التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
ثم ساق القرآن الكريم آية جامعة لأنواع البر، ووجوه الخير، تهدي المتمسك بها إلى السعادة الدنيوية والأخروية فقال - تعالى - :
﴿لَّيْسَ البر أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ المشرق والمغرب ولكن البر...﴾
﴿البر﴾ : اسم جامع لكل خير، ولكل طاعة وقرية يتقرب بها العبد إلى خالقه - عز وجل-.
قال الراغب : " البر - بفتح الباء - خلاف البحر، وتصور منه التوسع فاشتق منه البر - بكسر الباء - بمعنى التوسع في فعل الخير، وينسب ذلك إلى الله - تعالى - تارة نحو :( إِنَّهُ هُوَ البر الرحيم ) وإلى البعد تارة فيقال : بر العبد ربه، أي توسع في طاعته فالبر من الله الثواب، ومن العبد الطاعة ".
وتولية الوجوه قبل الشيء معناه : التوجه إليه بجعل الوجه متجها إلى جهته فلفظ " قيل " بمعنى جهة وهو منصوب على الظرفية المكانية.
﴿المشرق﴾ : الجهة التي تشرق منها الشمس، والمغرب : الجهة التي تغرب فيها.
قال الإِمام الرازي : اختلف العلماء في أن هذا الخطاب عام أو خاص. فقال بعضهم : أراد بقوله :﴿لَّيْسَ البر﴾ أهل الكتاب لما شددوا في الثبات على التوجه بنحو بيت المقدس فقال - تعالى - ليس البر هذه الطريقة ولكن البر من آمن بالله. وقال بعضهم : بل المراد مخاطبته المؤمنين لما ظنوا أنهم قد نالوا البغية بالتوجه إلى الكعبة من حيث كانوا يحبون ذلك فخوطبوا بهذا الكلام وقال بعضهم : بل هو خطاب للكل، لأن عند نسخ القبلة وتحويلها حصل من المؤمنين الاغتباط بهذه القبلة، وحصل منهم التشدد في تلك القبلة حتى ظنوا أنه الفرض الأكبر في الدين، فبعثهم الله - تعالى - بهذا الخطاب على استيفاء جميع العبادات والطاعات، وبين أن البر ليس بأن تولوا وجوهكم شرقاً وغرباً، وإنما البر. كيت وكيت. وهذا أشبه بالظاهر إذ لا تخيصيص فيه، فكأنه - تعالى - قال : ليس البر المطلوب هو أمر القبلة، بل البر المطلوب هو هذه الخصال التي عدها ".
وهذا القول الثالث - الذي يرى أصحابه أن الخطاب للكل، والذي قال عنه الإِمام الرازي : هذا أشبه بالظاهر - هذا القول، هو الذي تسكن إليه النفس، لأنه لا يوجد نص صحيح يخصص الخطاب لطائفة معينة من الناس ولأن المقصود من الآية الكريمة إنما هو إفهام الناس في كل زمان ومكان أن مجرد تولية الوجه إلى قبلة مخصوصة ليس هو البر الكامل الذي يعنيه الإِسلام، وإنما البر الكامل يتأنى في استجابة الإِنسان لتلك الخصال الشريفة التي اشتملت عليها الآية، تلك الخصال التي تجعل المسمسكين بها على صلة طيبة بخالقهم وعلى صلة طيبة بغيرهم، - كما سنبين ذلك عند تعليقنا على هذه الآية الكريمة-.
والمعنى : ليس البر - الذي هو كل طاعة يتقرب بها الإِنسان إلى خالقه - في تولية الوجه عند الصلاة إلى جهة المشرق والمغرب، وإنما البر الذي يجب الاهتمام به لأنه يؤدي إلى السعادة والفلاح - يكون في الإِيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وفي انفاق المال في وجوه الخير، وفي اتباع ما ذكرته الآية الكريمة من خصال جليلة.
هذا وقد قرأ حمزة وحفص عن عاصم ﴿لَّيْسَ البر﴾ بنصب البر على أنه خبر ليس، واسمها قوله - تعالى - :﴿أَن تُوَلُّواْ﴾ أي : ليس توليتكم وجهوهكم قبل المشرق والمغرب البر كله.
وقرأ الباقون ﴿لَّيْسَ البر﴾ برفع البر على أنه اسم ليس، وخبرها قوله - تعالى - :﴿أَن تُوَلُّواْ﴾ أي ليس البر كله توليتكم وجوهكم قبل المشرق والمغرب.
قال الطبرسي : وكلا المذهبين حسن، لأن كل واحد من اسم لس وخبرها معرفة، فإذا اجتمعا في التعريف تكافآ في كون أحدهما اسما والآخر خبراً كما تتكافأ النكرتان.
وقوله - تعالى - ﴿ولكن البر مَنْ آمَنَ بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين﴾ إلخ بيان لما هو البر الذي يجب أن تتجه إليه الأفكار، وتستجيب له النفوس.
و ﴿ولكن﴾ حرف استدراك، البر : اسمها. وقوله ﴿مَنْ آمَنَ﴾ وقع في اللفظ موقع الخبر عن قوله ﴿البر﴾ والخبر في المعنى لفظ مقدر مضاف إلى من آمن، يفهم من سياق الجملة، والمعنى مع ملاحظة المقدر : ولكن البر بر من آمن بالله.
وهذا اللون من الإِيجاز الذي حذف فيه المضاف معهود في كلام البلغاء إذ تجدهم يقولون السخاء حاتم، والشعر زهير.
وقيل : إن البر هنا بمعنى البار فجعل المصدر في موضع اسم الفاعل، كما يقال : ماء غور أي : غائر، ورجل صوم أي : صائم.
وقيل : إن المحذوف هو لفظ مضاف إلى البر : أي : ولكن ذا البر من آمن بالله.
وقد ابتدأت الآية حديثها عن خصال البر بالإِيمان بالله، لأنه أساس كل بر. وأصل كل خير، والإِيمان بالله : هو التصديق بأنه هو الواحد الفرد الصمد، الذي لا تعنو الوجوه إلا له، ولا تتجه القلوب بالعبادة إلا إليه، ومتى رسخ هذا الإِيمان في النفوس ارتفع بها إلى مكانة التكريم التي أرادها الله - تعالى - لبني آدم وصانها عن الذلة والاستكانة وأعطاها بنراس الهداية والسداد في كل نواحي الحياة.
ثم ذكرت الإِيمان باليوم الآخر، وهو التصديق بالبعث وما يقع بعده من حساب وثواب وعقاب على الوجه الذي وصفته نصوص الشريعة بأجلى بيان.
والإِيمان باليوم الآخر من ثماره أنه يغرس في النفوس محبة الخير، والحرص على إسداء المعروف وينفرها من اقتراف الشرور وارتكاب الآثام.
ولقد تحدث القرآن عن الإِيمان بالله واليوم الآخر في عشرات الآيات، وأقام الأدلة الساطعة، والبراهين القاطعة على وحدانية الله وعلى أنه هو صاحب الكمال المطلق، كما أقام الحجج والبراهين على أن البعث حق وضرب الأمثال لذلك، وسفه عقول المنكرين له.
ثم ذكرت الإِيمان بالملائكة والملائكة : أجسام لطيفة نورانية، قادرون على التشكل في صورة حسنة مختلفة، وصفهم القرآن بأنهم
﴿لاَّ يَعْصُونَ الله مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ ووجه دخول التصديق بهم في حقيقة الإِيمان، أن الله وسطهم في إبلاغ وحيه لأنبيائه، وبين ذلك في كتابه، وتحدث الصادق المصدوق ﷺ عنهم في كثير من أحاديثه، فمن لم يؤمن بالملائكة على هذا الوجه الذي جاءت به الشريعة فقد أنكر الوحي، إذ الإِيمان بهم أصل للإِيمان بالوحي، فيلزم من إنكارهم إنكار الوحي، وهو يستلزم إنكار النبوة وإنكار الدار الآخرة.
ثم ذكرت الآية الإِيمان بالكتاب. والمراد به القرآن لأنه المقصود بالدعوة، ولأنه هو الأمين على الكتب قبله، فما وافقه منها كان حقاً وما خالفه كان باطلا.
والإِيمان به يستلزم الإِيمان بجميع الكتب المنزلة من عند الله على أنبيائه، لأنه هو الذي أخبرنا بذلك وأمرنا بذلك وأمرنا بأن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله.
ثم ذكرت الإِيمان بالنبيين، أي : التصديق بأنهم رجال اصطفاهم الله - تعالى - لتلقي هدايته وكتبه وتبليعها للناس بصدق وأمانة وسلامة بصيرة.
والنبيون الذين يجب الإِيمان بهم : كل من ثبتت نبوته عن طريق القرآن الكريم أو الحديث الصحيح، وكل من أنكر نبوة نبي قد ثبت نبوته فقد خرج عن طريق الإِيمان.
ولقد قام الدليل القاطع على أن محمداً ﷺ هو خاتم النبيين والمرسلين، وكل من ادعى غير ذلك فهو من الضالين المضلين.
وقد جمعت هذه الأمور الخمسة التي ذكرتها الآية كل ما يلزم أن يصدق به الإِنسان، ليك يكون ذا عقيدة سليمة، تصل به إلى الفلاح والسعادة.
ثم ذكرت الآية بعد بيان أصول الإِيمان الأعمال الصالحة فقالت. ﴿وَآتَى المال على حُبِّهِ ذَوِي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسآئلين وَفِي الرقاب﴾.
وهذه الجملة معطوفة على قوله - تعالى - :﴿مَنْ آمَنَ بالله﴾.
والضمير في قوله ﴿على حُبِّهِ﴾ يعود إلى المال، أي : أعطى المال وبذله عن طيب خاطره حالة كونه محباً له راغباً فيه. لأن الإِعطاء والبذل في هذه الحالة يدل على قوة الإِيمان، وصفاء الوجدان، ويسمو بصاحبه إلى أعلا الدرحات. قال - تعالى - :﴿لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ وقد بين النبي ﷺ أن أفضل الصدقة ما كان في حال الصحة، لأن الإِنسان في هذه الحالة يكون مظنة الحاجة إلى المال فقد أخرج البخاري في صحيحه عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : جاء رجل إلى النبي ﷺ قال : " يا رسول الله، أي الصدقة أعظم أجراً ؟ قال : " أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تخشى الفقر وتأمل الغنى، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت : لفلان كذا وكذا وقد كان لفلان " ".
وقيل الضمير يعود إلى الله - عز وجل - أي : يعطون المال على حب الله وطلباً لمرضاته.
وقيل يعود إلى الإيتاء الذي دل عليه قوله - تعالى - ﴿وَآتَى المال﴾ فكأنه قال : يعطيى ويحب الإعطاء رغبة في ثواب الله.
والمراد بذوي القربى : أقرباء المعطى للمال، والمعنى : وأعطاى المال مع محبته لهذا المال لأقاربه المحتاجبين لأنهم أولى بالمعروف، ولأن إعطاءهم إحسان وصلة رحم، ولذلك جاء ذكرهم في الآية مقدماً على بقية الأصناف التي تستحق العطف والإِحسان.
روى الإِمام أحمد والترمذي والنسائي وغيرهم عن سليمان بن عامر قال : قال رسول الله ﷺ : " إن الصدقة على المسكين صدقة. وعلى ذي الرحم اثنتان : صدقة وصلة ".
﴿واليتامى﴾ : جمع يتيم، وهو من فقد أباه بالموت ولم يبلغ الحلم. وهؤلاء اليتامى في حاجة إلى الإِحسان إليهم بعد ذوي القربى متى كانوا محتاجين، لشدة عجزهم عن كسب ما يسد حاجتهم.
﴿والمساكين﴾ جمع مسكين، وهو من لا يملك شيئاً من المال، أو يملك ما لا يكفي حاجاته وهذا النوع من الناس في حاجة إلى العناية والرعاية ؛ لأنهم في الغالب يفضلون الاكتفاء بالقليل على إراقة وجهوههم بالسؤال. وفي الصحيحين عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال : " ليس المسكين الذي يطوف على الناس فترده اللقمة واللقمتان والتمرة والتمرتان. قالوا : فما المسكين يا رسول الله ؟ قال الذي لا يجد غني يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه، ولا يسأل الناس شيئاً ".
﴿وابن السبيل﴾ : هو المسافر المنقطع عن ماله. وسمى بذلك - كما قال الآلوسي - لملازمته السبيل - أي الطريق - في السفر، أو لأن الطريق تبرزة فكأنها ولدته وكأن إفراده لانفراده عن أحبابه ووطنه فهو أبدا يتوق إلى الجمع، ويشتاق إلى الربع، والكريم يحن إلى وطنه حنين الشارف إلى عطنه.
وهذا النوع من الناس في حاجة إلى المساعدة والمعاونة حتى يستطيع الوصول إلى بلده، وفي هذا تنبيه إلى المسلمين وإن اختلفت أوطانهم ينبغي أن يكونوا في التعاطف والتعاون على متاعب الحياة كالأسرة الواحدة.
﴿والسآئلين﴾ : جمع سائل، وهو الطالب للإِحسان والمعروف. ويحمل حاله على أنه في حاجة إلى المعاونة، لأن السؤال علامة الحاجة غالباً.
والرقاب : جمع ربغة وهي في الأصل العنق، وتطلق على البدن كله كما تطلق العين على الجاسوس. فصح حمل الرقاب على الأسارى والأرقاء.
وقوله :﴿وَفِي الرقاب﴾ متعلق بآتي، أي : آتى المال على حبه في تخليص الأسرى من أيدي العدو بفدائهم، وتخليص الأرقاء بشرائهم وإعتاقهم، وهذه الأوصناف الستة التي ذكرت في تلك الآية الكريمة ﴿وَآتَى المال على حُبِّهِ..﴾ إلخ.
ليس المقصود من ذكرها الاستيعاب والحصر،

تفسير هذه الآية من كتب أخرى