جامع البيان في تأويل آي القرآن — الطبري
يعني تعالى ذكره بقوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى فرض عليكم.
فإن قال قائل : أفرض على وليّ القتيل القصاص من قاتل وليه ؟ قيل : لا ولكنه مباح له ذلك، والعفو، وأخذ الدية.
فإن قال قائل : وكيف قال : كُتِبَ عَلَيْكُم القِصَاصُ ؟ قيل : إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبت إليه، وإنما معناه : يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى، الحرّ بالحرّ، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. أي أن الحرّ إذا قتل الحرّ، فدم القاتل كفء لدم القتيل، والقصاص منه دون غيره من الناس، فلا تجاوزوا بالقتل إلى غيره ممن لم يقتل، فإنه حرام عليكم أن تقتلوا بقتيلكم غير قاتله. والفرض الذي فرض الله علينا في القصاص هو ما وصفت من ترك المجاوزة بالقصاص قتل القاتل بقتيله إلى غيره، لا أنه وجب علينا القصاص فرضا وجوب فرض الصلاة والصيام حتى لا يكون لنا تركه، ولو كان ذلك فرضا لا يجوز لنا تركه لم يكن لقوله :( فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ ) معنى مفهوم، لأنه لا عفو بعد القصاص فيقال : فمن عفي له من أخيه شيء.
وقد قيل : إن معنى القصاص في هذه الآية مقاصة ديات بعض القتلى بديات بعض، وذلك أن الآية عندهم نزلت في حزبين تحاربوا على عهد رسول الله ﷺ فقتل بعضهم بعضا، فأمر النبيّ ﷺ أن يصلح بينهم، بأن تسقط ديات نساء أحد الحزبين بديات نساء الآخرين، وديات رجالهم بديات رجالهم، وديات عبيدهم بديات عبيدهم قصاصا، فذلك عندهم معنى القصاص في هذه الآية.
فإن قال قائل : فإنه تعالى ذكره قال : كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرّ بالحُرّ والعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنَثى بالأُنَثى. فما لنا أن نقتصّ للحرّ إلا من الحرّ، ولا للأنثى إلا من الأنثى ؟ قيل : بل لنا أن نقتصّ للحرّ من العبد وللأنثى من الذكر، بقول الله تعالى ذكره :( وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُوما فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيّهِ سُلْطانا ) وبالنقل المستفيض عن رسول الله ﷺ أنه قال :«المسلمونَ تتكافأُ دِماؤُهُمْ ».
فإن قال : فإذ كان ذلك، فما وجه تأويل هذه الآية ؟ قيل : اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم : نزلت هذه الآية في قوم كانوا إذا قتل الرجل منهم عبد قوم آخرين لم يرضوا من قتيلهم بدم قاتله من أجل أنه عبد حتى يقتلوا به سيده، وإذا قتلت المرأة من غيرهم رجلاً لم يرضوا من دم صاحبهم بالمرأة القاتلة، حتى يقتلوا رجلاً من رهط المرأة وعشيرتها، فأنزل الله هذه الآية، فأعلمهم أن الذي فرض لهم من القصاص أن يقتلوا بالرجل الرجل القاتل دون غيره، وبالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال، وبالعبد العبد القاتل دون غيره من الأحرار، فنهاهم أن يتعدّوا القاتل إلى غيره في القصاص. ذكر من قال ذلك :
حدثني محمد بن المثنى، قال : حدثنا أبو الوليد، وحدثني المثنى، قال : حدثنا الحجاج، قالا : حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي في قوله : الحُرّ بالحُرّ وَالَعبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثَى. قال : نزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عمية، فقالوا : نقتل بعبدنا فلان ابن فلان، وبفلانة فلان ابن فلان، فأنزل الله : الحُرّ بالحُرّ وَالعَبْدُ بالعَبْدِ وَالأنْثَى بالأنْثَى.
حدثنا بشر، قال : حدثنا يزيد، قال : حدثنا سعيد، عن قتادة قوله : كُتِبَ عَلَيْكُم القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرّ بالحُرّ وَالعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثَى قال : كان أهل الجاهلية فيهم بغي وطاعة للشيطان، فكان الحي إذا كان فيهم عدّة ومنعة، فقتل عبد قوم آخرين عبدا لهم، قالوا : لا نقتل به إلا حرا تعززا لفضلهم على غيرهم في أنفسهم، وإذا قتلت لهم امرأة قتلتها امرأة قوم آخرين، قالوا : لا نقتل بها إلا رجلاً. فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أن العبد بالعبد والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي. ثم أنزل الله تعالى ذكره في سورة المائدة بعد ذلك فقال : وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنّ النّفْسَ بالنّفْسِ وَالعَيْنَ بالعَيْن وَالأنْفَ بالأنْفِ وَالأُذُنَ بالأذُنِ وَالسّنّ بالسّنّ والجُروحَ قِصَاصٌ.
حدثنا الحسن بن يحيى، قال : أخبرنا عبد الرزاق، قال : أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله : كُتِبَ عَلَيْكُم القِصَاص فِي القُتْلَى قال : لم يكن لمن قبلنا دية إنما هو القتل أو العفو إلى أهله، فنزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثر من غيرهم، فكانوا إذا قتل من الحي الكثير عبد، قالوا : لا نقتل به إلا حرا، وإذا قتلت منهم امرأة قالوا : لا نقتل بها إلا رجلاً، فأنزل الله : الحُرّ بالحُر والعَبْدُ بالعَبْد وَالأنْثَى بالأنْثَى.
حدثني محمد بن عبد الأعلى، قال : حدثنا المعتمر، قال : سمعت داود، عن عامر في هذه الآية : كُتِبَ عَلَيْكُم القِصَاص فِي القَتْلَى الحُرّ بالحُرّ وَالعَبْدُ بالعَبْدِ وَالأُنْثَى بالأُنْثَى قال : إنما ذلك في قتال عمية إذا أصيب من هؤلاء عبد ومن هؤلاء عبد تكافآ، وفي المرأتين كذلك، وفي الحرين كذلك، هذا معناه إن شاء الله.
حدثني المثنى، قال : حدثنا أبو حذيفة، قال : حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال : دخل في قول الله تعالى ذكره : الحُرّ بالحُرّ الرجل بالمرأة، والمرأة بالرجل. وقال عطاء : ليس بينهما فضل.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في فريقين كان بينهم قتال على عهد رسول الله ﷺ، فقتل من كلا الفريقين جماعة من الرجال والنساء، فأمر النبيّ ﷺ أن يصلح بينهم بأن يجعل ديات النساء من كل واحد من الفريقين قصاصا بديات النساء من الفريق الاَخر، وديات الرجال بالرجال، وديات العبيد بالعبيد فذلك معنى قوله : كُتِب عَلَيْكُم القِصَاص فِي القَتْلَى. ذكر من قال ذلك :
حدثنا موسى بن هارون، قال : حدثنا عمرو بن حماد، قال : حدثنا أسباط، عن السدي قوله : كُتِبَ عَلْيكُم القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرّ بالحُرّ وَالعَبْدُ بالعَبْدِ وَالأُنْثَى بالأُنْثَى. قال : اقتتل أهل ملّتين من العرب أحدهما مسلم والآخر معاهد في بعض ما يكون بين العرب من الأمر، فأصلح بينهم النبيّ ﷺ، وقد كانوا قتلوا الأحرار والعبيد والنساء على أن يؤدي الحرّ دية الحرّ، والعبد دية العبد، والأنثى دية الأنثى، فقاصهم بعضهم من بعض.
حدثني المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا عبد الله بن المبارك، عن سفيان، عن السدي عن أبي مالك قال : كان بين حيين من الأنصار قتال، كان لأحدهما على الاَخر الطّوْل، فكأنهم طلبوا الفضل، فجاء النبيّ ﷺ ليصلح بينهم، فنزلت هذه الآية : الحُرّ بالحُرّ وَالعَبْدُ بالعَبْد والأُنْثَى بالأُنْثَى فجعل النبيّ ﷺ الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى.
حدثنا المثنى، قال : حدثنا سويد بن نصر، قال : أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر، قال : سمعت الشعبي يقول في هذه الآية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى قال : نزلت في قتال عمية قال شعبة : كأنه في صلح قال : اصطلحوا على هذا.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا محمد بن جعفر، قال : حدثنا شعبة، عن أبي بشر، قال : سمعت الشعبي يقول في هذه الآية : كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرّ بالحُرّ وَالعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثَى قال : نزلت في قتال عمية، قال : كان على عهد النبيّ ﷺ.
وقال آخرون : بل ذلك أمر من الله تعالى ذكره بمقاصة دية الحر ودية العبد ودية الذكر ودية الأنثى في قتل العمد إن اقتص للقتيل من القاتل، والتراجع بالفضل والزيادة بين ديتي القتيل والمقتص منه. ذكر من قال ذلك :
حدثت عن عمار بن الحسن، قال : حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله : يا أيّها الّذينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِصَاصُ فِي القَتْلَى الحُرّ بالحُرّ وَالعَبْدُ بالعَبْدِ والأُنْثَى بالأُنْثَى. قال : حُدثنا عن علي بن أبي طالب أنه كان يقول : أيما حر قتل عبدا فهو قَوَدٌ به، فإن شاء موالي العبد أن يقتلوا الحر قتلوه، وقاصّوهم بثمن العبد من دية الحر، وأدوا إلى أولياء الحر بقية ديته. وإن عبد قتل حرا فهو به قود، فإن شاء أولياء الحر قتلوا العبد، وقاصّوهم بثمن العبد وأخذوا بقية دية الحر، وإن شاءوا أخذوا الدية كلها واستحيوا العبد. وأيّ حرّ قتل امرأة فهو بها قود، فإن شاء أولياء المرأة قتلوه وأدّوا نصف الدية إلى أولياء الحرّ. وإن امرأة قتلت حرّا فهي به قود، فإن شاء أولياء الحرّ قتلوها، وأخذوا نصف الدية، وإن شاءوا أخذوا الدية كلها واستحيوها وإن شاءوا عفوا.
حدثنا محمد بن بشار، قال : حدثنا هشام بن عبد الملك، قال : حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن أن عليا قال في رجل قتل امرأته، قال : إن شاءوا قتلوه وغرموا نصف الدية.
حدثنا محمد بن بشار قال : حدثنا يحيى، عن سعيد، عن عوف، عن الحسن، قالا : لا يقتل الرجل بالمرأة حتى يعطوا نصف الدية.
حدثنا ابن حميد، قال : حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، عن الشعبي، قال في رجل قتل امرأته عمدا، فأتوا به عليا، فقال : إن شئتم فاقتلوه، وردّوا فضل دية الرجل على دية المرأة.
وقال آخرون : بل نزلت هذه الآية في حال ما نزلت والقوم لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكنهم كانوا يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة حتى سوّى الله بين حكم جميعهم بقوله : وكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أنّ النّفْسَ بالنّفْسِ فجعل جميعهم قود بعضهم ببعض. ذكر من قال ذلك :
حدثنا المثنى قال : حدثنا أبو صالح، قال : ثني معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله : والأُنْثَى بالأُنْثَى وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل والمرأة بالمرأة، فأنزل الله تعالى : النّفْسَ بالنّفْس فجعل الأحرار في القصاص، سواء فيما بينهم في العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وما دون النفس، وجعل العبيد مستوين فيما بينهم في العمد في النفس وما دون النفس، رجالهم ونساؤهم.
فإذ كان مختلفا الاختلاف الذي وصفت فيما نزلت فيه هذه الآية، فالواجب علينا استعمالها فيما دلت عليه من الحكم بالخبر القاطع العذر. وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله ﷺ بالنقل العام أن نفس الرجل الحرّ قود قصاصا بنفس المرأة الحرّة، فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأمة مختلفة في التراجع بفضل ما بين دية الر
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"كتب عليكم القصاص في القتلى"، فُرض عليكم.
* * *
فإن قال قائل: أفرضٌ على وليّ القتيل القصاصُ من قاتل وَليّه؟
قيل: لا ولكنه مباح له ذلك، والعفو، وأخذُ الدية.
فإن قال قائل: وكيف قال:"كتب عليكم القصاص"؟
قيل: إن معنى ذلك على خلاف ما ذهبتَ إليه، وإنما معناه: يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم القصَاص في القتلى الحرّ بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى، أي أن الحر إذا قتل الحرَّ، فَدم القاتل كفءٌ لدم القتيل، والقصاصُ منه دون غيره من الناس، فلا تجاوزوا بالقتل إلى غيره ممن لم يقتل، فإنه حرام عليكم أن تقتلوا بقتيلكم غيرَ قاتله.
والفرض الذي فرضَ الله علينا في القصاص، هو ما وصفتُ من ترك المجاوزة بالقصاص قَتلَ القاتل بقتيله إلى غيره، لا أنه وجب علينا القصاص فرضًا وجُوب فرضِ الصلاة والصيام، حتى لا يكون لنا تركه. ولو كان ذلك فرضًا لا يجوز لنا تركه، لم يكن لقوله:"فَمن عُفي لهُ من أخيه شيء"، معنى مفهوم. لأنه لا عفو بعد القصاص فيقال:"فمن عفي له من أخيه شيء".
* * *
وقد قيل: إن معنى القصاص في هذه الآية، مقاصَّة ديات بعض القتلى بديات بعض. وذلك أن الآية عندهم نزلت في حِزبين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل بعضهم بعضًا، فأُمِر النبيُّ ﷺ أن يُصْلح بينهم بأن تَسقط ديات نساء أحد الحزبين بديات نساء الآخرين، ودياتُ رجالهم
* * *
فإن قال قائل: فإنه تعالى ذكره قال:"كُتب عليكم القصَاص في القتلى الحر بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى"، فما لنا أن نقتص للحر إلا من الحر، ولا للأنثى إلا من الأنثى؟
قيل: بل لنا أن نقتص للحر من العبد، وللأنثى من الذكر بقول الله تعالى ذكره: (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا) [سورة الإسراء: ٣٣]، وبالنقل المستفيض عن رسول الله ﷺ أنه قال:
٢٥٥٧- المسلمون تتكافأ دماؤهم. (١)
* * *
فإن قال: فإذ كان ذلك، فما وجه تأويل هذه الآية؟
قيل: اختلف أهلُ التأويل في ذلك. فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم كانوا إذا قتل الرجل منهم عَبد قوم آخرين، لم يرضوا من قتيلهم بدم قاتله، من أجل أنه عَبد، حتى يقتلوا به سَيّده. وإذا قتلت المرأة من غيرهم رجلا لم يرضوا من دم صاحبهم بالمرأة القاتلة، حتى يقتلوا رجلا من رهط المرأة وعشيرتها. فأنزل الله هذه الآية، فأعلمهم أن الذي فُرض لهم من القصاص أن يقتلوا بالرجل الرجلَ القاتل دون غيره، وبالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال، وبالعبد العبدَ القاتلَ دون غيره من الأحرار، فنهاهم أن يتعدَّوا القاتل إلى غيره في القصاص.
* ذكر من قال ذلك:
٢٥٥٨- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد -وحدثني المثنى
٢٥٥٩- حدثنا بشر قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"كتب عليكم القصَاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى" قال، كان أهل الجاهلية فيهم بَغْيٌ وطاعة للشيطان، فكان الحيّ إذا كان فيهم عُدة ومَنعة، فقيل عبدُ قوم آخرين عبدًا لهم، قالوا: لا نقتل به إلا حرًّا! تعززًا، لفضلهم على غيرهم في أنفسهم. وإذا قُتلت لهم امرأة قتلتها امرأةُ قوم آخرين قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا! فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أنّ العبدَ بالعبد والأنثى بالأنثى، فنهاهم عن البغي. ثم أنزل الله تعالى ذكره في سورة المائدة بعد ذلك فقال: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأنْفَ بِالأنْفِ وَالأذُنَ بِالأذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ) [سورة المائدة: ٤٥].
٢٥٦٠- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"كتب عليكم القصاص في القتلى" قال، لم يكن لمن قبلنا ديةٌ، إنما هُو القتل، أو العفوُ إلى أهله. فنزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثر من غيرهم، فكانوا إذا قتل من الحيّ الكثير عبدٌ قالوا: لا نقتل به إلا حُرًّا. وإذا قتلت منهم امرأة قالوا: لا نقتل بها إلا رجلا. فأنزل الله:"الحرّ بالحرّ والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى".
٢٥٦٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال، دخل في قول الله تعالى ذكره:"الحر بالحر"، الرجل بالمرأة، والمرأةُ بالرجل. وقال عطاء: ليس بينهما فَضل.
* * *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في فريقين كان بينهم قتالٌ على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتل من كلا الفريقين جماعةٌ من الرجال والنساء، فأُمِر النبي ﷺ أن يُصلح بينهم، بأن يجعل ديات النساء من كل واحد من الفريقين قصاصًا بديات النساء من الفريق الآخر، وديات الرجال بالرجال، وديات العبيد بالعبيد، فذلك معنى قوله:"كتب عليكم القصاص في القتلى".
* ذكر من قال ذلك:
٢٥٦٣- حدثنا موسى بن هارون قال: حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي قوله:"كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى" قال، اقتتل أهل ملتين من العرب، أحدهما مسلم والآخر معاهد، في بعض ما يكون بين العرب من الأمر، فأصلح بينهم النبيُّ ﷺ -وقد كانوا قَتلوا الأحرار والعبيد والنساء- على أن يؤدِّي الحرُّ ديةَ الحر، والعبد دية العبد، والأنثى دية الأنثى، فقاصَّهم بعضَهم من بعض.
٢٥٦٤- حدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا عبد الله
٢٥٦٦- حدثنا المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر قال، أخبرنا ابن المبارك، عن شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت الشعبي يقول في هذه الآية:"كتب عليكم القصاص في القتلى" قال، نزلت في قتال عُمية. قال شعبة: كأنه في صلح. قال: اصطلحوا على هذا.
٢٥٦٧- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا محمد بن جعفر قال، حدثنا شعبة عن أبي بشر قال: سمعت الشعبي يقول في هذه الآية:"كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى" قال، نزلت في قتال عُمية"، (٢) قال: كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم.
* * *
وقال آخرون: بل ذلك أمرٌ من الله تعالى ذكره بمقاصَّة دية الحرّ ودية العبد، ودية الذكر ودية الأنثى، في قتل العمد - إن اقتُصَّ للقتيل من القاتل، والتراجع بالفضل والزيادة بين ديتي القتيل والمقتص منه.
* ذكر من قال ذلك:
٢٥٦٨- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى" قال، حُدِّثنا عن علي بن أبي طالب أنه
(٢) سلف شرح"عمية" في ص: ٣٥٩، تعليق: ١.
٢٥٦٩- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا هشام بن عبد الملك قال، حدثنا حماد بن سلمة، عن قتادة، عن الحسن: أن عليًّا قال في رجل قتل امرأته، قال: إن شاءوا قَتلوه وغَرِموا نصف الدية.
٢٥٧٠- حدثنا محمد بن بشار قال، حدثنا يحيى، عن سعيد، عن عوف، عن الحسن قال: لا يُقتل الرجل بالمرأة، حتى يُعطوا نصف الدية.
٢٥٧١- حدثنا ابن حميد قال، حدثنا جرير، عن مغيرة، عن سماك، عن الشعبي، قال، في رجل قَتل امرأته عمدًا، فأتوا به عليًّا فقال: إن شئتم فاقتلوه، ورُدُّوا فضل دية الرجل على دية المرأة.
* * *
وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في حال مَا نزلت، والقومُ لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكنهم كانوا يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، حتى سَوَّى الله بين حكم جميعهم بقوله: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) [سورة المائدة: ٤٥]، فجعل جميعَهم قَوَدَ بعضهم ببعض.
* ذكر من قال ذلك:
٢٥٧٢- حدثنا المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله:"والأنثى بالأنثى"،
* * *
قال أبو جعفر: (١) فإذ كان مُختلَفًا الاختلافُ الذي وصفتُ، فيما نزلت فيه هذه الآية، فالواجب علينا استعمالها، فيما دلت عليه من الحُكم، بالخبر القاطع العذرَ. وقد تظاهرت الأخبار عن رَسول الله ﷺ بالنقل العامِّ: أن نفس الرجل الحر قَوَدٌ قصَاصًا بنفس المرأة الحرة. فإذ كان ذلك كذلك، وكانت الأمَّة مختلفة في التراجع بفضل مَا بين دية الرجل والمرأة -على ما قد بَيَّنا من قول عليّ وغيره- كان واضحًا (٢) فسادُ قول من قال بالقصاص في ذلك. والتراجع بفضل ما بين الديتين، بإجماع جميع أهل الإسلام: على أن حرامًا على الرجل أن يتلف من جَسده عضوًا بعوض يأخذه على إتلافه، فدعْ جميعَه = وعلى أن حرامًا على غيره إتلاف شيء منه -مثل الذي حُرِّم من ذلك- بعوَض يُعطيه عليه. (٣) فالواجب أن تكون نفسُ الرجل الحر بنفس المرأة الحرة قَوَدًا.
وإذ كان ذلك كذلك، كان بيّنًا بذلك أنه لم يرد بقوله تعالى ذكره:"الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى" أن لا يقادَ العبدُ بالحرّ، وأن لا تُقتل الأنثى بالذكر ولا الذكر بالأنثى. وإذْ كان ذلك كذلك، كان بيِّنًا أن الآية معنيٌّ بها أحد المعنيين الآخرين. إمّا قولنا: من أنْ لا يُتَعدَّى بالقصاص إلى غير القاتل والجاني، فيؤخذ بالأنثى الذكر وبالعبد الحر. وإمّا القول الآخر: وهو أن تكون
(٢) في المطبوعة: "وكان واضحًا"، والصواب حذف الواو.
(٣) سياق العبارة: "كان واضحًا فساد من قال بالقصاص... بإجماع جميع أهل الإسلام على أن حرامًا على الرجل... وعلى أن حرامًا على غيره... ".
وقد أجمع الجميع -لا خلاف بينهم- على أن المقاصَّة في الحقوق غير واجبة، وأجمعوا على أن الله لم يقض في ذلك قضاء ثم نَسخه. وإذ كان كذلك، وكان قوله تعالى ذكره:"كُتب عليكم القصَاص" ينبئ عن أنه فَرضٌ، كان معلومًا أن القول خلافُ ما قاله قائل هذه المقالة. لأن ما كان فرضًا على أهل الحقوق أن يفعلوه، فلا خيارَ لهم فيه. والجميع مجمعون على أنّ لأهل الحقوق الخيارَ في مقاصَّتهم حقوقهم بعضَها من بعض. فإذْ تبيَّنَ فسادُ هذا الوجه الذي ذكرنا، فالصحيح من القول في ذلك هو ما قلنا.
* * *
فإن قال قائل: = إذْ ذكرتَ أن معنى قوله:"كتب عليكم القصاص" - بمعنى: فُرض عليكم القصاص =: لا يعرف (١) لقول القائل:"كتب" معنًى إلا معنى: خط ذلك، فرسم خطًّا وكتابًا، فما برهانك على أن معنى قوله:"كتب" فُرِض؟
قيل: إن ذلك في كلام العرب موجودٌ، وفي أشعارهم مستفيض، ومنه قول الشاعر: (٢)
| كُتِبَ القَتْلُ وَالقِتَالُ عَلَيْنَا | وَعَلَى المُحْصَنَاتِ جَرُّ الذُّيُولِ (٣) |
(٢) هو عمر بن أبي ربيعة، أو عبد الله بن الزبير الأسدي.
(٣) ديوان عمر: ٤٢١، والبيان والتبيين ٢: ٢٣٦، والكامل ٢: ١٥٤، وتاريخ الطبري ٧: ١٥٨، وأنساب الأشراف ٥: ٢٦٤، والأغاني ٩: ٢٢٩. ولهذا الشعر خبر. وذلك أن مصعب بن الزبير، لما خرج إلى المختار بن أبي عبيد الثقفي المتنبئ فظفر به وقتله، كان فيمن أخذ امرأته عمرة بنت النعمان بن بشير، فلما سألها عنه قالت: رحمة الله عليه، إن كان عبدًا من عباد الله الصالحين: فكتب مصعب إلى أخيه عبد الله إنها تزعم أنه نبي! فأمر بقتلها. وقتلها الذي تولى قتلها قتلا فظيعًا، فاستنكره الناس، وقالوا فيه، وممن عمر:
| إِنَّ مِنْ أَعْجَبِ العَجَائِبِ عِنْدي | قَتْلُ بيضاءَ حُرَّةٍ عُطْبُولِ |
| قُتِلَتْ هكذا عَلَى غَيْرِ جُرْم | إِنَّ لِلهِ دَرَّهَا من قَتِيلِ |
| كُتِبَ القتل... | ................... |
| يَا بِنْتَ عَمِّي، كِتَابُ اللهِ أَخْرَجَنِي | عَنْكُم، فَهَلْ أَمْنَعَنَّ اللهَ مَا فَعَلا! (١) |
فمعنى قوله: -إذ كان ذلك كذلك-"كُتب عليكم القصاص"، كتب عليكم في اللوح المحفوظ القصَاصُ في القتلى، فَرضًا، أن لا تقتلوا بالمقتول غير قاتله.
* * *
وأما"القصاص" فإنه من قول القائل:"قاصصتُ فلانًا حقّي قِبَلهُ من حَقه قبلي، قصاصًا ومُقاصَّة". فقتل القاتل بالذي قتله"قصاص"، لأنه مفعول به مثلُ الذي فعَل بمن قتله، وإن كان أحد الفعلين عُدوانًا والآخر حَقًّا. فهما وإن اختلفا من هذا الوجه، فهما متفقان في أن كل واحد قد فعَل بصاحبه مثل
* * *
وأما"القتلى" فإنها جمع"قتيل" كما"الصرعى" جمع"صريع"، والجرحى جمع"جريح". وإنما يجمع"الفعيل" على"الفعلي"، إذا كان صفة للموصوف به، بمعنى الزمانة والضرر الذي لا يقدر معه صاحبه على البراح من موضعه ومصرعه، (١) نحو القتلى في معاركهم، والصرعى في مواضعهم، والجرحى، وما أشبه ذلك.
* * *
فتأويل الكلام إذًا: فُرض عليكم، أيها المؤمنون، القصاصُ في القتلى: أن يُقتص الحر بالحرّ، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى. ثم ترك ذكر"أن يقتص" اكتفاءً بدلالة قوله:"كُتب عليكم القصاص" = عليه.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾
قال أبو جعفر: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: تأويله: فمن تُرك له من القتل ظلمًا، من الواجب كان لأخيه عليه من القصَاص -وهو الشيء الذي قال الله:"فمن عُفي له من أخيه شيء"- فاتباعٌ من العافي للقاتل بالواجب له قبَله من الدية، وأداءٌ من المعفوِّ عنه ذلك إليه بإحسان.
* ذكر من قال ذلك:
٢٥٧٤- حدثني المثنى قال، حدثنا حجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، حدثنا عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس أنه قال في قوله:"فمن عُفي له من أخيه شيءٌ فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان"، فقال: هو العمد، يرضى أهله بالدية، واتباع بالمعروف: أُمر به الطالب = وأداء إليه بإحسان من المطلوب.
٢٥٧٥- حدثنا محمد بن علي بن الحسن بن شقيق قال، حدثنا أبي -وحدثني المثنى قال، حدثنا سويد بن نصر- قالا جميعًا، أخبرنا ابن المبارك، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس قال، الذي يقبل الدية، ذلك منه عفوٌ واتباعٌ بالمعروف، ويؤدِّي إليه الذي عُفي له من أخيه بإحسان. (١)
٢٥٧٦- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسان"، وهي الدية: أن يحسن الطالبُ الطلبَ = وأداء إليه بإحسان: وهو أن يحسن المطلوبُ الأداءَ.
٢٥٧٧- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف
٢٥٧٨- حدثنا سفيان قال، حدثنا أبي، عن سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فمن عُفي له من أخيه شيء" قال، الدية.
٢٥٧٩- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي، عن يزيد، عن إبراهيم، عن الحسن:"وأداء إليه بإحسان" قال، على هذا الطالب أن يطلبَ بالمعروف، وعلى هذا المطلوب أن يؤدي بإحسان.
٢٥٨٠- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف"، والعفوُّ: الذي يعفو عن الدم، ويأخذ الدية.
٢٥٨١- حدثني محمد بن المثنى قال، حدثنا أبو الوليد قال، حدثنا حماد، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي في قوله:"فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان" قال، هو العمد، يرضى أهله بالدية.
٢٥٨٢- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج قال، حدثنا حماد، عن داود، عن الشعبي مثله.
٢٥٨٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"فمن عُفي له من أخيه شَيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان"، يقول: قُتل عمدًا فعُفي عنه، وقبلت منه الدية. يقول:"فاتباع بالمعروف"، فأمر المتبع أن يتبع بالمعروف، وأمرَ المؤدِّي أن يؤدي بإحسان، والعمد قَوَدٌ إليه قصاص، لا عَقل فيه، (١) إلا أن يرضَوا بالدية. فإن رضوا بالدية، فمئة خَلِفَة. (٢) فإن قالوا: لا نرضى إلا بكذا وكذا. فذاك لهم.
(٢) الخلفة (بفتح الخاء وكسر اللام) : الحامل من النوق. وليس لها جمع من لفظها، بل يقال هي"مخاض"، كما يقال: امرأة ونساء.
٢٥٨٥- حدثت عن عمار قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع، في قوله:"فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان"، يقول: فمن قتل عمدًا فعفي عنه، وأخذت منه الدية، يقول:"فاتباع بالمعروف"، أمِر صاحبُ الدية التي يأخذها أن يتبع بالمعروف، وأمِر المؤدِّي أن يؤدي بإحسان.
٢٥٨٦- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، قلت لعطاء: قوله:"فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان" قال، ذلك إذا أخذ الدية، فهو عفوٌ.
٢٥٨٧- حدثنا الحسن قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، أخبرني القاسم بن أبي بزة، عن مجاهد قال: إذا قبل الدية فقد عفا عن القصاص، فذلك قوله:"فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان"، قال ابن جريج: وأخبرني الأعرج، عن مجاهد مثل ذلك، وزاد فيه: - فإذا قبل الدية فإن عليه أن يتبع بالمعروف، وعلى الذي عُفى عنه أن يُؤدي بإحسان.
٢٥٨٨- حدثنا المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا أبو عقيل قال، قال الحسن: أخذ الدية عفوٌ حَسن.
٢٥٨٩- حدثنا يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد:"وأداء إليه بإحسان" قال، أنتَ أيها المعفوُّ عنه.
٢٥٩٠- حدثني محمد بن سعد، قال: حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله:"فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع
* * *
وقال آخرون معنى قوله:"فمن عُفي"، فمن فَضَل له فضل، وبقيتْ له بقية. وقالوا: معنى قوله:"من أخيه شيء": من دية أخيه شيء، أو من أرْش جراحته، (١) فاتباع منه القاتلَ أو الجارحَ الذي بَقي ذلك قبله - بمعروف، وأداء = من القاتل أو الجارح = إليه ما بقي قبله له من ذلك بإحسان.
وهذا قول من زعم أن الآية نزلت - أعني قوله:"يا أيها الذين آمنوا كُتب عَليكم القصاص في القتلى" - في الذين تحاربوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأُمِر رسول الله ﷺ أن يُصلح بينهم، فيقاصَّ ديات بعضهم من بعض، ويُردّ بعضُهم على بعض بفضل إن بَقي لهم قبل الآخرين. وأحسب أن قائلي هذا القول وَجَّهوا تأويل"العفو" -في هذا الموضع- إلى: الكثرة من قول الله تعالى ذكره: (حَتَّى عَفَوْا) [سورة الأعراف: ٩٥]. فكأنّ معنى الكلام عندهم: فمن كثر له قبَل أخيه القاتل.
* ذكر من قال ذلك:
٢٥٩١- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو بن حماد قال، حدثنا أسباط، عن السدي:"فمنَ عُفي له من أخيه شيء"، يقول: بقي له من دية أخيه شَيءٌ أو من أرش جراحته، فليتبع بمعروف، وليؤدِّ الآخرُ إليه بإحسان.
* * *
والواجب على تأويل القول الذي روينا عن علي والحسن - في قوله:"كُتب عليكم القصاص" أنه بمعنى: مُقاصّة دية النفس الذكَر من دية نَفس الأنثى، والعبد من الحر، والتراجع بفضل ما بين ديتي أنفسهما - أن يكون معنى قوله:
* * *
قال أبو جعفر: وأولى الأقوال عندي بالصواب في قوله:"فمن عُفي له من أخيه شيء": فمن صُفح له - من الواجب كان لأخيه عليه من القود - عن شيء من الواجب، على دية يأخذها منه، فاتباعٌ بالمعروف = من العافي عن الدم، الراضي بالدية من دم وليه = وأداء إليه - من القاتل - ذلك بإحسان. لما قد بينا من العلل فيما مضى قبل: من أنّ معنى قول الله تعالى ذكره:"كُتب عليكم القصاص"، إنما هو القصَاص من النفوس القاتلة أو الجارحة أو الشاجَّة عمدًا. كذلك"العفو" أيضًا عن ذلك.
وأما معنى قَوله:"فاتباع بالمعروف"، فإنه يعني: فاتباع على ما أوجبه الله لهُ من الحقّ قبَل قاتل وليه، من غير أن يزداد عليه ما ليس له عليه - في أسنان الفرائض أو غير ذلك (١) - أو يكلفه ما لم يوجبه الله له عليه، كما:-
٢٥٩٢- حدثني بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قال: بلغنا عن نبي الله ﷺ أنه قال:"من زاد أو ازداد بعيرًا" - يعني في إبل الديات وفرائضها - فمن أمر الجاهلية. (٢)
* * *
وأما إحسان الآخر في الأداء، فهو أداءُ ما لَزِمه بقتله لولي القتيل، على
(٢) الحديث: ٢٥٩٢- هذا حديث مرسل، إذ يرويه"قتادة"، وهو تابعي. ولم أجده في مكان آخر ولا ذكره السيوطي.
* * *
فإن قال لنا قائل: وكيف قيل:"فاتباعٌ بالمعروف وأداء إليه بإحسان"، ولم يَقل فاتباعًا بالمعروف وأداءً إليه بإحسان، كما قال: (فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ) [سورة محمد: ٤] ؟ قيل: لو كان التنزيل جاء بالنصب، وكان: فاتباعًا بالمعروف وأداءً إليه بإحسان- كان جائزًا في العربية صحيحًا، على وجْه الأمر، كما يقال:"ضربًا ضَربًا = وإذا لقيت فلانًا فتبجيلا وتعظيمًا"، غير أنه جاءَ رفعًا، وهو أفصح في كلام العرب من نصبه. وكذلك ذلك في كل ما كان نظيرًا له، مما يكون فرضًا عامًّا - فيمن قد فعل، وفيمن لم يفعل إذا فعل- لا ندبًا وحثًّا. ورفعه على معنى: فمن عفي له من أخيه شيء، فالأمر فيه: اتباعٌ بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسان، أو فالقضاء والحكم فيه: اتباع بالمعروف.
وقد قال بعض أهل العربية: رفع ذلك على معنى: فمن عفي له من أخيه شيء، فعليه اتباعٌ بالمعروف. وهذا مذهب، والأول الذي قلناه هو وجه الكلام. وكذلك كلّ ما كان من نظائر ذلك في القرآن، فإن رفعَه على الوجه الذي قُلناه. وذلك مثل قوله: (وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ) [سورة المائدة: ٩٥]، وقوله: (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) [سورة البقرة: ٢٢٩]. وأما قوله: (فَضَرْبَ الرِّقَابِ)، فإن الصواب فيه النصب، وهو وجه الكلام، لأنه على وجه الحثّ من الله تعالى ذكره عبادَه على القتل عند لقاء العدو، كما يقال:"إذا لقيتم العدو فتكبيرًا وتهليلا"، على وجه الحضّ على التكبير، لا على وجه الإيجاب والإلزام. (١)
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"ذلك"، هذا (١) الذي حكمت به وسَننته لكم، من إباحتي لكم -أيتها الأمة- العفوَ عن القصاص من قاتل قتيلكم، على دية تأخذونها فتملكونها ملككم سائر أموالكم التي كنت مَنعتها مَن قبلكم من الأمم السالفة ="تخفيف من ربكم"، يقول: تخفيف مني لكم مما كنت ثَقَّلته على غيركم، بتحريم ذلك عليهم ="ورحمة"، مني لكم. كما:-
٢٥٩٣- حدثنا أبو كريب وأحمد بن حماد الدولابي قالا حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان في بني إسرائيل القصاصُ ولم تكن فيهم الدية، فقال الله في هذه الآية:"كُتب عليكم القصاصُ في القتلى الحر بالحر" إلى قوله:"فمَن عُفي له من أخيه شيء"، فالعفو: أن يقبل الدية في العمد ="ذلك تخفيف من ربكم". يقول: خفف عنكم ما كان على مَنْ كان قبلكم: أن يطلب هذا بمعروف، ويؤدي هذا بإحسان. (٢)
(٢) الحديث: ٢٥٩٣- أحمد بن حماد بن سعيد بن مسلم الأنصاري الرازي الدولابي: هو والد"أبي بشر محمد بن أحمد الدولابي" صاحب كتاب الكنى والأسماء. وقد رفعنا نسبه نقلا عن تذكرة الحفاظ ٢: ٢٩١في ترجمة ابنه الحافظ. وأحمد بن حماد هذا: ثقة، ترجمه ابن أبي حاتم١/١/٤٩، فلم يذكر فيه جرحًا، وذكر أن أباه أبا حاتم سمع منه.
سفيان: هو ابن عيينة.
والحديث رواه عبد الرزاق في تفسيره، ص: ١٦، بنحوه. بإسنادين: عن معمر، عن أبي نجيح، عن مجاهد. وعن ابن عيينة -كالإسناد هنا إلى مجاهد- عن ابن عباس.
ورواه البخاري ١٢: ١٨٣ (فتح)، عن قتيبة بن سعيد، عن سفيان. بهذا الإسناد.
وذكره السيوطي١: ١٧٣، وزاد نسبته لسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، والنسائي، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وغيرهم.
وذكره ابن كثير ١: ٣٩٤، من رواية سعيد بن منصور، عن سفيان. ثم قال: "وقد رواه غير واحد عن عمرو. وأخرجه ابن حبان في صحيحه عن عمرو بن دينار". فقد سها -رحمه الله- عن أن البخاري رواه في صحيحه، فنسبه لصحيح ابن حبان، ولم يذكر البخاري.
٢٥٩٥- حدثني المثنى قال، حدثنا الحجاج بن المنهال قال، حدثنا حماد بن سلمة قال، أخبرنا عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس:"ذلك تخفيف من ربكم ورحمة" - مما كان على بني إسرائيل، يعني: من تحريم الدية عليهم.
٢٥٩٦- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: كان على بني إسرائيل قصاص في القتل، ليس بينهم دية في نَفس ولا جَرْح، وذلك قول الله: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ) الآية كلها [سورة المائدة: ٤٥]، وخفف الله عن أمة محمد صلى الله عليه وسلم، فقبل منهم الدية في النفس وفي الجراحة، وذلك قوله تعالى:"ذلك تخفيفٌ من ربكم" بينكم.
٢٥٩٧- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة قوله:"ذلك تخفيف من ربكم ورحمة"، وإنما هي رحمة رَحم الله بها هذه الأمة، أطعمهم الدية، وأحلَّها لهم، ولم تحلَّ لأحد قبلهم. فكان أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو، وليس بينهما أرْش، وكان أهل الإنجيل إنما هو عفوٌ، أمروا به. فجعل الله لهذه الأمة القوَد والعفو والدية إن شاءوا، أحلها لهم، ولم تكن لأمة قبلهم.
٢٥٩٨- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن
٢٥٩٩- حدثنا الحسن بن يحيى قال، أخبرنا عبد الرزاق قال، أخبرنا معمر، عن قتادة في قوله:"كتب عليكم القصاص في القتلى" قال، لم يكن لمن قبلنا دية، إنما هو القتل أو العفو إلى أهله. فنزلت هذه الآية في قوم كانوا أكثرَ من غيرهم.
٢٦٠٠- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج، عن ابن جريج قال، وأخبرني عمرو بن دينار، عن ابن عباس قال: إنّ بني إسرائيل كان كتب عليهم القصاص، وخفف عن هذه الأمة - وتلا عمرو بن دينار:"ذلك تخفيف من رَبكم ورحمة".
* * *
وأما على قول من قال: القصاص في هذه الآية معناه: قصاصُ الديات بعضها من بعض، على ما قاله السدي، فإنه ينبغي أن يكون تأويله: هذا الذي فعلتُ بكم أيها المؤمنون = من قصاص ديات قَتلى بعضكم بديات بعض، وترك إيجاب القوَد على الباقين منكم بقتيله الذي قَتله وأخذه بديته = تخفيفٌ منّي عنكم ثِقْلَ ما كان عليكُم من حكمي عليكم بالقوَد أو الدية، ورحمة مني لكم.
* * *
القول في تأويل قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَىٰ بَعْدَ ذَٰلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
قال أبو جعفر: يعني تعالى ذكره بقوله:"فمن اعتدى بعد ذلك"، فمن تجاوز ما جَعله الله له بعدَ أخذه الدّية، اعتداءً وظلمًا إلى ما لم يُجعل له من قتل قاتِل وليه وسفك دمه، فله بفعله ذلك وتعدِّيه إلى ما قد حرمته عليه، عذابٌ أليم.
* ذكر من قال ذلك:
٢٦٠١- حدثني محمد بن عمرو قال، حدثنا أبو عاصم قال، حدثنا عيسى، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فمن اعتدى بعد ذلك"، فقتل،"فله عذابٌ أليم".
٢٦٠٢- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد:"فمن اعتدى"، بعد أخذ الدية،"فله عذاب أليم".
٢٦٠٣- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد بن زريع، عن سعيد، عن قتادة قوله:"فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم"، يقول: فمن اعتدى بعد أخذه الدية فقتل، فله عذاب أليم. قال: وذُكِر لنا أن رسول الله ﷺ كان يقول:"لا أعافي رجلا قَتل بَعد أخذه الدية. (٢)
(٢) الحديث: ٢٦٠٣- وهذا رواه أيضًا قتادة -التابعي- مرفوعًا، فهو مرسل. وكذلك ذكره السيوطي ١: ١٧٣، عن قتادة، ونسبه للطبري وابن المنذر فقط.
وقد روى المرفوع منه - عبد الرزاق في تفسيره، ص: ١٦، عن معمر، عن قتادة مرسلا أيضًا.
ثم ذكر السيوطي اللفظ المرفوع، ونسبه لسمويه في فوائده، عن سمره. وقد قصر فيه جدًا، كما قصر في الجامع الصغير: ٩٧٠١، إذ ذكره أيضًا، ونسبه للطيالسي -فقط- عن جابر، يعني جابر بن عبد الله.
وحديث الطيالسي -عن جابر-: هو في مسنده: ١٧٦٣، عن حماد بن سلمة، عن مطر الوراق، عن رجل، عن جابر، فذكره مرفوعًا.
وقد رواه أحمد في المسند: ١٤٩٦٨، عن عفان، عن حماد بن سلمة: "أخبرنا مطر، عن رجل، أحسبه الحسن، عن جابر بن عبد الله". وكذلك رواه أبو داود في السنن: ٤٥٠٧، عن موسى بن إسماعيل، عن حماد بن سلمة، به.
فتقصير السيوطي: أن نسبه للطيالسي وحده، وهو في أحد الكتب الستة ومسند أحمد.
وعلى كل حال، فحديث جابر ضعيف، لأن إسناده رجلا مبهمًا، أو رجل شك فيه مطر الوراق.
وحديث الحسن عن سمرة، ذكره أيضًا ابن كثير ١: ٣٩٥ قال، "وقال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة... "، فذكره مرفوعًا.
فهذا إسناد يمكن أن يكون صحيحًا، لو علمنا إسناده إلى سعيد بن أبي عروبة، ومن الذي رواه من طريقه؟ إذا لم أجده بعد طول البحث. ولو وجدناه لكان وصلا لهذا المرسل الذي رواه الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة.
٢٦٠٥- حدثت عن عمار بن الحسن قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع قوله:"فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم"، يقول: فمن اعتدى بعد أخذه الديةَ، فله عذاب أليم.
٢٦٠٦- حدثنا سفيان بن وكيع قال، حدثني أبي، عن يزيد بن إبراهيم، عن الحسن قال، كان الرجل إذا قتل قتيلا في الجاهلية فرَّ إلى قومه، فيجيء قومه فيصالحون عنه بالدية قال، فيخرج الفارُّ وقد أمن على نفسه قال، فيُقتل ثم يُرْمى إليه بالدية، فذلك"الاعتداء".
٢٦٠٧- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا أبو عقيل قال، سمعت الحسن في هذه الآية:"فمن عُفي لهُ من دم أخيه شيء" قال، القاتلُ إذا طُلب فلم يُقدر عليه، وأُخِذ من أوليائه الدية، ثم أمن، فأخِذ فقُتِل. قال الحسن: ما أكل عُدوانٌ.
٢٦٠٨- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا هارون بن سليمان قال، قلت لعكرمة: من قتل بعد أخذه الدية؟ قال: إذًا يُقتل! أما سمعت الله يقول:"فمن اعتدى بعدَ ذلك فله عذابٌ أليم"؟
٢٦٠٩- حدثني موسى بن هارون قال، حدثنا عمرو قال، حدثنا أسباط،
٢٦١٠- حدثني محمد بن سعد قال، حدثني أبي قال، حدثني عمي قال، حدثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس:"فمن اعتدى بعد ذلك"، يقول: فمن اعتدى بعد أخذه الدية، فله عذاب أليم.
٢٦١١- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله:"فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم" قال، أخذ العَقْل، ثم قَتل بعد أخذ العقل قاتلَ قتيله، فله عذاب أليم.
* * *
واختلفوا في معنى"العذاب الأليم" الذي جعله الله لمن اعتدى بعد أخذه الدية من قاتل وليِّه.
فقال بعضهم: ذلك"العذابُ" هو القتلُ بمن قتله بعد أخذ الدية منه، وعفوه عن القصاص منه بدم وليِّه.
* ذكر من قال ذلك:
٢٦١٢- حدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي قال، حدثنا هشيم قال، أخبرنا جويبر، عن الضحاك في قوله:"فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم" قال، يقتل، وهو العذاب الأليم = يقول: العذاب المُوجع.
٢٦١٣- حدثني يعقوب قال، حدثني هشيم قال، حدثنا أبو إسحاق، عن سعيد بن جبير أنه قال ذلك.
٢٦١٤- حدثني المثنى قال، حدثنا مسلم بن إبراهيم قال، حدثنا القاسم قال، حدثنا هارون بن سليمان، عن عكرمة:"فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم" قال، القتلُ.
* * *
وقال بعضهم: ذلك"العذابُ" عقوبة يعاقبه بها السلطان على قدر ما يَرَى من عقوبته.
٢٦١٥- حدثني القاسم بن الحسن قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج قال، قال ابن جريج، أخبرني إسماعيل بن أمية، عن الليث = غير أنه لم ينسبه، وقال: ثقة =: أن النبي ﷺ أوجبَ بقسَمٍ أو غيره أن لا يُعفي عن رَجل عَفا عن الدم وأخذ الدية، ثم عَدا فَقتل، قال ابن جريج: وأخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز قال: في كتاب لعمرَ عن النبي ﷺ قال، و"الاعتداء" الذي ذكر الله: أنّ الرجل يأخذ العقلَ أو يقتصُّ، أو يقضي السلطان فيما بين الجراح، ثم يعتدي بعضُهم من بعد أن يستوعبَ حقه. فمن فعل ذلك فقد اعتدى، والحكم فيه إلى السلطان بالذي يرى فيه من العقوبة قال: ولو عفا عنه، لم يكن لأحد من طلبة الحق أن [يعفو] (١) لأن هذا من الأمر الذي أنزل الله فيه قوله: (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) [سورة النساء: ٥٩]. (٢)
٢٦١٦- حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا عبد الواحد بن زياد، عن يونس،
(٢) الحديث: ٢٦١٥- هو في الحقيقة حديثان، رواهما ابن جريج، ولم أجدهما في مكان آخر. ولكني لا أسيغ لفظهما أن يكون من ألفاظ النبوة، ولا عليه شيء من نورها. وهو بألفاظ الفقهاء أشبه!
فأولهما: رواه ابن جريج، عن إسماعيل بن أمية، عن رجل اسمه"الليث": "غير أنه لم ينسبه" - فلا أعرف من"الليث" هذا؟ وأما إسماعيل بن أمية: فإنه ثقة، يروي عن التابعين. مترجم في التهذيب. والكبير ١/٥١/٣٤، وابن أبي حاتم ١/١/١٥٩، ونسب قريش: ١٨٢، وجمهرة الأنساب لابن حزم: ٧٤.
وثانيهما: رواه ابن جريج، عن عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، عن"كتاب لعمر عن النبي صلى الله عليه وسلم". والظاهر أنه يريد كتابًا لعمر بن عبد العزيز. ومن المحتمل أن يكون كتابًا لعمر بن الخطاب.
وعبد العزيز بن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: ثقة، وثقه ابن معين وغيره. مترجم في التهذيب. وابن أبي حاتم ٢/٢/٣٨٩.
* * *
قال أبو جعفر: وأولى التأويلين بقوله:"فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم"، تأويلُ من قال: فمن اعتدى بعد أخذه الدية، فَقتلَ قاتلَ وليه، فله عذاب أليم في عاجل الدنيا، وهو القتل. لأن الله تعالى جعل لكل وليِّ قتيلٍ قُتل ظلمًا، سلطانًا على قاتل وليه، فقال تعالى ذكره (وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ) [سورة الإسراء: ٣٣]. فإذ كان ذلك كذلك: وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على أن من قَتل قاتلَ وليه بعد عفوه عنه وأخذِه منه دية قتيله، أنه بقتله إياه له ظالم في قتله - كان بَيِّنًا أن لا يولِّي من قَتله ظُلمًا كذلك، السلطانَ عليه في القصاص والعفو وأخذ الدية، أيّ ذلك شاء. (٢) وَإذا كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن ذلك عذابُه، لأن من أقيم عليه حدُّه في الدنيا، كان ذلك عقوبته من ذنبه، ولم يكن به متَّبَعًا في الآخرة، على ما قد ثبت به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. (٣)
عبد الواحد بن زياد العبدي البصري: أحد الأعلام الثقات. مترجم في التهذيب، والصغير للبخاري: ٢٠٢، وذكر أنه مات سنة ١٧٩، وابن أبي حاتم ٣/١/٢٠-٢١، وابن سعد ٧/٢/٤٤.
يونس: هو ابن عبيد بن دينار العبدي، وهو ثقة، من أوثق أصحاب الحسن وأثبتهم. مترجم في التهذيب. والكبير ٤/٢/٤٠٢، والصغير: ١٦٠، وابن سعد ٧/٢/٢٣-٢٤، وابن أبي حاتم ٤/٢/٢٤٢.
(٢) في هذه العبارة غموض، وأخشى أن يكون قد سقط من الكلام شيء، ولكن المعنى العام ظاهر.
(٣) كالذي رواه البخاري من حديث عبادة بن الصامت قال: "بايعت رسول الله ﷺ في رهط فقال: أبايعكم على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا أولادكم، ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم، ولا تعصوني في معروف. فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فأخذ به في الدنيا، فهو كفارة له وطهور، ومن ستره الله فذلك إلى الله، إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" (البخاري: كتاب الحدود ٨: ١٦٢).
تفسير القرآن العظيم — ابن كثير
وذكر في [ سبب ](٦) نزولها ما رواه الإمام أبو محمد بن أبي حاتم : حدثنا أبو زُرْعَة، حدثنا يحيى بن عبد الله بن بُكَير(٧) حدثني عبد الله بن لَهيعة، حدثني عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير، في قول الله تعالى :﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ يعني : إذا كان عَمْدا، الحر بالحر. وذلك أن حيَّيْنِ من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيين يتطاول على الآخر في العدة والأموال، فحلفوا ألا يرضوا حتى يقتل بالعبد منا الحر منهم، وبالمرأة منا الرجل منهم(٨)، فنزلت فيهم.
﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ منها منسوخة، نسختها ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥].
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله :﴿وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ وذلك أنهم لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة فأنزل الله : النفس بالنفس والعين بالعين، فجعل الأحرار في القصاص(٩) سواء فيما بينهم من العمد رجالهم ونساؤهم في النفس وفيما دون النفس، وجعل العبيد مستوين(١٠) فيما بينهم من العمد في النفس وفيما دون النفس رجالهم ونساؤهم، وكذلك روي عن أبي مالك أنها منسوخة بقوله :﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.
مسألة : مذهب أبي حنيفة أن الحر يقتل بالعبد لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والحكم، وقال البخاري وعلي بن المديني وإبراهيم النخعي والثوري في رواية عنه : ويقتل السيد بعبده ؛ لعموم حديث الحسن عن سمرة :" من قتل عبده قتلناه، ومن جذعه جذعناه، ومن خصاه خصيناه " (١١) وخالفهم الجمهور وقالوا : لا يقتل الحر بالعبد ؛ لأن العبد سلعة لو قتل خطأ لم تجب فيه دية، وإنما تجب فيه قيمته، وأنه لا يقاد بطرفه ففي النفس بطريق أولى، وذهب الجمهور إلى أن المسلم لا يقتل بالكافر، كما ثبت في البخاري عن علي، قال : قال رسول الله ﷺ :" لا يقتل مسلم بكافر " (١٢) ولا يصح حديث ولا تأويل يخالف هذا، وأما أبو حنيفة فذهب إلى أنه يقتل به لعموم آية المائدة.
مسألة : قال الحسن وعطاء : لا يقتل الرجل بالمرأة لهذه الآية، وخالفهم الجمهور لآية المائدة ؛ ولقوله عليه السلام :" المسلمون تتكافأ دماؤهم " (١٣) وقال الليث : إذا قتل الرجل امرأته لا يقتل بها خاصة.
مسألة : ومذهب الأئمة الأربعة والجمهور أن الجماعة يقتلون بالواحد ؛ قال : عمر بن الخطاب رضي الله عنه في غلام قتله سبعة فقتلهم ؛لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم، ولا يعرف له في زمانه مخالف من الصحابة، وذلك كالإجماع. وحكي عن الإمام أحمد رواية : أن الجماعة لا يقتلون بالواحد، ولا يقتل بالنفس إلا نفس واحدة. وحكاه ابن المنذر عن معاذ وابن الزبير، وعبد الملك بن مروان والزهري ومحمد بن سيرين وحبيب بن أبي ثابت ؛ ثم قال ابن المنذر : وهذا أصح، ولا حجة لمن أباح قتل الجماعة(١٤). وقد ثبت عن ابن الزبير ما ذكرناه، وإذا اختلف الصحابة فسبيله النظر.
وقوله :﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ قال مجاهد عن ابن عباس :﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو : أن يَقبل الدية في العمد، وكذا روي عن أبي العالية، وأبي الشعثاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان.
وقال الضحاك عن ابن عباس :﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ يقول : فمن ترك له من أخيه شيء يعني :[ بعد ](١٥) أخذ الدّية بعد استحقاق الدم، وذلك العفو ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يقول : فعلى الطالب اتباع بالمعروف إذا قَبِل الدية ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني : من القاتل من غير ضرر ولا مَعْك، يعني : المدافعة.
وروى الحاكم من حديث سفيان، عن عمرو، عن مجاهد، عن ابن عباس : ويؤدي المطلوب بإحسان. وكذا قال سعيد بن جُبَير، وأبو الشعثاء جابر بن زَيد، والحسن، وقتادة، وعطاء الخراساني، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان.
مسألة : قال مالك - رحمه الله - في رواية ابن القاسم عنه وهو المشهور، وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه : ليس لولي الدم أن يعفو على الدية إلا برضا القاتل، وقال الباقون : له أن يعفو عليها وإن لم يرض القاتل، وذهب طائفة من السلف إلى أنه ليس للنساء عفو، منهم الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي، وخالفهم الباقون.
وقوله :﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ يقول تعالى : إنما شرع لكم أخذ الدية في العمد تخفيفًا من الله عليكم ورحمة بكم، مما كان محتوما على الأمم قبلكم من القتل أو العفو، كما قال سعيد بن منصور :
حدثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، أخبرني مجاهد، عن ابن عباس، قال : كتب على بني إسرائيل القصاص في القتلى، ولم يكن فيهم العفو، فقال الله لهذه الأمة(١٦) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فالعفو أن يقبل الدية في العمد، ذلك تخفيف [ من ربكم ورحمة ](١٧) مما كتب على من كان قبلكم، فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان(١٨).
وقد رواه غير واحد عن عمرو [ بن دينار ](١٩) وأخرجه ابن حبان في صحيحه، عن عمرو بن دينار، به(٢٠). [ وقد رواه البخاري والنسائي عن ابن عباس ](٢١) ؛ ورواه جماعة عن مجاهد عن ابن عباس، بنحوه.
وقال قتادة :﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ رحم الله هذه الأمة وأطعمهم الدية، ولم تحل لأحد قبلهم، فكان أهل التوراة إنما هو القصاص وعفو ليس بينهم أرش(٢٢) وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو أمروا به، وجعل لهذه الأمة القصاص والعفو والأرش.
وهكذا روي عن سعيد بن جبير، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، نحو هذا.
وقوله :﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يقول تعالى : فمن قتل بعد أخذ الدية أو قبولها، فله عذاب من الله أليم موجع شديد.
وكذا رُوي عن ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، والسدي، ومقاتل بن حيان : أنه هو الذي يقتل بعد أخذ الدية، كما قال محمد بن إسحاق، عن الحارث بن فضيل، عن سفيان بن أبي العوجاء، عن أبي شريح الخزاعي : أن النبي ﷺ قال :" من أصيب بقتل أو خَبْل(٢٣) فإنه يختار إحدى ثلاث : إما أن يقتص، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية ؛ فإن أراد الرابعة فخذوا على يديه. ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالدا فيها " رواه(٢٤) أحمد(٢٥).
وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن الحسن، عن سمرة، قال : قال رسول الله ﷺ :" لا أعافي رجلا قتل بعد أخذ الدية - يعني : لا أقبل منه الدية - بل أقتله " (٢٦).
٢ زيادة من أ..
٣ في جـ: "ضعف دم"..
٤ في أ: "المجرمين"..
٥ في جـ: "لهوا ولعبا"..
٦ زيادة من جـ..
٧ في جـ، أ: "بكر"..
٨ في جـ: "والمرأة منا بالرجل منهم"..
٩ في جـ: "القصاص والعبيد"..
١٠ في أ، و: "مستويين"..
١١ رواه أبو داود في السنن برقم (٤٥١٥، ٤٥١٦) والترمذي في السنن برقم (١٤١٤) وقال الترمذي: "هذا حديث حسن غريب"..
١٢ صحيح البخاري برقم (١١١)..
١٣ رواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٨٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما..
١٤ في أ: "قتل جماعة بواحد"..
١٥ زيادة من جـ، أ..
١٦ في أ: "فقال الله في هذه الآية"..
١٧ زيادة من جـ..
١٨ سنن سعيد بن منصور برقم (٢٤٦) بتحقيق د. الحميد..
١٩ زيادة من جـ..
٢٠ صحيح ابن حبان (٧/٦٠١) "الإحسان" وانظر لتمام تخريج هذا الحديث وذكر طرقه: حاشية الدكتور سعد الحميد - حفظه الله - على سنن سعيد بن منصور..
٢١ زيادة من جـ، أ..
٢٢ في جـ: "أثر"..
٢٣ في أ: "أو ختل"..
٢٤ في جـ: "ورواه"..
٢٥ المسند (٤/٣١)..
٢٦ ذكره السيوطي في الدر المنثور (١/٤٢١) وعزاه لسمويه في فوائده، وروى البيهقي في السنن الكبرى (٨/٥٤) من طريق سعيد بن أبي عروبة عن مطر عن الحسن مرسلا بنحوه، وروى أبو داود في السنن برقم (٤٥٠٧) من طريق حماد عن مطر عن الحسن عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه مرفوعا بنحوه..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨) وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الألْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾
يَقُولُ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ﴾ العدلُ فِي الْقِصَاصِ -أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ -حُرّكم (١) بَحُرِّكُمْ، وَعَبْدُكُمْ بِعَبْدِكُمْ، وَأُنْثَاكُمْ بِأُنْثَاكُمْ، وَلَا تَتَجَاوَزُوا وَتَعْتَدُوا، كَمَا اعْتَدَى مَنْ قَبْلَكُمْ وَغَيَّرُوا حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ، وَسَبَبُ ذَلِكَ قُرَيْظَةُ وَ [بَنُو] (٢) النَّضِيرِ، كَانَتْ بَنُو النَّضِيرِ قَدْ غَزَتْ قُرَيْظَةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَقَهَرُوهُمْ، فَكَانَ إِذَا قَتَلَ النَّضَرِيُّ القرظيَّ لَا يُقْتَلُ بِهِ، بَلْ يُفَادَى بِمِائَةِ وَسْقٍ مِنَ التَّمْرِ، وَإِذَا قَتَلَ الْقُرَظِيُّ النَّضَرِيَّ قُتِلَ بِهِ، وَإِنْ فادَوْه فَدَوه بِمِائَتَيْ وَسْقٍ مِنَ التَّمْرِ ضعْف دِيَةِ (٣) الْقُرَظِيِّ، فَأَمَرَ اللَّهُ بِالْعَدْلِ فِي الْقِصَاصِ، وَلَا يَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ الْمُحَرِّفِينَ (٤)، الْمُخَالَفِينَ لِأَحْكَامِ اللَّهِ فِيهِمْ، كُفْرًا وَبَغْيًا (٥)، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾.
وَذُكِرِ فِي [سَبَبِ] (٦) نُزُولَهَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ: حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَة، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُكَير (٧) حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهيعة، حَدَّثَنِي عَطَاءُ بْنُ دِينَارٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، فِي قَوْلِ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ يَعْنِي: إِذَا كَانَ عَمْدا، الْحُرُّ بِالْحُرِّ. وَذَلِكَ أَنَّ حيَّيْنِ مِنَ الْعَرَبِ اقْتَتَلُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بِقَلِيلٍ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ قَتْلٌ وَجِرَاحَاتٌ، حَتَّى قَتَلُوا الْعَبِيدَ وَالنِّسَاءَ، فَلَمْ يَأْخُذْ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ حَتَّى أَسْلَمُوا، فَكَانَ أَحَدُ الْحَيَّيْنِ يَتَطَاوَلُ عَلَى الْآخَرِ فِي الْعُدَّةِ وَالْأَمْوَالِ، فَحَلَفُوا أَلَّا يَرْضَوْا حَتَّى يُقْتَلَ بِالْعَبْدِ مِنَّا الْحُرُّ مِنْهُمْ، وَبِالْمَرْأَةِ مِنَّا الرَّجُلُ مِنْهُمْ (٨)، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ.
﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ مِنْهَا مَنْسُوخَةٌ، نَسَخَتْهَا ﴿النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [الْمَائِدَةِ: ٤٥].
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ: ﴿وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالْمَرْأَةِ، وَلَكِنْ يَقْتُلُونَ الرَّجُلَ بِالرَّجُلِ، وَالْمَرْأَةَ بِالْمَرْأَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ: النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنُ بِالْعَيْنِ، فَجَعَلَ الْأَحْرَارَ فِي الْقِصَاصِ (٩) سَوَاءً فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَمْدِ رِجَالُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ فِي النَّفْسِ، وَفِيمَا دُونَ النَّفْسِ، وَجَعَلَ الْعَبِيدَ مُسْتَوِينَ (١٠) فِيمَا بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَمْدِ فِي النفس وفيما دون النفس رجالهم
(٢) زيادة من أ.
(٣) في جـ: "ضعف دم".
(٤) في أ: "المجرمين".
(٥) في جـ: "لهوا ولعبا".
(٦) زيادة من جـ.
(٧) في جـ، أ: "بكر".
(٨) في جـ: "والمرأة منا بالرجل منهم".
(٩) في جـ: "القصاص والعبيد".
(١٠) في أ، و: "مستويين".
مَسْأَلَةٌ: مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْحُرَّ يُقْتَلُ بِالْعَبْدِ لِعُمُومِ آيَةِ الْمَائِدَةِ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَدَاوُدُ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ، وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَقَتَادَةَ، وَالْحَكَمِ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ، وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ: وَيُقْتَلُ السَّيِّدُ بِعَبْدِهِ؛ لِعُمُومِ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ، وَمَنْ جَذَعَهُ جَذَعْنَاهُ، وَمَنْ خَصَاهُ خَصَيْنَاهُ" (١) وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ وَقَالُوا: لَا يُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ لَوْ قُتِلَ خَطَأً لَمْ تَجِبْ فِيهِ دِيَةٌ، وَإِنَّمَا تَجِبُ فِيهِ قِيمَتُهُ، وَأَنَّهُ لَا يُقَادُ بِطَرَفِهِ فَفِي النَّفْسِ بِطَرِيقِ أَوْلَى، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّ الْمُسْلِمَ لَا يُقْتَلُ بِالْكَافِرِ، كَمَا ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ" (٢) وَلَا يَصِحُّ حَدِيثٌ وَلَا تَأْوِيلٌ يُخَالَفُ هَذَا، وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ بِهِ لِعُمُومِ آيَةِ الْمَائِدَةِ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: لَا يُقْتَلُ الرَّجُلُ بِالْمَرْأَةِ لِهَذِهِ الْآيَةِ، وَخَالَفَهُمُ الْجُمْهُورُ لِآيَةِ الْمَائِدَةِ؛ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ: "الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ" (٣) وَقَالَ اللَّيْثُ: إِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ لَا يُقْتَلُ بِهَا خَاصَّةً.
مَسْأَلَةٌ: وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُمْهُورِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ؛ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي غُلَامٍ قَتَلَهُ سَبْعَةٌ فَقَتَلَهُمْ، وَقَالَ: لَوْ تَمَالْأَ عَلَيْهِ أَهْلُ صَنْعَاءَ لَقَتَلْتُهُمْ، وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي زَمَانِهِ مُخَالِفٌ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَذَلِكَ كَالْإِجْمَاعِ. وَحُكِيَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ: أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا يُقْتَلُونَ بِالْوَاحِدِ، وَلَا يَقْتُلُ بِالنَّفْسِ إِلَّا نَفْسٌ وَاحِدَةٌ. وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُعَاذٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ وَالزُّهْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَحَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ؛ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: وَهَذَا أَصَحُّ، وَلَا حُجَّةَ لِمَنْ أَبَاحَ قَتْلَ الْجَمَاعَةِ (٤). وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مَا ذَكَرْنَاهُ، وَإِذَا اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ فَسَبِيلُهُ النَّظَرُ.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فَالْعَفْوُ: أَنْ يَقبل الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، وَكَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ، وَأَبِي الشَّعْثَاءِ، وَمُجَاهِدٍ، وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَعَطَاءٍ، وَالْحَسَنِ، وَقَتَادَةَ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ.
وَقَالَ الضَّحَّاكُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ يَقُولُ: فَمَنْ تُرِكَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ يَعْنِي: [بَعْدَ] (٥) أَخْذِ الدِّيَةِ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِ الدَّمِ، وَذَلِكَ الْعَفْوُ ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ يَقُولُ: فَعَلَى الطَّالِبِ اتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ إِذَا قَبِل الدِّيَةَ ﴿وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ يَعْنِي: مِنَ الْقَاتِلِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَلَا مَعْك، يَعْنِي: الْمُدَافَعَةُ.
وَرَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عباس: ويؤدي المطلوب
(٢) صحيح البخاري برقم (١١١).
(٣) رواه ابن ماجة في السنن برقم (٢٦٨٣) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.
(٤) في أ: "قتل جماعة بواحد".
(٥) زيادة من جـ، أ.
مَسْأَلَةٌ: قَالَ مَالِكٌ -رَحِمَهُ اللَّهُ -فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ، وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ: لَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّمِ أَنْ يَعْفُوَ عَلَى الدِّيَةِ إِلَّا بِرِضَا الْقَاتِلِ، وَقَالَ الْبَاقُونَ: لَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْقَاتِلُ، وَذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلنِّسَاءِ عَفْوٌ، مِنْهُمُ الْحَسَنُ، وَقَتَادَةُ، وَالزُّهْرِيُّ، وَابْنُ شُبْرُمَةَ، وَاللَّيْثُ، وَالْأَوْزَاعِيُّ، وَخَالَفَهُمُ الْبَاقُونَ.
وَقَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: إِنَّمَا شَرَعَ لَكُمْ أَخْذَ الدِّيَةِ فِي الْعَمْدِ تَخْفِيفًا مِنَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةً بِكُمْ، مِمَّا كَانَ مَحْتُومًا عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَكُمْ مِنَ الْقَتْلِ أَوِ الْعَفْوِ، كَمَا قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ:
حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، أَخْبَرَنِي مُجَاهِدٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: كُتِبَ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ الْقِصَّاصُ فِي الْقَتْلَى، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِمُ الْعَفْوُ، فَقَالَ اللَّهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ (١) ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأنْثَى بِالأنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ فَالْعَفْوُ أَنْ يَقْبَلَ الدِّيَةَ فِي الْعَمْدِ، ذَلِكَ تَخْفِيفٌ [مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ] (٢) مِمَّا كُتِبَ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ (٣).
وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ عَمْرِو [بْنِ دِينَارٍ] (٤) وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، بِهِ (٥). [وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ] (٦) ؛ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، بِنَحْوِهِ.
وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ رَحِمَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَأَطْعَمَهُمُ الدِّيَةَ، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُمْ، فَكَانَ أَهْلُ التَّوْرَاةِ إِنَّمَا هُوَ الْقِصَاصُ وَعَفْوٌ لَيْسَ بَيْنَهُمْ أَرْشٌ (٧) وَكَانَ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ إِنَّمَا هُوَ عَفْوٌ أُمِرُوا بِهِ، وَجَعَلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْقِصَاصَ وَالْعَفْوَ وَالْأَرْشَ.
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وَمُقَاتِلِ بْنِ حَيَّانَ، وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ، نَحْوُ هَذَا.
وَقَوْلُهُ: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ يَقُولُ تَعَالَى: فَمَنْ قَتَلَ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ أَوْ قَبُولِهَا، فَلَهُ عَذَابٌ مِنَ اللَّهِ أَلِيمٌ مُوجِعٌ شَدِيدٌ.
وَكَذَا رُوي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٍ، وَعَطَاءٍ، وَعِكْرِمَةَ، والحسن، وَقَتَادَةَ، وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ، وَالسُّدِّيُّ، وَمُقَاتِلُ بْنِ حَيَّانَ: أَنَّهُ هُوَ الذِي يُقْتَلُ بَعْدَ أَخْذِ الدِّيَةِ، كَمَا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنِ الْحَارِثِ بْنِ فُضَيْلٍ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ، عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:
(٢) زيادة من جـ.
(٣) سنن سعيد بن منصور برقم (٢٤٦) بتحقيق د. الحميد.
(٤) زيادة من جـ.
(٥) صحيح ابن حبان (٧/٦٠١) "الإحسان" وانظر لتمام تخريج هذا الحديث وذكر طرقه: حاشية الدكتور سعد الحميد- حفظه الله - على سنن سعيد بن منصور.
(٦) زيادة من جـ، أ.
(٧) في جـ: "أثر".
تيسير الكريم الرحمن — السعدي
يمتن تعالى على عباده المؤمنين، بأنه فرض عليهم ﴿الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ أي : المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة، التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد.
وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل، حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول، إذا طلب القصاص وتمكينه(١) من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية ومن أشبههم من إيواء المحدثين.
ثم بيَّن تفصيل ذلك فقال :﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ يدخل بمنطقوقها، الذكر بالذكر، ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ والأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى، فيكون منطوقها مقدما على مفهوم قوله : " الأنثى بالأنثى " مع دلالة السنة، على أن الذكر يقتل بالأنثى، وخرج من عموم هذا الأبوان وإن علوا، فلا يقتلان بالولد، لورود السنة بذلك، مع أن في قوله :﴿الْقِصَاصُ﴾ ما يدل على أنه ليس من العدل، أن يقتل الوالد بولده، ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة، ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله، أو أذية شديدة جدا من الولد له.
وخرج من العموم أيضا، الكافر بالسنة، مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة.
وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه، والعبد بالعبد، ذكرا كان أو أنثى، تساوت قيمتهما أو اختلفت، ودل بمفهومها على أن الحر، لا يقتل بالعبد، لكونه غير مساو له، والأنثى بالأنثى، أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة، وتقدم وجه ذلك.
وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل، وأن الدية بدل عنه، فلهذا قال :﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي : عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي.
فإذا عفا عنه وجب على الولي، [ أي : ولي المقتول ] أن يتبع القاتل ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غير أن يشق عليه، ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب، ولا يحرجه.
وعلى القاتل ﴿أَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ من غير مطل ولا نقص، ولا إساءة فعلية أو قولية، فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو، إلا الإحسان بحسن القضاء، وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق، بالأداء بإحسان(٢).
وفي قوله :﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانا.
وفي قوله :﴿أَخِيهِ﴾ دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر، لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه.
وإذا عفا أولياء المقتول، أو عفا بعضهم، احتقن دم القاتل، وصار معصوما منهم ومن غيرهم، ولهذا قال :﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي : بعد العفو ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي : في الآخرة، وأما قتله وعدمه، فيؤخذ مما تقدم، لأنه قتل مكافئا له، فيجب قتله بذلك.
وأما من فسر العذاب الأليم بالقتل، فإن الآية تدل على أنه يتعين قتله، ولا يجوز العفو عنه، وبذلك قال بعض العلماء والصحيح الأول، لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره.
٢ - في ب: بالإحسان..
المزيد — النص الكامل من صفحات الكتاب
يمتن تعالى على عباده المؤمنين، بأنه فرض عليهم ﴿الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ أي: المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة، التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد.
وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول، إذا طلب القصاص وتمكينه (١) من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية، ومن أشبههم من إيواء المحدثين.
ثم بيَّن تفصيل ذلك فقال: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ يدخل بمنطوقها، الذكر بالذكر، ﴿وَالأنْثَى بِالأنْثَى﴾ والأنثى بالذكر، والذكر بالأنثى، فيكون منطوقها مقدما على مفهوم قوله: "الأنثى بالأنثى "مع دلالة السنة، على أن الذكر يقتل بالأنثى، وخرج من عموم هذا الأبوان وإن علوا، فلا يقتلان بالولد، لورود السنة بذلك، مع أن في قوله: ﴿الْقِصَاصُ﴾ ما يدل على أنه ليس من العدل، أن يقتل الوالد بولده، ولأن في قلب الوالد من الشفقة والرحمة، ما يمنعه من القتل لولده إلا بسبب اختلال في عقله، أو أذية شديدة جدا من الولد له.
وخرج من العموم أيضا، الكافر بالسنة، مع أن الآية في خطاب المؤمنين خاصة.
وأيضا فليس من العدل أن يقتل ولي الله بعدوه، والعبد بالعبد، ذكرا كان أو أنثى، تساوت قيمتهما أو اختلفت، ودل بمفهومها على أن الحر، لا يقتل بالعبد، لكونه غير مساو له، والأنثى بالأنثى، أخذ بمفهومها بعض أهل العلم فلم يجز قتل الرجل بالمرأة، وتقدم وجه ذلك.
وفي هذه الآية دليل على أن الأصل وجوب القود في القتل، وأن الدية بدل عنه، فلهذا قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ أي: عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص، وتجب الدية، وتكون الخيرة في القود واختيار الدية إلى الولي.
فإذا عفا عنه وجب على الولي، [أي: ولي المقتول] أن يتبع القاتل ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ من غير أن يشق عليه، ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب، ولا يحرجه.
وعلى القاتل ﴿أَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ من غير مطل ولا نقص، ولا إساءة فعلية أو قولية، فهل جزاء الإحسان إليه بالعفو، إلا الإحسان بحسن القضاء، وهذا مأمور به في كل ما ثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له الحق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق، بالأداء بإحسان (٢).
وفي قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجانا.
وفي قوله: ﴿أَخِيهِ﴾ دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر، لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه.
وإذا عفا أولياء المقتول، أو عفا بعضهم، احتقن دم القاتل، وصار معصوما منهم ومن غيرهم، ولهذا قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ أي: -[٨٥]- بعد العفو ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي: في الآخرة، وأما قتله وعدمه، فيؤخذ مما تقدم، لأنه قتل مكافئا له، فيجب قتله بذلك.
وأما من فسر العذاب الأليم بالقتل، فإن الآية تدل على أنه يتعين قتله، ولا يجوز العفو عنه، وبذلك قال بعض العلماء والصحيح الأول، لأن جنايته لا تزيد على جناية غيره.
ثم بين تعالى حكمته العظيمة في مشروعية القصاص فقال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ أي: تنحقن بذلك الدماء، وتنقمع به الأشقياء، لأن من عرف أنه مقتول إذا قتل، لا يكاد يصدر منه القتل، وإذا رئي القاتل مقتولا انذعر بذلك غيره وانزجر، فلو كانت عقوبة القاتل غير القتل، لم يحصل انكفاف الشر، الذي يحصل بالقتل، وهكذا سائر الحدود الشرعية، فيها من النكاية والانزجار، ما يدل على حكمة الحكيم الغفار، ونكَّر "الحياة "لإفادة التعظيم والتكثير.
ولما كان هذا الحكم، لا يعرف حقيقته، إلا أهل العقول الكاملة والألباب الثقيلة، خصهم بالخطاب دون غيرهم، وهذا يدل على أن الله تعالى، يحب من عباده، أن يعملوا أفكارهم وعقولهم، في تدبر ما في أحكامه من الحكم، والمصالح الدالة على كماله، وكمال حكمته وحمده، وعدله ورحمته الواسعة، وأن من كان بهذه المثابة فقد استحق المدح بأنه من ذوي الألباب الذين وجه إليهم الخطاب، وناداهم رب الأرباب، وكفى بذلك فضلا وشرفا لقوم يعقلون.
وقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ وذلك أن من عرف ربه وعرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة والحكم البديعة والآيات الرفيعة، أوجب له ذلك أن ينقاد لأمر الله، ويعظم معاصيه فيتركها، فيستحق بذلك أن يكون من المتقين.
(٢) في ب: بالإحسان.
جميع كتب التفسير لهذه الآية (١٣٠ كتابًا)
غريب الكلمات ومعانيها
معاني الكلمات الغريبة في الآية
- كُتِبَ عَلَيْكُمُ
- فرض .
- الْقِصاصُ
- الأخذ من الجاني مثل ما جنى من قص الأثر وهو تلوه.
- عُفِيَ لَهُ
- ترك.
إعراب الآية ١٧٨ من سورة البقرة
من كتاب: إعراب القرآن
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٨]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَداءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسانٍ ذلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ اسم ما لم يسمّ فاعله. فِي الْقَتْلى لم يتبيّن فيه الإعراب لأنّ فيه ألف التأنيث وجيء بها لتأنيث الجماعة. الْحُرُّ بِالْحُرِّ ابتداء وخبر.
وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى نسق عليه. فَمَنْ عُفِيَ لَهُ شرط والجواب فَاتِّباعٌ بِالْمَعْرُوفِ وهو رفع بالابتداء، والتقدير فعليه اتباع بالمعروف ويجوز في غير القرآن فاتّباعا وأداء يجعلهما مصدرين. ذلِكَ تَخْفِيفٌ ابتداء وخبر.
[سورة البقرة (٢) : آية ١٧٩]
وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ يا أُولِي الْأَلْبابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ رفع بالابتداء. وقراءة أبيّ وأبي الجوزاء ولكم في القصص شاذة والظاهر دلّ على غيرها. قال الله عزّ وجلّ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى فدلّ بعض الكلام على بعض والتفسير على القصاص. روى سفيان الثوري «١» عن السدّيّ عن أبي مالك وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ قال: أن لا يقتل بعضكم بعضا ثم قال: لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ حذف المفعول لعلم السامع. روى اللّيث عن ربيعة في قوله لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ محارمكم وما نهيت بعضكم فيه عن بعض.
[سورة البقرة (٢) : آية ١٨٠]
كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ في الكلام تقدير واو العطف المعنى وكتب عليكم، ومثله في بعض الأقوال لا يَصْلاها إِلَّا الْأَشْقَى الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى [الليل:
١٥، ١٦] أي ولا يصلاها. أَحَدَكُمُ مفعول والْمَوْتُ فاعل. إِنْ تَرَكَ خَيْراً شرط، وفي جوابه قولان: قال الأخفش سعيد: التقدير فالوصيّة ثم حذف الفاء كما قال: [البسيط]
سبب نزول الآية ١٧٨ من سورة البقرة
من كتاب: أسباب نزول القرآن - الواحدي
قال الشعبي: كان بين حَيَّين من أحياء العرب قتال، وكان لأحد الحيين طَوْلٌ على الآخر، فقالوا: نقتل بالعبد منا الحُرَّ منكم، وبالمرأة الرجل. فنزلت هذه الآية.
الموضوعات القرآنية للآية ١٧٨ من سورة البقرة
١٠ موضوعات تتناولها هذه الآية
أقوال المفسرين في الآية — التفسير بالمأثور
٩٥ قولًا من موسوعة التفسير بالمأثور
تفسير
٨٢ قولًاعن سعد بن مالك، قال: جاءني النبي ﷺ يَعُودُني، فقلت: يا رسول الله، أُوصِي بمالي كلِّه؟ قال: «لا». قلت: فالشَّطْرُ؟ قال: «لا». قلت: فالثُّلُث؟ قال: «الثُّلُث، والثُّلُث كثير؛ إنّك أن تَدَعَ ورَثَتَك أغنياءَ خيرٌ مِن أن تَدَعَهم عالةً يَتَكَفَّفون الناسَ بأيديهم»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق عروة- قال: لو أنّ الناس غَضُّوا مِن الثُّلُث إلى الرُّبُع؛ فإنّ رسول الله ﷺ قال: «الثُّلُث، والثُّلُث كثير»١
قال علي بن أبي طالب: لَأَن أُوصي بالخُمُس أحبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُوصِي بالرُّبُع، ولَأَن أُوصِي بالرُّبُع أحبُّ إلَيَّ مِن أنْ أُوصِي بالثُّلُث، فمَن أوْصى بالثُّلُث فَلَمْ يَتْرُكْ١
عن الحسن البصري -من طريق قتادة- قال: إذا أوْصى في غير أقاربه بالثُّلُث جاز لهم ثُلُثُ الثُّلُث، ويُرَدُّ على أقاربه ثُلُثا الثُّلُث١
وعن الحسن البصري: يُوصي بالسُّدُس، أو الخُمُس، أو الرُّبُع١
وعن عامر الشعبي: إنّما كانوا يُوصون بالخُمُس أو الرُّبُع١
عن الحسن البصري -من طريق أبي عقيل- في هذه الآية: ﴿فمن عُفي لهُ من أخيه شيء﴾، قال: القاتلُ إذا طُلِب فلم يُقْدَر عليه، وأُخِذ من أوليائه الدِّيَة، ثم أمِن، فأُخِذ فقُتِل. قال الحسن: ما أكل عُدوانٌ١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر-: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك﴾ بأن قَتَل بعد أخْذِه الدية١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط-: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك﴾ بعد ما يأخذ الدية، فيقتُل ﴿فله عذابٌ أليم﴾١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- قوله: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾، يقول: فمن اعتدى بعد أخْذِه الديةَ ﴿فله عذاب أليم﴾١
عن سفيان الثوري -من طريق عبد الرزاق- في الَّذي يعفو، أو يأخذ الدية، ثُمَّ يقتل، قال الله تبارك وتعالى: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾، قال: هو الرجل يَقْتل بعد ما يَأْخُذ الدِّيَة١
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهْب- في قوله: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذابٌ أليم﴾ قال: أخَذ العَقْل، ثم قَتل -بعد أن أخذ العَقْل- قاتلَ قتيله، ﴿فله عذاب أليم﴾١
عن أبي شُرَيْحٍ الخزاعي، أنّ النبي ﷺ قال: «مَن أُصِيب بقتل أو خَبْل١، فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يَقْتَصَّ، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، فإن أراد رابعةً فخذوا على يديه، ومن اعتدى بعد ذلك فله نارُ جهنم خالدًا فيها أبدًا»٢
قال ابن جُرَيْج: أخبرني إسماعيل بن أميّة، عن الثبت -غير أنه لم ينسبه، وقال: ثقة-: أنّ النبي ﷺ أوْجبَ بقَسَمٍ أو غيره أن لا يُعفى عن رَجُلٍ عَفا عن الدّم وأخذ الدية، ثم عَدا فَقَتل. وقال ابن جُرَيْج: أخبرني عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز، قال: في كتاب لعمرَ عن النبي ﷺ قال: «والاعتداء الذي ذَكَر اللهُ: أنّ الرجل يأخذ العقلَ، أو يقتصُّ، أو يقضي السلطانُ فيما بين الجرح، ثم يعتدي بعضُهم من بعد أن يستوعبَ حقه، فمن فعل ذلك فقد اعتدى، والحكم فيه إلى السلطان بالذي يرى فيه من العقوبة». قال: ولو عفا عنه لم يكن لأحد من طلبة الحق أن يعفو؛ لأنّ هذا من الأمر الذي أنزل الله فيه قوله: ﴿فَإنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ والرَّسُولِ﴾ [النساء:٥٩]»١٢
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- ﴿فله عذاب أليم﴾، قال: فعليه القتل، لا يُقْبَل منه الدِّيَة. وذُكِر لنا: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا أُعافِي رجلًا قَتَل بعد أخذ الدِّيَة»١
عن جابر بن عبد الله، أنّ رسول الله ﷺ قال: «لا أعفي مَن قَتَل بعد أخْذِه الدِّيَة»١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قول الله: ﴿عذاب أليم﴾، يقول: نكال مُوجِع، فهذه ﴿عذاب أليم﴾ منسوخة، نسختها: ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء:٤٨، ٩٧]١
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قول الله: ﴿فله عذب أليم﴾، يعني: وجيع. يقول: يُقتل، ولا يُعفى عنه، ولا تُؤخذ منه الدِّيَة١
عن الضحاك بن مُزاحِم -من طريق جُوَيْبِر- في قوله: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾، قال: يُقتَل، وهو العذاب الأليم. يقول: العذاب المُوجِع١
عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق هارون- في رجل قَتَل بعد أخذ الدية، قال: يُقتل، أما سمعت الله يقول: ﴿فله عذاب أليم﴾؟١
عن الحسن البصري -من طريق يونس- في رجل قَتَل، فأُخِذَتْ منه الدِّيَة، ثم إنّ وليَّه قَتل به القاتلَ. قال الحسن: تُؤْخَذ منه الدية التي أخَذ، ولا يُقتل به١
قال مقاتل بن سليمان: ثم قال: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾، يعني: وجيع؛ فإنّه يُقْتَل، ولا يُؤْخَذُ منه دِيَة؛ قال النبي ﷺ: «لا عَفْوَ عَمَّن قتل القاتل بعد أخذ الدِّيَة». وقد جعل الله له عذابًا أليمًا١
عن عبد الملك ابن جُرَيج: يَتَحَتَّمُ قتلُه، حتى لا يُقْبَل العفو١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾، يقول: رفق١
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: كان على بني إسرائيل قصاص في القتلى، ليس بينهم دية في نَفْس ولا جرح، وذلك قول الله: ﴿وكتبنا عليه فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة:٤٥] الآية، وخفَّف الله عن أمّة محمد؛ فقبل منهم الدِّيَة في النفس وفي الجراحة، وذلك قوله: ﴿ذلك تخفيف من ربكم﴾ بينكم١
قال الشافعي: أخبرنا معاذ بن موسى، عن بُكَير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال مقاتل: أخذت هذا التفسيرَ عن نفرٍ، حَفِظَ معاذٌ منهم مجاهدًا، والحسنَ، والضحاكَ بن مزاحم، في قول الله -تبارك وتعالى-: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء فاتباعٌ بالمعروف﴾ الآية، قالوا: كان على أهل التوراة مَن قَتَل نفسًا بغير نفس أن يُقاد بها، ولا يُعفى عنه، ولا تقبل منه الدية. وفُرِض على أهل الإنجيل أن يُعفى عنه، ولا يُقْتَل. ورُخّص لأمة محمد - ﷺ - إن شاء قَتَل، وإن شاء أخذ الدية، وإن شاء عفا. فذلك قوله تعالى: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ يقول: الدية تخفيف من الله تعالى؛ إذ جعل الدية ولا يقتل، ثم قال: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿تخفيف من ربكم ورحمة﴾، يقول: حين أُطعِمتم الدية، ولم تحِلَّ لأهل التوراة، إنما هو قصاص أو عفو، وكان أهل الإنجيل إنما هو عفو وليس غيره، فجعل الله لهذه الأمة القَوَد، والدِّية، والعفو١
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ ورَحْمَةٌ﴾، يعني: ولترحموا١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن سمعان- يقول: في قوله: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِن رَبِّكُمْ ورَحْمَةٌ﴾، يقول: في نكاح الإماء، يقول: لا بأس به١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿ورحمة﴾، قال: هي رحمة رَحِم بها الله هذه الأمّة، أطعمهم الديّة، وأحلّها لهم، ولم تَحِلَّ لأحد قبلهم، فكان في أهل التوراة إنما هو القصاص أو العفو، ليس بينهما أرْش، فكان أهل الإنجيل إنما هو عفوٌ أمروا به، وجعل الله لهذه الأمة القتل، والعفو، والدية إن شاؤوا، أحلّها لهم، ولم يكن لأمّة قبلهم١
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾: وإنما هي رحمة رَحِم الله بها هذه الأمة؛ أطعمهم الدِّيَة، وأحلَّها لهم، ولم تَحِلَّ لأحد قبلهم، وكان أهل التوراة إنما هو قصاص أو عفو، ليس بينهما شيء، وكان أهل الإنجيل إنما هو عفوٌ أمروا به، فجعل الله لهذه الأمة القَوَد، والعفو، والدية إن شاءوا، أحلها لهم، ولم تكن لأمة قبلهم١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿تخفيف من ربكم﴾ إذْ جَعَل في قتل العمد العفوَ، والدِّية. ثم قال: ﴿ورحمة﴾ يعني: وتراحموا، وكان الله عز وجل حَكَم على أهل التوراة أن يُقتَل القاتل، ولا يُعفى عنه، ولا يُقبَل منه الدية، وحَكَم على أهل الإنجيل العفو، ولا يُقتَل القاتل بالقصاص، ولا يَأخُذ ولي المقتول الدية، ثم جعل الله عز وجل التخفيف لأمة محمد ﷺ، إن شاء وليُّ المقتول قَتَل القاتل، وإن شاء عفا عنه، وإن شاء أخَذ منه الدية، فكان لأهل التوراة أن يُقتل قاتل الخطأ والعمد، فرخَّص الله عز وجل لأمة محمد ﷺ، فذلك قوله سبحانه في الأعراف [١٥٧]: ﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾ من التشديدات، وهي أن يُقتل قاتل العمد، ولا يُعْفى عنه، ولا يُؤخذ منه الدية١
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- ﴿فمن اعتدى﴾ قال: قَتَل بعد قَبول الدِّية ﴿فله عذاب أليم﴾١
عن عطاء، نحوه١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحوه١
عن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس- ﴿فمن اعتدى﴾: قَتَل بعد أخذه الدية١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿فمن اعتدى بعد ذلك﴾: فقَتَل بعد أخذه الدية ﴿فله عذاب أليم﴾١
قال الشافعي: أخبرنا معاذ بن موسى عن بُكَير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، قال مقاتل: أخذت هذا التفسيرَ عن نفرٍ-حَفِظَ معاذ منهم- مجاهدًا، والحسنَ، والضحاكَ بن مزاحم، ... ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾، يقول: مَن قتل بعد أخذه الدية فله عذاب أليم١
عن الحسن البصري -من طريق يزيد بن إبراهيم- في قوله: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾، قال: كان الرجلُ في الجاهلِيَّة إذا قتل قتيلًا ينضم إلى قومه، فيجيء قومه فيصالحون عنه بالدِّيَة، فيخرج الفارُّ وقد أمِن في نفسه، فيقتُلُه ويَرمي إليه بالدية، فذلك الاعتداء١
عن عامر الشعبي -من طريق داود بن أبي هند- في قوله: ﴿فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾، قال: هو العَمْد، يرضى أهلُه بالدِّيَة١
وعن أبي العالية -من طريق الربيع بن أنس-، ومقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو ذلك١
وعن جابر بن زيد، وسعيد بن جبير، نحو ذلك١
عن الحسن البصري -من طريق يزيد بن إبراهيم-: ﴿وأداء إليه بإحسان﴾، قال: على هذا الطالب أن يطلبَ بالمعروف، وعلى هذا المطلوب أن يُؤَدِّي بإحسان١
عن الحسن البصري -من طريق أبي عقيل-: أخْذُ الدِّيَة عَفْوٌ حَسَنٌ١٢
عن ابن جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاء [بن أبي رباح] في قوله: ﴿فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾. قال: ذلك إذا أخذ الدية، فهو عَفْوٌ١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- ﴿فمن عفى له من أخيه شيء﴾ قال: إذا قتل الرجلُ عمدًا، ثُمَّ أُخِذَت منه الدِّيَة؛ فقد عُفِي له عن القتل، ﴿فاتباع بالمعروف﴾ قال: يتبع الطالبُ بالمعروف، ويؤدي إليه المطلوبُ بإحسان١
عن قتادة بن دِعامة -من طريق سعيد- في قوله: ﴿فمن عُفي له من أخيه شَيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾، يقول: من قَتَل عمدًا فعُفي عنه، وقُبِلَت منه الدية. يقول: ﴿فاتباع بالمعروف﴾ فأَمَرَ المُتَّبِعَ أن يَتَّبِع بالمعروف، وأَمَرَ المؤدِّيَ أن يُؤَدِّي بإحسان، والعَمد قَوَدٌ إليه قصاص، لا عَقل فيه، إلا أن يرضَوا بالدية، فإن رضُوا بالدية، فمئة خَلِفَة. فإن قالوا: لا نرضى إلا بكذا وكذا. فذاك لهم١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- ﴿فمنَ عُفي له من أخيه شيء﴾، يقول: بَقِي له من دية أخيه شَيءٌ، أو من أرْشِ جراحته؛ فَلْيَتِّبِع بمعروف، ولْيُؤَدِّ إليه الآخرُ بإحسان١٢
عن الربيع بن أنس -من طريق أبي جعفر- في قوله: ﴿فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ يقول: فمن قَتَل عمدًا فعُفِي عنه، وأُخذت منه الدية، يقول: ﴿فاتباع بالمعروف﴾ أمَر صاحبَ الدية الذي يأخذها أن يتبع بالمعروف، وأَمَر المؤدِّي أن يؤدي بإحسان١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف- في قوله: ﴿فاتباع بالمعروف﴾، قال: لِيُحْسِن الطَّلَب١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾، ثم رجع إلى أوّل الآية في قوله سبحانه: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ إذا كان عمدًا إذا عفا وليُّ المقتول عن أخيه القاتل ورضِيَ بالدية ﴿فاتباع بالمعروف﴾ يعني: الطالب ليطلب ذلك في رفق، ثم قال للمطلوب: ﴿وأداء إليه بإحسان﴾ يقول: ليؤدي الدية إلى الطالب عفوًا في غير مشقة ولا أذًى١
عن سفيان بن حسين -من طريق عباد بن العوام- في قوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾، قال: فمن فَضُل له على أخيه شيءٌ فليُؤَدِّه بالمعروف، وليَتبعه الطالب بإحسان١٢
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم -من طريق ابن وهب- ﴿وأداء إليه بإحسان﴾، قال: أنتَ أيها المعفوُّ عنه١
عن عبد الله بن عباس -من طريق جابر بن زيد-: ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ مِمّا كان على بني إسرائيل١
عن عبد الله بن عمرو -من طريق مجاهد- ﴿وأداء اليه بإحسان﴾، قال: ذلك في الدِّيَة١
عن عبد الله بن عباس -من طريق جابر بن زيد- ﴿فمن عفي له﴾ قال: هو العَمَد يرضى أهلُه بالدية؛ ﴿فاتباع بالمعروف﴾ أُمِر به الطالِب، ﴿وأداء إليه بإحسان﴾ قال: يُؤَدِّي المطلوبَ بإحسان١
عن عبد الله بن عباس -من طريق أبي رَوْق، عن الضحاك- في قوله: ﴿فمن عفي له﴾ يقول: من تُرك له ﴿من أخيه شيء﴾ بعد أخذ الدية بعد استحقاق الدم، وذلك العفو؛ ﴿فاتباع بالمعروف﴾ يقول: فعلى الطالب اتِّباعٌ بالمعروف إذا قَبِل الدِّيَة، ﴿وأداء إليه بإحسان﴾ من القاتل في غير ضرورة ولا مَعْكٍ -يعني: المدافعة-١٢
عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسباط-، نحو ذلك١
وعن عطاء الخراساني، نحو ذلك
وعن جابر بن زيد، نحو الشطر الأول من ذلك
وعن سعيد بن جبير، نحو الشطر الثاني من ذلك١
عن مقاتل بن حيان -من طريق بُكَيْر بن معروف-، نحو شطره الثاني١
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله لهذه الأمة: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ إلى قوله: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾ فالعفو أن يَقْبلَ الدية في العمد، ﴿فاتباع بالمعروف وأداء إليه بإحسان﴾ يتبعُ الطالبَ بالمعروف، ويؤدي إليه المطلوب بإحسان، ﴿ذلك تخفيف من ربكم ورحمة﴾ مِمّا كُتب على من كان قبلكم، ﴿فمن اعتدى بعد ذلك﴾ قَتَلَ بعد قَبُول الدية ﴿فله عذاب أليم﴾١
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: كانت بنو إسرائيل إذا قُتِل فيهم القتيلُ عمدًا لا يحل لهم إلا القَوَد، وأَحَلَّ الله الدِّيَة لهذه الأمة، فأَمَر هذا أن يَتْبَع بمعروف، وأَمَر هذا أن يُؤدِّي بإحسان، ﴿ذلك تخفيف من ربكم﴾١
عن عبد الله بن عباس -من طريق مجاهد- قال: الذي يقبل الدِّيَة، ذلك منه عفوٌ، فاتباعٌ بالمعروف، ويؤدِّي إليه الذي عُفِي له من أخيه بإحسان١
عن عبد الله بن عباس -من طريق العوفي- في قوله: ﴿فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف وأداءٌ إليه بإحسان﴾ قال: وهي الدية، أن يحسن الطالبُ الطلبَ، ﴿وأداء إليه بإحسان﴾ وهو أن يحسن المطلوبُ الأداءَ١
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قوله: ﴿فاتباع بالمعروف﴾، يعني: لِيَطْلُبَ وليّ المقتول في الرِّفْقِ١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- ﴿فمن عُفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف﴾، قال: العَفُوُّ: الذي يعفو عن الدَّمِ، ويأخذ الدِّيَة١
عن مجاهد بن جبر -من طريق القاسم بن أبي بَزَّة- قال: إذا قَبِل الدِّيَة فقد عفا عن القصاص، فذلك قوله: ﴿فمن عُفي له من أخيه شيء﴾١
عن مجاهد بن جبر -من طريق الأعرج-، مثل ذلك، وزاد: فإذا قَبِل الدِّيَة فإن عليه أن يَتَّبِع بالمعروف، وعلى الذي عُفِي عنه أن يُؤَدِّي بإحسان١
عن سعيد بن جُبَيْر -من طريق عطاء بن دينار- في قول الله: ﴿يا أيها الذين امنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾، يعني: إذا كان عَمْدًا١
عن الحسن البصري، نحو ذلك١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ إذا كان عَمْدًا١
عن علي بن أبي طالب -من طريق الربيع- في قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى﴾، قال: أيُّما حُرٍّ قَتَل عبدًا فهو قَوَدٌ به؛ فإن شاء مَوالي العبدِ أن يقتلوا الحُرَّ قتلوه، وقاصُّوهم بثمن العبد من دِيَة الحُرِّ، وأدَّوا إلى أولياء الحُرِّ بَقِيَّة دِيَتِه. وأيُّ عبد قَتَلَ حرًّا فهو به قَوَدٌ؛ فإن شاء أولياء الحُرِّ قتلوا العبد، وقاصُّوهم بثمن العبد، وأخذوا بقية دِيَة الحُرِّ، وإن شاؤوا أخذوا الديّة كلّها واستحيَوُا العبد. وأيُّ حُرٍّ قَتَل امرأةً فهو بها قَوَدٌ، فإن شاء أولياء المرأة قَتلوه وأدّوا نصفَ الدية إلى أولياء الحرّ. وإن امرأةٌ قتلتْ حُرًّا فهي به قَوَدٌ، فإن شاء أولياء الحر قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإن شاؤوا أخذوا الدية كلها واسْتَحْيَوْها، وإن شاؤوا عفَوْا١
عن عليّ -من طريق الحسن- قال في رجل قَتَلَ امرأتَه: إن شاؤوا قتلوه، وغَرِموا نصف الدِّيَة١
عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نجيح- قال: دخل في قول الله -تعالى ذِكْرُه-: ﴿الحر بالحر﴾ الرجلُ بالمرأة، والمرأةُ بالرجل، وقال عطاء: ليس بينهما فَضْل١٢
عن عامر الشعبي -من طريق داود- في هذه الآية: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾، قال: إنما ذلك في قتال عِمِّيَّة، إذا أصيب من هؤلاء عبدٌ ومن هؤلاء عبدٌ تكافآ، وفي المرأتين كذلك، وفي الحُرَّيْن كذلك. هذا معناه إن شاء الله١
عن عامر الشعبي-من طريق ابن أشْوَع- قال: كان بين حَيَّيْنِ من العرب قتال، فقُتل من هؤلاء ومن هؤلاء، فقال أحد الحَيَّيْن: لا نرضى حتى نَقْتُل بالمرأة الرجل، وبالرجل الرجلين. قال: فأبى عليهم الآخرون، فارتفعوا إلى النبي ﷺ، قال: فقال النبي ﷺ: «القتل بَواءٌ». أي: سواء، قال: فاصطلح القوم بينهم على الدِّيات. قال: فحسبوا للرجل دية الرجل، وللمرأة دية المرأة، وللعبد دية العبد، فقضى لأحد الحيين على الآخر. قال: فهو قوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى﴾١
عن الحسن البصري -من طريق عوف- قال: لا يُقتل الرجل بالمرأة، حتى يُعطوا نِصْفَ الدِّيَة١
عن ابن جُرَيْج، قال: قلتُ لعطاء: ما قول الله عز وجل: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد﴾؟ قال: العبدُ يقتل العبدَ عَمْدًا فهو به، فإن كان القاتلُ أفضلَ لم يكن لهم إلا قيمةُ المقتول١
عن إسماعيل السدي -من طريق أسباط- في قوله: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبدُ بالعبد والأنثى بالأنثى﴾، قال: اقْتَتَل أهلُ ماءَيْن من العرب، أحدهما مسلم والآخر مُعاهَد، في بعض ما يكون بين العرب من الأمر، فأصلح بينهم النبيُّ ﷺ -وقد كانوا قَتَلوا الأحرار والعبيد والنساء- على أن يؤدِّي الحرُّ دِيةَ الحُرِّ، والعبدُ ديةَ العبد، والأنثى دية الأنثى، فقاصَّهم بعضَهم من بعض١
قال شعبة: قلتُ لأبي بِشْر [جعفر بن إياس]: كيف كان ذلك؟ يعني: قول الله: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾. فقال: كان يُقْتَل الرجل -يعني: بالرجل-، ويُتْرَك العبد بالعبد١
النسخ في الآية
٦ أقوالعن قتادة بن دِعامة -من طريق شَيْبان- في الآية، قال: كان أهل الجاهلية فيهم بَغْيٌ وطاعة للشيطان، فكان الحيُّ منهم إذا كان فيهم عَدَد وعُدَّة، فقتَل لهم عبدًا عبدُ قومٍ آخرين، فقالوا: لن نقتل به إلا حُرًّا. تعزُّزًا وتفضُّلًا على غيرهم في أنفسهم، وإذا قُتلت لهم أنثى قتلتها امرأة، قالوا: لن نقتل بها إلا رجلًا. فأنزل الله هذه الآية يخبرهم أنّ العبد بالعبد، والحر بالحر، والأنثى بالأنثى، وينهاهم عن البغي. ثم أنزل سورة المائدة فقال: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة:٤٥] الآية١
قال مقاتل بن سليمان:... صارت منسوخة، نسختها الآية التي في المائدة [الآية:٤٥ ]قوله سبحانه: ﴿وكتبنا﴾ فيما قضينا ﴿عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾، يعني: ﴿النفس﴾ المسلم الحرّ ﴿بالنفس﴾ المسلم الحرّ، والمسلمة الحرّة بالمسلمة الحرّة١٢
عن عبد الله بن عباس -من طريق جُوَيْبِر، عن الضحاك-: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾، قال: نسختها ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ [المائدة:٤٥] الآية١
قال ابن عباس: نسختها ﴿النفس بالنفس﴾ [المائدة:٤٥]١
عن عبد الله بن عباس -من طريق علي بن أبي طلحة- قال: كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة؛ فأنزل الله: ﴿النفس بالنفس﴾ [المائدة:٤٥]. فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم في العمد؛ رجالهم ونساؤهم، في النفس وما دون النفس، وجعل العبيد مستوين في العمد؛ في النفس وما دون النفس، رجالهم ونساؤهم١
قال الحسن البصري:... أنزل الله عز وجل هذه الآية، ونهاهم عن البغي، ثم أنزل الله بعد ذلك في المائدة: ﴿وكتبنا عليهم فيه أن النفس بالنفس﴾ [الآية:٤٥]، يعني: النفس التي قَتَلت بالنفس التي قُتِلت؛ وهذا في الأحرار١
نزول الآية
٧ أقوالعن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- قال: لم يكن لِمَن كان قبلنا دِيَةٌ، إنما هو القتل أو العفو؛ فنزلت هذه الآية في قوم أكثر من غيرهم، فكانوا إذا قُتِل من الكثير عبدٌ قالوا: لا نَقْتُلُ به إلا حُرًّا. وإذا قُتِلَت منهم امرأةٌ قالوا: لا نَقْتُلُ بها إلا رجلًا. فأنزل الله: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾١
قال مقاتل بن سليمان: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾، وذلك أنّ حيَّيْن من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، وكانت بينهم قتلى وجرحى، حتى قُتِل العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعضٍ الأموالَ حتى أسلموا، وكان أحد الحيَّيْن له طَوْلٌ على الآخر في العدد والأموال، فحلفوا: ألّا نرضى حتى يُقتل بالعبد منا الحرُّ منهم، وبالمرأة منّا الرجلُ منهم. فأنزل الله عز وجل: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾. فسوّى بينهم في الدماء، وأمرهم بالعدل، فَرَضُوا، فصارت منسوخة، نسختها الآية التي في المائدة [آية:٤٥]١
عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- قال: إنَّ حَيَّيْنِ من العرب اقتتلوا في الجاهلية قبل الإسلام بقليل، فكان بينهم قتل وجراحات، حتى قتلوا العبيد والنساء، فلم يأخذ بعضهم من بعض حتى أسلموا، فكان أحد الحيَّيْنِ يتطاول على الآخر في العُدَّة والأموال، فحلفوا أن لا يرضوا حتى يُقْتَل بالعبد منّا الحُرُّ منهم، وبالمرأة مِنّا الرجلُ منهم؛ فنزل فيهم: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾. وذلك أنهم كانوا لا يقتلون الرجل بالمرأة، ولكن يقتلون الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة؛ فأنزل الله: ﴿النفس بالنفس﴾ [المائدة:٤٥]، فجعل الأحرار في القصاص سواء فيما بينهم من العمد؛ رجالهم ونساؤهم، في النفس وما دون النفس، وجعل العبيد مستويين في العمد؛ النفس وما دون النفس، رجالهم ونساؤهم١
عن عامر الشعبي -من طريق داود بن أبي هند- قال: نزلت هذه الآية في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عِمِّيَّة١ على عهد الرسول ﷺ، فقالوا: نقتُل بعبدنا فلانَ بن فلان، ونقتُل بأمَتِنا فلانةَ بنت فلان. فأنزل الله: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾٢
عن أبي الجوزاء، والكلبي، ومقاتل بن حيان، نحوه١
عن أبي مالك -من طريق السدي- قال: كان بين حَيَّيْن من الأنصار قتال، كان لأحدهما على الآخر الطَّوْل، فكأنهم طلبوا الفَضْل، فجاء النبي ﷺ ليصلح بينهم؛ فنزلت الآية: ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾١
قال الحسن البصري: كان أهل الجاهلية فيهم بَغْيٌ، قد كان إذا قُتِل من الحي منهم مملوكٌ قَتَلَه حيٌّ آخرون، قالوا: لا نَقْتُل به إلا حُرًّا. وإذا قُتِل من الحيِّ منهم امرأةٌ قتَلها حيٌّ آخرون، قالوا: لا نقتل بها إلا رجلًا. فأنزل الله عز وجل هذه الآية، ونهاهم عن البغي١
وقفات تدبرية في الآية ١٧٨ من سورة البقرة
١٨ وقفةً في هذه الآية
-
(فمن عُفي له من ( أخيه ) شيء رغم القتل سمّاه أخ !! لِمَ تذهب أخوتنا لأتفه الأسباب ؟!!
— سعد مطر العتيبي
-
تدبر سورة البقرة يؤكد مقصدها تضمنها لكليات الشريعة وما بنيت عليه من حفظ الضرورات الخمس وقد ورد فيها لفظ {كتب عليكم } أربع مرات.
— محمد الربيعة
-
الحكمة في تصدير الخطاب بـ (يا أيها الذين آمنوا) تقوية لداعية إنفاذ حكم القصاص، فكأنه يقول: إن معكم من الإيمان ما يمنعكم من التهاون بإقامة هذا الواجب؛ فإن المؤمن الصادق يحرص على أن يسد الأبواب، في وجه كل فتنة تحل عرى الألفة والمودة بين الأفراد والجماعات، وتلقي بحبل الأمن في اضطراب واختلال.
— محمد الخضر حسين
-
(فمن عفي له من أخيه شيء) إطلاق وصف الأخ على المماثل في الإسلام أصل جاء به القرآن، وجعل به التوافق في العقيدة كالتوافق في نسب الإخوة بل أشد، وحقًا فإن التوافق في الدين رابطة نفسانية، والتوافق في النسب رابطة جسدية، والروح أشرف من الجسد!
— ابن عاشور
-
تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ } الرحمة هنا : السعة . [البحر الملئان]
— محاسن التاويل
-
تطبيقات تدبرية سورة البقرة أية 178
— عبدالحي يوسف
-
آية 178 سورة البقرة
— خالد السبت
-
دقيقة مع القرآن سورة البقرة آية 178
— عويض العطوي
-
( فمن عُفيَ له من أخيه شيء ... ) مع أنه قتل لكن تبقى الأخوّة ! .. لماذا نتعادى بسبب خلافات تافهة ؟!
— ماجد الغامدي
-
[ فمن عُفي له من ( أخيه ) شيء ] رغم القتل سمّاه أخ ! .. لم تذهب أخوتنا لأتفه الأسباب ؟
— ماجد الغامدي
-
آية (١٧٨) : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) * ما الحكمة من بناء الفعل (كُتِبَ) هنا للمجهول ؟ هنا خط عام في القرآن أن الأمور المستكرهة الصعبة والشاقة يبنيها ربنا للمجهول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ (١٨٣)) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى (١٧٨)) (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ (٢١٦)) مع أنه كله بقدر الله عز وجل لكن لا ينسبه لنفسه .
— مختصر لمسات بيانية
-
* ما هو تفسير الآية 178 في سورة البقرة (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ )؟ وما الوجه البلاغي في هذا التقسيم؟ هل إذا قتل حرٌ عبداً لا يؤخذ به؟ وإنما يقول أعطونا ثمنه؟ هنا نقول في كثير من الآيات ينبغي الرجوع إلى سبب النزول. نحن عندنا قاعدة عامة (ولكم في القصاص حياة) هذه القاعدة العامة. كان هناك ثأر بين حييّن من أحياء العرب أسلموا قبل أن تُفضّ المشكلة وأحدهما كان قوياً متجبراً فقبل أن يدخلوا في الإسلام كانوا يقولون العبد منّا بالحرّ منهم والمرأة منّا بالرجل منهم حتى نصطلح وإلا الحرب مستمرة هكذا من التجبر والحرب مستمرة فلما دخلوا في الإسلام بقوا على حالهم وعلى قولهم فنزلت الآية: نعم في القصاص حياة لكن الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى. انظروا كم من أحراركم قُتِل وأحرارهم قُتِل؟ هذه بهذا والفارق تدفع عنهم الديّة وكذلك للعبيد وللنساء حتى تحل المشكل وهو مشكل مؤقت لكن تبقى القاعدة عامة (ولكم في القصاص حياة) القصاص عامة .
— حسام النعيمي
و٦ وقفات أخرى لهذه الآية في الوقفات التدبرية.
الناسخ والمنسوخ في الآية ١٧٨ من سورة البقرة
من كتاب: الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الذين آمنوا كُتِبَ عليكُمُ القِصاصُ في القتلى﴾ الآية.
يجبُ مِن ظاهِر لفظِ الآية أن لا يُقْتَلَ الرَّجُلُ بالمرأة، ولا المرأةُ بالرَّجُل، ولا العبدُ بالحُرِّ (ولا الحُرُّ بالعبد).
وقال ابن عباس: هذا منسوخٌ بقوله في المائدة: ﴿النَّفْس بالنَّفْس﴾ [المائدة: ٤٥].
فهذه (الآيةُ) أَوْجَبَت قَتْلَ الرَّجُلِ بالمرأةِ، والمرأةِ بالرَّجُل، والعبد بالحر، وهذا لا يجوزُ عند جماعةٍ مِن العلماء؛ لأَنَّ ما فرضَه الله علينا لاينسخُه ما حكى اللهُ لنا من شريعةِ غيرِنا؛ إنّما أخبرنا الله - في المائدة - بما شَرَع لِغيرنا، لم يفرضْه علينا، فيكونَ ناسخاً لما تقدَّم من سنة الفرض علينا.
وَلكِنْ: الآيتانِ مُحْكمتان لا نسخَ في واحدةٍ منهما، على ما نبيِّنُه بعد- إن شاءَ الله تعالى -.
وفي هذه الآية أَربعةُ أقوالٍ غير (القول الأول) الذي ذكرناه:
الأول: قاله الشعبي وغيرُه، قالوا: آيةُ البقرةِ مخصوصةٌ نزلت في قوم تقاتلوا، فقُتِلَ منهم خلقٌ كثيرٌ وكانت إحدى الطَّائفتين أعزَّ من الأخرى، فقالت العزيزةُ: لا يُقتلُ العبدُ منّا إلا بالحرِّ مِنكُم، ولا بالأنثى منا إلا بالرَّجلُ منكُم، فنزلت الآيةُ في ذلك، ثم هي في كُلِّ مَن أراد أن يفعل كفِعْلِهِم، فهي محكمة.
الثاني: قاله السُّدِّي، قال: هي مخصوصةٌ في فريقين تقاتلا على عهدِ النبي - عليه السلام - ووقع بينَهما قتلى، فأمر النبيُّ - صلّى الله عليه وسلم - أن يفادَى بينهم، ديّاتُ النّساء بديّات النّساء، وديّات الرّجال بديات الرجال، فهي في شيءٍ بعينِه، (وهي تعَبُّدٌ) لمن يأتي بعدَهم، فهي محكمة.
الثالث: قاله الحسنُ البصريُّ، قال: نزلت آيةُ البقرةِ في نسخِ التراجع الذي كانوا يفعلونَه، وذلك أنهم كانوا يَحْكُمون فيما بينَهم أَنَّ الرّجُلَ (إذَا قتل امرأةً، كان أولياءُ المرأة بالخيار، إن شاؤوا قتلوا الرَّجُلَ)، وأدوا نصف دِيَتِه، وإن شاؤا أخذوا نصفَ دِيَة رجل. وإذا قتلت المرأة رجلاً، كان أولياء الرجل مخيّرين إن شاءوا قتلوا المرأة وأخذوا نصف دية الرجل وإن شاءوا أخذوا الدِّيَة كاملةً، ولم يقتلوا المرأةَ، فنسخَ اللهُ ذلك مِن فِعْلِهم. وقد روي هذا القولُ عن عليٍّ - رضي الله عنه - فتكونُ هذه الآيةُ - على هذا القول - محكمةً ناسخةً لما كانوا يفعلونه.
الرابع: قاله أبو عبيد، قال: (آيةُ المائدة مفسِّرةٌ لآية البقرة؛ لأن أنفس) الأحرارِ متساويةٌ فيما بينَهم.
وعلى هذا أكثرُ الفقهاء.
يُقْتَلُ الحرُّ بالحرِّ والأنثى بالأنثى بآية البقرة وآية المائدة.
ويقتلُ الرَّجلُ بالمرأة، والمرأةُ بالرَّجُلِ بآية المائدة.
والآيةُ - عند مالك - محكمةٌ، ورُوِي عنه أنه قال: أَحسنُ ما سمعنا في هذه الآية، أنها يُراد بها الجِنسُ، الذَّكَرُ والأنثى فيه سواء. وأشار أَبو عبيدٍ إلى أَن قولَه هو مذهبُ ابن عباس.
ومعنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيءٌ فاتباع بالمعروف﴾ [البقرة: ١٧٨] - الآية -:
قال مؤلفو النّاسخ والمنسوخ: هذا ناسخٌ لما كان عليه بنو إسرائيل من امتناع أخذِ الدِّيَةِ، فخفَّف الله عن هذه الأُمَّة، وأباحَ لهم العفوَ عن القاتل عَمْداً وأَخْد الدِّيَة.
(قال أبو محمد): وقد كان يجبُ أَلاَّ (يَذكروا) هذه الآيةَ وشبهها في الناسخ والمنسوخ؛ لأنها كآي القرآن كُلِّها التي نَسَخَت شرائعَ الكفار وأهل الكتاب، ولو نسخَت آيةً أخرى (لوجبَ) ذكرُها. وقد بيّنا هذا.
وفي هذه الآية إشكالٌ - على مذهب مالك - نُبَيِّنهُ إن شاء الله تعالى: المعروفُ مِن مذهبِ مالكٍ وأَصحابِه: أن المعفوَّ له بالديّة وليُّ الدَّم، عُفِيَ له بدية أُعْطِيَها عِوَضاً من قتل القاتل (فَقبِلَها) والعافي: القاتل عفا عن نفسه بأن بذل الديّة.
والتقدير: فمن أُعْطيَ ديّة فقبِلَها فعليه أن يتبعَ المعطي بالمعروف، وعلى المعطي أن يُؤدِّيَ ما بذل بإحسانٍ.
فـ "مَنْ". في قوله: ﴿فَمنْ عُفِيَ له﴾: اسم وليّ الدم.
فاتِّباعٌ بالمعروف: أَمرٌ للوليّ أن يَتْبَعَ القاتلَ فيما بذلَ له من الدية بمعروف.
(وقولُه): وأداءٌ إليه بإحسان: أَمْرٌ للقاتِل أُمِرَ أَن يُؤدِّيَ إلى الوَليِّ ما بذل له من الدِّية بإحسان.
وفي رجوع الهاءات بيانُ هذا المعنى: فالهاء في "له" وفي "أخيه"، وفي "إليه" يعُدْنَ على الوليّ.
والأخُ: هو القاتل.
وعفي له - على هذا القول - معناه: يُسِّرَ.
(فهذا مذهب مالكٍ وأصحابه).
وقال عبدُ العزيز بنُ أَبي سلمَة: معناها:
من أُعطِيَ لَه (من أخيه شيءٌ مِن) العَقْلِ فرضيَ به فليتبعه بالمعروف، وليؤدِّهِ إليه القاتلُ بإِحسان.
ومذهبُ غيرِ مالكٍ:
أن المعفوَّ له: هو القاتِل.
والعافي: وليُّ الدم.
وعفي: بمعنى: ترك - على هذا القول -.
فاتباع بالمعروف: أمر للوليِّ - مثلُ القول الأول -.
وأَداء إليه بإحسان: أمرٌ للقاتل - كالقول الأول -.
والأخ - في هذا القول -: وليُّ الدم.
و "مَنْ" - في هذا القول -: اسم (القاتل)..
والهاء في "له" وفي "أخيه" - على هذا القول -: تعودان على القاتل.
والهاء في "إليه" (تعود) على الوليِّ - كالقول الأول -.
فأما الترجيح بين المذهبين فليس هذا موضِع ذِكْرِه.
وقد قال مالك في قوله تعالى: ﴿أوْ يَعْفُوَا الّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النكَاح﴾ [البقرة: ٢٣٧]:
إن العافي: الوليّ بِتَرْكِ ما وجب لابنتِه البكر أو لأَِمَتِه سُمِّيَ عافياً، لأنه ترك ما وجبَ له، وهو ضدُّ قوله في هذه الآية.
وقال غيرُه: العافي: هو الزوج.
(قال أبو محمد): ولا عفوَ (له) إذا أَدَّى ما عليه.
وهو ضدُّ قوله (في) آية القتل.
فَكُلُّ واحدٍ على ضِدِّ قولِه في الآية الأخرى.
وإنما شرحْتُ معناها على المذهبين؛ لأني ما رأيتُ أحداً بيَّن ذَلِك ولا كَشفه.
ترجمات معاني الآية ١٧٨ من سورة البقرة
ترجمة معاني الآية إلى ٦٠ لغةً
(178) O you who have believed, prescribed for you is legal retribution for those murdered - the free for the free, the slave for the slave, and the female for the female.[61] But whoever overlooks from his brother [i.e., the killer] anything,[62] then there should be a suitable follow-up and payment to him [i.e., the deceased's heir or legal representative] with good conduct. This is an alleviation from your Lord and a mercy. But whoever transgresses after that[63] will have a painful punishment.
[61]- No one else should be executed in place of the killer.
[62]- By accepting compensation payment rather than execution.
[63]- After acceptance of compensation.
— الترجمة الإنجليزية - صحيح انترناشونال
- الإنجليزية
- الفرنسية
- الإسبانية
- البرتغالية
- الألمانية
- الإيطالية
- التركية
- الإندونيسية
- الفلبينية
- الفارسية
- الأردية
- البنغالية
- الكردية
- البشتوية
- البوسنية
- الألبانية
- الأوكرانية
- الصينية
- الأويغورية
- اليابانية
- الكورية
- الفيتنامية
- الكازاخية
- الأوزبكية
- الأذرية
- الطاجيكية
- الهندية
- المليبارية
- الغوجراتية
- الماراتية
- التلجوية
- التاميلية
- السنهالية
- الأسامية
- الخميرية
- النيبالية
- التايلاندية
- الصومالية
- الهوساوية
- الأمهرية
- اليورباوية
- الأورومية
- الفنلندية
- ماراناو
- فلمكني (هولندية)
- النرويجية
- البولندية
- الرومانية
- الروسية
- تتاري
- السواحلية
- لغة الملايو
- تشيكي
- المالديفية
- السويدية
- العبرية
- الجورجية
- الصربية
- اللوغندية
- الإنكو بامبارا