الهداية الى بلوغ النهاية — مكي بن أبي طالب

عن الكتاب
ثم قال تعالى :( لَّيْسَ البِرُّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المَشْرِقِ وَالمَغْرِبِ ) [ ١٧٦ ].
أي : ليس البر الصلاة وحدها، ولكن البر الجمع لفعل هذه الخلال(١) المذكورة بعده.
قال ابن عباس : " هذا حين نزلت الفرائض وحدت الحدود " (٢). وقاله الضحاك وغيره(٣). وهو اختيار الطبري، وهو قول الربيع بن أنس(٤).
وقال قتادة : " كانت اليهود/تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق، فأعلموا أن البر ليس هو كله ما يصنعون، ولكن البر عمل هذه الخصال التي بيّنها بعد " (٥).
وقد(٦) قيل : إن هذه الآية خصوص في الأنبياء وحدهم صلوات الله عليهم، لأن هذه الأشياء التي وصفت في الآية لا يؤديها بكلتيها(٧) على حق الواجب فيها إلا الأنبياء صلوات الله(٨) عليهم، ولكن الله قد أمر جميع الخلق بالعمل بجميع ما فيها(٩).
وقوله :( وَءَاتَى المَالَ عَلَى حُبِّهِ ) [ ١٧٦ ].
أي : على محبته إياه وشحه عليه.
فالهاء في " حبه " تعود على المؤمن، أي : على حبه إياه، يعني المال(١٠). وقيل : هي راجعة على المال، أي : على حب الرجل المال. فأضيف الحب إلى المال فهو المفعول به. كما تقول : " أَعجبني أكلُ الخبز وشربُ الماء "، أي : أكلُ الرجلِ الخبزَ وشربُ الرجلِ الماءَ(١١).
وقيل : الهاء ترجع(١٢) على الإيتاء، ودل عليه : " وَأَتَى "، والتقدير : على حب الإيتاء أي : على حب الرجل الإيتاء(١٣).
وقيل :/الهاء تعود على المؤمن، وتنصب(١٤) " ذَوِي القُرْبَى " في هذا(١٥) الوجه بالحب، أي : على حب المؤمن ذوي القربى. وتنصب " ذَوِي " في الوجوه المتقدمة ب " آتَى " (١٦).
وقيل : الهاء ترجع على الله جل ذكره ؛ أي : على حُبِّ/الله "، وتنصب ذوي ب " آتى " (١٧).
قال ابن مسعود : " هُوَ أنْ يُؤْتِيَهُ وَهُوَ(١٨) صَحيحٌ شَحِيحٌ يَأْمَلُ العَيْشَ وَيَخَافُ الفَقْرَ " (١٩). ورواه ابن مسعود عن النبي [ عليه السلام ](٢٠).
وروي(٢١) عنه ﷺ أنه قال : " فِي المالِ(٢٢) حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ " (٢٣). وتلا هذه الآية.
قوله تعالى :( ذَوِي القُرْبَى ) [ ١٧٦ ] : أي ذوي الأرحام.
وسئل النبي [ عليه السلام ](٢٤) عن أفضل الصدقة فقال : " جُهْدُ المُقِلِّ عَلَى ذِي(٢٥) القَرَابَةِ الكاشِحِ(٢٦) " (٢٧).
وقوله :( وَابْنَ السَّبِيلِ ) [ ١٧٦ ]. قال قتادة : " هو الضيف " (٢٨).
وقيل : " هو المسلم يمر عليك من بلد إلى بلد ". قاله مجاهد وقتادة(٢٩).
وقيل للمسافر : " ابن السبيل "، لملازمته السبيل وهي الطريق، كما يقال لطير(٣٠) الماء : ابن الماء لملازمته الماء(٣١). ويقال للرجل الذي أتت عليه الدهور : هو ابن الأيام والليالي(٣٢).
وعلى هذا يُتأول حديث النبي [ عليه السلام ](٣٣) في قوله : " لا يَدْخُلْ الجَنَّةَ وَلَدُ زِنا " (٣٤)، معناه اللازم للزنا، جعل ابن زنا لملازمته له، كما قيل : ابن السبيل، وابن ماء(٣٥)، وابن الأيام.
وقوله :( وَالسَّائِلِينَ ) [ ١٧٦ ]. يعني به المعترضين(٣٦) الطالبين للصدقة.
وقوله :( وَفِي الرِّقَابِ ) [ ١٧٦ ].
يعني : يعان به المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودية.
وقوله :( وَأَقَامَ الصَّلاَةَ ) [ ١٧٦ ]. أي : أدام العمل بها بحدودها في أوقاتها.
قوله :( وَءَاتَى الزَّكَاةَ ) [ ١٧٦ ]. أي : أعطاها على ما فرضها الله تعالى عليه.
وقوله :( وَالمُوفُونَ بِعَهْدِهِمُ إِذَا عَاهَدُوا ) [ ١٧٦ ].
رفعت ( المُوفُونَ )(٣٧) على العطف على " مَنْ " في قوله :( وَلَكِن البِرُّ مَنَ اَمَنَ )(٣٨)، أي :(٣٩) " وَلَكِنِ البارُّ من آمن(٤٠) " على قراءة من خفف أو شدد(٤١).
وبعده :( وَالصَّابِرِينَ ) هو نصب على المدح(٤٢).
وقيل :( المُوفُونَ ) رفع على إضمار مبتدأ " وهم الموفون "، تجعله مدحاً للمضمرين(٤٣) داخلاً في صلة " من " (٤٤).
وتنصب " الصابرين " على العطف على ( ذَوِي القُرْبَى ) أو على " أعني " (٤٥). وأجاز الكسائي رفع ( المُوفُونَ )/على العطف على " مَنْ " في قوله :( وَلَكِنِ(٤٦) البِرُّ مَنَ اَمَنَ(٤٧) ) على ما(٤٨) تقدم(٤٩).
وتنصب ( وَالصَّابِرِينَ ) على العطف على ( ذَوِي القُرْبَى )(٥٠). وهو(٥١) خطأ لأنه يفرق بين الصلة(٥٢) والموصول، فيعطف على الموصول، ثم/يعطف بعده على ما في الصلة، فيفرق بين الصلة وهي :( وَالصَّابِرِينَ ) والموصول(٥٣) وهو : " مَنْ "، بِ " المُوفُونَ " : وليس بداخل في الصلة(٥٤). إنما هو معطوف على الموصول(٥٥).
وقيل : إن(٥٦) " المُوفُونَ " عطف على المضمر في " آمَنَ "، و " الصَّابِرِينَ " عطف على " ذَوِي القُرْبَى " أو على " أَعْنِي " على المدح(٥٧).
وقيل : إن " الصَّابِرِينَ " عطف على " السَّائِلِينَ "، ومعنى الكلام : والذين لا ينقضون عهد [ الله ](٥٨) بعد المعاهدة، ولكن يوفون به.
وقوله :( وَالصَّابِرِينَ فِي البَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ )(٥٩) [ ١٧٠ ].
أصل الصبر الحبس عن الشيء(٦٠).
فالمعنى : والحابسين أنفسهم عن ما يكرهه(٦١) الله عز وجل في البأساء وفي الفقر، والضراء وهي السقم. قاله ابن مسعود(٦٢).
وعنه " أن البأساء : الجوع، والضراء : المرض " (٦٣). وعنه : " البأساء : الحاجة " (٦٤). وقال قتادة : " كنا(٦٥) نحدث أن البأساء : البؤس والفقر، والضراء : السقم(٦٦) " (٦٧)/وهو قول الربيع(٦٨).
وقال قتادة أيضاً : " البأساء : البؤس، والضراء : الزمانة في الجسد " (٦٩).
قال الضحاك : " البأساء : الفقر، والضراء : المرض " (٧٠).
وقوله :( وَحِينَ البَأْسِ ) [ ١٧٦ ].
قال ابن مسعود : " وحين القتال " (٧١).
والضُّراء –بالضم- في اللغة الزمانة والمرض. والضَّراء(٧٢) بالفتح ضد النفع(٧٣). و " البأْساءُ " و " الضَّرَّاءُ " جاءوا على " فَعْلاَءَ " وليس لهما " أفْعَلُ " لأنه اسم وليس بصفة، كما جاء " أَفْعَلُ " في الكلام وليس له " فَعْلاَءُ " نحو " أَحْمَدَ ". وقد قالوا في الصفة : " أَفعَلَ "، ولم يأت منه " فَعْلاَءُ " ؛ قالوا : " أنْتَ مِنْ ذَلِكَ أَوْجَلُ " (٧٤)، ولم يقولوا : " وَجْلاءَ " (٧٥).
وقد قيل : البأساء والضراء اسمان للفعل بمعنى المصدر، فهما بمعنى البؤس والضر(٧٦)، يقعان " لمؤنث ولمذكر " (٧٧).
ثم قال :( أُوْلَئِكَ الذِينَ صَدَقُوا )(٧٨) [ ١٧٦ ].
أي : صدقوا الله في إيمانهم به(٧٩) وحققوا قولهم بفعلهم، لا مَن ولى وجهه قِبَل المشرق والمغرب وهو(٨٠) يخالف أمره(٨١) ويكتم وحيه ويُكذِّب رسله.
ثم قال :( وَأُوْلَئِكَ هُمُ المُتَّقُونَ ) [ ١٧٦ ]. أي هم الذين(٨٢) اتقوا عقاب الله، فتجنبوا معاصيه، ولم يتعدوا(٨٣) حدوده.
١ - في ق: الخصال..
٢ - انظر: جامع البيان ٣/٣٣٦، والدر المنثور ١/٤١٠-٤١١..
٣ - انظر: جامع البيان ٣/٣٣٧، وتفسير ابن كثير ١/٢٠٧..
٤ - الصحيح أن اختيار الطبري والربيع بن أنس هو قول قتادة: الذي سيأتي. انظر: جامع البيان ٣/٣٣٨..
٥ - انظر: المحرر الوجيز ٢/٥٦، ولباب النقول ٣٢، والدر المنثور ١/٤١١..
٦ - سقط من ع٣..
٧ - في ع٣: بكلتيها. وهو تحريف..
٨ - في ع٣: الله وسلامه..
٩ - انظر: معاني الفراء ١/١٠٤..
١٠ - انظر: مشكل الإعراب ١/١١٨-١١٩، والبيان ١/١٣٩..
١١ - انظر: مشكل الإعراب ١/١١٨-١١٩، والبيان ١/١٣٩..
١٢ - في ع٣: تعود..
١٣ - انظر: مشكل الإعراب ١/١١٩، والبيان ١/١٤٠..
١٤ - في ع٢، ع٣: انتصب..
١٥ - في ع٣: هذه..
١٦ - انظر: مشكل الإعراب ١/١١٩، وتفسير القرطبي ٢/٢٤٢..
١٧ - انظر: مشكل الإعراب ١/١١٩، والإملاء ١/٧٧، والبيان ١/١٤٠. وقوله: "وقيل: الهاء ترجع على الله... بآتى" ساقط من ع٣..
١٨ - قوله: "وهو" ساقط من ع٢، ع٣..
١٩ - انظر: تفسيره ٢/٨٢..
٢٠ - في ع٢، ع٣: صلى الله عليه وسلم. والحديث رواه الشيخان وأبو داود وابن ماجه.
انظر: صحيح البخاري ٢/١١٥، ٣/١٨٨، وصحيح مسلم ٢/٧١٦، وسنن أبي داود ٣/١٠٣، وسنن ابن ماجه ٢/٩٠٣..

٢١ - سقط حرف الواو من ح..
٢٢ - سقط قوله: "في المال" من ع٣..
٢٣ - رواه الدارمي وابن ماجه، والترمذي وقال: "هذا حديث ليس بذاك وأبو حمزة ميمون بن الأعور يُضَعَّفُ. انظر: سنن الدارمي ١/٣٨٥، وسنن ابن ماجه ١/٥٧٠، وسنن الترمذي ٣/٤٨-٤٩..
٢٤ - في ع٣: صلى الله عليه وسلم..
٢٥ - في ع٢: ذا. وفي ق: ذوي..
٢٦ - الكاشح هو العدو المُبغض الذي يُضمر العداوة. انظر: اللسان ٣/٢٦١..
٢٧ - رواه أبو داود، والحاكم وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجه ووافقه الذهبي". راجع السنن: ٢/٦٩- ٢/١٢٩، والمستدرك ١/٤٠٦..
٢٨ - انظر: جامع البيان ٣/٣٤٥، والمحرر الوجيز ٢/٥٨، وتفسير ابن كثير ١/٢٠٨..
٢٩ - انظر: جامع البيان ٣/٣٤٦..
٣٠ - في ع٢: الطير. وهو تحريف..
٣١ - في ع٢، ع٣: للماء..
٣٢ - انظر: مفردات الراغب ٢٢٨، والمحرر الوجيز ٢/٥٧-٥٨، واللسان ٢/٩٢..
٣٣ - في ع٣: صلى الله عليه وسلم..
٣٤ - انظر: المقاصد الحسنة: ٥٠٢، قال ابن الديبع الشيباني: "يدور على الألسنة، ولم يثبت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل قال القاضي مجد الدين الشيرازي في سفر السعادة: هو باطل. والله أعلم". راجع تمييز الطيب: ١٨٣..
٣٥ - في ع٣: الماء..
٣٦ - في ع٣: المعترضين..
٣٧ - في ح، ق: الموفين..
٣٨ - انظر: هذين التوجيهين في معاني الفراء ١/١٠٥، وإعراب القرآن ١/٢٣١، والبيان ١/١٤٠..
٣٩ - سقط من ع٢..
٤٠ - سقط قوله: "أي ولكن البار من آمن" من ع٣..
٤١ - في ع٣: ولكن أرشده. وانظر: هذه القراءة في الإملاء ١/٧٧..
٤٢ - انظر: هذين التوجيهين في معاني الفراء ١/١٠٥، وإعراب القرآن ١/٢٣١، والبيان ١/١٤٠..
٤٣ - في ع٣: للمضربين. وهو تحريف..
٤٤ - انظر: إعراب القرآن ١/٢٣١-٢٣٢، والبيان ١/١٤٠، والإملاء ١/٧٨..
٤٥ - انظر: المصدر السابق..
٤٦ - سقط من ع٢، ع٣..
٤٧ - سقط من ق..
٤٨ - سقط من ع٣..
٤٩ - انظر: الإملاء ١/٧٨..
٥٠ - انظر: هذا التوجيه في البيان ١/١٤٠، وهو قول الكسائي في تفسير القرطبي ٢/٢٤٠..
٥١ - سقط حرف الواو من ع٢..
٥٢ - سقط من ع٣..
٥٣ - سقط قوله: "ثم يعطف بعده.. والموصول" من ق..
٥٤ - سقط قوله: "فيفرق بين الصلة.. في الصلة" من ع٢..
٥٥ - انظر: إعراب القرآن ١/٢٣١-٢٣٢، والبيان ١/١٤٠، والإملاء ١/٧٨..
٥٦ - سقط من ق..
٥٧ - انظر: إعراب القرآن ١/٢٣١-٢٣٢، ومشكل الإعراب ١/١١٨، والبيان ١/١١٨، والإملاء ١/٧٨.
قوله: "وقيل إن الموفون.. على المدح" ساقط من ع٢..

٥٨ - سقط لفظ الجلالة من ع١..
٥٩ - سقط من ع١، ح، ق..
٦٠ - انظر: مفردات الراغب ٢٩٨، واللسان ٢/٤٩٦..
٦١ - في ع٣: يكرههم..
٦٢ - انظر: تفسيره ٢/٨٣..
٦٣ - انظر: المصدر السابق..
٦٤ - انظر: جامع البيان ٣/٣٤٩..
٦٥ - في ع٢، ع٣: كما. وهو تحريف..
٦٦ - في ع٣: والسقم..
٦٧ - انظر: الدر المنثور ١/٤١٧..
٦٨ - انظر: جامع البيان ٣/٣٥٠..
٦٩ - انظر: المصدر السابق..
٧٠ - انظر: جامع البيان ٣/٣٥٠، وهو أيضاً قول سفيان الثوري. انظر: تفسيره ٥٥..
٧١ - انظر: تفسيره ٢/٨٤. وهو أيضاً سفيان الثوري. انظر: تفسيره ٥٥..
٧٢ - في ح: الضر..
٧٣ - انظر: اللسان ٢/٥٢٥..
٧٤ - في ع٣: أو جعل. وهو تحريف..
٧٥ - انظر: هذا التوجيه في معاني الأخفش ١/١٥٧..
٧٦ - في ع٣: الضراء..
٧٧ - في ع٢، ع٣: لمذكر ومؤنث. وانظر: هذا القول في اللسان ١/١٥٢..
٧٨ - في ع٣: صدقوا وأولئك هم المتقون..
٧٩ - سقط من ع٢..
٨٠ - سقط من ق..
٨١ - في ع٢، ق: أوامره..
٨٢ - في ع٣: أي هم الذين صدقوا محمد ﷺ وصدقوا كتاب الله عز وجل و..
٨٣ - في ق: يتعدى. وهو خطأ..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى