البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
قبل : ظرف مكان، تقول : زيد قبلك.
وشرح المعنى : أنه في المكان الذي هو مقابلك فيه.
وقد يتسع فيه فيكون بمعنى : العندية المعنوية.
تقول لي : قبل زيد دين.
الرقاب : جمع رقبة، والرقبة : مؤخر العنق، واشتقاقها من المراقبة، وذلك أن مكانها من البدن مكان الرقيب المشرف على القوم.
ولهذا المعنى يقال : أعتق الله رقبته، ولا يقال : أعتق الله عنقه، لأنها لما سميت رقبة، كانت كأنها تراقب العذاب.
ومن هذا يقال للتي لا يعيش لها ولد : رقوب، لأجل مراعاتها موت ولدها.
قال في المنتخب : وفعال جمع يطرد لفعلة، سواء كانت اسماً نحو : رقبة ورقاب، أو صفة نحو : حسنة وحسان، وقد يعبر بالرقبة عن الشخص بجملته.
البأساء : اسم مشتق من البؤْس، إلا أنه مؤنث وليس بصفة، وقيل : هو صفة أقيمت مقام الموصوف.
والبؤس والبأساء : الفقر، يقال منه : بئس الرجل، إذا افتقر، قال الشاعر :
ولم يك في بؤس إذا بات ليلةيناغي غزالاً ساجي الطرف أكحلا
والبأس : شدة القتال، ومنه حديث عليّ : كنا إذا اشتد البأس اتقينا برسول الله ﷺ.
ويقال : بؤس الرجل، أي شجع.
الضراء : من الضر، فقيل : ليس بصفة، وقيل : هو صفة أقيمت مقام الموصوف.
وفي الحديث :« وأعوذ بك من ضر أو مضرة » وقال أهل اللغة : الضراء، بالفتح : ضد النفع، والضر، بالضم.
الزمانة.
﴿ليسَ البرَّ أن تولوا وجُوهكُم قِبلَ المشرِق والمغرِب﴾ قال قتادة، والربيع، ومقاتل، وعوف الأعرابي : نزلت في اليهود والنصارى، كانت اليهود تصلي للمغرب والنصارى للمشرق، ويزعم كل فريق ان البرّ ذلك.
وقال ابن عباس، وعطاء، ومجاهد، والضحاك، وسفيان : نزلت في المؤمنين، سأل رجل النبيّ ﷺ فنزلت، فدعاه وتلاها عليه.
وقال بعض المفسرين : كان الرجل إذا نطق بالشهادتين وصلى إلى أي ناحية ثم مات وجبت له الجنة، فلما هاجر رسول الله ﷺ، ونزلت الفرائض، وحدَّت الحدود، وصرفت القبلة إلى الكعبة، أنزلها الله.
وقيل : سبب نزولها إنكار الكفار على المؤمنين تحويلهم عن بيت المقدس إلى الكعبة، ومناسبة هذه الآية لما قبلها ظاهرة، لأنها إن كانت في أهل الكتاب، فقد جرى ذكرهم بأقبح الذكر من كتمانهم ما أنزل الله واشترائهم به ثمنا قليلاً، وذكر ما أعد لهم، ولم يبق لهم مما يظهرون به شعار دينهم إلاَّ صلاتهم، وزعمهم أن ذلك البر، فردّ عليهم بهذه الآية.
وإن كانت في المؤمنين فهو نهي لهم أن يتعلقوا من شريعتهم بأيسر شيء كما تعلق أهل الكتابين، ولكن عليهم العمل بجميع ما في طاقتهم من تكاليف الشريعة على ما بينها الله تعالى.
وقرأ حمزة، وحفص ﴿ليس البر﴾ بنصب الراء، وقرأ باقي السبعة برفع الراء.
وقال الأعمش في مصحف عبد الله : لا تحسبن البرَّ، وفي مصحف أبيّ، وعبد الله أيضاً : ليس البر بأن تولوا، فمن قرأ بنصب البر جعله خبر ليس، وأن تولوا في موضع الاسم، والوجه أن يلي المرفوع لأنها بمنزلة الفعل المتعدّي، وهذه القراءة من وجه أولى، وهو أن جعل فيها اسم ليس : أن تولوا، وجعل الخبر البر، وأن وصلتها أقوى في التعريف من المعرّف بالألف واللام، وقراءة الجمهور أولى من وجه، وهو : أن توسط خبر ليس بينها وبين اسمها قليل، وقد ذهب إلى المنع من ذلك ابن درستويه تشبيها لها : بما.
أراد الحكم عليها بأنها حرف، كما لا يجوز توسيط خبر ما، وهو محجوج بهذه القراءة المتواترة، وبورود ذلك في كلام العرب.
قال الشاعر :
سلي إن جهلت الناس عنا وعنهموليس سواء عالم وجهول
وقال الآخر.
أليس عظيماً أن تلمَّ ملمّةٌوليس علينا في الخطوب معوَّلُ
وقرأه : بأن تولوا، على زيادة الباء في الخبر كما زادوها في اسمها إذا كان ان وصلتها.
قال الشاعر :
أليسَ عجيباً بأن الفتىيصابُ ببعض الذي في يديه
أدخل الباء على اسم ليس، وإنما موضعها الخبر، وحسَّنَ ذلك في البيت ذكرُ العجيب مع التقرير الذي تفيده الهمزة، وصار معنى الكلام : أعجب بأن الفتى، ولو قلت : أليس قائماً بزيد لم يجز.
والبرّ اسم جامع للخير، وتقدم الكلام فيه، وانتصابُ قبل على الظرف وناصبه تولوا، والمعنى : أنهم لما أكثروا الخوض في أمر القِبلة حتى وقع التحويلُ إلى الكعبة.
وزعم كل من الفريقين أن البر هو التوجه إلى قبلته، فردّ الله عليهم، وقيل : ليس البر فيما أنتم عليه، فإنه منسوخ خارج من البر.
وقيل : ليس البر العظيم الذي يجب أن يذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البر أمر القبلة.
وقال قتادة قبلة النصارى مشرق بيت المقدس لأنه ميلاد عيسى على نبينا وعليه السلام لقوله تعالى :﴿مكاناً شرقياً﴾ واليهود مغربه والآية ردّ على الفريقين.
﴿ولكنّ البرَّ منْ آمنَ باللهِ﴾ البرُّ : معنىً من المعاني، فلا يكون خبره الذوات إلاَّ مجازاً، فإمّا أن يجعل : البرُّ، هو نفس من آمن، على طريق المبالغة، قاله أبو عبيدة، والمعنى : ولكنّ البارَّ.
وإمّا أن يكون على حذف من الأول، أي : ولكنّ ذا البر، قاله الزجاج.
أو من الثاني أي : برُّ من آمن، قاله قطرب، وعلى هذا خرَّجه سيبويه، قال في كتابه : وقال جل وعز :﴿ولكنّ البرَّ من آمن﴾ وإنما هو : ولكن البرَّ برُّ من آمن بالله. انتهى.
وإنما اختار هذا سيبويه لأن السابق، إنما هو نفي كون البر هو تولية الوجه قِبلَ المشرقِ والمغرِبِ، فالذي يستدرك إنما هو من جنس ما ينفى، ونظير ذلك : ليس الكرم أن تبذل درهماً، ولكنَّ الكرم بذل الآلاف، فلا يناسب : ولكنّ الكريم من يبذل الآلاف إلاَّ إن كان قبله : ليس الكريم بباذل درهم.
وقال المبرد : لو كنت ممن يقرأ القرآن ولكن البر بفتح الباء، وإنما قال ذلك لأنه يكون اسم فاعل، تقول : بررت أبرّ، فأنا برّ وبارّ، قيل : فبنى تارة على فعلٍ، نحو : كهل، وصعب، وتارة على فاعل، والأولى ادّعاء حذف الألف من البرّ، ومثله : سرٌّ، وقرّ، ورَبٌّ، أي : سارّ، وقار، وبارّ، ورابُّ.
وقال الفراء : من آمن، معناه الإيمان لما وقع من موقع المصدر جعل خبراً للأوّل، كأنه قال : ولكن البر الإيمان بالله، والعرب تجعل الاسم خبراً للفعل، وأنشد الفراء :
لعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحىولكنما الفتيان كل فتى ندب
جعل نبات اللحية خبراً للفتى، والمعنى : لعمرك ما الفتوة أن تنبت اللحى، وقرأ نافع، وابن عامر : ولكن بسكون النون خفيفة، ورفع البرّ، وقرأ الباقون بفتح النون مشدّدة ونصب البرّ، والإعراب واضح، وقد تقدّم نظير القراءتين في ﴿ولكن الشياطين كفروا﴾
﴿واليومِ الآخَرِ والملائكةِ والكتابِ والنبيينَ﴾ ذكر في هذه الآية إن كان الإيمان مصرحاً بها كما جاء في حديث جبريل حين سأله عن الإيمان فقال :«أن تؤمنُ بالله وملائكتهِ وكتبهِ ورُسلهِ واليومِ الآخرِ والقدر خيره وشره » ولم يصرح في الآية بالإيمان بالقدر، لأن الإيمان بالكتاب يتضمنه، ومضمون الآية : ان البرّ لا يحصل باستقبال المشرق والمغرب بل بمجموع أمور.
أحدها : الإيمان بالله، وأهل الكتاب أخلوا بذلك، أمّا اليهود فللتجسم ولقولهم :﴿عزيرٌ ابن الله﴾ وأمّا النصارى فلقولهم :﴿المسيحُ ابنُ اللهِ﴾ الثاني : الإيمان بالله واليوم الآخر، واليهود أخلوا به حيث قالوا :﴿لنْ تمسنا النارُ إلاَّ أيّاماً﴾ والنصارى أنكروا المعاد الجسماني.
والثالث : الإيمانُ بالملائكة، واليهود عادوا جبريل.
والرابع : الإيمان بكتب الله، والنصارى واليهود أنكروا القرآن.
والخامس : الإيمان بالنبيين، واليهود قتلوهم، وكلا الفريقين من أهل الكتاب طعنا في نبوَّة محمد ﷺ.
والسادس : بذل الأموال على وفق أمر الله، واليهود ألقوا الشبه لأخذ الأموال.
والسابع : إقامة الصلاة والزكاة، واليهود يمتنعون منها.
والثامن : الوفاء بالعهد، واليهود نقضوه.
وهذا النفيُ السابق، والاستدراك لا يحمل على ظاهرهما، لأنه نفى أن يكون التوجه إلى القبلة براً، ثم حكم بأن البرّ أمورٌ.
أحدها : الصلاة، ولا بدَّ فيها من استقبال القبلة، فيحمل النفي للبر على نفي مجموع البرّ، لا على نفي أصله، أي : ليس البر كله هو هذا، ولكن البر هو ما ذكر، ويحمل على نفي أصل البرّ، لأن استقبالهم المشرق والمغرب بعد النسخ كان إثماً وفجوراً، فلا يعدّ في البر، أو لأن استقبال القبلة لا يكون براً إذا لم تقارنه معرفة الله تعالى، وإنما يكون براً مع الإيمان وتلك الشرائط.
وقدم الملائكة والكتب على الرسل، وإن كان الإيمان بوجود الملائكة وصدق الكتب لا يحصل إلاَّ بواسطة الرسل، لأن ذلك اعتبر فيه الترتيب الوجودي، لأن الملك يوجد أولاً ثم يحصل بوساطة تبليغه نزول الكتب، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول، فروعي الترتيب الوجودي الخارجي، لا الترتيب الذهني.
وقدّم الإيمان بالله واليوم الآخر على الإيمان بالملائكة والكتب والرسل، لأن المكلف له مبدأ، ووسط، ومنتهى، ومعرفة المبدأ والمنتهى هو المقصود بالذات، وهو المراد بالإيمان بالله واليوم الآخر، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلاَّ بالرسالة، وهي لا تتم إلاَّ بأمور ثلاثة : الملائكة الآتين بالوحي، والموحى به : وهو الكتاب، والموحى إليه : وهو الرسول.
وقدّم الإيمان على أفعال الجوارح، وهو : إيتاء المال والصلاة والزكاة لأن أعمال القلوب أشرف من أعمال الجوارح، ولأن أعمال الجوارح النافعة عند الله تعالى إنما تنشأ عن الإيمان.
وبهذه الخمسة التي هي متعلق الإيمان، حصلت حقيقة الإيمان، لأن الإيمان بالله يستدعي الإيمان بوجوده وقدمه وبقائه وعلمه بكل المعلومات، وتعلق قدرته بكل الممكنات، وإرادته وكونه سميعاً وبصيراً متكلماً، وكونه منزهاً عن الحالية والمحلية والتحيز والعرضية، والإيمان باليوم الآخر يحصل به العلم بما يلزم، من أحكام : المعاد، والثواب، والعقاب، وما يتصل بذلك.
والإيمان بالملائكة يستدعي صحة أدائهم الرسالة إلى الأنبياء وغير ذلك من أحوال الملائكة.
والإيمان بالكتاب يقتضي التصديق بكتب الله المنزلة.
والإيمان بالنبيين يقتضي التصديق بصحة نبوتهم وشرائعهم.
قال الراغب : فإن قيل لم قدّم هنا ذكر اليوم الآخر وأخره في قوله.
﴿ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر﴾ قيل : يجوز ذلك، مع أن الواو لا تقتضي ترتيباً من أجل أن الكافر لا يعرف الآخرة، ولا يعنى بها وهي أبعد الأشياء عن الحقائق عنده، فأخر ذكره.
ولما ذكر حال المؤمنين، والمؤمن أقرب الأشياء إليه أمر الآخرة، وكل ما يفعله ويتحراه فإنه يقصد به وجه الله تعالى، ثم أمر الآخرة، فقدّم ذكره تنبيهاً على أن البر مراعاة الله ومراعاة الآخرة ثم مراعاة غيرهما.
انتهى كلامه.
﴿وآتى المال على حبه﴾ إيتاء المال هنا قيل : كان واجباً، ثم نسخ بالزكاة، وضعف بأنه جمع هنا بينه وبين الزكاة.
وقيل : هي الزكاة، وبين بذلك مصارفها، وضعف بعطف الزكاة عليه، فدل على أنه غيرها.
قيل : هي نوافل الصدقات والمبار، وضعف بقوله آخر الآية {

تفسير هذه الآية من كتب أخرى