البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
القصاص : مصدر قاص يقاص مقاصة وقصاصاً ؛ نحو : قاتل يقاتل مقاتلة وقتالاً.
والقصاص : مقابلة الشيء بمثله، ومنه : قتل من قتل بالمقتول، وأصله من قصصت الأثر : أي اتبعته، لأنه اتباع بدم المقتول، ومنه قصّ الشعر : اتباع أثره.
الحر : معروف، تقول : حر الغلام يحرّ حرّية فهو حرّ، وجمعه، أعني فعلاً الصفة على أحرار محفوظ.
وقالوا مرّوا مراراً، فإن كانت فعلاً صفة للآدميين، جمعت الواو والنون، وكما أن أحراراً محفوظ في الجمع، كذلك حرائر محفوظ في جمع حرّة مؤنثة.
القتلى : جمع قتيل، وهو منقاس في فعيل، الوصف بمعنى ممات أو موجع.
الأنثى : معروف، وهي فعلى، الألف فيه للتأنيث، وهو مقابل الذكر الذي هو مقابل للمرأة.
ويقال للخصيتين أنثيان، وهذا البناء لا تكون ألفه إلا للتأنيث، ولا تكون للإلحاق، لفقد فعلل في كلامهم.
الأداء : بمعنى التأدية، أدّيت الدين : قضيته، وأدّى عنك رسالة : بلغها أنه لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، أي لا يبلغ.
﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ : روى البخاري عن ابن عباس قال : كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية.
فقال الله تعالى هذه الآية.
وقال قتادة والشعبي : نزلت في قوم من العرب أعزة أقوياء لا يقتلون بالعبد منهم إلاَّ سيداً، ولا بالمرأة إلاَّ رجلاً.
وقال السدي، وأبو مالك : نزلت في فريقين قُتِل أحدهما مسلم، والآخر كافر معاهد، كان بينهما على عهد رسول الله ﷺ قتال، فقُتِل من كلا الفريقين جماعة من رجال ونساء وعبيد، فنزلت، فجعل رسول الله ﷺ دية الرجل قصاصاً بدية الرجل، ودية المرأة قصاصاً بدية المرأة، ودية العبد قصاصاً بدية العبد.
ثم أصلح بينهما.
وقيل : نزلت في حيين من العرب اقتتلوا قبل الإسلام، وكان بينهما قتلى وجراحات لم يأخذ بعضهم من بعض.
قال ابن جبير : هما الأوس والخزرج.
وقال مقاتل بن حيان : هما قريظة والنضير، وكان لأحدهما طَوْلٌ على الاخرى في الكثرة والشرف، وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور، وأقسموا ليقتلن بالعبد الحر، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك، وكذلك كانوا يعاملونهم في الجاهلية، فرفعوا أمرهم إلى رسول الله ﷺ، فنزلت، وأمرهم بالمساواة فرضوا، وفي ذلك قال قائلهم :
وروي أن بعض غني قتل شأس بن زهير، فجمع عليهم أبوه زهير بن خزيمة فقالوا له، وقال له بعض من يذب عنهم : سل في قتل شأس، فقال : إحدى ثلاث لا يرضيني غيرهنّ، فقالوا : ما هنّ ؟ فقال : تحيون شأساً، أو تملؤون داري من نجوم السماء، أو تدفعون لي غنياً بأسرها فأقتلها، ثم لا أرى أني أخذت عوضاً.
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما حلل ما حلل قبل، وحرّم ما حرّم، ثم اتبع بذكر من أخذ مالاً من غير وجهه، وأنه ما يأكل في بطنه إلاَّ النار، واقتضى ذلك انتظام جميع المحرمات من الأموال، ثم أعقب ذلك بذكر من اتصف بالبر، وأثنى عليهم بالصفات الحميدة التي انطووا عليها، أخذ يذكر تحريم الدماء، ويستدعي حفظها وصونها، فنبه بمشروعية القصاص على تحريمها، ونبه على جواز أخذ مال بسببها، وأنه ليس من المال الذي يؤخذ من غير وجهه، وكان تقديم تبيين ما أحل الله وما حرم من المأكول على تبيين مشروعية القصاص لعموم البلوى بالمأكول، لأن به قوام البنية، وحفظ صورة الإنسان.
ثم ذكر حكم متلف تلك الصورة، لأن من كان مؤمناً يندر منه وقوع القتل، فهو بالنسبة لمن اتصف بالأوصاف السابقة بعيد منه وقوع ذلك، وكان ذكر تقديم ما تعم به البلوى أعم، ونبه أيضاً على أنه، وإن عرض مثل هذا الأمر الفظيع لمن اتصف بالبر، فليس ذلك مخرجاً له عن البر، ولا عن الإيمان، ولذلك ناداهم بوصف الإيمان فقال :﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾.
وأصل الكتابة : الخط الذي يقرأ، وعبر به هنا عن معنى الإلزام والإثبات، أي : فرض وأثبت، لأن ما كتب جدير بثبوته وبقائه.
وقيل : هو على حقيقته، وهو إخبار عن ما كتب في اللوح المحفوظ، وسبق به القضاء.
وقيل : معنى كتب : أمر، كقوله :﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ أي : التي أمرتم بدخولها.
وقيل : يأتي كتب بمعنى جعل، ومنه ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ وتعدي كتب هنا بعلى يشعر بالفرض والوجوب، ﴿وفي القتلى﴾ في هنا للسببية، أي : بسبب القتلى، مثل :«دخلت امرأة النار في هرة ».
والمعنى : أنكم أيها المؤمنون وجب عليكم استيفاء القصاص من القاتل بسبب قتل القتلى بغير موجب، ويكون الوجوب متعلق الإمام أو من يجري مجراه في استيفاء الحقوق إذا أراد ولي الدم استيفاءه، أو يكون ذلك خطاباً مع القاتل، والتقدير، يا أيها القاتلون، كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص، وذلك أنه يجب على القاتل، إذا أراد الولي قتله، أن يستسلم لأمر الله وينقاد لقصاصه المشروع، وليس له أن يمتنع بخلاف الزاني والسارق، فإن لهما الهرب من الحدّ، ولهما أن يستترا بستر الله، ولهما أن لا يعترفا.
ويجب على الولي الوقوف عند قاتل وليه، وأن لا يتعدى على غيره، كما كانت العرب تفعل بأن تقتل غير قاتل قتيلها من قومه، وهذا الكتب في القصاص مخصوص بأن لا يرضى الولي بدية أو عفو، وإنما القصاص هو الغاية عند التشاحن، وأمّا إذا رضي بدون القصاص من دية أو عفو فلا قصاص.
قال الراغب : فان قيل : على من يتوجه هذا الوجوب ؟ قيل على الناس كافة، فمنهم من يلزمه تسليم النفس، وهو القاتل، ومنهم من يلزمه استيفاؤه، وهو الإمام إذا طلبه الولي، ومنهم من يلزمه المعاونة والرضى، ومنهم من يلزمه أن لا يتعدّى، بل يقتص أو يأخذ الدية، والقصد بالآية منع التعدّي، فإن أهل الجاهلية كانوا يتعدّون في القتل، وربما لا يرضى أحدهم إذا قتل عبدهم إلاَّ بقتل حر.
اه كلامه.
وتلخص في قوله :﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ثلاثة أقوال.
أحدها : أنهم الأئمة ومن يقوم مقامهم.
الثاني : أنهم القاتلون.
الثالث : أنهم جميع المؤمنين على ما أوضحناه.
وقد اختلف في هذه الآية، أهي ناسخة أو منسوخة ؟ فقال الحسن : نزلت في نسخ التراجع الذي كانوا يفعلونه، إذا قتل الرجل امرأة كان وليها بالخيار بين قتله مع تأدية نصف الدية، وبين أخذ نصف دية الرجل وتركه، .
وإن كان قاتل الرجل امرأة، كان أولياء المقتول بالخيار بين قتل المرأة وأخذ نصف دية الرجل، وإن شاؤوا أخذوا الدية كاملة ولم يقتلوها.
قال : فنسخت هذه الآية ما كانوا يفعلونه.
اه.
ولا يكون هذا نسخاً، لأن فعلهم ذلك ليس حكماً من أحكام الله فينسخ بهذه الآية.
وقال ابن عباس : هي منسوخة بآية المائدة، وسيأتي الكلام في هذا.
ولما ذكر تعالى كتابة القصاص في القتل بين من يقع بينهم القصاص فقال :﴿الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾، واختلفوا في دلالة هذه الجمل، فقيل : يدل على مراعاة المماثلة في الحرية والعبودية والأنوثة، فلا يكون مشروعاً إلاَّ بين الحرين، وبين العبدين، وبين الأنثيين، فالالف واللام تدل على الحصر، كأنه قيل : لا يؤخذ الحرّ إلاَّ بالحر، ولا يؤخذ العبد إلاَّ بالعبد، ولا تؤخذ الأنثى إلاَّ بالأنثى.
روي معنى هذا عن ابن عباس، وأن ذلك نسخ بآية المائدة، وروي عنه أيضاً أن الآية محكمة وفيها إجمال فسرته آية المائدة.
وممن ذهب إلى أنها منسوخة.
ابن المسيب، والنخعي، والشعبي، وقتادة، والثوري.
وقيل : لا تدل على الحصر، بل تدل على مشروعية القصاص بين المذكور، ألا ترى أن عموم :﴿والأنثى بالأنثى﴾ تقتضي قصاص الحرة بالرقيقة ؟ فلو كان قوله :﴿الحر بالحر، والعبد بالعبد﴾ مانعاً من ذلك لتصادم العمومان.
وقوله :﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ جملة مستقلة بنفسها، وقوله :﴿الحر بالحر﴾ ذكر لبعض جزئياتها فلا يمنع ثبوت الحكم في سائر الجزئيات.
وقال مالك : أحسن ما سمعت في هذه الآية أنه يراد به الجنس الذكر والأنثى سواء فيه، وأعيد ذكر الأنثى توكيداً وتهمماً بإذهاب أمر الجاهلية.
وروي عن علي والحسن بن أبي الحسن أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبداً أو عبد حراً، وذكرٌ أنثى، أو أنثى ذكراً.
وقالا : إنه إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا بها صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة.
وإذا قتلت المرأة رجلاً فإن أراد أولياؤه قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإلاَّ أخذوا دية صاحبهم واستحيوها، وإذا قتل الحر العبد فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلاَّ قيمة العبد، وإن شاء استحيى وأخذ قيمة العبد.
وقد أُنكر هذا عن علي والحسن.
والإجماع على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، والجمهور لا يرون الرجوع بشيء، وفرقة ترى الإتباع بفضل الديات، والإجماع على قتل المسلم الحر إذا قتل مسلمٌ حراً بمحدد، وظاهر عموم الحر بالحر أن الوالد يقتل إذا قتل ابنه، وهو قول عثمان البتي، قال : إذا قتل ابنه عمداً قتل به.
وقال مالك : إذا قصد إلى قتله مثل أن يضجعه ويذبحه، وغير ذلك من أنواع القتل التي لا شبهة له فيها في ادعاء الخطأ قتل به، وإن قتله يرمى بشيء أو يضرب، ففي مذهب مالك قولان : أحدهما : يقتل، والآخر : لا يقتل.
وقال عامة العلماء : لا يقتل الوالد بولده، وعليه الدية فيما له، قال بذلك : أبو حنيفة، والأوزاعي، والشافعي، وسووا بين الأب والجد، ورُوي ذلك عن عطاء ومجاهد.
وقال الحسن بن صالح : يُقاد الجدّ بابن الابن، وكان يجيز شهادة الجد لابن ابنه، ولا يجيز شهادة الاب لابنه، وظاهر قوله :﴿الحر بالحر﴾ قتل الابن بابيه، والظاهر أيضاً قتل الجماعة بالواحد، وصح ذلك عن عمر وعلي، وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أحمد : لا تقتل الجماعة بالواحد، والظاهر أيضاً قتل من يجب عليه القتل لو انفرد إذا شارك من لا يجب عليه القتل كالمخطىء والصبيّ والمجنون والأب عند من يقول لا يقتل بابنه.
وقال أبو حنيفة : لا قصاص على واحد منهما وعلى الأب القاتل نصف الدية في ماله والصبي والمخطىء والمجنون على عاقلته، وهو قول الحسن بن صالح.
وقال الأوزاعي : على عاقلة المشتركين ممن ذكر الدية.
وقال الشافعي : على الصبي القاتل المشارك نصف الدية في ماله، وكذلك دية الحر والعبد إذا قتلاً عبداً، والمسلم والنصراني إذا قتلا نصرانياً، وإن شاركه قاتل خطاً فعلى العامد نصف الدية، وجناية المخطىء على عاقلته.
وقال ابن المسيب، وقتادة، والنخعي، والشعبي، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد يقتل الحر بالعبد.
وقال مالك، والليث، والشافعي ؛ لا يقتل به، واتفقوا على أن المسلم لا يقتل بالكافر الحربي.
وقال أبو حنيفة : يقتل المسلم بالذمي وقال ابن شبرمة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي : لا يقتل به.
قال مالك والليث : إن قت
والقصاص : مقابلة الشيء بمثله، ومنه : قتل من قتل بالمقتول، وأصله من قصصت الأثر : أي اتبعته، لأنه اتباع بدم المقتول، ومنه قصّ الشعر : اتباع أثره.
الحر : معروف، تقول : حر الغلام يحرّ حرّية فهو حرّ، وجمعه، أعني فعلاً الصفة على أحرار محفوظ.
وقالوا مرّوا مراراً، فإن كانت فعلاً صفة للآدميين، جمعت الواو والنون، وكما أن أحراراً محفوظ في الجمع، كذلك حرائر محفوظ في جمع حرّة مؤنثة.
القتلى : جمع قتيل، وهو منقاس في فعيل، الوصف بمعنى ممات أو موجع.
الأنثى : معروف، وهي فعلى، الألف فيه للتأنيث، وهو مقابل الذكر الذي هو مقابل للمرأة.
ويقال للخصيتين أنثيان، وهذا البناء لا تكون ألفه إلا للتأنيث، ولا تكون للإلحاق، لفقد فعلل في كلامهم.
الأداء : بمعنى التأدية، أدّيت الدين : قضيته، وأدّى عنك رسالة : بلغها أنه لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي، أي لا يبلغ.
﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ : روى البخاري عن ابن عباس قال : كان في بني إسرائيل القصاص، ولم يكن فيهم الدية.
فقال الله تعالى هذه الآية.
وقال قتادة والشعبي : نزلت في قوم من العرب أعزة أقوياء لا يقتلون بالعبد منهم إلاَّ سيداً، ولا بالمرأة إلاَّ رجلاً.
وقال السدي، وأبو مالك : نزلت في فريقين قُتِل أحدهما مسلم، والآخر كافر معاهد، كان بينهما على عهد رسول الله ﷺ قتال، فقُتِل من كلا الفريقين جماعة من رجال ونساء وعبيد، فنزلت، فجعل رسول الله ﷺ دية الرجل قصاصاً بدية الرجل، ودية المرأة قصاصاً بدية المرأة، ودية العبد قصاصاً بدية العبد.
ثم أصلح بينهما.
وقيل : نزلت في حيين من العرب اقتتلوا قبل الإسلام، وكان بينهما قتلى وجراحات لم يأخذ بعضهم من بعض.
قال ابن جبير : هما الأوس والخزرج.
وقال مقاتل بن حيان : هما قريظة والنضير، وكان لأحدهما طَوْلٌ على الاخرى في الكثرة والشرف، وكانوا ينكحون نساءهم بغير مهور، وأقسموا ليقتلن بالعبد الحر، وجعلوا جراحاتهم ضعفي جراحات أولئك، وكذلك كانوا يعاملونهم في الجاهلية، فرفعوا أمرهم إلى رسول الله ﷺ، فنزلت، وأمرهم بالمساواة فرضوا، وفي ذلك قال قائلهم :
| هم قتلوا فيكم مظنة واحد | ثمانية ثم استمروا فأربعوا |
ومناسبة هذه الآية لما قبلها أنه لما حلل ما حلل قبل، وحرّم ما حرّم، ثم اتبع بذكر من أخذ مالاً من غير وجهه، وأنه ما يأكل في بطنه إلاَّ النار، واقتضى ذلك انتظام جميع المحرمات من الأموال، ثم أعقب ذلك بذكر من اتصف بالبر، وأثنى عليهم بالصفات الحميدة التي انطووا عليها، أخذ يذكر تحريم الدماء، ويستدعي حفظها وصونها، فنبه بمشروعية القصاص على تحريمها، ونبه على جواز أخذ مال بسببها، وأنه ليس من المال الذي يؤخذ من غير وجهه، وكان تقديم تبيين ما أحل الله وما حرم من المأكول على تبيين مشروعية القصاص لعموم البلوى بالمأكول، لأن به قوام البنية، وحفظ صورة الإنسان.
ثم ذكر حكم متلف تلك الصورة، لأن من كان مؤمناً يندر منه وقوع القتل، فهو بالنسبة لمن اتصف بالأوصاف السابقة بعيد منه وقوع ذلك، وكان ذكر تقديم ما تعم به البلوى أعم، ونبه أيضاً على أنه، وإن عرض مثل هذا الأمر الفظيع لمن اتصف بالبر، فليس ذلك مخرجاً له عن البر، ولا عن الإيمان، ولذلك ناداهم بوصف الإيمان فقال :﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾.
وأصل الكتابة : الخط الذي يقرأ، وعبر به هنا عن معنى الإلزام والإثبات، أي : فرض وأثبت، لأن ما كتب جدير بثبوته وبقائه.
وقيل : هو على حقيقته، وهو إخبار عن ما كتب في اللوح المحفوظ، وسبق به القضاء.
وقيل : معنى كتب : أمر، كقوله :﴿ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم﴾ أي : التي أمرتم بدخولها.
وقيل : يأتي كتب بمعنى جعل، ومنه ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ ﴿فسأكتبها للذين يتقون﴾ وتعدي كتب هنا بعلى يشعر بالفرض والوجوب، ﴿وفي القتلى﴾ في هنا للسببية، أي : بسبب القتلى، مثل :«دخلت امرأة النار في هرة ».
والمعنى : أنكم أيها المؤمنون وجب عليكم استيفاء القصاص من القاتل بسبب قتل القتلى بغير موجب، ويكون الوجوب متعلق الإمام أو من يجري مجراه في استيفاء الحقوق إذا أراد ولي الدم استيفاءه، أو يكون ذلك خطاباً مع القاتل، والتقدير، يا أيها القاتلون، كتب عليكم تسليم النفس عند مطالبة الولي بالقصاص، وذلك أنه يجب على القاتل، إذا أراد الولي قتله، أن يستسلم لأمر الله وينقاد لقصاصه المشروع، وليس له أن يمتنع بخلاف الزاني والسارق، فإن لهما الهرب من الحدّ، ولهما أن يستترا بستر الله، ولهما أن لا يعترفا.
ويجب على الولي الوقوف عند قاتل وليه، وأن لا يتعدى على غيره، كما كانت العرب تفعل بأن تقتل غير قاتل قتيلها من قومه، وهذا الكتب في القصاص مخصوص بأن لا يرضى الولي بدية أو عفو، وإنما القصاص هو الغاية عند التشاحن، وأمّا إذا رضي بدون القصاص من دية أو عفو فلا قصاص.
قال الراغب : فان قيل : على من يتوجه هذا الوجوب ؟ قيل على الناس كافة، فمنهم من يلزمه تسليم النفس، وهو القاتل، ومنهم من يلزمه استيفاؤه، وهو الإمام إذا طلبه الولي، ومنهم من يلزمه المعاونة والرضى، ومنهم من يلزمه أن لا يتعدّى، بل يقتص أو يأخذ الدية، والقصد بالآية منع التعدّي، فإن أهل الجاهلية كانوا يتعدّون في القتل، وربما لا يرضى أحدهم إذا قتل عبدهم إلاَّ بقتل حر.
اه كلامه.
وتلخص في قوله :﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ ثلاثة أقوال.
أحدها : أنهم الأئمة ومن يقوم مقامهم.
الثاني : أنهم القاتلون.
الثالث : أنهم جميع المؤمنين على ما أوضحناه.
وقد اختلف في هذه الآية، أهي ناسخة أو منسوخة ؟ فقال الحسن : نزلت في نسخ التراجع الذي كانوا يفعلونه، إذا قتل الرجل امرأة كان وليها بالخيار بين قتله مع تأدية نصف الدية، وبين أخذ نصف دية الرجل وتركه، .
وإن كان قاتل الرجل امرأة، كان أولياء المقتول بالخيار بين قتل المرأة وأخذ نصف دية الرجل، وإن شاؤوا أخذوا الدية كاملة ولم يقتلوها.
قال : فنسخت هذه الآية ما كانوا يفعلونه.
اه.
ولا يكون هذا نسخاً، لأن فعلهم ذلك ليس حكماً من أحكام الله فينسخ بهذه الآية.
وقال ابن عباس : هي منسوخة بآية المائدة، وسيأتي الكلام في هذا.
ولما ذكر تعالى كتابة القصاص في القتل بين من يقع بينهم القصاص فقال :﴿الحرّ بالحرّ والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾، واختلفوا في دلالة هذه الجمل، فقيل : يدل على مراعاة المماثلة في الحرية والعبودية والأنوثة، فلا يكون مشروعاً إلاَّ بين الحرين، وبين العبدين، وبين الأنثيين، فالالف واللام تدل على الحصر، كأنه قيل : لا يؤخذ الحرّ إلاَّ بالحر، ولا يؤخذ العبد إلاَّ بالعبد، ولا تؤخذ الأنثى إلاَّ بالأنثى.
روي معنى هذا عن ابن عباس، وأن ذلك نسخ بآية المائدة، وروي عنه أيضاً أن الآية محكمة وفيها إجمال فسرته آية المائدة.
وممن ذهب إلى أنها منسوخة.
ابن المسيب، والنخعي، والشعبي، وقتادة، والثوري.
وقيل : لا تدل على الحصر، بل تدل على مشروعية القصاص بين المذكور، ألا ترى أن عموم :﴿والأنثى بالأنثى﴾ تقتضي قصاص الحرة بالرقيقة ؟ فلو كان قوله :﴿الحر بالحر، والعبد بالعبد﴾ مانعاً من ذلك لتصادم العمومان.
وقوله :﴿كتب عليكم القصاص في القتلى﴾ جملة مستقلة بنفسها، وقوله :﴿الحر بالحر﴾ ذكر لبعض جزئياتها فلا يمنع ثبوت الحكم في سائر الجزئيات.
وقال مالك : أحسن ما سمعت في هذه الآية أنه يراد به الجنس الذكر والأنثى سواء فيه، وأعيد ذكر الأنثى توكيداً وتهمماً بإذهاب أمر الجاهلية.
وروي عن علي والحسن بن أبي الحسن أن الآية نزلت مبينة حكم المذكورين ليدل ذلك على الفرق بينهم وبين أن يقتل حر عبداً أو عبد حراً، وذكرٌ أنثى، أو أنثى ذكراً.
وقالا : إنه إذا قتل رجل امرأة فإن أراد أولياؤها قتلوا بها صاحبهم ووفوا أولياءه نصف الدية، وإن أرادوا استحيوه وأخذوا منه دية المرأة.
وإذا قتلت المرأة رجلاً فإن أراد أولياؤه قتلوها وأخذوا نصف الدية، وإلاَّ أخذوا دية صاحبهم واستحيوها، وإذا قتل الحر العبد فإن أراد سيد العبد قتل وأعطى دية الحر إلاَّ قيمة العبد، وإن شاء استحيى وأخذ قيمة العبد.
وقد أُنكر هذا عن علي والحسن.
والإجماع على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل، والجمهور لا يرون الرجوع بشيء، وفرقة ترى الإتباع بفضل الديات، والإجماع على قتل المسلم الحر إذا قتل مسلمٌ حراً بمحدد، وظاهر عموم الحر بالحر أن الوالد يقتل إذا قتل ابنه، وهو قول عثمان البتي، قال : إذا قتل ابنه عمداً قتل به.
وقال مالك : إذا قصد إلى قتله مثل أن يضجعه ويذبحه، وغير ذلك من أنواع القتل التي لا شبهة له فيها في ادعاء الخطأ قتل به، وإن قتله يرمى بشيء أو يضرب، ففي مذهب مالك قولان : أحدهما : يقتل، والآخر : لا يقتل.
وقال عامة العلماء : لا يقتل الوالد بولده، وعليه الدية فيما له، قال بذلك : أبو حنيفة، والأوزاعي، والشافعي، وسووا بين الأب والجد، ورُوي ذلك عن عطاء ومجاهد.
وقال الحسن بن صالح : يُقاد الجدّ بابن الابن، وكان يجيز شهادة الجد لابن ابنه، ولا يجيز شهادة الاب لابنه، وظاهر قوله :﴿الحر بالحر﴾ قتل الابن بابيه، والظاهر أيضاً قتل الجماعة بالواحد، وصح ذلك عن عمر وعلي، وهو قول أكثر أهل العلم.
وقال أحمد : لا تقتل الجماعة بالواحد، والظاهر أيضاً قتل من يجب عليه القتل لو انفرد إذا شارك من لا يجب عليه القتل كالمخطىء والصبيّ والمجنون والأب عند من يقول لا يقتل بابنه.
وقال أبو حنيفة : لا قصاص على واحد منهما وعلى الأب القاتل نصف الدية في ماله والصبي والمخطىء والمجنون على عاقلته، وهو قول الحسن بن صالح.
وقال الأوزاعي : على عاقلة المشتركين ممن ذكر الدية.
وقال الشافعي : على الصبي القاتل المشارك نصف الدية في ماله، وكذلك دية الحر والعبد إذا قتلاً عبداً، والمسلم والنصراني إذا قتلا نصرانياً، وإن شاركه قاتل خطاً فعلى العامد نصف الدية، وجناية المخطىء على عاقلته.
وقال ابن المسيب، وقتادة، والنخعي، والشعبي، والثوري، وأبو حنيفة، وأبو يوسف، ومحمد يقتل الحر بالعبد.
وقال مالك، والليث، والشافعي ؛ لا يقتل به، واتفقوا على أن المسلم لا يقتل بالكافر الحربي.
وقال أبو حنيفة : يقتل المسلم بالذمي وقال ابن شبرمة، والثوري، والأوزاعي، والشافعي : لا يقتل به.
قال مالك والليث : إن قت