"- فقيل لملازمته إياه في سفره:"ابنه"، كما يقال لطير الماء"ابن الماء" لملازمته إياه، وللرجل الذي أتت عليه الدهور"ابن الأيام والليالي والأزمنة"، ومنه قول ذي الرمة:
وَرَدْتُ اعْتِسَافًا وَالثُّرَيَّا كَأَنَّهَاعَلَى قِمَّةِ الرَّأْسِ ابْنُ مَاءٍ مُحَلِّقُ (١)
* * *
(١) ديوانه: ٤٠١، وهو متعلق ببيت قبله:الآجن المتغير. والدبي: صغار الجراد. والغضى: شجر. كأن الجراد رعته، فبصقت فيه رعيها فهو أصفر أسود. والاعتساف: الاقتحام والسير على غير هدى. والمحلق: العالي المرتفع. وابن الماء: هو طير الغرانيق، يعرف بالكركي، والإوز العراقي، وهو أبيض الصدر، أحمر المنقار، أصفر العين. يقول الأقيشر، يصف مجلس شراب:
وَمَاءٍ قَدِيمِ العَهْدِ بالناسِ جنٍكَأَنَّ الدَّبَى مَاءَ الغَضَا فِيهِ يَبْصُقُ
كَأَنَّهُنَّ وأَيْدِي الشَّرْبِ مُعْمَلَةٌإِذَا تَلأْلأَْنَ فِي أَيْدِي الغَرَانِيقِ
بَنَاتُ ماءِ، تُرى بيضًا جَاجِئُهاحُمْرًا مَنَاقِرُهَا، صُفْرَ الحَمَالِيقِ
والثريا: نجوم كثيرة مجتمعة، سميت بالمفرد. جعلها"على قمة"، وذلك في جوف الليل، ترى بيضاء زاهرة.
وأما قوله:"والسائلين"، فإنه يعني به: المستطعمين الطالبين، كما:-
٢٥٣٧- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن إدريس، عن حصين، عن عكرمة في قوله:"والسائلين" قال، الذي يسألك.
* * *
وأما قوله:"وفي الرقاب"، فإنه يعني بذلك: وفي فك الرقاب من العبودة، وهم المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودة، (١) بأداء كتاباتهم التي فارقوا عليها سادَاتهم.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وأقامَ الصلاة"، أدام العمل بها بحدودها، وبقوله"وآتى الزكاة"، أعطاها على مَا فَرضها الله عليه. (٢)
* * *
(١) العبودة والعبودية واحد، ولا فعل له عند أبي عبيد. وقال اللحياني فعله"عبد" على زنة"كرم".
(٢) انظر معنى"إقامة الصلاة" و"إيتاء الزكاة" فيما سلف ١: ٥٧٢-٥٧٤، ومواضع أخرى، اطلبها في فهرس اللغة.
فإن قال قائل: وهل من حقٍّ يجب في مال إيتاؤه فرضًا غير الزكاة؟
قيل: قد اختلف أهل التأويل في ذلك:
فقال بعضهم: فيه حقوقٌ تجبُ سوى الزكاة = واعتلُّوا لقولهم ذلك بهذه الآية، وقالوا: لما قال الله تبارك وتعالى:"وآتَى المالَ على حُبه ذَوي القربى"، ومن سمى الله معهم، ثم قال بعد:"وأقامَ الصلاةَ وآتى الزكاة"، علمنا أن المالَ - الذي وَصَف المؤمنين به أنهم يُؤتونه ذَوي القربى، ومن سمَّى معهم - غيرُ الزكاة التي ذكر أنهم يؤتونها. لأن ذلك لو كان مالا واحدًا لم يكن لتكريره معنى مفهوم. قالوا: فلما كان غيرَ جائز أن يقول تعالى ذكره قولا لا معنى له، علمنا أنّ حكم المال الأول غيرُ الزكاة، وأن الزكاة التي ذكرها بعد غيره. قالوا: وبعد، فقد أبان تأويل أهل التأويل صحة ما قلنا في ذلك.
وقال آخرون: بل المال الأول هو الزكاة، ولكن الله وصَف إيتاء المؤمنين مَنْ آتوه ذلك، في أول الآية. فعرَّف عباده -بوصفه ما وصف من أمرهم- المواضعَ التي يجب عليهم أن يضَعوا فيها زكواتهم، ثم دلّهم بقوله بعد ذلك:"وآتى الزكاة"، أن المال الذي آتاه القومُ هو الزكاة المفروضةُ =كانت= عليهم، إذ كان أهلُ سُهمانها هم الذين أخبرَ في أول الآية أن القوم آتوهم أموالهم.
* * *
وأما قوله:"والموفون بَعهدهم إذا عاهدوا"، فإن يعني تعالى ذكره: والذين لا ينقضون عَهد الله بعد المعاهدة، ولكن يوفُون به ويتمُّونه على ما عاهدوا عليه من عاهدوه عليه. كما:-
٢٥٣٨- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع بن أنس في قوله:"والموفون بعهدهم إذا عاهدوا" قال، فمن أعطى عهدَ الله ثم نقضه، فالله ينتقم منه. ومن أعطى ذمة النبي صلى الله عليه
وسلم ثم غَدر بها، فالنبي ﷺ خصمه يومَ القيامة.
* * *
وقد بينت"العهد" فيما مضى، بما أغنى عن إعادته هاهنا. (١)
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾


قال أبو جعفر: وقد بينا تأويل"الصبر" فيما مضى قبل. (٢)
فمعنى الكلام: والمانعين أنفسهم -في البأساء والضراء وحين البأس- مما يكرهه الله لَهم، الحابسيها على ما أمرهم به من طاعته. ثم قال أهل التأويل في معنى"البأساء والضراء" بما:-
٢٥٣٩- حدثني به الحسين بن عمرو بن محمد العن قزيّ (٣) قال، حدثني أبي - وحدثني موسى قال، حدثنا عمرو بن حماد - قالا جميعًا، حدثنا أسباط عن السدي، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود أنه قال: أما البأساءُ فالفقر، وأما الضراء فالسقم.
٢٥٤٠- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي - وحدثني المثنى قال، حدثنا الحماني - قالا جميعًا، حدثنا شريك، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله في قوله:"والصابرين في البأساء والضراء" قال، البأساء الجوع، والضراء المرضُ.
٢٥٤١- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا شريك، عن السدي، عن مرة عن عبد الله قال: البأساء الحاجة، والضراءُ المرضُ.
٢٥٤٢- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال حدثنا سعيد، عن قتادة قال:
(١) انظر ما سلف ١: ٤١٠-٤١٥، ٥٥٧ / ثم هذا الجزء ٣: ٢٠.
(٢) انظر ما سلف ٢: ١٠-١١، ١٢٤ / ثم هذا الجزء ٣: ٢١٤.
(٣) في المطبوعة"العبقري"، والصواب ما أثبته، وقد ترجم له فيما سلف رقم: ١٦٢٥.
كنا نُحدِّث أن البأساء البؤس والفقر، وأن الضراء السُّقم. وقد قال النبي أيوب ﷺ (أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) [سورة الأنبياء: ٨٣].
٢٥٤٣- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"والصابرين في البأساء والضراء" قال، البؤس: الفاقة والفقر، والضراء: في النفس، من وَجع أو مرَض يصيبه في جسده.
٢٥٤٤- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"البأساء والضراء" قال، البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد.
٢٥٤٥- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عبيد، عن الضحاك قال:"البأساء والضراء"، المرض. (١)
٢٥٤٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج:"والصابرين في البأساء والضراء" قال، البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم والوجع.
٢٥٤٧- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبيد بن الطفيل قال: سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في هذه الآية:"والصابرين في البأساء والضراء"، أما البأساء: الفقر، والضراء: المرض. (٢)
* * *
قال أبو جعفر: وأما أهل العربية: فإنهم اختلفوا في ذلك. فقال بعضهم:
(١) الأثر: ٢٥٤٥- أخشى أن يكون قد سقط من هذا الأثر شيء. وهو تفسير"البأساء"، وذكر"الضراء" قبل قوله: "المرض"، وسيأتي على الصواب في الأثر الذي يليه.
(٢) الخبر: ٢٥٤٧- عبيد بن الطفيل: كنيته: "أبو سيدان"، بكسر السين المهملة وسكون الياء التحتية ثم دال مهملة، كما سيأتي باسمه وكنيته: ٢٥٥٥. وهو الغطفاني، يروي عنه أيضًا وكيع، وأبو نعيم الفضل بن دكين، قال أبو حاتم: "صالح، لا بأس به". وهو مترجم في التقريب، والخلاصة وابن أبي حاتم ٢/٢/٤٠٩.
"البأساء والضراء"، مصدر جاء على"فعلاء" ليس له"أفعل" لأنه اسم، كما قد جاء"أفعل" في الأسماء ليس له"فعلاء"، نحو"أحمد". وقد قالوا في الصفة"أفعل"، ولم يجيء له"فعلاء"، فقالوا:"أنت من ذلك أوْجل"، ولم يقولوا:"وجلاء".
وقال بعضهم: هو اسم للفعل. فإن"البأساء"، البؤس،"والضراء" الضر. وهو اسم يقع إن شئت لمؤنث، وإن شئت لمذكر، كما قال زهير:
فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ، كُلُّهُمْكَأَحْمَرِ عَادٍ، ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ (١)
يعني فتنتج لكم غلمان شؤم.
وقال بعضهم: لو كان ذلك اسمًا يجوز صرفه إلى مذكر ومؤنث، لجازَ إجراء"أفعل" في النكرة، ولكنه اسم قام مقام المصدر. والدليل على ذلك قوله:"لئن طَلبت نُصرتهم لتجدنَّهم غير أبعدَ"، (٢) بغير إجراء. وقال: إنما كان اسما للمصدر، لأنه إذا ذُكر علم أنه يُراد به المصدر.
وقال غيره: لو كان ذلك مصدرًا فوقع بتأنيث، لم يقع بتذكير، ولو وَقَع
(١) ديوانه: ٢٠، من معلقته الفريدة. وهي من أبياته في صفة الحرب، التي قال في بدئها، قبل هذا البيت:
وَمَا الحَرْبُ إِلاَّ مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمُوَمَا هُوَ عَنْهَا بِالحَدِيث المُرَجَّمِ
مَتَى تَبْعَثُوهَا، تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً،وتَضْرَ، إذا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ
فَتَعْرُكَكُم عَرْكَ الرَّحَا بِثِفَالِهَاوَتلْقَحْ كِشافًا، ثم تُنْتَجْ فَتُتْئِمِ
يقول: إن الحرب تلقح كما تلقح الناقة، فتأتي بتوأمين في بطن. وقوله: "أحمر عاد" يعني أحمر ثمود، فأخطأ ولم يبال أيهما قال. وأحمر ثمود، هو قدار، عاقر ناقة الله فأهلكهم ربهم بما فعلوا. يقول: إن الحرب ترضع مشائيمها وتقوم عليهم حتى تفطمهم بعد أن يبلغوا السعي لأنفسهم في الشر.
(٢) يقال"فلان غير أبعد"، أي لا خير فيه. ويقال: "ما عند فلان أبعد" أي لا طائل عنده. قال رجل لابنه: "إن غدوت على المربد ربحت عنا، أو رجعت بغير أبعد"، أي بغير منفعة.
بتذكير، لم يقع بتأنيث. لأن من سُمي ب"أفعل" لم يصرف إلى"فُعلى"، ومن سُمي ب"فُعلى" لم يصرف إلى"أفعل"، لأن كل اسم يبقى بهيئته لا يصرف إلى غيره، ولكنهما لغتان. فإذا وقع بالتذكير، كان بأمر"أشأم"، وإذا وقع"البأساء والضراء"، (١) وقع: الخلة البأساء، والخلة الضراء. وإن كان لم يُبن على"الضراء"،"الأضر"، ولا على"الأشأم"،"الشأماء". لأنه لم يُردْ من تأنيثه التذكير، ولا من تذكيره التأنيث، كما قالوا:"امرأة حسناء"، ولم يقولوا:"رجل أحسن". وقالوا:"رجل أمرد"، ولم يقولوا:"امرأة مرداء". فإذا قيل:"الخصلة الضراء" و"الأمر الأشأم"، دل على المصدر، ولم يحتج إلى أن يكون اسمًا، وإن كان قد كَفَى من المصدر.
وهذا قول مخالفٌ تأويلَ من ذكرنا تأويله من أهل العلم في تأويل"البأساء والضراء"، وإن كان صحيحًا على مذهب العربية. وذلك أن أهل التأويل تأولوا"البأساء" بمعنى: البؤس،"والضراء" بمعنى: الضر في الجسد. وذلك من تأويلهم مبني على أنهم وجَّهوا"البأساءَ والضراء" إلى أسماء الأفعال، دون صفات الأسماء ونعوتها. فالذي هو أولى ب"البأساء والضراء"، على قول أهل التأويل، أن تكون"البأساء والضراء" أسماء أفعال، فتكون"البأساء" اسمًا"للبؤس"، و"الضراء" اسمًا"للضر".
* * *
وأما"الصابرين" فنصبٌ، وهو من نعت"مَن" على وجه المدح. (٢) لأن من شأن العرب -إذا تطاولت صفةُ الواحد- الاعتراضُ بالمدح والذم بالنصب أحيانًا، وبالرفع أحيانًا، (٣) كما قال الشاعر: (٤)
(١) يعني: إذا وقع بالتأنيث: وقع بمعنى: الخلة البأساء والخلة الضراء.
(٢) يريد"من" في قوله تعالى: "ولكن البر من آمن... "
(٣) انظر ما سلف ١: ٣٢٩.
(٤) لم أعرف قائله.
إلَى المَلِكِ القَرْمِ وَابْنِ الهُمَامِ... وَلَيْثَ الكَتِيبَةِ فِي المُزْدَحَمْ (١) وَذَا الرَّأْيِ حِينَ تُغَمُّ الأمُورُ... بِذَاتِ الصَّلِيلِ وذَاتِ اللُّجُمْ (٢)
فنصب"ليث الكتيبة" وذا"الرأي" على المدح، والاسم قبلهما مخفُوضٌ لأنه من صفة واحد، ومنه قول الآخر: (٣)
فَلَيْتَ الَّتِي فِيهَا النُّجُومُ تَوَاضَعَت... عَلَى كُلِّ غَثٍّ مِنْهُمُ وسَمِينِ (٤) غيُوثَ الوَرَى فِي كُلِّ مَحْلٍ وَأَزْمَةٍ... أُسُودَ الشَّرَى يَحْمِينَ كُلَّ عَرِينِ (٥)
* * *
وقد زعم بعضهم أن قوله: (٦) "والصابرين في البأساء"، نصبٌ عطفًا على"السائلين".
(١) معاني القرآن للفراء ١: ١٠٥، والإنصاف: ١٩٥، وأمالي الشريف ١: ٢٠٥، وخزانة الأدب ١: ٢١٦. والقرم. السيد المعظم المقدم في المعرفة وتجارب الأمور. والمزدحم: حومة القتال حيث يزدحم الكماة. يمدحه بالجرأة في القتال.
(٢) وغم الأمر يغم (بالبناء للمجهول) : استعجم وأظلم، وصار المرء منه في لبس لا يهتدي لصوابه. والصليل: صوت الحديد. يعني بذات الصليل كتيبة من الرجالة يصل حديد بيضها وشكتها وسلاحها. وذات اللجم: كتيبة من الفرسان. يذكر ثباته واجتماع نفسه ورأيه حين تطيش العقول في صليل السيوف وكر الخيول في معركة الموت. فقوله: "بذات الصليل" متعلق بقوله: "تغم الأمور".
(٣) لم أعرف قائلهما.
(٤) معاني القرآن للفراء ١: ١٠٦، وأمالي الشريف ١: ٢٠٦. وقوله: "تواضعت"، هو عندي"تفاعل" من قولهم: وضع الباني الحجر توضيعًا: نضد بعضه على بعض. ومنه التوضع: وهو خياطة الجبة بعد وضع القطن. ومنه أيضًا: وضعت النعامة بيضها: إذا رثدته ووضعت بعضه فوق بعض، وهو بيض موضع: منضود بعضه على بعض. يقول: ليت السماء قد انضمت على جميعهم، فكانوا من نجومها. وقوله: "غث منهم وسمين"، مدح، يعني: ليس فيهم غث، فغثهم حقيق بأن يكون من أهل العلاء.
(٥) المحل: الجدب والقحط. ورواية الفراء والشريف: "ولزبة". والأزمة والأزبة واللزبة، بمعنى واحد: وهي شدة السنة والقحط. وروايتهما أيضًا: "غيوث الحيا". والحيا: الخصب، ويسمى المطر حيا، لأنه سبب الخصب. والثرى: موضع تأوي إليه الأسود.
(٦) هذا القول ذكره الفراء في معاني القرآن ١: ١٠٨، ورده.
كأن معنى الكلام كان عنده: وآتى المال على حبه ذَوي القربَى واليتامَى والمساكين، وابنَ السبيل والسائلينَ والصابرين في البأساء والضراء. وظاهرُ كتاب الله يدلّ على خطأ هذا القول، وذلك أنّ"الصابرين في البأساء والضراء"، هم أهل الزمانة في الأبدان، وأهلُ الإقتار في الأموال. وقد مضى وصف القوم بإيتاء -مَنْ كان ذلك صفته- المالَ في قوله:"والمساكينَ وابنَ السبيل والسائلين"، وأهل الفاقة والفقر، هم أهل"البأساء والضراء"، لأن من لم يكن من أهل الضراء ذا بأساء، لم يكن ممن له قبولُ الصدقة، وإنما له قبولها إذا كان جامعًا إلى ضرائه بأساء، وإذا جمع إليها بأساء، كان من أهل المسكنة الذين قد دخلوا في جملة"المساكين" الذين قد مضى ذكرهم قبل قوله:"والصابرين في البأساء". وإذا كان كذلك، ثم نصب"الصابرين في البأساء" بقوله"وآتى المال على حبه"، كان الكلام تكريرًا بغير فائدة معنى. كأنه قيل: وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامَى والمساكينَ. والله يتعالى عن أن يكون ذلك في خطابه عبادَه. ولكن معنى ذلك: ولكنّ البر مَن آمن بالله واليوم الآخر، والموفون بعهدهم إذا عاهدوا، والصابرين في البأساء والضراء."والموفون" رفعٌ لأنه من صفة"مَنْ"، و"مَنْ" رفعٌ، فهو معرب بإعرابه."والصابرين" نصب -وإن كان من صفته- على وجه المدح الذي وصفنا قبل.
* * *

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"وحين البأس"، والصابرين في وقت البأس، وذلك وَقت شدة القتال في الحرب، كما:-
٢٥٤٨- حدثني الحسين بن عمرو بن محمد العن قزيّ قال، حدثنا أبي قال،
حدثنا أسباط، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله في قول الله:"وحين البأس" قال، حين القتال. (١)
٢٥٤٩- حدثني موسى قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط، عن السدي، عن مرة، عن عبد الله مثله.
٢٥٥٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"وحين البأس" القتال.
٢٥٥١- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد، عن سعيد، عن قتادة قوله:"وحين البأس"، أي عندَ مواطن القتال.
٢٥٥٢- حدثنا الحسن بن يحيى قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة:"وحين البأس"، القتال.
٢٥٥٣- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع،"وحين البأس"، عند لقاء العدو.
٢٥٥٤- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو نعيم قال، حدثنا عبيدة، عن الضحاك:"وحين البأس"، القتال
٢٥٥٥- حدثنا أحمد بن إسحاق قال، حدثنا أبو أحمد قال، حدثنا عبيد بن الطفيل أبو سيدان قال، سمعت الضحاك بن مزاحم يقول في قوله:"وحين البأس" قال، القتال. (٢)
* * *
(١) الأثر: ٢٥٤٨- في المطبوعة: "العبقري"، وقد مضى مرارا خطأ، وصححناه. وانظر ترجمته في رقم: ١٦٢٥.
(٢) الخبران: ٢٥٥٤-٢٥٥٥ أبو نعيم في أولهما؛ هو الفضل بن دكين. وأبو أحمد في ثانيهما: هو الزبيري، محمد بن عبد الله بن الزبير. وباقي الإسناد، مضى في: ٢٥٤٧.

القول في تأويل قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾


قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"أولئك الذين صدقوا"، من آمن بالله واليوم الآخر، ونعتهم النعتَ الذي نعتهم به في هذه الآية. يقول: فمن فعل هذه الأشياء، فهم الذين صدقوا الله في إيمانهم، وحققوا قولهم بأفعالهم - لا مَنْ ولَّى وجهه قبل المشرق والمغرب وهو يخالف الله في أمره، وينقض عهده وميثاقه، ويكتم الناسَ بَيانَ ما أمره الله ببيانه، ويكذِّب رسله.
* * *
وأما قوله:"وأولئك هُم المتقون"، فإنه يعني: وأولئك الذين اتقوا عقابَ الله، فتجنَّبوا عصيانه، وحَذِروا وعده، فلم يتعدَّوا حدوده. وخافوه، فقاموا بأداء فرائضه.
* * *
وبمثل الذي قلنا في قوله:"أولئك الذين صَدقوا"، كان الربيع بن أنس يقول:
٢٥٥٦- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع:"أولئك الذين صدقوا" قال، فتكلموا بكلام الإيمان، فكانت حقيقتُه العمل، صَدقوا الله. قال: وكان الحسن يقول: هذا كلام الإيمان، وحقيقتُه العمل، فإن لم يكن مع القول عملٌ فلا شيء.
* * *

تفسير القرآن العظيم — ابن كثير

عن الكتاب
اشتملت هذه الآية الكريمة، على جمَل عظيمة، وقواعد عميمة، وعقيدة مستقيمة، كما قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا عُبيد (١) بن هشام الحلبي، حدثنا عبيد الله بن عمرو، عن عامر بن شُفَي، عن عبد الكريم، عن مجاهد، عن أبي ذر : أنه سأل رسول الله ﷺ : ما الإيمان ؟ فتلا عليه :﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إلى آخر الآية. قال : ثم سأله أيضًا، فتلاها عليه (٢) ثم سأله. فقال :" إذا عملت حسنة أحبها(٣) قلبك، وإذا عملت سيئة أبغضها(٤) قلبك " (٥).
وهذا منقطع ؛ فإن(٦) مجاهدًا لم يدرك أبا ذر ؛ فإنه مات قديمًا.
وقال المسعودي : حدثنا القاسم بن عبد الرحمن، قال : جاء رجل إلى أبي ذر، فقال : ما الإيمان ؟ فقرأ(٧) عليه هذه الآية :﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ حتى فرغ منها. فقال الرجل : ليس عن البر سألتُكَ. فقال أبو ذر : جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فسأله عما سألتني عنه، فقرأ عليه هذه الآية، فأبى أن يرضى كما أبيت [ أنت ](٨) أن ترضى فقال له رسول الله ﷺ - وأشار بيده - :" المؤمن إذا عمل حسنة سَرته ورجا ثوابها، وإذا عمل سيئة أحزنته وخاف عقابها " (٩).
رواه ابن مَرْدُويه، وهذا أيضًا منقطع، والله أعلم.
وأما الكلام على تفسير هذه الآية، فإن الله تعالى لما أمر المؤمنين أولا بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حوَّلهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة الله عز وجل، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة من المشرق إلى المغرب بر ولا طاعة، إن لم يكن عن أمر الله وشرعه ؛ ولهذا قال :﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الآية، كما قال في الأضاحي والهدايا :﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: ٣٧].
وقال العوفي عن ابن عباس في هذه الآية : ليس البر أن تُصَلُّوا ولا تعملوا. فهذا حين تحول من مكة إلى المدينة ونزلت الفرائض والحدود، فأمر الله بالفرائض والعمل بها.
وروي عن الضحاك ومقاتل نحو ذلك.
وقال أبو العالية : كانت اليهود تُقْبل(١٠) قبل المغرب، وكانت النصارى تُقْبل(١١) قبل المشرق، فقال الله تعالى :﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يقول : هذا كلام الإيمان وحقيقته(١٢) العمل. وروي عن الحسن والربيع بن أنس مثله.
وقال مجاهد : ولكن البر ما ثبت في القلوب من طاعة الله، عز وجل.
وقال الضحاك : ولكن البر والتقوى أن تؤدوا الفرائض على وجوهها.
وقال الثوري :﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية، قال : هذه أنواع البر كلها. وصدق رحمه الله ؛ فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها، وأخذ بمجامع الخير كله، وهو الإيمان بالله، وهو أنه لا إله إلا هو، وصدق بوجود الملائكة الذين هم سفرة بين الله ورسله ﴿وَالْكِتَابِ﴾ وهو اسم جنس يشمل الكتب المنزلة من السماء على الأنبياء، حتى ختمت بأشرفها، وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب، الذي انتهى إليه كل خير، واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ [ الله ](١٣) به كل ما سواه من الكتب قبله، وآمن بأنبياء الله كلهم من أولهم إلى خاتمهم محمد صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.
وقوله :﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أي : أخرجه، وهو مُحب له، راغب فيه. نص على ذلك ابن مسعود وسعيد بن جبير وغيرهما من السلف والخلف، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هُرَيرة مرفوعًا :" أفضل الصدقة أن تَصَدَّقَ وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى، وتخشى الفقر ".
وقد روى الحاكم في مستدركه، من حديث شعبة والثوري، عن منصور، عن زُبَيد، عن مُرَّة، عن ابن مسعود قال : قال رسول الله ﷺ :﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أن(١٤) تعطيه وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى(١٥) وتخشى الفقر ". ثم قال : صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه(١٦).
قلت وقد رواه وَكِيع عن الأعمش، وسفيان عن زبيد، عن مرة، عن ابن مسعود، موقوفًا، وهو أصح، والله أعلم.
وقال تعالى :﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الإنسان: ٨، ٩].
وقال تعالى :﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] وقوله :﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الحشر: ٩] نمَط آخرُ أرفع من هذا [ ومن هذا ](١٧) وهو أنهم آثروا بما هم مضطرون إليه، وهؤلاء أعطوا(١٨) وأطعموا ما هم محبون له.
وقوله :﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ وهم : قرابات الرجل، وهم أولى من أعطى من الصدقة، كما ثبت في الحديث :" الصدقة على المساكين(١٩) صدقة، وعلى ذوي الرحم ثنتان : صدقة وصلة ". فهم أولى الناس بك وببرك وإعطائك. وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير ما موضع من كتابه العزيز.
﴿وَالْيَتَامَى﴾ هم : الذين لا كاسب(٢٠) لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب، وقد قال عبد الرزاق : أنبأنا مَعْمَر، عن جويبر، عن الضحاك، عن النزال بن سبرة، عن علي، عن رسول الله ﷺ قال :" لا يُتْم بعد حُلُم ".
﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ وهم : الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تُسَدُّ به حاجتهم وخلتهم. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :" ليس المسكين بهذا الطوَّاف الذي تَرده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان، ولكن المسكين الذي لا يجد غنى يغنيه، ولا يفطن له (٢١) فَيُتَصَدق عليه(٢٢).
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو : المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته فيعطى ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفرا في طاعة، فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس أنه قال : ابن السبيل هو الضيف الذي ينزل بالمسلمين، وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبو جعفر الباقر، والحسن، وقتادة، والضحاك والزهري، والربيع بن أنس، ومقاتل بن حيان.
﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ وهم : الذين يتعرضون للطلب فيعطون من الزكوات والصدقات، كما قال الإمام أحمد :
حدثنا وَكِيع وعبد الرحمن، قالا حدثنا سفيان، عن مصعب بن محمد، عن يعلى بن أبي يحيى، عن فاطمة بنت الحسين، عن أبيها(٢٣) - قال عبد الرحمن : حسين بن علي - قال : قال رسول الله ﷺ :" للسائل حق وإن جاء على فرس ". رواه أبو داود.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وهم : المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم.
وسيأتي الكلام على كثير من هذه الأصناف(٢٤) في آية الصدقات من براءة، إن شاء الله تعالى. وقد قال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي، حدثنا يحيى بن عبد الحميد، حدثنا شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، حدثتني فاطمة بنت قيس : أنها سألت رسول الله ﷺ : أفي المال حق سوى الزكاة ؟ قالت : فتلا علي ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾(٢٥).
ورواه ابن مَرْدُويه من حديث آدم بن أبي إياس، ويحيى بن عبد الحميد، كلاهما، عن شريك، عن أبي حمزة عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس، قالت : قال رسول الله ﷺ :" في المال حق سوى الزكاة " ثم تلا(٢٦) ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ إلى قوله :﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾
[ وقد أخرجه ابن ماجة والترمذي(٢٧) وضعف أبا حمزة ميمونًا (٢٨) الأعور، قال : وقد رواه بيان(٢٩) وإسماعيل بن سالم عن الشعبي ](٣٠).
وقوله :﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أي : وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها، وسجودها، وطمأنينتها، وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي.
وقوله :﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ يُحْتَمَلُ أن يكون المراد به زكاة النفس، وتخليصها من الأخلاق الدنية(٣١) الرذيلة، كقوله :﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩، ١٠] وقول موسى لفرعون :﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النازعات: ١٨، ١٩] وقوله تعالى :﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فصلت: ٦، ٧].
ويحتمل أن يكون المرادُ زكاة المال(٣٢) كما قاله سعيد بن جبير ومقاتل بن حيان، ويكون المذكور من إعطاء(٣٣) هذه الجهات والأصناف المذكورين إنما هو التطوع والبر والصلة ؛ ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس : أن في المال حقا سوى الزكاة، والله أعلم.
وقوله :﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ كقوله :﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرعد: ٢٠] وعكس هذه الصفة النفاق، كما صح في الحديث :" آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان ". وفي الحديث الآخر :" إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر " (٣٤).
وقوله :﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي : في حال الفقر، وهو البأساء، وفي حال المرض والأسقام، وهو الضراء. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي : في حال القتال والتقاء الأعداء، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وأبو العالية، ومُرّة الهمداني، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان، وأبو مالك، والضحاك، وغيرهم.
وإنما نُصِبَ ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ على المدح والحث على الصبر في هذه الأحوال لشدته وصعوبته، والله أعلم، وهو المستعان وعليه التكلان.
وقوله :﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أي : هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات هم الذين صَدَقوا في إيمانهم ؛ لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات.
١ في جـ: "حدثنا عبيدة".
٢ في جـ: "فتلا عليه"..
٣ في جـ: "فأحبها"..
٤ في جـ: "فأبغضها"..
٥ ورواه محمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" برقم (٤٠٩) من طريق عبد الرزاق، عن معمر، عن عبد الكريم، عن مجاهد به..
٦ في جـ: "لأن"..
٧ في جـ: "فتلا"..
٨ زيادة من أ..
٩ ورواه محمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" برقم (٤٠٨) من طريق عبد الله بن يزيد والملائي، كلاهما عن المسعودي به نحوه، ورواه الحاكم (٢/٢٧٢) من طريق موسى بن أعين، عن عبد الكريم به نحوه، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي: "قلت: وهو منقطع"..
١٠ في جـ: "تتقبل"..
١١ في جـ: "تتقبل"..
١٢ في جـ: "وحقيقة"..
١٣ زيادة من جـ..
١٤ في أ: "أي"..
١٥ في أ: "العيش"..
١٦ المستدرك (٢/٢٧٢)..
١٧ زيادة من جـ..
١٨ في جـ: "وهؤلاء أعطوه"..
١٩ في أ: "على المسلمين"..
٢٠ في أ: "لا مكاسب"..
٢١ في أ: "لا يجد ما يغنيه ولا ينظر له"..
٢٢ صحيح البخاري برقم (١٤٧٩) وصحيح مسلم برقم (١٠٣٩)..
٢٣ في جـ: "فاطمة بنت حسين عن أبيها" وفي أ: "فاطمة بنت حسين بن علي، عن حسين بن علي"..
٢٤ في جـ: "من الأصناف هذه"..
٢٥ هو في صحيح البخاري برقم (٣٣) وصحيح مسلم برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه..
٢٦ في جـ، أ، و: "ثم قرأ"..
٢٧ سنن الترمذي برقم (٦٥٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٧٨٩) وقال الترمذي: "هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة يضعف في الحديث، وقد روى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي قوله، وهو أصح"..
٢٨ في أ: "عونا"..
٢٩ في جـ: "سيار" والصواب ما أثبتناه"..
٣٠ زيادة من جـ، أ..
٣١ في جـ: "الذميمة"..
٣٢ في جـ: "زكاة الملك"..
٣٣ في أ، و: "من أعطى"..
٣٤ رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٨) من حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنه..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾
اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ، عَلَى جمَل عَظِيمَةٍ، وَقَوَاعِدَ عَمِيمَةٍ، وَعَقِيدَةٍ مُسْتَقِيمَةٍ، كَمَا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا عُبيد (١) بْنُ هِشَامٍ الْحَلَبِيُّ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ عَامِرِ بْنِ شُفَي، عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ: أَنَّهُ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا الْإِيمَانُ؟ فَتَلَا عَلَيْهِ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ إِلَى آخِرِ الْآيَةِ. قَالَ: ثُمَّ سَأَلَهُ أَيْضًا، فَتَلَاهَا عَلَيْهِ (٢) ثُمَّ سَأَلَهُ. فَقَالَ: "إِذَا عَمِلْتَ حَسَنَةً أَحَبَّهَا (٣) قَلْبُكَ، وَإِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً أَبْغَضَهَا (٤) قَلْبُكَ" (٥).
وَهَذَا مُنْقَطِعٌ؛ فَإِنَّ (٦) مُجَاهِدًا لَمْ يُدْرِكْ أَبَا ذَرٍّ؛ فَإِنَّهُ مَاتَ قَدِيمًا.
وَقَالَ الْمَسْعُودِيُّ: حَدَّثَنَا الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى أَبِي ذَرٍّ، فَقَالَ: مَا الْإِيمَانُ؟ فَقَرَأَ (٧) عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغَ مِنْهَا. فَقَالَ الرَّجُلُ: لَيْسَ عَنِ الْبَرِّ سألتُكَ. فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ عَمَّا سَأَلْتَنِي عَنْهُ، فَقَرَأَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ، فَأَبَى أن يرضى كما أبيت [أنت] (٨) أن تَرْضَى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -وَأَشَارَ بِيَدِهِ -: "الْمُؤْمِنُ إِذَا عَمِلَ حَسَنَةً سَرته وَرَجَا ثَوَابَهَا، وَإِذَا عَمِلَ سَيِّئَةً أَحْزَنَتْهُ وَخَافَ عِقَابَهَا" (٩).
رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه، وَهَذَا أَيْضًا مُنْقَطِعٌ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَأَمَّا الْكَلَامُ عَلَى تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ أَوَّلًا بِالتَّوَجُّهِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ حوَّلهم إِلَى الْكَعْبَةِ، شَقَّ ذَلِكَ عَلَى نُفُوسِ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَبَعْضِ الْمُسْلِمِينَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى بَيَانَ حِكْمَتِهِ فِي ذَلِكَ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ إِنَّمَا هُوَ طَاعَةُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَامْتِثَالُ أَوَامِرِهِ، وَالتَّوَجُّهُ حَيْثُمَا وَجَّهَ، وَاتِّبَاعُ مَا شَرَعَ، فَهَذَا هُوَ الْبِرُّ وَالتَّقْوَى وَالْإِيمَانُ الْكَامِلُ، وَلَيْسَ فِي لُزُومِ التَّوَجُّهِ إِلَى جِهَةٍ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ بِرٌّ وَلَا طَاعَةٌ، إِنْ لَمْ يَكُنْ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَشَرْعِهِ؛ وَلِهَذَا قَالَ: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ الْآيَةَ، كَمَا قَالَ فِي الْأَضَاحِيِّ وَالْهَدَايَا: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الْحَجِّ: ٣٧].
وَقَالَ الْعَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَيْسَ الْبَرَّ أَنْ تُصَلُّوا وَلَا تَعْمَلُوا. فَهَذَا حِينَ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَّةَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَنَزَلَتِ الْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالْفَرَائِضِ وَالْعَمَلِ بها.
(١) في جـ: "حدثنا عبيدة".
(٢) في جـ: "فتلا عليه".
(٣) في جـ: "فأحبها".
(٤) في جـ: "فأبغضها".
(٥) ورواه محمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" برقم (٤٠٩) مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ، عَنْ مَعْمَرٍ، عَنْ عبد الكريم، عن مجاهد به.
(٦) في جـ: "لأن".
(٧) في جـ: "فتلا".
(٨) زيادة من أ.
(٩) ورواه محمد بن نصر في "تعظيم قدر الصلاة" برقم (٤٠٨) من طريق عبد الله بن يزيد والملائي، كلاهما عن المسعودي به نحوه، ورواه الحاكم (٢/٢٧٢) من طريق موسى بن أعين، عن عبد الكريم به نحوه، وقال: "هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يخرجاه" وتعقبه الذهبي: "قلت: وهو منقطع".
وَرُوِيَ عَنِ الضَّحَّاكِ وَمُقَاتِلٍ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَقَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ: كَانَتِ الْيَهُودُ تُقْبل (١) قِبَلَ الْمَغْرِبِ، وَكَانَتِ النَّصَارَى تُقْبل (٢) قِبَلَ الْمَشْرِقِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ يَقُولُ: هَذَا كَلَامُ الْإِيمَانِ وَحَقِيقَتُهُ (٣) الْعَمَلُ. وَرُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مِثْلُهُ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَا ثَبَتَ فِي الْقُلُوبِ مِنْ طَاعَةِ اللَّهِ، عَزَّ وَجَلَّ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ: وَلَكِنَّ الْبِرَّ وَالتَّقْوَى أَنْ تُؤَدُّوا الْفَرَائِضَ عَلَى وُجُوهِهَا.
وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الْآيَةَ، قَالَ: هَذِهِ أَنْوَاعُ الْبِرِّ كُلُّهَا. وَصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ؛ فَإِنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، فَقَدْ دَخَلَ فِي عُرَى الْإِسْلَامِ كُلِّهَا، وَأَخَذَ بِمَجَامِعِ الْخَيْرِ كُلِّهِ، وَهُوَ الْإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ، وَصَدَّقَ بِوُجُودِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ هُمْ سَفَرَةٌ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ ﴿وَالْكِتَابِ﴾ وَهُوَ اسْمُ جِنْسٍ يَشْمَلُ الْكُتُبَ الْمُنَزَّلَةَ مِنَ السَّمَاءِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، حَتَّى خُتِمَتْ بِأَشْرَفِهَا، وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمُهَيْمِنُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنَ الْكُتُبِ، الذِي انْتَهَى إِلَيْهِ كُلُّ خَيْرٍ، وَاشْتَمَلَ عَلَى كُلِّ سَعَادَةٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَنَسَخَ [اللَّهُ] (٤) بِهِ كُلَّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْكُتُبِ قَبْلَهُ، وَآمَنَ بِأَنْبِيَاءِ اللَّهِ كُلِّهِمْ مِنْ أَوَّلِهِمْ إِلَى خَاتَمِهِمْ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أَيْ: أَخْرَجَهُ، وَهُوَ مُحب لَهُ، رَاغِبٌ فِيهِ. نَصَّ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيرة مَرْفُوعًا: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى، وَتَخْشَى الْفَقْرَ".
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ، مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ وَالثَّوْرِيِّ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ زُبَيد، عَنْ مُرَّة، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ أَنْ (٥) تُعْطِيَهُ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ، تَأْمُلُ الْغِنَى (٦) وَتَخْشَى الْفَقْرَ". ثُمَّ قَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ (٧).
قُلْتُ وَقَدْ رَوَاهُ وَكِيع عَنِ الْأَعْمَشِ، وَسُفْيَانَ عَنْ زُبَيْدٍ، عَنْ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، مَوْقُوفًا، وَهُوَ أَصَحُّ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا * إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا﴾ [الْإِنْسَانِ: ٨، ٩].
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: ٩٢] وَقَوْلُهُ: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾ [الْحَشْرِ: ٩] نمَط آخرُ أَرْفَعُ مِنْ هَذَا [وَمِنْ هَذَا] (٨) وَهُوَ أَنَّهُمْ آثَرُوا بِمَا هُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَيْهِ، وَهَؤُلَاءِ أَعْطَوْا (٩) وَأَطْعَمُوا مَا هُمْ مُحِبُّونَ لَهُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ وَهُمْ: قَرَابَاتُ الرَّجُلِ، وَهُمْ أَوْلَى مَنْ أَعْطَى مِنَ الصَّدَقَةِ، كَمَا ثبت في
(١) في جـ: "تتقبل".
(٢) في جـ: "تتقبل".
(٣) في جـ: "وحقيقة".
(٤) زيادة من جـ.
(٥) في أ: "أي".
(٦) في أ: "العيش".
(٧) المستدرك (٢/٢٧٢).
(٨) زيادة من جـ.
(٩) في جـ: "وهؤلاء أعطوه".
الْحَدِيثِ: "الصَّدَقَةُ عَلَى الْمَسَاكِينِ (١) صَدَقَةٌ، وَعَلَى ذَوِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ وَصِلَةٌ". فَهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِكَ وَبِبِرِّكَ وَإِعْطَائِكَ. وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ فِي غَيْرِ مَا مَوْضِعٍ مِنْ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ.
﴿وَالْيَتَامَى﴾ هُمُ: الَّذِينَ لَا كَاسِبَ (٢) لَهُمْ، وَقَدْ مَاتَ آبَاؤُهُمْ وَهُمْ ضُعَفَاءُ صِغَارٌ دُونَ الْبُلُوغِ وَالْقُدْرَةِ عَلَى التَّكَسُّبِ، وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: أَنْبَأَنَا مَعْمَر، عَنْ جُوَيْبِرٍ، عَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ النَّزَّالِ بْنِ سَبْرَةَ، عَنْ عَلِيٍّ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا يُتْم بَعْدَ حُلُم".
﴿وَالْمَسَاكِينَ﴾ وَهُمُ: الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يَكْفِيهِمْ فِي قُوتِهِمْ وَكِسْوَتِهِمْ وَسُكْنَاهُمْ، فَيُعْطُونَ مَا تُسَدُّ بِهِ حَاجَتُهُمْ وَخَلَّتُهُمْ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَيْسَ الْمِسْكِينُ بهذا الطوَّاف الذي تَرده التمرة وَالتَّمْرَتَانِ وَاللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ، وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ، وَلَا يُفْطَنُ لَهُ (٣) فَيُتَصَدق عَلَيْهِ (٤).
﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وَهُوَ: الْمُسَافِرُ الْمُجْتَازُ الذِي قَدْ فَرَغَتْ نَفَقَتُهُ فَيُعْطَى مَا يُوصِلُهُ إِلَى بَلَدِهِ، وَكَذَا الذِي يُرِيدُ سَفَرًا فِي طَاعَةٍ، فَيُعْطَى مَا يَكْفِيهِ فِي ذَهَابِهِ وَإِيَابِهِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ الضَّيْفُ، كَمَا قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ابْنُ السَّبِيلِ هُوَ الضَّيْفُ الذِي يَنْزِلُ بِالْمُسْلِمِينَ، وَكَذَا قَالَ مُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَأَبُو جَعْفَرٍ الْبَاقِرُ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالضَّحَّاكُ وَالزُّهْرِيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ.
﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ وَهُمُ: الَّذِينَ يَتَعَرَّضُونَ لِلطَّلَبِ فَيُعْطَوْنَ مِنَ الزِّكْوَاتِ وَالصَّدَقَاتِ، كَمَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ:
حَدَّثَنَا وَكِيع وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ، قَالَا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ يَعْلَى بْنِ أَبِي يَحْيَى، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْحُسَيْنِ، عَنْ أَبِيهَا (٥) -قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: حُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ -قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لِلسَّائِلِ حَقٌّ وَإِنْ جَاءَ عَلَى فَرَسٍ". رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ وَهُمُ: الْمُكَاتَبُونَ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُؤَدُّونَهُ فِي كِتَابَتِهِمْ.
وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ (٦) فِي آيَةِ الصَّدَقَاتِ مِنْ بَرَاءَةٍ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَقَدْ قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ، حَدَّثَنَا شَرِيكٌ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ، حَدَّثَتْنِي فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ: أَنَّهَا سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ؟ قَالَتْ: فَتَلَا عَلِيَّ ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ (٧).
وَرَوَاهُ ابْنُ مَرْدُويه مِنْ حَدِيثِ آدَمَ بْنِ أَبِي إِيَاسٍ، وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ، كِلَاهُمَا، عن شريك،
(١) في أ: "على المسلمين".
(٢) في أ: "لا مكاسب".
(٣) في أ: "لا يجد ما يغنيه ولا ينظر له".
(٤) صحيح البخاري برقم (١٤٧٩) وصحيح مسلم برقم (١٠٣٩).
(٥) في جـ: "فاطمة بنت حسين عن أبيها" وفي أ: "فاطمة بنت حسين بن علي، عن حسين بن علي".
(٦) في جـ: "من الأصناف هذه".
(٧) هو في صحيح البخاري برقم (٣٣) وصحيح مسلم برقم (٥٩) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ" ثُمَّ تَلَا (١) ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾
[وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ (٢) وَضَعَّفَ أَبَا حَمْزَةَ مَيْمُونًا (٣) الْأَعْوَرَ، قَالَ: وَقَدْ رَوَاهُ بَيَانٌ (٤) وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ سَالِمٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ] (٥).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أَيْ: وَأَتَمَّ أَفْعَالَ الصَّلَاةِ فِي أَوْقَاتِهَا بِرُكُوعِهَا، وَسُجُودِهَا، وَطُمَأْنِينَتِهَا، وَخُشُوعِهَا عَلَى الْوَجْهِ الشَّرْعِيِّ الْمَرْضِيِّ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ زَكَاةَ النَّفْسِ، وَتَخْلِيصَهَا مِنَ الْأَخْلَاقِ الدَّنِيَّةِ (٦) الرَّذِيلَةِ، كَقَوْلِهِ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشَّمْسِ: ٩، ١٠] وَقَوْلُ مُوسَى لِفِرْعَوْنَ: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى * وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى﴾ [النَّازِعَاتِ: ١٨، ١٩] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ * الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ [فُصِّلَتْ: ٦، ٧].
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ المرادُ زَكَاةَ الْمَالِ (٧) كَمَا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَيَكُونُ الْمَذْكُورُ مِنْ إِعْطَاءِ (٨) هَذِهِ الْجِهَاتِ وَالْأَصْنَافِ الْمَذْكُورِينَ إِنَّمَا هُوَ التَّطَوُّعُ وَالْبِرُّ وَالصِّلَةُ؛ وَلِهَذَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ: أَنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ كَقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ [الرَّعْدِ: ٢٠] وَعَكْسُ هَذِهِ الصِّفَةِ النِّفَاقُ، كَمَا صَحَّ فِي الْحَدِيثِ: "آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ". وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ:"إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ، وَإِذَا خَاصَمَ فَجَرَ" (٩).
وَقَوْلُهُ: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أَيْ: فِي حَالِ الْفَقْرِ، وَهُوَ الْبَأْسَاءُ، وَفِي حَالِ الْمَرَضِ وَالْأَسْقَامِ، وَهُوَ الضَّرَّاءُ. ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أَيْ: فِي حَالِ الْقِتَالِ وَالْتِقَاءِ الْأَعْدَاءِ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَابْنُ عَبَّاسٍ، وَأَبُو الْعَالِيَةِ، ومُرّة الْهَمْدَانِيُّ، وَمُجَاهِدٌ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَالْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ، وَأَبُو مَالِكٍ، وَالضَّحَّاكُ، وَغَيْرُهُمْ.
وَإِنَّمَا نُصِبَ ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ عَلَى الْمَدْحِ وَالْحَثِّ عَلَى الصَّبْرِ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لِشِدَّتِهِ وَصُعُوبَتِهِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التُّكْلَانَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ أَيْ: هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّصَفُوا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ هُمُ الَّذِينَ صَدَقوا فِي إِيمَانِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ حَقَّقُوا الْإِيمَانَ الْقَلْبِيَّ بِالْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ، فَهَؤُلَاءِ هُمُ الَّذِينَ صَدَقُوا ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
(١) في جـ، أ، و: "ثم قرأ".
(٢) سنن الترمذي برقم (٦٥٩) وسنن ابن ماجة برقم (١٧٨٩) وقال الترمذي: "هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة يضعف في الحديث، وقد روى بيان وإسماعيل بن سالم عن الشعبي قوله، وهو أصح".
(٣) في أ: "عونا".
(٤) في جـ: "سيار" والصواب ما أثبتناه".
(٥) زيادة من جـ، أ.
(٦) في جـ: "الذميمة".
(٧) في جـ: "زكاة الملك".
(٨) في أ، و: "من أعطى".
(٩) رواه مسلم في صحيحه برقم (٥٨) من حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

تيسير الكريم الرحمن — السعدي

عن الكتاب
﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾
يقول تعالى :﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ أي : ليس هذا هو البر المقصود من العباد، فيكون كثرة البحث فيه والجدال من العناء الذي ليس تحته إلا الشقاق والخلاف، وهذا نظير قوله ﷺ : " ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب " ونحو ذلك.
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أي : بأنه إله واحد، موصوف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص.
﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهو كل ما أخبر الله به في كتابه، أو أخبر به الرسول، مما يكون بعد الموت.
﴿وَالْمَلَائِكَةِ﴾ الذين وصفهم الله لنا في كتابه، ووصفهم رسوله ﷺ ﴿وَالْكِتَابِ﴾ أي : جنس الكتب التي أنزلها الله على رسوله، وأعظمها القرآن، فيؤمن بما تضمنه من الأخبار والأحكام، ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ عموما، خصوصا خاتمهم وأفضلهم محمد ﷺ.
﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ وهو كل ما يتموله الإنسان من مال، قليلا كان أو كثيرا، أي : أعطى المال ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ أي : حب المال، بيَّن به أن المال محبوب للنفوس، فلا يكاد يخرجه العبد.
فمن أخرجه مع حبه له تقربا إلى الله تعالى، كان هذا برهانا لإيمانه، ومن إيتاء المال على حبه، أن يتصدق وهو صحيح شحيح، يأمل الغنى، ويخشى الفقر، وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة، كانت أفضل، لأنه في هذه الحال، يحب إمساكه، لما يتوهمه من العدم والفقر.
وكذلك إخراج النفيس من المال، وما يحبه من ماله كما قال تعالى :﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه.
ثم ذكر المنفق عليهم، وهم أولى الناس ببرك وإحسانك. من الأقارب الذين تتوجع لمصابهم، وتفرح بسرورهم، الذين يتناصرون ويتعاقلون، فمن أحسن البر وأوفقه، تعاهد الأقارب بالإحسان المالي والقولي، على حسب قربهم وحاجتهم.
ومن اليتامى الذين لا كاسب لهم، وليس لهم قوة يستغنون بها، وهذا من رحمته [ تعالى ] بالعباد، الدالة على أنه تعالى أرحم بهم من الوالد بولده، فالله قد أوصى العباد، وفرض عليهم في أموالهم، الإحسان إلى من فقد آباؤهم ليصيروا كمن لم يفقد والديه، ولأن الجزاء من جنس العمل فمن رحم يتيم غيره، رُحِمَ يتيمه.
﴿وَالْمَسَاكِين﴾ وهم الذين أسكنتهم الحاجة، وأذلهم الفقر فلهم حق على الأغنياء، بما يدفع مسكنتهم أو يخففها، بما يقدرون عليه، وبما يتيسر، ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فحث الله عباده على إعطائه من المال، ما يعينه على سفره، لكونه مظنة الحاجة، وكثرة المصارف، فعلى من أنعم الله عليه بوطنه وراحته، وخوله من نعمته، أن يرحم أخاه الغريب، الذي بهذه الصفة، على حسب استطاعته، ولو بتزويده أو إعطائه آلة لسفره، أو دفع ما ينوبه من المظالم وغيرها.
﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ أي : الذين تعرض لهم حاجة من الحوائج، توجب السؤال، كمن ابتلي بأرش جناية، أو ضريبة عليه من ولاة الأمور، أو يسأل الناس لتعمير المصالح العامة، كالمساجد، والمدارس، والقناطر، ونحو ذلك، فهذا له حق وإن كان غنيا ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فيدخل فيه العتق والإعانة عليه، وبذل مال للمكاتب ليوفي سيده، وفداء الأسرى عند الكفار أو عند الظلمة.
﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ قد تقدم مرارا، أن الله تعالى يقرن بين الصلاة والزكاة، لكونهما أفضل العبادات، وأكمل القربات، عبادات قلبية، وبدنية، ومالية، وبهما يوزن الإيمان، ويعرف ما مع صاحبه من الإيقان.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ والعهد : هو الالتزام بإلزام الله أو إلزام العبد لنفسه. فدخل في ذلك حقوق الله كلها، لكون الله ألزم بها عباده والتزموها، ودخلوا تحت عهدتها، ووجب عليهم أداؤها، وحقوق العباد، التي أوجبها الله عليهم، والحقوق التي التزمها العبد كالأيمان والنذور، ونحو ذلك.
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ أي : الفقر، لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة، لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة ما لا يحصل لغيره.
فإن تنعم الأغنياء بما لا يقدر عليه تألم، وإن جاع أو جاعت عياله تألم، وإن أكل طعاما غير موافق لهواه تألم، وإن عرى أو كاد تألم، وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم، وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه تألم.
فكل هذه ونحوها، مصائب، يؤمر بالصبر عليها، والاحتساب، ورجاء الثواب من الله عليها.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ أي : المرض على اختلاف أنواعه، من حمى، وقروح، ورياح، ووجع عضو، حتى الضرس والإصبع ونحو ذلك، فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك، لأن النفس تضعف، والبدن يألم، وذلك في غاية المشقة على النفوس، خصوصا مع تطاول ذلك، فإنه يؤمر بالصبر، احتسابا لثواب الله [ تعالى ].
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي : وقت القتال للأعداء المأمور بقتالهم، لأن الجلاد يشق غاية المشقة على النفس، ويجزع الإنسان من القتل، أو الجراح أو الأسر، فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتسابا، ورجاء لثواب الله [ تعالى ] الذي منه النصر والمعونة، التي وعدها الصابرين.
﴿أُولَئِكَ﴾ أي : المتصفون بما ذكر من العقائد الحسنة، والأعمال التي هي آثار الإيمان، وبرهانه ونوره، والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية، فأولئك هم ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في إيمانهم، لأن أعمالهم صدقت إيمانهم، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ لأنهم تركوا المحظور، وفعلوا المأمور، لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير، تضمنا ولزوما، لأن الوفاء بالعهد، يدخل فيه الدين كله، ولأن العبادات المنصوص عليها في هذه الآية أكبر العبادات، ومن قام بها، كان بما سواها أقوم، فهؤلاء هم الأبرار الصادقون المتقون.
وقد علم ما رتب الله على هذه الأمور الثلاثة، من الثواب الدنيوي والأخروي، مما لا يمكن تفصيله في [ مثل ] هذا الموضع.
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
{١٧٧} ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾.
يقول تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ أي: ليس هذا هو البر المقصود من العباد، فيكون كثرة البحث فيه والجدال من العناء الذي ليس تحته إلا الشقاق والخلاف، وهذا نظير قوله صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب "ونحو ذلك.
﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أي: بأنه إله واحد، موصوف بكل صفة كمال، منزه عن كل نقص.
﴿وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ وهو كل ما أخبر الله به في كتابه، أو أخبر به الرسول، مما يكون بعد الموت.
﴿وَالْمَلائِكَةِ﴾ الذين وصفهم الله لنا في كتابه، ووصفهم رسوله ﷺ ﴿وَالْكِتَابِ﴾ أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على رسوله، وأعظمها القرآن، فيؤمن بما تضمنه من الأخبار والأحكام، ﴿وَالنَّبِيِّينَ﴾ عموما، خصوصا خاتمهم وأفضلهم محمد صلى الله عليه وسلم.
﴿وَآتَى الْمَالَ﴾ وهو كل ما يتموله الإنسان من مال، قليلا كان أو كثيرا، أي: أعطى المال ﴿عَلَى حُبِّهِ﴾ أي: حب المال، بيَّن به أن المال محبوب للنفوس، فلا يكاد يخرجه العبد.
فمن أخرجه مع حبه له تقربا إلى الله تعالى، كان هذا برهانا لإيمانه، ومن إيتاء المال على حبه، أن يتصدق وهو صحيح شحيح، يأمل الغنى، ويخشى الفقر، وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة، كانت أفضل، لأنه في هذه الحال، يحب إمساكه، لما يتوهمه من العدم والفقر.
وكذلك إخراج النفيس من المال، وما يحبه من ماله كما قال تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه.
ثم ذكر المنفق عليهم، وهم أولى الناس ببرك وإحسانك. من الأقارب الذين تتوجع لمصابهم، وتفرح بسرورهم، الذين يتناصرون ويتعاقلون، فمن أحسن البر وأوفقه، تعاهد الأقارب بالإحسان المالي والقولي، على حسب قربهم وحاجتهم.
ومن اليتامى الذين لا كاسب لهم، وليس لهم قوة يستغنون بها، وهذا من رحمته [تعالى] بالعباد، الدالة على أنه تعالى أرحم بهم من الوالد بولده، فالله قد أوصى العباد، وفرض عليهم في أموالهم، الإحسان إلى من فقد آباؤهم ليصيروا كمن لم يفقد والديه، ولأن الجزاء من جنس العمل فمن رحم يتيم غيره، رُحِمَ يتيمه.
﴿وَالْمَسَاكِين﴾ وهم الذين أسكنتهم الحاجة، وأذلهم الفقر فلهم حق على الأغنياء، بما يدفع مسكنتهم أو يخففها، بما يقدرون عليه، وبما يتيسر، ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ وهو الغريب المنقطع به في غير بلده، فحث الله عباده على إعطائه من المال، ما يعينه على سفره، لكونه مظنة الحاجة، وكثرة المصارف، فعلى من أنعم الله عليه بوطنه وراحته، وخوله من نعمته، أن يرحم أخاه الغريب، الذي بهذه الصفة، على حسب استطاعته، ولو بتزويده أو إعطائه آلة لسفره، أو دفع ما ينوبه من المظالم وغيرها.
﴿وَالسَّائِلِينَ﴾ أي: الذين تعرض لهم حاجة من الحوائج، توجب السؤال، كمن ابتلي بأرش جناية، أو ضريبة عليه من ولاة الأمور، أو يسأل الناس لتعمير المصالح العامة، كالمساجد، والمدارس، والقناطر، ونحو ذلك، فهذا له حق وإن كان غنيا ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾ فيدخل فيه العتق والإعانة عليه، وبذل مال للمكاتب ليوفي سيده، وفداء الأسرى عند الكفار أو عند الظلمة.
﴿وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ قد تقدم مرارا، أن الله تعالى يقرن بين الصلاة والزكاة، لكونهما أفضل العبادات، وأكمل القربات، عبادات قلبية، وبدنية، ومالية، وبهما يوزن الإيمان، ويعرف ما مع صاحبه من الإيقان.
﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ والعهد: هو الالتزام بإلزام الله أو إلزام العبد لنفسه. فدخل في ذلك حقوق الله كلها، لكون الله ألزم بها عباده والتزموها، ودخلوا تحت عهدتها، ووجب عليهم أداؤها، وحقوق العباد، التي أوجبها الله عليهم، والحقوق التي التزمها العبد كالأيمان والنذور، ونحو ذلك.
﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ أي: الفقر، لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة، لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة ما لا يحصل لغيره.
فإن تنعم الأغنياء بما لا يقدر عليه تألم، وإن جاع أو جاعت عياله تألم، وإن أكل طعاما غير موافق لهواه تألم، وإن عرى أو كاد تألم، وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم، وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه تألم.
فكل هذه ونحوها، مصائب، يؤمر بالصبر عليها، والاحتساب، ورجاء الثواب من الله عليها.
﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ أي: المرض على اختلاف أنواعه، من حمى، وقروح، ورياح، ووجع عضو، حتى الضرس والإصبع ونحو ذلك، فإنه يحتاج إلى الصبر على ذلك؛ لأن النفس تضعف، والبدن يألم، وذلك في غاية المشقة على النفوس، خصوصا مع تطاول ذلك، فإنه يؤمر بالصبر، احتسابا لثواب الله [تعالى].
-[٨٤]-
﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ أي: وقت القتال للأعداء المأمور بقتالهم، لأن الجلاد، يشق غاية المشقة على النفس، ويجزع الإنسان من القتل، أو الجراح أو الأسر، فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتسابا، ورجاء لثواب الله [تعالى] الذي منه النصر والمعونة، التي وعدها الصابرين.
﴿أُولَئِكَ﴾ أي: المتصفون بما ذكر من العقائد الحسنة، والأعمال التي هي آثار الإيمان، وبرهانه ونوره، والأخلاق التي هي جمال الإنسان وحقيقة الإنسانية، فأولئك هم ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ في إيمانهم، لأن أعمالهم صدقت إيمانهم، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ لأنهم تركوا المحظور، وفعلوا المأمور؛ لأن هذه الأمور مشتملة على كل خصال الخير، تضمنا ولزوما، لأن الوفاء بالعهد، يدخل فيه الدين كله، ولأن العبادات المنصوص عليها في هذه الآية أكبر العبادات، ومن قام بها، كان بما سواها أقوم، فهؤلاء هم الأبرار الصادقون المتقون.
وقد علم ما رتب الله على هذه الأمور الثلاثة، من الثواب الدنيوي والأخروي، مما لا يمكن تفصيله في [مثل] هذا الموضع.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٣٠ كتابًا)
جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تفسير القرآن العظيم — ابن كثير تيسير الكريم الرحمن — السعدي أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن — الشنقيطي - أضواء البيان تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير — محمد نسيب الرفاعي أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير — أبو بكر الجزائري التفسير الميسر — مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — حكمت بشير ياسين المختصر في تفسير القرآن الكريم — مركز تفسير للدراسات القرآنية غريب القرآن — زيد بن علي تفسير مقاتل بن سليمان — مقاتل بن سليمان تفسير الإمام مالك — مالك بن أنس تفسير الشافعي — الشافعي معاني القرآن — الفراء معاني القرآن للفراء — الفراء مجاز القرآن — أبو عبيدة معمر بن المثنى مجاز القرآن — أبو عبيدة تفسير القرآن — الصنعاني معاني القرآن — الأخفش غريب القرآن — ابن قتيبة الدِّينَوري تفسير التستري — سهل التستري تفسير النسائي — النسائي معاني القرآن وإعرابه للزجاج — الزجاج تفسير ابن أبي حاتم — ابن أبي حاتم الرازي تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي أحكام القرآن — الجصاص بحر العلوم — أبو الليث السمرقندي التقييد الكبير للبسيلي — البسيلي تفسير القرآن العزيز — ابن أبي زَمَنِين الكشف والبيان عن تفسير القرآن — الثعلبي الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب النكت والعيون — الماوردي النكت والعيون — الماوردي جهود ابن عبد البر في التفسير — ابن عبد البر تفسير القشيري — القشيري لطائف الإشارات — القشيري التفسير البسيط — الواحدي الوجيز في تفسير الكتاب العزيز — الواحدي تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني تفسير الراغب الأصفهاني — الراغب الأصفهاني جهود الإمام الغزالي في التفسير — أبو حامد الغزالي معالم التنزيل — البغوي معالم التنزيل — البغوي الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز — ابن عطية أحكام القرآن — ابن العربي إيجاز البيان عن معاني القرآن — بيان الحق النيسابوري تذكرة الاريب في تفسير الغريب — ابن الجوزي زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي تفسير العز بن عبد السلام — عز الدين بن عبد السلام جهود القرافي في التفسير — القرافي أنوار التنزيل وأسرار التأويل — البيضاوي مدارك التنزيل وحقائق التأويل — أبو البركات النسفي التسهيل لعلوم التنزيل — ابن جُزَيِّ لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي النهر الماد من البحر المحيط — أبو حيان الأندلسي الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحداد اليمني تفسير ابن عرفة — ابن عرفة تفسير ابن عرفة — ابن عرفة التبيان في تفسير غريب القرآن — ابن الهائم تنوير المقباس من تفسير ابن عباس — الفيروزآبادي غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري تفسير الجلالين — المَحَلِّي الجواهر الحسان في تفسير القرآن — الثعالبي نظم الدرر في تناسب الآيات والسور — برهان الدين البقاعي جامع البيان في تفسير القرآن — الإيجي محيي الدين الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم — الكَازَرُوني فتح الرحمن في تفسير القرآن — مجير الدين العُلَيْمي السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير — الشربيني إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم — أبو السعود روح البيان — إسماعيل حقي التفسير المظهري — المظهري البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة البحر المديد في تفسير القرآن المجيد — ابن عجيبة حاشية الصاوي على تفسير الجلالين — الصاوي فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير — الشوكاني فتح البيان في مقاصد القرآن — صديق حسن خان محاسن التأويل — جمال الدين القاسمي روح المعاني — الألوسي تفسير المنار — محمد رشيد رضا تفسير المنار — رشيد رضا تفسير المراغي — أحمد بن مصطفى المراغي تفسير المراغي — المراغي المصحف المفسّر — فريد وجدي التفسير القرآني للقرآن — عبد الكريم يونس الخطيب تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد — ابن عاشور زهرة التفاسير — محمد أبو زهرة زهرة التفاسير — أبو زهرة بيان المعاني — ملا حويش أوضح التفاسير — محمد عبد اللطيف الخطيب إعراب القرآن وبيانه — محيي الدين الدرويش التفسير الحديث — محمد عزة دروزة التفسير الحديث — دروزة تيسير التفسير — إبراهيم القطان تيسير التفسير — إبراهيم القطان صفوة البيان لمعاني القرآن — حسنين مخلوف الموسوعة القرآنية — إبراهيم الإبياري التيسير في أحاديث التفسير — المكي الناصري تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير الشعراوي — الشعراوي تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين تفسير القرآن الكريم — عبد الله محمود شحاتة التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي التفسير المنير — وهبة الزحيلي التفسير الوسيط — وهبة الزحيلي حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن — محمد الأمين الهرري فتح الرحمن في تفسير القرآن — تعيلب التفسير الشامل — أمير عبد العزيز الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور — بشير ياسين التفسير الميسر — التفسير الميسر المنتخب في تفسير القرآن الكريم — المنتخب أيسر التفاسير — أسعد حومد التفسير الميسر — مجموعة من المؤلفين التفسير الواضح — محمد محمود حجازي المختصر في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين المنتخب في تفسير القرآن الكريم — مجموعة من المؤلفين تفسير سفيان الثوري — عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي تفسير غريب القرآن - الكواري — كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي صفوة التفاسير — محمد علي الصابوني كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل — أبو بكر الحدادي اليمني مختصر تفسير ابن كثير — محمد علي الصابوني معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن — محمد الخضيري

غريب الكلمات ومعانيها

معاني الكلمات الغريبة في الآية

السراج في بيان غريب القرآن
الْبِرَّ
التَّوَسُّعَ فِي فِعْلِ الخَيْرِ وَالطَّاعَةِ.
وَابْنَ السَّبِيلِ
المُسَافِرَ المُحْتَاجَ المُنْقَطِعَ عَنْ أَهْلِهِ.
وَفِي الرِّقَابِ
فِي تَحْرِيرِ الرِّقَابِ مِنَ الرِّقِّ وَالأَسْرِ.
الْبَاسَاءِ
الفَقْرِ.
والضَّرَّاءِ
المَرَضِ.
وَحِينَ الْبَاسِ
حِينَ شِدَّةِ القِتَالِ.

إعراب الآية ١٧٧ من سورة البقرة

من كتاب: إعراب القرآن

[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٠]

وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا ما أَنْزَلَ اللَّهُ قالُوا بَلْ نَتَّبِعُ ما أَلْفَيْنا عَلَيْهِ آباءَنا أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠)
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا فتحت الواو لأنها واو عطف.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٧١]

وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِما لا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعاءً وَنِداءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ (١٧١)
وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا مبتدأ، وخبره كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ قال أبو جعفر: وقد تقصينا معناه. بِما لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعاءً نصب بيسمع. وَنِداءً عطف عليه. صُمٌّ أي هم صمّ.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٣]

إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)
إِنَّما حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ نصب بحرّم، و «ما» كافة، ويجوز أن تجعلها بمعنى الذي وترفع الميتة والدم ولحم الخنزير. فَمَنِ اضْطُرَّ ضمّت النون لالتقاء الساكنين وأتبعت الضمة الضمة، ويجوز الكسر على أصل التقاء الساكنين، وقرأ أبو جعفر فَمَنِ اضْطُرَّ «١» بكسر الطاء لأنّ الأصل اضطرر فلمّا أدغم ألقى حركة الراء على الطاء ويجوز (فمن اضّرّ) لمّا لم يجز أن يدغم الضاد في الطاء أدغم الطاء في الضاد، ويجوز أن تقلب الضاد طاء من غير إدغام ثم تدغم الطاء في الطاء فتقول: فمن اطّر وهذا في غير القرآن، غَيْرَ باغٍ «غير» نصب على الحال، والأصل باغي استثقلت الحركة في الياء فسكنت والتنوين ساكن فحذفت الياء لسكونها وسكون التنوين وكانت أولى بالحذف لأن التنوين علامة وقبل الياء ما يدلّ عليها وكذا ولا عاد.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٤]

إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)
الَّذِينَ اسم «إنّ»، والخبر أُولئِكَ ما يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ.

[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٧]

لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقابِ وَأَقامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)
لَيْسَ الْبِرَّ اسم ليس، والخبر أَنْ تُوَلُّوا وقرأ الكوفيون لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا «٢»
(١) انظر مختصر ابن خالويه ١١.
(٢) انظر معاني الفراء ١/ ١٠٣، والبحر المحيط ٢/ ٣.
جعلوا «أن» في موضع رفع والأول بغير تقديم ولا تأخير، وفي قراءة أبيّ وابن مسعود ليس البرّ بأن تولّوا فلا يجوز في البرّ هاهنا إلّا الرفع. وَلكِنَّ الْبِرَّ وقرأ الكوفيون ولكن البرّ رفع بالابتداء. مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ الخبر، وفيه ثلاثة أقوال: يكون التقدير ولكن البرّ برّ من آمن بالله ثم حذف كما قالت الخنساء: [البسيط] ٣٢-
فإنما هي إقبال وإدبار «١»
أي ذات إقبال، ويجوز أن يكون التقدير ولكن ذو البرّ من آمن بالله ويجوز أن يكون البرّ بمعنى البار والبرّ كما يقال: رجل عدل، وفي الآية إشكال من جهة الإعراب لأن بعد هذا وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذا عاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فيه خمسة أقوال: يكون و «الموفون» رفعا عطفا على «من»، و «الصابرين» على المدح أي وأعني الصابرين، ويكون و «الموفون» رفعا بمعنى، وهم الموفون مدحا للمضمرين و «الصابرين» عطفا على ذوي القربى، ويكون و «الموفون» رفعا على وهم الموفون و «الصابرين» بمعنى وأعني الصابرين فهذه ثلاثة أجوبة لا مطعن فيها من جهة الإعراب موجودة في كلام العرب وأنشد سيبويه «٢» :[الكامل] ٣٣-
لا يبعدن قومي الّذين همسمّ العداة وآفة الجزر
النّازلين بكلّ معتركوالطّيّبون معاقد الأزر
وإن شئت قلت: النازلون والطيبين، وإن شئت رفعتهما جميعا، ويجوز نصبهما.
قال الكسائي: يجوز أن يكون و «الموفون» نسقا «٣» على «من» و «الصابرين» نسقا على «ذوي القربى». قال أبو جعفر: وهذا القول خطأ وغلط بيّن لأنك إذا نصبت والصابرين ونسقته على ذوي القربى دخل في صلة «من» فقد نسقت على «من» من قبل أن تتمّ الصلة وفرقت بين الصلة والموصول بالمعطوف، والجواب الخامس: أن يكون
(١) الشاهد للخنساء في ديوانها ص ٣٨٣، والأشباه والنظائر ١/ ١٩٨، وخزانة الأدب ١/ ٤٣١، وشرح أبيات سيبويه ١/ ٢٨٢، والشعر والشعراء ١/ ٣٥٤، والكتاب ١/ ٣٣٧، ولسان العرب (رهط، وقبل، وسوا)، والمقتضب ٤/ ٣٠٥، والمنصف ١/ ١٩٧، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر ٢/ ٣٨٧، وشرح الأشموني ١/ ٢١٣، وشرح المفصّل ١/ ١١٥، والمحتسب ٢/ ٤٣، وصدره:
«ترتع ما رتعت حتى إذا ادّكرت»
(٢) البيتان للخرنق بنت بدر بن هفان في ديوانها ص ٤٣، والأشباه والنظائر ٦/ ٢٣١، وأمالي المرتضى ١/ ٢٠٥، والإنصاف ٢/ ٤٦٨، وأوضح المسالك ٣/ ٣١٤، والحماسة البصرية ١/ ٢٢٧، وخزانة الأدب ٥/ ٤١، والدرر ٦/ ١٤، وسمط اللآلي ص ٥٤٨، وشرح أبيات سيبويه ٢/ ١٦، وشرح التصريح ٢/ ١١٦، والكتاب ١/ ٢٦٤، ولسان العرب (نضر)، والمحتسب ٢/ ١٩٨، والمقاصد النحوية ٣/ ٦٠٢، وأساس البلاغة (أزر)، وبلا نسبة في رصف المباني ص ٤١٦، وشرح الأشموني ٢/ ٣٩٩.
(٣) النسق: العطف.
الإعراب الكامل من جميع الكتب مع تحليل الكلمات ←

سبب نزول الآية ١٧٧ من سورة البقرة

من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي

قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ﴾ الآية. [١٧٧].
قال قتادة: ذُكِرَ لنا أن رجلاً سأل نبي الله صلى الله عليه وسلم، عن البِرِّ، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
قال: وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إِله إِلاَّ الله وأن محمداً عبده ورسوله، ثم مات على ذلك - وجبت له الجنة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

القراءات في الآية ١٧٧ من سورة البقرة

اختلاف القراء العشرة في كلمات الآية

لَّيْسَ

(ليسَ البرُّ) برفع الراء وترقيقها

ورش عن نافع

(ليسَ البرُّ) برفع الراء وتفخيمها

قالون عن نافع الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي ابن وردان عن أبي جعفر ابن جمّاز عن أبي جعفر شعبة عن عاصم رويس عن يعقوب ابن ذكوان عن ابن عامر هشام عن ابن عامر روح عن يعقوب السوسي عن أبي عمرو الدوري عن أبي عمرو إسحاق عن خلف قنبل عن ابن كثير البزي عن ابن كثير إدريس عن خلف

(ليسَ البرَّ) بنصب الراء وتفخيمها

خلاد عن حمزة خلف عن حمزة حفص عن عاصم

وَالنَّبِيِّينَ

(والنبئين) بهمزة مكسورة بين ياءين ساكنين ومد المتصل 6 حركات ومد البدل 2 أو 4 أو 6 حركات

ورش عن نافع

(والنبيّين) بياء مشددة مكسورة بعدها ياء ساكنة

الدوري عن أبي عمرو الدوري عن الكسائي أبو الحارث عن الكسائي إدريس عن خلف خلاد عن حمزة ابن وردان عن أبي جعفر خلف عن حمزة حفص عن عاصم ابن جمّاز عن أبي جعفر شعبة عن عاصم البزي عن ابن كثير ابن ذكوان عن ابن عامر إسحاق عن خلف رويس عن يعقوب هشام عن ابن عامر قنبل عن ابن كثير السوسي عن أبي عمرو روح عن يعقوب

(والنيئين) بهمزة مكسورة بين ياءين ساكنين ومد المتصل 3 حركات وقصر البدل

قالون عن نافع

وَلَكِنَّ الْبِرَّ

(ولكنَّ البرَّ) بفتح النون مشددة ونصب الراء وتفخيمها

رويس عن يعقوب إدريس عن خلف إسحاق عن خلف البزي عن ابن كثير قنبل عن ابن كثير روح عن يعقوب الدوري عن أبي عمرو السوسي عن أبي عمرو أبو الحارث عن الكسائي ابن جمّاز عن أبي جعفر شعبة عن عاصم حفص عن عاصم ابن وردان عن أبي جعفر خلف عن حمزة خلاد عن حمزة الدوري عن الكسائي

(ولكنِ البرُّ) بكسر النون مخففة ورفع الراء وترقيقها

ورش عن نافع

(ولكنِ البرُّ) بكسر النون مخففة ورفع الراء وتفخيمها

هشام عن ابن عامر ابن ذكوان عن ابن عامر قالون عن نافع
صفحة القراءات الكاملة لهذه الآية ←

الموضوعات القرآنية للآية ١٧٧ من سورة البقرة

٢٠ موضوعًا تتناولها هذه الآية

أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور

٩٨ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور

تفسير

٧٧ قولًا
١
عن سفيان الثوري، قال: ﴿وحين البأس﴾: القتال١٢
التخريج
  1. ١تفسير سفيان الثوري ١‏/‏٥٥.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذَهَبَ ابنُ جرير (٣/٩١)، وابنُ عطية (١/٤٢١)، وابنُ كثير (٢/١٦١) إلى أنّ المراد بقوله: ﴿وحين البأس﴾: وقت شدة القتال في الحرب. استنادًا إلى أقوال أهل التأويل، واستند ابن عطية أيضًا إلى اللغة.
٢
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿أولئك الذين صدقوا﴾، يقول: تكلّموا بكلام الإيمان، وحَقَّقوا بالعمل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٢.
٣
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿أولئك﴾، يعني: الذين فعلوا ما ذكر الله في هذه الآية هم ﴿الذين صدقوا﴾، يعني: المتقون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٢.
٤
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿أولئك الذين صدقوا﴾، قال: تكلّموا بكلام الإيمان، فكانت حقيقته العمل، صَدَقوا اللهَ، قال: وكان الحسن يقول: هذا كلام الإيمان، وحقيقته العمل، فإن لم يكن مع القول عملٌ فلا شيء١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣/ ٩٣، وابن أبي حاتم ١/ ٢٩٢.
٥
عن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف-: ﴿أولئك الذين صدقوا﴾ إيمانهم، وصبروا على طاعة ربهم. وزاد في رواية: يعني: النبي ﷺ، وأصحابه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٢.
٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿أولئك الذين صدقوا﴾ في إيمانهم، ﴿وأولئك هم المتقون﴾١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ جرير (٣/٩٢): «مَن فعل هذه الأشياء فهم الذين صَدَقوا الله في إيمانهم، وحَقَّقوا قولهم بأفعالهم، لا مَن ولّى وجهه قِبَل المشرق والمغرب وهو يخالف الله في أمره، وينقض عهده وميثاقه، ويكتم الناسَ بَيانَ ما أمره الله ببيانه، ويكذِّب رسله». وقال ابنُ عطية (٢/٤٢٢): «وصف تعالى أهلَ هذه الأفعال البَرَّة بالصدق في أمورهم، أي: هم عند الظن بهم والرجاء فيهم، كما تقول: صدقني المال، وصدقني الربح. ومنه: عود صِدْق. وتحتمل اللفظةُ أيضًا صدق الإخبار».
٧
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قول الله: ﴿والضراء﴾، يعني: حين البلاء والشدة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٢.
٨
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿والصابرين في البأساء والضراء﴾، قال: البأساء: الفقر. والضَّرّاء: المرض١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٤‏/‏٣٢-، وابن جرير ٣‏/‏٨٧. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩١.
٩
عن الحسن البصري -من طريق عَبّاد بن منصور- ﴿البأساء﴾ قال: البلاء، ﴿والضراء﴾: هذه الأمراض والجوع، ونحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩١-٢٩٢.
١٠
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قال: كنا نُحَدَّث أنّ البأساء: البؤس والفقر، وأنّ الضراء: السُّقم. وقد قال نبيُّ الله أيوبُ ﷺ: ﴿أنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وأَنْتَ أرْحَمُ الرّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء:٨٣]١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٨٧. وذكره يحيي بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٩٧- مختصرًا. وعلّق شطره الأول ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩١. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد مختصرًا.
١١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿والصابرين في البأساء والضراء﴾، قال: البأساء: البُؤْس. والضراء: الزَّمانَةُ في الجسد١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٨٧، وابن أبي حاتم في شطره الثاني ١‏/‏٢٩١ كلاهما من طريق عبد الرزاق. وفي المطبوع من تفسير عبد الرزاق ١‏/‏٦٦ موقوفًا على معمر من قوله، ويبدو أنّ اسم قتادة سقط منه، والله أعلم.
١٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿والصابرين في البأساء والضراء﴾، قال: البُؤْس: الفاقة والفقر. والضراء في النَّفْس؛ من وجعٍ، أو مَرَضٍ يُصيبُه في جَسَدِه١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٨٧، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩١.
١٣
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والصابرين في البأساء﴾ يعني: الفقر، ﴿والضراء﴾ يعني: البلاء١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٧.
١٤
قال سفيان الثوري: ﴿البأساء﴾: الفقر، ﴿والضراء﴾: المَضَرَّة١
التخريج
  1. ١تفسير سفيان الثوري ١‏/‏٥٥.
١٥
عن عبد الله بن مسعود -من طريق السُّدِّيّ، عن مُرَّة الهَمْدانِيِّ- في قوله تعالى: ﴿وحين البأس﴾، قال: حين القتال١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٩١، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٢، والحاكم ٢‏/‏٢٧٣. وعزاه السيوطي إلى وكيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ.
١٦
وعن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٢.
١٧
وسعيد بن جُبَيْر، ومُرَّة الهمداني، وأبي مالك، والحسن البصري، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٢٩٢.
١٨
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿وحين البأس﴾، قال: حين القتال١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٩١. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٢.
١٩
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد- في قوله: ﴿وحين البأس﴾، قال: القتال١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر -موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٤‏/‏٣٢-، وابن جرير ٣‏/‏٩٢.
٢٠
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- قوله: ﴿وحين البأس﴾، أي: عند مواطن القتال١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٩١. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩١. كما أخرج نحوه ابن جرير ٣‏/‏٩٢ من طريق عبد الرزاق عن مَعمر، وهو في المطبوع من تفسير عبد الرزاق ١‏/‏٦٦ موقوفًا على معمر من قوله. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٢١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- ﴿وحين البأس﴾: عند لقاء العدو١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٩٢، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٢.
٢٢
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وحين البأس﴾، يعني: وعند القتال هم صابرون١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٧.
٢٣
عن مُقاتِل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- ﴿وحين البأس﴾، قال: حين القتال١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٢.
٢٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿و﴾ أعطى ﴿السائلين وفي الرقاب﴾، فهذا تَطَوُّعٌ١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٧.
٢٥
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿وأقام الصلاة﴾ يعني: وأَتَمَّ الصلاةَ المكتوبة، ﴿وآتى الزكاة﴾ يعني: الزّكاة المفروضة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٠.
٢٦
عن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٠.
٢٧
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال سبحانه: ﴿وأقام الصلاة﴾ المكتوبة، ﴿وآتى﴾: وأعطى ﴿الزكاة﴾ المفروضة١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٧.
٢٨
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- في قوله: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾، قال: فمَن أعطى عَهْد الله ثم نقضه فالله ينتقم منه، ومَن أعطى ذِمَّة النبي ﷺ ثُمَّ غدر بها فالنبيُّ ﷺ خَصْمُه يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩١، وعزاه السيوطي إلى ابن جرير، وهو عنده ٣‏/‏٨٥ من قول الربيع -كما سيأتي-.
٢٩
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾، يعني: فيما بينهم وبين الناس١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩١.
٣٠
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾، قال: فمَن أعطى عَهْدَ الله ثُمَّ نقضه فالله ينتقم منه، ومَن أعطى ذِمَّة النبي ﷺ ثُمَّ غَدر بها فالنبيُّ ﷺ خصمُه يوم القيامة١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٨٥. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩١.
٣١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿والموفون بعهدهم إذا عاهدوا﴾ فيما بينهم وبين الناس١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٧.
٣٢
عن عبد الله بن مسعود -من طريق السُّدِّيِّ، عن مُرَّة الهمداني- في الآية، قال: البَأْساء: الفقر. والضَّرّاء: السُّقْمُ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٨٦، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩١، والحاكم ٢‏/‏٢٧٣. وعزاه السيوطي إلى وكيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، وأبي الشيخ. وفي رواية أخرى عنه عند ابن جرير: قال: البأساء: الجوع. وفي رواية أيضًا له: البأساء: الحاجة.
٣٣
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس-، والربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، ومقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٩١.
٣٤
وعن مُرَّة الهمداني، ومجاهد بن جبر، والحسن البصري، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٢٩١.
٣٥
عن سعيد بن جبير، نحو قوله في ﴿البأساء﴾١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩١.
٣٦
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-، نحو قوله في ﴿البأساء﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩١.
٣٧
عن أبي مالك، نحو قوله في ﴿الضراء﴾١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩١.
٣٨
عن ابن عباس: أنّ نافع بن الأزرق سأله عن: ﴿البأساء والضراء﴾. قال: البأساء: الخِصْب. والضَّرّاءُ: الجَدْب. قال: وهل تعرفُ العربُ ذلك؟ قال: نعم، أما سمعتَ قولَ زيد بن عمرو: إنّ الإله عزيز واسع حَكَمُ بكفه الضُّر والبأساء والنِّعَم١
التخريج
  1. ١أخرجه الطستي -كما في الإتقان ٢‏/‏٧٩-٨٠-.
٣٩
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿وابن السبيل﴾، قال: الذي يَمُرُّ عليك وهو مسافر١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٥٩، وابن جرير ٣‏/‏٨٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٠.
٤٠
عن الضحاك بن مُزاحِم، والحسن البصري، ومحمد ابن شهاب الزُّهْرِي، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١عَلَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٢٩٠.
٤١
وعن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر-، ومقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١/ ٢٩٠.
٤٢
عن أبي جعفر محمد بن علي -من طريق جابر- ﴿وابن السبيل﴾، قال: المجتاز من أرض إلى أرض١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٨٣. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٠.
٤٣
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿وابن السبيل﴾، قال: الذي يَمُرُّ عليك وهو مسافر١٢
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏١٥٩، وابن جرير ٣‏/‏٨٣، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٠.
تعليقات المحققين
  1. ٢علَّق ابنُ عطية (١/٤٢١) على هذا القول، بقوله: «وهذا كما يقال: ابن ماء للطائر الملازم للماء، ومنه قول النبي ﷺ: «لا يدخل الجنة ابن زِنا». أي: الملازم له».
٤٤
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- ﴿وابن السبيل﴾، قال: هو الضيف. قال: وذُكِر لنا: أنّ نبي الله ﷺ كان يقول: «مَن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيُكْرِم ضيفَه، ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلْيَقُل خَيْرًا أو لِيَسْكُت». قال: وكان يُقال: حَقُّ الضيافةِ ثلاثُ ليال، فكُلُّ شيء أصابه بعد ذلك صدقةٌ١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٨٢-٨٣. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٩. وأورده الثعلبي ٢‏/‏٥١. قال أحمد شاكر في تحقيقه لتفسير الطبري ٣‏/‏٣٤٥: «هو حديث مرسل... ، وثبت معناه ضمن حديث رواه مسلم... ، ورواه أيضًا أحمد وسائر أصحاب الكتب الستة».
٤٥
قال مقاتل بن سليمان: أعطى ﴿ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾، يعني: والضيف نازل عليك١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ كثير (٢/١٥٩): «﴿وابن السبيل﴾: هو المسافر المجتازُ الذي قد فرغت نفقته، فيُعْطى ما يُوصِله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفرًا في طاعة فيُعْطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه، ويدخل في ذلك الضيف».
٤٦
عن قيس بن كُرْكُم، قال: سألتُ ابن عَبّاس عن السائل. قال: الذي يسأل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٠.
٤٧
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق حصين- في قوله: ﴿والسائلين﴾، قال: السائل الذي يسألك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٨٤.
٤٨
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- ﴿وفي الرقاب﴾، يعني: فِكاك الرِّقاب١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٠.
٤٩
عن مقاتل بن حَيّان -من طريق بُكَيْر بن مَعْروف- في قول الله: ﴿وفي الرقاب﴾، قال: هم المُكاتَبون١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٠.
٥٠
عن الحسن البصري، ومحمد ابن شهاب الزهري، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٢٩٠.
٥١
عن المطلب: أنّه قيل: يا رسول الله، ما ﴿آتى المال على حبه﴾؟ فكُلُّنا نُحِبُّه! قال رسول الله ﷺ: «تُؤتيه حين تُؤْتِيه ونفسُك تُحَدِّثُك بطُولِ العُمُرِ والفَقْرِ»١
التخريج
  1. ١أخرجه البيهقي في الشعب ٥‏/‏١٣٥-١٣٦ (٣١٩٦) مرسلًا.
٥٢
عن عبد الله بن مسعود -من طريق مُرَّة- ﴿وآتى المال على حبه﴾، قال: يُعْطِي وهو صحيحٌ، شحيحٌ١، يأمل العَيْش، ويخاف الفقر٢
التخريج
  1. ٢أخرجه ابن المبارك في كتاب الزهد ص٢٤، ووكيع -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٢٩٧-، وعبد الرزاق في تفسيره ١‏/‏٦٦، وفي المُصَنَّف ٩‏/‏٥٥ (١٦٣٢٤)، وسعيد بن منصور (٢٤٥- تفسير)، وابن أبي شيبة في المصنف ١٣‏/‏٢٩٧ (٣٥٦٩٥)، وابن جرير ٣‏/‏٧٨-٧٩، وابن أبي حاتم ١١‏/‏٢٨٨ (١٥٤٦)، والطبراني (٨٥٠٣)، والحاكم ٢‏/‏٢٧٢، والبيهقي ٤‏/‏١٩٠. وعزاه السيوطي إلى الفريابي، وعبد بن حميد.
تعليقات المحققين
  1. ١بيَّنَ ابنُ عطية (١/٤٢٠-٤٢١) المقصودَ بالشُحِّ هنا، فقال: «والشُّحُّ في هذا الحديث هو الغَرِيزِيُّ الذي في قوله تعالى: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾ [النساء:١٢٨]، وليس المعنى: أن يكون المتصدّق مُتَّصِفًا بالشُّحِّ الذي هو البخل».
٥٣
عن ابن مسعود مرفوعًا، مثله١
التخريج
  1. ١أخرجه الحاكم -كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٤٨٦-. قال ابن كثير -عَقِب قول الحاكم: «صحيح، على شرط الشيخين، ولم يُخَرِّجاه»-: «وقد رواه وكيع عن الأعمش، وسفيان عن زبيد، عن مُرَّة، عن ابن مسعود، موقوفًا، وهو أصح».
٥٤
عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: «أفْضَلُ الصَّدَقَةِ أن تَصَدَّق وأنت صحيحٌ، شحيحٌ، تَأْمَلُ البقاءَ، وتخشى الفقر، ولا تُمْهِل حتّى إذا بلغت الحلقومَ قلتَ: لفلان كذا، ولفلان كذا. ألا وقد كان لفلان»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١١٠ (١٤١٩)، ٤‏/‏٤ (٢٧٤٨)، ومسلم ٢‏/‏٧١٦ (١٠٣٢).
٥٥
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿وآتى المال﴾ يعني: أعطى المال ﴿على حبه﴾ يعني: على حُبِّ المال١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٨.
٥٦
عن مقاتل بن حيان-من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو الشطر الأول١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٨.
٥٧
قال مقاتل بن سليمان: ﴿وآتى المال﴾ يعني: وأعطى المال ﴿على حُبِّه﴾ له١٢
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٧.
تعليقات المحققين
  1. ٢ذكر ابنُ عطية (١/٤٢٠) أن الضمير في ﴿حُبِّهِ﴾ عائد على المال، ثم قال: «ويحتمل أن يعود الضمير على الإيتاء، أي: في وقت حاجة من الناس وفاقة، فإيتاء المال حبيب إليهم، ويحتمل أن يعود الضمير على اسم الله تعالى من قوله: ﴿مَن آمَنَ بِاللَّهِ﴾ أي: مَن تَصَدَّق محبة في الله تعالى وطاعاته. ويحتمل أن يعود على الضمير المستكن في ﴿آتى﴾ أي: على حبه المال، فالمصدر مضاف إلى الفاعل، والمعنى المقصود: أن يتصدق المرء في هذه الوجوه وهو شحيح صحيح يخشى الفقر ويأمل الغنى، كما قال ﷺ».
٥٨
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿ذوي القربى﴾، يعني: قرابته١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٩.
٥٩
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: ابنُ السبيل: هو الضَّيْفُ الذي ينزِل بالمسلمين١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٩.
٦٠
عن سعيد بن جبير، وقتادة بن دعامة، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علَّقه ابن أبي حاتم ١/ ٢٨٩.
٦١
عن أبي ذر -من طريق مجاهد- أنّه سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان. فتلا: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم﴾، حتى فرغ منها، ثمّ سأله أيضا فتلاها، ثم سأله فتلاها، وقال: «وإذا عَمِلْتَ حسنةً أحَبَّها قلبُك، وإذا عَمِلْتَ سَيِّئَةً أبْغَضَها قلبُك»١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٧ (١٥٣٩)، والحاكم ٢‏/‏٢٩٩ (٣٠٧٧). قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط الشيخين، ولم يُخَرِّجاه». وتعقّبه الذهبي في التلخيص بقوله: «كيف وهو منقطع؟!». قال ابن كثير في تفسيره ١‏/‏٤٨٥: «وهذا منقطع؛ فإن مجاهدًا لم يُدْرِك أبا ذر؛ فإنّه مات قديمًا».
٦٢
عن القاسم بن عبد الرحمن، قال: جاء رجل إلى أبي ذر، فقال: ما الإيمان؟ فتلا عليه هذه الآية: ﴿لَيْسَ البِرَّ أنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ﴾ حتى فرغ منها. فقال الرجل: ليس عن البِرِّ سألتك. فقال أبو ذر: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ، فسأله عَمّا سألتني، فقرأ عليه هذه الآية، فأبى أن يرضى كما أبَيْتَ أن ترضى، فقال له رسول الله ﷺ: «ادْنُ». فدنا، فقال: «المؤمنُ إذا عَمِل الحسنةَ سَرَّتْهُ ورَجا ثوابَها، وإذا عمل السَّيِّئَةَ أحْزَنَتْهُ وخافَ عِقابَها»١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق بن راهويه -كما في المطالب العالية لابن حجر ١٢‏/‏٤٢٨ (٢٩٤١)-، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ١‏/‏٤١٦ (٤٠٨). قال ابن كثير في تفسيره ١‏/‏٤٨٥: «وهذا أيضًا منقطع». وقال ابن حجر: «هذا منقطع».
٦٣
عن مجاهد: أنّ أبا ذرٍّ سأل رسول الله ﷺ عن الإيمان. فقرأ: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق في جامعه ١١‏/‏١٢٨ (٢٠١١٠) عن مَعْمَر، والمروزي في تعظيم قدر الصلاة ١‏/‏٤١٧ (٤٠٩). وهذا منقطع؛ فإن مجاهدًا لم يُدْرِك أبا ذر، كما في تفسير ابن كثير ١‏/‏٤٨٥، وقال ابن حجر في المطالب العالية ١٤‏/‏٤٧٤ (٣٥٣٣): «هذا مرسل، صحيح الإسناد، وله شاهد».
٦٤
عن عكرمة، قال: سُئِل الحسنُ بن علي مُقْبَلَه من الشام عن الإيمان. فقرأ: ﴿ليس البر﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه إسحاق -كما في المطالب (٣٩٠٠)-. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦٥
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم﴾، يعني: في الصلاة. يقول: ليس البِرَّ أن تُصَلُّوا ولا تعملوا. فهذا حين تَحَوَّل من مكة إلى المدينة، ونزلت الفرائض، وحَدَّ الحدود؛ فأمر الله بالفرائض، والعملِ بها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٧.
٦٦
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- قال: كانت اليهود تُقْبِل قِبَل المغرب، وكانت النصارى تُقْبِل قِبَل المشرق؛ فقال الله: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾. يقول: هذا كلام الإيمان، وحقيقة العمل١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٧. وعزاه السيوطي إلى ابن جرير أيضًا، والذي عند ابن جرير موقوف على الربيع من قوله -كما تقدم- دون آخره.
٦٧
عن الحسن البصري، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١علقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٧.
٦٨
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن أبي نَجِيح-: ﴿ليس البرّ أن تُولوا وجوهكم قبَل المشرق والمغرب﴾، ولكِنَّ البر ما ثَبَت في القلوب من طاعة الله١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٤، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦٩
عن مجاهد بن جَبْر -من طريق ابن جُرَيْج-، نحوه، وزاد في أوله: يعني: السجود١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٥.
٧٠
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق عبيد بن سليمان- أنّه قال فيها، قال: يقول: ليس البِرَّ أن تُصَلُّوا ولا تعملوا غير ذلك. وهذا حين تَحَوَّل من مكة إلى المدينة؛ فأنزل الله الفرائض، وحدَّ الحدود بالمدينة، وأمر بالفرائض أن يؤخذ بها١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٥. وعلّقه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٧.
٧١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه بن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٧.
٧٢
قال قتادة بن دِعامة: يقول: ليس البر أن تكونوا نصارى فتُصَلُّوا إلى المشرق، ولا أن تكونوا يهودًا فتُصَلُّوا إلى المغرب إلى بيت المقدس١
التخريج
  1. ١ذكره يحيي بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١‏/‏١٩٦-.
٧٣
عن مقاتل بن حيان-من طريق بُكَيْر بن معروف-: في قوله: ﴿ليس البر﴾، يعني: التقوى١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٧.
٧٤
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم﴾، يعني: ليس التقوى أن تُحَوِّلوا وجوهكم في الصلاة قِبَل -يعني: تِلْقاء- المشرق والمغرب، فلا تفعلوا ذلك١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٧.
٧٥
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قول الله: ﴿ولكن البر من ءامن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ أنّه حق١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٨.
٧٦
قال مقاتل بن سليمان: ﴿ولكن البر من آمن بالله﴾ يعني: صدَّق بالله بأنّه واحد لا شريك له، ﴿واليوم الآخر﴾ يعني: وصدَّق بالبعث الذي فيه جزاء الأعمال بأنّه كائن، ﴿والملائكة﴾ أي: وصدَّق بالملائكة، ﴿والكتاب والنبيين﴾١
التخريج
  1. ١تفسير مقاتل بن سليمان ١‏/‏١٥٧.
٧٧
عن سفيان -من طريق ابن أبي عمر- ﴿ولكن البر من آمن بالله﴾، قال: أنواع البر كُلّها١٢
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٨، عن سفيان مهملًا. وقد أورده الثعلبي ٢‏/‏١٢٦، وابن كثير ١‏/‏٤٨٦ عن سفيان الثوري. ولم يذكر المزي في تهذيب الكمال ٢٦‏/‏٦٣٩ في ترجمة محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني أن سفيان الثوري من شيوخه، وإنما ذكر سفيان بن عيينة الذي هو من أشهر شيوخه.
تعليقات المحققين
  1. ٢قال ابنُ تيمية (١/٤١٠): «لفظ البِرِّ إذا أُطْلِق تناولَ جميعَ ما أمَرَ اللهُ به... وكان مُسَمّاه مُسَمّى التقوى، والتقوى إذا أُطْلِقَت كان مُسَمّاها مُسَمّى البِرَّ، ثُمَّ قد يُجْمَع بينهما كما في قوله تعالى: ﴿وتعاونوا على البر والتقوى﴾ [المائدة:٢]».

آثار متعلقة بالآية

١٤ قولًا
١
عن علي -من طريق حارثة بن مُضَرِّب- أنّه قال: كُنّا إذا احْمَرَّ البأسُ، ولقي القوم؛ اتَّقَيْنا برسول الله ﷺ، فما يكون مِنّا أحدٌ أقرب إلى القوم منه١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢‏/‏٤٥٣، والنسائي في الكبرى ٨‏/‏٣٤، وأبو يعلى ١‏/‏٣٥٨. وقال محققو هذه الكتب: «إسناده صحيح». ويشهد له حديث البراء بن عازب التالي.
٢
عن البراء: كُنّا -والله- إذا احْمَرَّ البأسُ نَتَّقِي به، وإنّ الشجاع مِنّا لَلَّذي يُحاذي به. يعني: النبي ﷺ١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ٣‏/‏١٤٠١، وأحمد ٣٠‏/‏٤٤١.
٣
عن أبي مَيْسَرَة -من طريق أبي إسحاق- قال: مَن عَمِل بهذه الآية فقد استكمل الإيمان: ﴿ليس البر﴾ الآية١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى وكيع، وابن المنذر. وأخرجه ابن أبي شيبة (ت: محمد عوامة) ١٩‏/‏٢٨٤ (٣٦٠٥٣) بلفظ: فقد استكمل البِرّ.
٤
عن إبراهيم بن أبي شيبان، قال: سألت زيد بن رُفَيع، فقلت: يا أبا جعفر، ما تقول في الخوارج في تكفيرهم الناس؟ قال: كذبوا، يقول الله عز وجل: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم﴾ الآية. فمَن آمن فهو مؤمن، ومَن كفر بِهِنَّ فهو كافر١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن عساكر ٧‏/‏٢٤.
٥
عن ربيعة بن كُلْثُوم، قال: حدّثني أبي، قال لي مُسْلِم بن يَسار: إنّ الصلاة صلاتان، وإن الزَّكاة زكاتان، واللهِ، إنّه لفي كتاب الله، أقرأ عليك به قرآنًا؟ قلت له: اقرأ. قال: فإنّ الله يقول في كتابه: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم﴾ إلى قوله: ﴿وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى المساكين وابن السبيل﴾ فهذا وما دونه تَطَوُّعٌ كلّه، ﴿وأقام الصلاة﴾ على الفريضة، ﴿وآتى الزكاة﴾، فهاتان فريضتان١
التخريج
  1. ١عزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
٦
عن الحسين بن علي، قال: قال رسول الله ﷺ: «للسائل حَقٌّ، وإن جاء على فرس»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٣‏/‏٢٥٤ (١٧٣٠)، وأبو داود ٣‏/‏٩٨ (١٦٦٥)، وابن خزيمة ٤‏/‏١٨٣-١٨٤ (٢٤٦٨)، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٩٠ (١٥٥٦). قال المناوي في فيض القدير ٥‏/‏٢٩٠ (٧٣٤٢): «قال العراقي: وقولُ ابن الصلاح عن أحمد: أربعة أحاديث تدور في الأسواق لا أصل لها. منها هذا، لا يصح عن أحمد». وقال السخاوي في المقاصد الحسنة ص٥٣٧ (٨٧٣): «وسنده جيد، كما قال العراقيُّ وغيره». وقال الزرقاني في شرح الموطأ ٤‏/‏٦٦٨: «ولكن قال ابن عبد البرّ: سنده ليس بالقوي». وقال الرباعي في فتح الغفار ٢‏/‏٨٢٦ (٢٥٦٥): «رواه أحمد، وأبو داود، بإسناد ضعيف». وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي ٣‏/‏٢٦٩: «وإسناده حسن، إلا أنه مرسل». وقال الألباني في الضعيفة ٣‏/‏٥٥٨ (١٣٧٨): «ضعيف».
٧
عن عبد الرحمن بن بُجَيْد، عن جدته أم بُجَيْد -وكانت مِمَّن بايع رسول الله ﷺ- أنّها قالت: يا رسول الله، إنّ المسكين لَيَقُومُ على بابي، فما أجد شيئًا أعطيه إيّاه. فقال لها: «إن لم تجدي إلا ظِلْفًا مُحْرَقًا فادْفَعِيه إليه»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٤٥‏/‏١٢٨ (٢٧١٥٠)، وأبو داود ٣‏/‏١٠٠ (١٦٦٧)، والترمذي ٢‏/‏٢٠٣ (٦٧١)، والنسائي ٥‏/‏٨٦ (٢٥٧٤)، وابن خزيمة ٤‏/‏١٨٧ (٢٤٧٣)، وابن حبّان ٨‏/‏١٦٦-١٦٧ (٣٣٧٣)، والحاكم ١‏/‏٥٧٨ (١٥٢٤). قال الترمذي: «حديث أم بُجَيْد حديث حسن صحيح». وقال الحاكم ١‏/‏٥٧٨: «صحيح الإسناد، ولم يُخَرِّجاه». وقال الألباني في صحيح أبي داود ٥‏/‏٣٦٠-٣٦١ (١٤٦٧): «إسناده صحيح».
٨
عن فاطمة بنت قيس، قالت: قال رسول الله ﷺ: «في المال حَقٌّ سوى الزكاة». ثم قرأ: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه الترمذي ٢‏/‏١٩٧-١٩٨ (٦٦٥، ٦٦٦)، وابن ماجه ٣‏/‏٩ (١٧٨٩) دون الآية، كما أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٨١، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٨ (١٥٤٨). قال الترمذي: «هذا حديث إسناده ليس بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يُضَعَّف، وروى بيان وإسماعيل عن الشعبي هذا الحديث قوله، وهذا أصح». وقال البيهقي في الكبرى ٤‏/‏١٤٢: «فهذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور كوفي، وقد جَرَّحه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فمَن بعدهما من حُفّاظ الحديث». وقال النووي في خلاصة الأحكام ٢‏/‏١٠٧٨ (٣٨٣٧): «حديث مُنكَر». وقال العيني في عمدة القاري ٨‏/‏٢٣٧: «وقال شيخنا زين الدين: ليس حديث فاطمة هذا بصحيح».
٩
عن إسماعيل بن سالم، عن عامر الشعبي سمِعْتُه سُئِل: هل على الرجل حَقٌّ في ماله سوى الزكاة؟ قال: نعم. وتلا هذه الآية: ﴿وآتى المالَ على حُبه ذَوي القربى واليتامى والمساكينَ وابنَ السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٩. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.
١٠
عن إسماعيل السُّدِّيّ: أنّ هذا شيء واجبٌ في المال، حَقٌّ على صاحب المال أن يفعله سوى الذي عليه من الزكاة١٢
التخريج
  1. ١علَّقه ابنُ جرير ٣‏/‏٧٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢هل في المال حقّ واجب سوى الزكاة؟ في هذه المسألة قولان لأهل العلم، ذكرهما ابنُ جرير (٣/٨٤-٨٥). وذَهبَ في ظاهر كلامه إلى أنّ فيه حقوقًا تجبُ غير الزكاة استنادًا إلى السياق، وقول أهل التأويل، حيث ذكر أول الآية ﴿وآتى المال على حُبّه﴾، ثم قال: «﴿وآتى الزكاة﴾، فلكلّ مالٍ منهما حكمٌ يخصّه، وكلاهما مذكورٌ في سياق ما أوجبه الله على أهل الإيمان». وقال ابنُ كثير (٢/١٦٠-١٦١ بتصرف): «قوله: ﴿وآتى الزكاة﴾ يحتمل أن يكون المراد به: زكاة النفس، وتخليصها من الأخلاق الدنية الرذيلة، كقوله: ﴿قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها﴾ [الشمس:٩-١٠]، ويحتمل أن يكون المراد: زكاة المال، ويكون المذكور في قوله: ﴿وآتى المال على حبه﴾ إنما هو التطوع والبِرُّ والصِّلَة؛ ولهذا تقدم في الحديث عن فاطمة بنت قيس: إنّ في المال حَقًّا سوى الزكاة». وذَهَبَ ابنُ عطية (١/٤٢١) إلى نحو ما ذكره ابنُ جرير مُسْتَنِدًا إلى السياق، فقال: «وذِكْرُ الزكاة هنا دليلٌ على أنّ ما تقدم ليس بالزكاة المفروضة». وذَهَبَ ابنُ تيمية (١/٤١٢) إلى أنّ في المال حقوقًا سوى الزكاة، بها كمال البر، استنادًا إلى السياق، فقال: «وهذه الخصالُ المذكورة في الآية قد دلَّت على وجوبها؛ لأنه أخبر أنّ أهلها هم الذين صَدَقوا في قولهم، وهم المتقون، والصِّدق واجب، والإيمان واجب، ففيها إيجاب حقوق سوى الزكاة».
١١
عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيْط: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: «أفضل الصَّدَقة على ذي الرَّحِم الكاشِح١»٢
التخريج
  1. ١الكاشح: العدوُّ الذي يُضْمِر عداوتَه، ويطوي عليها كشحه، أي: بطنه، والكشح: الخصر، أو الذي يطوي عنك كشحه ولا يألفك. لسان العرب (كشح).
  2. ٢أخرجه ابن خزيمة ٤‏/‏١٣١-١٣٢ (٢٣٨٦)، والحاكم ١‏/‏٥٦٤ (١٤٧٥). وأورده الثعلبي ٢‏/‏٥١. قال الحاكم: «هذا حديث صحيح، على شرط مسلم، ولم يُخَرِّجاه، وله شاهد بإسناد صحيح». ووافقه الذهبي، وأقرّه المنذري. وقال الزيلعي في نصب الراية ٤‏/‏٤٠٦: «قال ابن طاهر: سنده صحيح». وقال الهيثمي في المجمع ٣‏/‏١١٦ (٤٦٥٠): «رواه الطبراني في الكبير، ورجاله رجال الصحيح». وقال البوصيري في إتحاف الخيرة ٣‏/‏٤٢ (٢١٣٩): «رواه الحميدي، وفي سنده راو لم يُسَمَّ، ... ورواه الطبراني في الكبير بسند الصحيح». وقال الألباني في الإرواء ٣‏/‏٤٠٤ (٨٩٢): «صحيح».
١٢
عن سلمان بن عامر الضَّبِّيِّ، قال: قال رسول الله ﷺ: «الصدقةُ على المسكين صدقةٌ، وعلى ذي الرَّحِم اثنتان: صدقةٌ، وصِلَةٌ»١
التخريج
  1. ١أخرجه أحمد ٢٦‏/‏١٦٦-١٦٧ (١٦٢٢٧)، ٢٦‏/‏١٦٩-١٧٢ (١٦٢٣٢، ١٦٢٣٣، ١٦٢٣٥)، ٢٩‏/‏٤١١-٤١٦ (١٧٨٧٢، ١٧٨٧٧، ١٧٨٨٣، ١٧٨٨٤) واللفظ له، والترمذي ٢‏/‏١٩٥-١٩٦ (٦٦٤)، والنسائي ٥‏/‏٩٢ (٢٥٨٢)، وابن ماجه ٣‏/‏٥١ (١٨٤٤)، وابن خزيمة ٣‏/‏٤٨١-٤٨٢ (٢٠٦٧)، ٤‏/‏١٣٠-١٣١ (٢٣٨٥)، وابن حبان ٨‏/‏١٣٢-١٣٣ (٣٣٤٤)، والحاكم ١‏/‏٥٦٤ (١٤٧٦). قال الترمذي: «حديث حسن». وصحّح إسناده ابن كثير في تفسيره ٨‏/‏٤٠٨. وقال ابن الملقن في البدر ٧‏/‏٤١١: «هذا الحديث صحيح». وقال الألباني في الإرواء ٣‏/‏٣٨٧ (٨٨٣): «حسن».
١٣
عن زينب امرأة عبد الله بن مسعود، قالت: سألتُ رسول الله ﷺ: أتُجْزِئُ عَنِّي من الصدقة النفقةُ على زوجي، وأيتامٍ في حِجْرِي؟ قال: «لكِ أجران: أجرُ الصدقة، وأجرُ القرابة»١
التخريج
  1. ١أخرجه البخاري ٢‏/‏١٢١ (١٤٦٦)، ومسلم ٢‏/‏٦٩٤ (١٠٠٠).
١٤
عن عمر بن الخطاب، قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياض الثياب، شديدُ سواد الشعر، لا يُرى عليه أثرُ السَّفَر، ولا يعرفه مِنّا أحد، حتى جلس إلى النبي ﷺ، فأَسْنَد رُكْبَتَيْه إلى رُكْبَتَيْه، ووضع كَفَّيْه على فَخِذَيْه، وقال: يا محمد، أخبِرْني عن الإسلام. فقال رسول الله ﷺ: «الإسلامُ أن تشهدَ أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا رسول الله، وتقيمَ الصلاة، وتؤتيَ الزكاة، وتصومَ رمضان، وتَحُجَّ البيت إن استطعتَ إليه سبيلًا». قال: صدقت. قال: فعَجِبْنا له، يسأله ويصدقه! قال: فأخبِرني عن الإيمان. قال: «أن تؤمنَ بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمنَ بالقَدَر خيرِه وشَرِّه». قال: صدقت. قال: فأخبِرني عن الإحسان. قال: «أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». قال: فأخبِرني عن الساعة. قال: «ما المسئولُ عنها بِأَعْلَمَ من السائل». قال: فأخْبِرني عن أمارَتِها. قال: «أن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَها، وأن تَرى الحُفاة العُراة العالَة رِعاءَ الشّاءِ يَتَطاوَلُون في البُنْيان». قال: ثُمَّ انطلق، فلبثتُ مَلِيًّا، ثم قال لي: «يا عمر، أتدري مَنِ السائل؟». قلت: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّه جبريل، أتاكم يُعَلِّمُكم دينَكم»١
التخريج
  1. ١أخرجه مسلم ١‏/‏٣٦-٣٧ (٨). وأورده الثعلبي ١‏/‏١٤٦.

قراءات

قولانِ
١
عن ابن مسعود، وأبي بن كعب -من طريق هارون- أنّهما قرآ: (لَيْسَ البِرَّ بِأَن تُوَلُّوا)١
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢/ ٤٩. وعزاه السيوطي إلى أبي عبيد في فضائله. وهي قراءة شاذة. انظر: مختصر ابن خالويه ص ١٨، والمحتسب ١/ ١١٧.
٢
عن الأعمش -من طريق زائدة- قال: في قراءتنا مكان ﴿ليس البر أن تولوا﴾: (ولا تَحْسَبَنَّ أنَّ البِرَّ)١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص٥٧. وهي قراءة شاذة. انظر: البحر المحيط ٢‏/‏٤.

نزول الآية

٥ أقوال
١
عن عبد الله بن عباس -من طريق ابن جُرَيْج- قال: هذه الآية نزلت بالمدينة: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾، يعني: الصلاة. يقول: ليس البر أن تُصَلُّوا ولا تعملوا غير ذلك١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٥.
٢
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ليس البر﴾ الآية، قال: ذُكِر لنا: أنّ رجلًا سأل النبي ﷺ عن البِرِّ؛ فأنزل الله هذه الآية، فدعا الرجلَ، فتلاها عليه. وقد كان الرجل قبل الفرائض إذا شهد أن لا إله إلا الله وأنّ محمدًا عبده ورسوله، ثم مات على ذلك، يُرْجى له في خير؛ فأنزل الله: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾، وكانت اليهود توجّهت قِبَل المغرب، والنصارى قِبَل المشرق، ﴿ولكن البر من آمن بالله الآية﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٦. وعلَّقه الواحدي في أسباب النزول (ت: الفحل) ص١٥٧. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد، وابن المنذر.
٣
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- قال: كانتِ اليهود تُصَلّي قِبَل المغرب، والنصارى قِبَل المشرق؛ فنزلت: ﴿ليس البر أن تولوا وجوهكم﴾ الآية١
التخريج
  1. ١أخرجه عبد الرزاق ١‏/‏٦٦، وابن جرير ٣‏/‏٧٥.
٤
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قال: كانت اليهود تصلي قِبَل المغرب، والنصارى قِبَل المشرق؛ فنزلت: ﴿ليس البر أن تُولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب﴾١
التخريج
  1. ١أخرجه ابن جرير ٣‏/‏٧٥، وابن أبي حاتم ١‏/‏٢٨٧.
٥
عن مقاتل بن حيان، نحوه١٢
التخريج
  1. ١تفسير الثعلبي ٢‏/‏٤٩.
تعليقات المحققين
  1. ٢اختلف أهل التأويل في معنى الآية، والمخاطب بها، على قولين: أحدهما: المسلمون، والمعنى: ليس البرَّ كله في الصلاة، ولكن البر ما في هذه الآية. والثاني: أهل الكتابَيْن، والمعنى: ليس البر صلاة اليهود إلى المغرب وصلاة النصارى إلى المشرق، ولكن البر ما في هذه الآية. ورَجَّحَ ابنُ جرير (٣/٧٦) القولَ الثاني، وهو قول قتادة، والربيع بدلالة السياق، فقال: «الآيات قبلها مَضَتْ بتوبيخهم ولَومهم، والخبر عنهم وعما أُعِدَّ لهم من أليم العذاب، وهذا في سياق ما قبلها». وذَهَبَ ابنُ كثير (٢/١٥٥) أنّها نزلت في «طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، شَقَّ عليهم التحول إلى الكعبة؛ فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أنّ المراد إنما هو طاعة الله عز وجل».
التفسير بالمأثور لسورة البقرة كاملة ←

وقفات تدبرية في الآية ١٧٧ من سورة البقرة

٢٣ وقفةً في هذه الآية

  • ﴿ وآتى المال على حبه ذوي القربى ﴾ يغيب عن أهل الأموال والغنى أن من أعظم وجوه البر ؛ إعطاء أقاربهم لأجل قربهم لا لحاجتهم .

    — روائع القرآن

  • " أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون" تكرير الإشارة لزيادة تنويه بشأنهم وتوسيط الضمير للإشارة إلى انحصار التقوى فيهم # محاسن التأويل #.

    — القاسمي

  • قال القرطبي: قال علماؤنا: هذه آية عظيمة من أمهات الأحكام؛ لأنها تضمنت ست عشرة قاعدة: الإيمان بالله وبأسمائه وصفاته- وقد أتينا عليها في (الكتاب الأسنى)- والنشر والحشر والميزان والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار -وقد أتينا عليها في كتاب (التذكرة)- والملائكة والكتب المنزلة وأنها حق من عند الله والنبيين وإنفاق المال فيما يعن من الواجب والمندوب وإيصال القرابة وترك قطعهم وتفقد اليتيم وعدم إهماله والمساكين كذلك، ومراعاة ابن السبيل -قيل المنقطع به، وقيل: الضيف- والسؤال وفك الرقاب ، والمحافظة على الصلاة وإيتاء الزكاة والوفاء بالعهود والصبر في الشدائد. وكل قاعدة من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب.

    — الجامع لأحكام القرآن

  • ﴿ وآتى المال على حبه﴾ ﴿ويطعمون الطعام على حبه﴾ الله يعلم مدى حبك واحتياجك للمال والطعام .. فبإنفاقك مما (تُحب) سيجزيك بها مما (يُحب).

    — تدبر

  • آية 177 جزء 1 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • آية 177 جزء 2 سورة البقرة

    — خالد السبت

  • سلسلة ( ختمة تعارف) سورة البقرة آية 177

    — حازم شومان

  • { لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... } يقول العلماء هذه الآية شاملة ،شملت العقائد والعبادات والمعاملات والأخلاق .

    — مجالس التدبر

  • برنامج أخذها بركة (تشريعات عظيمة) من الآية 177 إلى 188

    — محمد الربيعة

  • ما ذكره الله عز وجل في هذه الآية من العقائد والأعمال الحسنة ،هي برهان الإيمان ونوره ، والمتصفون بها هم (الذين صدقوا وأولئك هم المتقون)

    — بدون مصدر

  • آية (١٧٧) : (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآَتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآَتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) * (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (١٧٧)) و (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى (١٨٩)) ما سبب الاختلاف ؟ التعبير أصلاً مختلف ، الأولى (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) البر خبر ليس مقدّم لأن خبر أخوات كان كلها يجوز تقديمه و(أن تولوا وجوهكم) مصدر مؤول اسم ليس ، خارج القرآن معناها ليس أن تولوا وجوهكم البر . الآية الثانية (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) لا يصح لغة أن يقول ليس البرَ ، هذه الباء تدخل على الخبر ولا تدخل على الاسم مثل (وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ) (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) لا تدخل الباء على الإسم أصلاً . الآية الأولى يمكن أن يقال فيها ليس البرُ أو ليس البرَ لأنه يمكن أن يكون هناك تقديم وتأخير لكن الآية الثانية لا يمكن لأنه ما دام عندا (الباء) الباء تدخل على الخبر حتماً مزيدة على الخبر ولا تزاد في الإسم هذا قياس يعني متى ما شئت افعل في خبر (ليس) ، فإذن لا يمكن أن ننصب البرّ لأنه دخلت الباء فاقتضى أن تكون الباء داخلة على خبر (ليس) ولا يمكن غير ذلك . * (لَيسَ البرّ أنْ تولوا وُجوهَكم) استعمل القرآن الفعل المضارع بمعنى التحول والتحرك أي تولية الوجه ، ووصف البر بأنه من تتمثل فيه هذه الصفات ، وهي من الآيات الجامعة التي تبين لنا أن البر يكون ممثلا كاملا في هذا الإنسان المتصف بهذه الصفات التي تعددها الآية . * استعمل النبيين دون المرسلين لأن النبوة أوسع من الرسالة ، فكل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً . ونلحظ استعمال الجنس (والكتاب) أي جنس الكتاب . * بين الفئات التي يصلها العطاء وتستحقه ، فبدأ بذوي القربى من باب حرصه على الأرحام ، وثنى باليتامى ثم بالمساكين الذي ين يحتاج المرء إلى البحث عنهم ليعرفهم ، وهذا من التوجيهات الاجتماعية القرآنية في الرعاية المالية ، ثم ذكر ابن السبيل ليطمئن المسلم على نفسه أنى كان فإذا انقطع به المال فى سفر فإن له حقا في هذا المال ، وذكر السائلين (من سأل بالله فأعطوه) ، والسائلون ليسوا هم المساكين . ثم ختم بالرقاب ، والحقيقة أن الإسلام أبقى منفذاً واحداً للرق وهو (رقيق الحرب) ثم فتح أبواباً لإخراج العبد من حالة عبوديته بالصدقات والكفارات والترغيب في العتق ، وباباً آخر وهو(المكاتبة) وهو من مصارف الإنفاق الطوعي . * قال سبحانه (على حبه) ولم يقل وهو يحبه لأن (على) أفادت التمكن من حب المال وشدة التعلق به فنبّه بها على أبعد أحوال التعلق بالمال ، فإذا كنت في حالة شدة حبك للمال تنفقه في سبيل الله وأنت مرتاح النفس فكيف بك في أحوالك الأخرى؟ * دلالة نصب (الصابرين) ولم يقل الصابرون معطوفة على الموفون عطف على خبر لكنّ : هذا يُسمّى القطع في اللغة ويكون للأمر المهم ، ويسمى مقطوع على المدح أو الذم . وفي الآية (الصابرين) مقطوعة وهي تعني أخص أو أمدح الصابرين ، وكأننا نسلّط الضوء على المقطوع لأن الصابرين يكونون في الحرب والسلم وفي البأساء وهي عموم الشدة والإصابة في الأموال والضرّاء في البدن والدين كله صبر فقطع الصابرين لأهميتها . * الفرق بين البأساء والضراء : البأساء معناها البؤس وما فيه من الفقر والشدة والمشقة ، في الحرب وغيرها . والبأساء بمعنى الحرب أيضاً . الضراء الإصابة في الأبدان من مرض وأوجاع والإصابة في الأموال . * قال تعالى (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ ..) ولم يقل: ولكن البر أن تؤمنوا ، ليناسب الجزء الأول من الآية الذي أتى بالخبر مصدرا وباعتبار أن البر هو الإيمان لا المؤمن : جاء في الآية بالمصدر المؤول (أن تولوا = التولية ) ، وكذلك في الآية (١٨٩) (... وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى ..َ) وليس (ولكن البر أن تتقوا) . في لغة العرب يمكن أن يحذف المضاف ويقوم المضاف إليه مقامه كما في قوله تعالى (وسئل القرية) ففيها مضاف محذوف (واسأل أهل القرية) فحذف كلمة (أهل) وجعل كلمة (قرية) مكانها، وأخذت موقعها الإعرابي . فعندما يقول (ولكنّ البِرّ مَن اتّقى) كأن هذا المتقي صار هو البر بعينه . فالبِرّ الحقيقي هو هذا الذي اتقى أو الذي توفرت فيه هذه الصفات. * (أولئك الذين صدقوا) جاء باسم الإشارة (أولئك) للبعيد ليقول إن على المسلم أن يسعى ليكون مثلهم ويصل إليهم . * (وأولئك هم المتقون) جاء بالضمير (هم) ضمير الفصل يؤتى به ليميز بين الخبر والصفة ، وفيه أيضاً معنى التوكيد ، فأثبت لهم الخبرية توكيداً وتخصيصاً .

    — مختصر لمسات بيانية

  • *(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (177) البقرة) هل هناك قراءة لكلمة البرّ بالرفع؟ وما دلالة الرفع ودلالة النصب؟ وآية أخرى (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى (189) البقرة) فما الفرق؟ التعبير أصلاً مختلف (لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ (177): البر خبر ليس مقدّم لأن خبر ليس يجوز تقديمه - وخبر أخوات كان كلها أيضاً يجوز تقديمه - و(أن تولوا وجوهكم) مصدر مؤول اسم ليس، خارج القرآن معناها ليس أن تولوا وجوهكم البر. الثانية (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَـكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى (189) لا يصح في الآية الثانية أن يقول ليس البرَ لا يصح لغة.هذه الباء تدخل على الخبر ولا تدخل على الاسم مثل: (وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ (182) آل عمران) (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8) التين) لا تدخل الباء على الإسم أصلاً. الآية الأولى يمكن أن يقال فيها ليس البرُ أو ليس البرَ لأنه يمكن أن يكون هناك تقديم وتأخير لكن الآية الثانية لا يمكن لأنه ما دام عندا (الباء) الباء تدخل على الخبر حتماً مزيدة على الخبر ولا تزاد في الإسم هذا قياس يعني متى ما شئت افعل في خبر (ليس)، فإذن لا يمكن أن ننصب البرّ لأنه دخلت الباء فاقتضى أن تكون الباء داخلة على خبر (ليس) ولا يمكن غير ذلك.

    — فاضل السامرائي

و١١ وقفةً أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.

فتاوى متعلقة بالآية ١٧٧ من سورة البقرة

فتوى واحدة تتعلق بهذه الآية

ترجمات معاني الآية ١٧٧ من سورة البقرة

ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً

(177) Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allāh, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakāh; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال