اللباب في علوم الكتاب — ابن عادل الحنبلي

عن الكتاب
قوله " في القَتْلَى "، أي : بسبب القَتْلَى و " في " تكون للسَّببية ؛ كقوله - عليه السَّلام - " إنَّ امْرَأَةً َدَخَلَتِ النَّار في هِرَّةٍ "، أي : بسببها، و " فَعَلَى " يطَّردُ أن يكون جمعاً لفعيل، بمعنى مفعول، وقد تقدَّم شيءٌ من هذا عند قوله ﴿وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى﴾[البقرة: ٨٥].

فصل في بيان سبب النزول :


في سبب النزول وجوه :
أحدها : إزالة الأحكام التي كانت ثابتة قبل البعثة، وذلك أن اليهود كانوا يوجبون القتل فقط، والنصارى كانوا يوجبون العفو فقط، والعرب تارةً كانوا يوجبون القتل، وتارة يوجبون الدِّية، لكنَّهم كانوا يظهرون التعدِّي، فأما القتل ؛ فكانوا إذا وقع القتل بين قبيلتين : أحدهما أشرف من الأخرى، فكان الأشراف يقولون :" لنَقْتُلَنَّ بالعَبْدِ مِنَّا الحُرَّ مِنْهُمْ، وبالمَرْأَةِ مِنَّا الرَّجُلَ مِنْهُمْ، وَبِالرَّجُلِ مِنَّا الرَّجُلَيْنِ مِنْهُمْ " وربما زادوا على ذلك، وينكحون نساءهم بغير مهورٍ ؛ قاله سعيد بن جُبَيْرٍ(١).
يروى أن واحداً من الأشراف قتل له ولد، فاجتمع أقارب القاتل عند والد المقتول، فقالوا له : ما تُرِيدُ ؟ فقال : إحدى ثلاثٍ، فقالوا : ما هي ؟ قال : إما تُحْيُونَ لِي وَلَدِي، أو تَمْلَئُونَ دَارِي من نُجُومِ السَّمَاءِ، أو تَدْفَعُونَ إليَّ جُملَةَ قَوْمِكُمْ ؛ حَتَّى أقْتُلَهُمْ، ثم لا أَرَى أَنِّي أخذت عوضاً(٢).
وأمَّا أمر الدِّية، فربمَّا جعلوا دية الشَّريف أضعاف دية الخسيس، فلما بعث الله تعالى محمَّداً ﷺ أوجب رعاية العدل، وسوَّى بين عباده في حكم القصاص، وأنزل الله هذه الآية.
الوجه الثاني : قال السُّدِّيّ : إن قريظة والنَّضير كانوا مع تديُّنهم بالكتاب، سلكوا طريقة العرب، فنزلت الآية.
الوجه الثالث : نزلت في واقعة قتل حمزة(٣) - رضي الله عنه -.
الوجه الرابع : روى محمَّد بن جرير الطبريُّ، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وعن الحسن البصريِّ : أن المقصود من هذه الآية الكريمة التسوية بين الحُرَّين والعبدين والأُنثيين في القصاص، فأما إذا كان القاتل للعبد حرًّا، أو للحرِّ عبداً، فإنه يجب مع القصاص التراجع، وأما حرٌّ قتل عبداً، فهو قوده، فإن شاء أولياء العبد أن يقتلوا الحرَّ، قتلوه بشرط أن يسقطوا ثمن العبد من دية الحر ويردوا إلى أولياء الحر بقيَّة ديته، وإن قتل عبد حراً، فهو به قودٌ، فإن شاء أولياء الحرِّ، قتلوا العبد، وأسقطوا قيمة العبد من دية الحُرِّ، وأدَّوا بعد ذلك إلى أولياء الحُرِّ بقيَّة ديته، وإن شاءوا أخذوا كلَّ الدية، وتركوا كل العبد، وإن قتل رجلٌ امرأة، فهو بها قودٌ، فإن شاء أولياء المرأة، قتلوه، وأدَّوا نصف الدية، وإن شاءوا، أعطوا كلَّ الدية، وتركوها، فالآية الكريمة نزلت لبيان أن الاكتفاء بالقصاص مشروع بين الحرَّين، [ والعبدين والأنثيين، والذكرين، فأما عند اختلاف الجنس، فالاكتفاء غير مشروع فيه ].

فصل في اشتقاق كلمة " القصاص "


و " القِصَاصُ " : مصدر قَاصَّهُ يُقَاصُّهُ قِصَاصاَ، ومقَاصَّةً ؛ نحو : قاتَلْتُهُ قِتَالاً، ومُقَاتَلَةً، وأصله من : قصصت الشيء، اتَّبعت أثره ؛ لأنَّه اتباع دم المقتول.
قال تعالى :﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصاً﴾ [الكهف: ٦٤]،
﴿وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصِّيهِ﴾ [القصص: ١١]، أي : اتبعي أثره، وسمِّيت القصَّة قصَّةً ؛ لتتبُّع الخبر المحكيِّ، والقصص تتبُّع أخبار النَّاس، وسمِّي المقصُّ مقصًّا، لتعادل جانبيه، هذا أصل المادَّة.
فمعنى القصاص : تتبُّع الدم بالقود، ومنه التقصيص، لما يتبع من الكلأ بعد رعيه، والقصُّ أيضاً : الجصُّ، ومنه " نهيه - عليه السلام - عن تقصيص القبور " أي : تجصيصها.

فصل


روى البخاريُّ، والنَّسائيُّ، والدَّار قطنيُّ، عن ابن عبَّاس، قال : كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدِّية، فقال الله لهذه الأمَّة :﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾(٤)
[البقرة: ١٧٨].
والعفو : أن يقبل الدية في العبد :" فَاتبَاعٌ بِالمَعْرُوفِ وأَداءٌ إلَيْهِ بِإحْسَانٍ " تتبع بالمعروف، وتؤدي بإِحْسَانٍ، " ذَلِكَ تخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ " مما كتب على من كان قبلكم، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ فمن قتل بعد قبول الدِّية، هذا لفظ البخاريِّ.
وقال الشَّعبيُّ في قوله تعالى :﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنْثَى﴾ قال : نزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقْتَتَلا قتال عمية، فقالوا : نقتلُ بِعَبْدِنَا فُلاَنَ، ابنَ فُلاَنٍ، وَبِأَمَتِنَا فُلانَةَ بِنْتَ فُلاَنٍ، ونحوه عن قتادة(٥).

فصل في المراد بقوله " كتب عليكم "


قوله :" كُتِبَ عَلَيْكُمْ " : معناه :" فُرِضُ عَلَيْكُمْ "، فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين :
أحدهما : أن قوله كتب في عرف الشرع يفيد الوجوب. قال تعالى :
﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] وقال :﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ﴾ [البقرة: ١٨٠] وقد كانت الوصية واجبة، ومنه الصلوات المكتوبات أي : المفروضات قال عليه السلام :" ثَلاَثٌ كُتِبَتْ عَلَيَّ وَلَمْ تُكْتَبْ عَلَيْكُمْ "
والثاني : لفظة " عَلَيْكُمْ " مشعرة بالوجوب ؛ لقوله ﴿وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧].
والقصاص : أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، فهو عبارة عن التَّسوية، والمماثلة في الجراحات، والدِّيات.
وقيل " كُتِبَ " هنا إخبار عمَّا كتب في اللَّوح المحفوظ، وقوله ﴿فِي الْقَتْلَى﴾، أي : بسبب القتلى، كما تقدَّم ؛ فدلَّ ظاهر الآية على وجوب القصاص على جميع المؤمنين بسبب قتل جميع القتلى، إلاَّ أنَّهم أجمعوا على أنَّ غير القاتل خارجٌ عن هذا الفارق، أمَّا القاتل، فقد دخله التخصيص أيضاً في صورٍ كثيرةٍ ؛ وهي ما إذا قتل الوالد ولده، والسَّيِّد عبده، وفيما إذا قتل مسلم مسلماً خطأً، إلاَّ أنَّ العامَّ إذا دخله التخصيص، يبقى حجَّةً فيما عداه.
فإن قيل : قولكم : هذا الآية تقتضي وجوب القصاص، فيه إشكالان :
الإشكال الأول : لو وجب القصاص، لوجب إمَّا على القاتل، أو على وليِّ الدَّم، أو على ثالثٍ، والأقسام الثلاثة باطلةٌ ؛ لأنَّ القاتل لا يجب عليه أن يقتل نفسه، بل يحرم عليه ذلك، وأمَّا وليُّ الدم، فلا يجب عليه ؛ لأنَّ وليَّ الدم يخيَّر في الفعل، والتَّرك، بل هو مندوبٌ إلى التَّرك ؛ كقوله ﴿وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [البقرة: ٢٣٧] وأمَّا الثالث : فإنه أجنبيٌّ عن القتيل والأجنبي عن الشيء لا تعلُّق له به.
الثاني : أنَّا بيَّنا أن القصاص عبارة عن التَّسوية(٦)، وكان مفهوم الآية إيجاب التَّسوية ؛ وعلى هذا التقدير : لا تكون الآية دالَّة على إيجاب القتل ألبتَّة، بل تدلُّ على وجوب رعاية التَّسوية في القتل الذي يكون مشروعاً بسبب القتل.
والجواب عن الأول من وجهين :
أحدهما : أن المراد إيجاب إقامة القصاص على الإمام، ومن يجري مجراه ؛ لأنَّ متى حصلت شرائط وجوب القود، فإنَّه لا يحلُّ للإمام أن يترك القود من المؤمنين، والتقدير : يا أيها الأئمَّة، كتب عليكم استيفاء القصاص، إن أراد وليُّ الدّمِ استيفاءَه.
والثاني : أنه خطاب مع القاتل، التقدير : يا أيها القاتلون، كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الوليِّ بالقصاص ؛ وذلك لأنَّ القاتل ليس له أن يمتنع ؛ خلاف الزَّاني والسارق، فإنَّ لهما الهرب من الحدود، ولهما أيضاً أن يستترا بستر الله، فلا يعرفان، والفرق بينهما : أن ذلك حقٌّ لآدميٍّ.
والجواب عن الثاني : أن ظاهر الآية يقتضي التَّسوية في القتل، والتَّسوية في القتل صفة القتل، وإيجاب الصفة يقتضي إيحاب الذَّات، فكانت الآية تفيد إيجاب القتل من هذا الوجه.
قوله " الحُرُّ بالحُرِّ " مبتدأٌ وخبرٌ، والتقدير : الحُرُّ مأخوذٌ بالحُرِّ، أو مقتول بالحُرِّ، فتقدِّر كوناً خاصًّا، حُذِف ؛ لدلالة الكلام عليه ؛ فإنَّ الباء فيه للسَّبب، ولا يجوز ان تقدِّر كوناً مطلقاً ؛ إذ لا فائدة فيه، لو قلت :" الحُرُّ كائنٌ بالحُرِّ " إلاَّ أن تقدِّر مضافاً، أي : قتل الحرِّ كائن بالحُرِّ، وأجاز أبو حيان : أن يكون الحُرُّ مرفوعاً بفعل محذوف، تقديره :" يُقْتَلُ الحُرُّ بالحُرِّ " ؛ يدلُّ عليه قوله تعالى :﴿الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ؛ فإن القصاص يشعر بهذا الفعل المقدَّر، وفيه بعدٌ، والحر وصفٌ، و " فُعْلٌ " الوصف، جمعه على " أفْعَالٍ " لا يقاس، قالوا : حُرٌّ وأَحْرَارٌ، ومُرٌّ وأمرار، والمؤنَّثة حُرَّة، وجمعها على " حَرَائِر " محفوظٌ أيضاً، يقال :" حَرَّ الغُلاَمُ يَحَرُّ حُرِّيَّةً ".

فصل في اختلافهم في اقتضاء الآية الحصر


قوله ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى﴾ فيه قولان :
الأولى : أنَّها تقتضي ألاَّ يكون القصاص مشروعاً إلاَّ بين الحُرَّين، وبين العبدين، وبين الأُنثيين.
واحتجَّ عليه بوجوه :
الأول : ان الألف واللام في " الحُرِّ " تفيد العموم ؛ فقوله :﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ يفيد أن يقتل كلُّ حرٍّ بالحر، فلو كان قتل حرٍّ بعبد مشروعاً، لكان ذلك الحُرُّ مقتولاً بغير حُرٍّ، وذلك ينافي إيجاب أن يكون كلُّ حرٍّ مقتولاً بالحُرِّ.
الثاني : أن " الباء " من حروف الجَرِّ، فتتعلَّق بفعلٍ، فيكون التقدير : يقتل بالحر، والمبتدأ لا يكون أعمَّ من الخبر، بل إمَّا مساوياً له، أو أخصَّ منه، وعلى هذا التقدير فهذا يقتضي أن يكون كلُّ حُرٍّ مقتولاً بالحُرِّ، وذلك ينافي كلَّ حُرٍّ مقتولاً بالعبد.
الثالث : أنه تبارك وتعالى أوجب في أول الآية الكريمة رعاية المماثلة، وهو قوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى. .﴾، فلما ذكر عقيبة قوله :﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ دلَّ على أن رعاية التَّسوية في الحُرِّيَّة والعبوديَّة معتبرةٌ ؛ لأن قوله :﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ خرج مخرج التَّفسير لقوله ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، فإيجاب القصاص على الحُرِّ بقتل العبد إهمال لرعاية التَّسوية ؛ فوجب ألاَّ يكون مشروعاً ؛ ويؤيِّد ما ذكرنا قوله ﷺ " لاَ يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ، وَلاَ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ(٧) "، فإن أخذ الخصم بقوله تعالى :﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾، فالجواب من وجهين :
أحدهما : هذه الآية شَرْعُ مَنْ قبلنا وليسَ شَرْعاً لَنا، والآيةُ التي نَحْنُ فيها شرْعُنا، فهذا
١ - أخرجه بلفظ قريب منه ابن أبي حاتم في "تفسيره" عن سعيد بن جبير كما في "الدر المنثور" للسيوطي (١/٣١٦)..
٢ - ذكره الفخر الرازي في "التفسير الكبير" (٥/ ٤٠)..
٣ - ينظر: تفسير الفخر الرازي ٥/٤١..
٤ - أخرجه البخاري (٦/ ٥٢) كتاب التفسير باب سورة البقرة (٤٤٩٨) والنسائي (٨/٣٧) رقم (٤٧٨١) والبيهقي (٨/٥١) والطبري في "تفسيره" (٣/٣٧٣) وعبد الرزاق في "تفسيره" ص ١٦ وذكره السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣١٧) وزاد نسبته لسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر وابن أبي حاتم والنحاس في "ناسخه" عن ابن عباس موقوفا..
٥ -أخرجه الطبري في "تفسيره" (٣/٣٥٩) عن الشعبي، وزاد نسبته السيوطي في "الدر المنثور" (١/٣١٦) لعبد بن حميد..
٦ -اظطربت القوانين الوضعية في هذا القصاص، واختلفت أنظار المفكرين في جوازه أو عدمه، وأخذ كل يدافع عن فكرته، ويحاجج عن رأيه؛ حتى رمى بعض الغلاة الإسلام بالقسوة في تقرير هذه العقوبة، وقالوا إنها غير صالحة لهذا الزمن، وقد نُسوا أن الإسلام جاء في ذلك بما يُصلح البشر على مر الزمن، مهما بلغوا في الرقي وتقدموا في الحضارة.
كانت هذه العقولة موجودة قبل الإسلام، ولكن للاعتداء فيها يده المتنمرة، وللإسراف فيها ضرره البالغ، فحد الإسلام من غلوائها، وقصر من غلوائها، ومنع الإسراف فيها؛ فقال تعالى: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا﴾ فلم يبح دم من لم يشترك في القتل، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾.
وقال عز من قائل: ﴿وكتبنا عليهم فيها: أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف﴾ الآية ولكنه أفسح المجال للفصل بين الناس، وترك للجماعة الراقية مع ذلك أن ترى خيرا في العفو عن الجاني؛ فقال: "فمن تصدق به فهو كفارة له" على أن العقلاء الذين خبروا الحوادث، وعركوا الأمور، ودرسوا طبائع النفوس البشرية ونزعاتها وغرائزها قد هداهم تفكيرهم الصحيح إلى صلاح هذه العقوبة لإنتاج الغاية المقصودة؛ وهي إقرار الأمن، وطمأنينة النفوس، ودرء العدوان والبغي، وإنقاد كثيرين من الهلاك؛ قال تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب﴾.
وقد فهم أولو الألباب هذه الحكم البالغة، وقدّروها حق قدرها، وها نحن أولاء نرى اليوم أن الأمم التي ألغت هذه العقوبة عادت إلى تقريرها؛ لما رأت في ذلك من المصلحة.
وأمكننا الآن أن نقول: إنه ليس هناك من خلاف كبير بين الإسلام والقوانين الوضعية في هذا الموضوع. أما القصاص في غير القتل مما ورد في الآية الكريمة: ﴿والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص﴾ فهو في غاية الحكم والعدالة؛ إذ لو لم يكن الأمر كذلك، لاعتدى القوي على الضعيف، وشوه خِلقته، وفعل به ما أمكنته الفرصة، لا يخشى من وراء ذلك ضررا يناله أو شرا يصيبه، ولو اقتصر الأمر على الدَّيان كما هو الحال في القوانين الوضعية-لكان سهلا على الباغي، يسيرا على الجاني، ولتنازل الإنسان عن شيء من ماله، في سبيل تعجيز عدوه وتشويهه، ما دامت القوة في يده، ولكنه لو عرف أن ما يناله بالسوء من أعضاء عدوه سيصيب أعضاءه مثله كذلك- انكمش وارتدع وسلموا جميعا من الشر..

٧ - أخرجه أبو داود (٤/٦٦٦-٦٦٧) كتاب الدِّيات: باب إيقاد المسلم بالكافر حديث (٤٥٣٠) والنسائي (٨/١٩) كتاب القسامة: باب القود بين الأحرار والحاكم (٢/١٤١) وأحمد (١/١١٩) من حديث علي بن أبي طالب بلفظ: المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم ويرد عليهم أقصاهم وهم يد على من سواهم ولا يقتل مسلم بكافر ولا ذو عهد في عهده..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى