الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل — الزمخشري

عن الكتاب
{ البر اسم للخير ولكل فعل مرضيّ { أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب } الخطاب لأهل الكتاب لأن اليهود تصلي قبل المغرب إلى بيت المقدس، والنصارى قِبل المشرق. وذلك أنهم أكثروا الخوض في أمر القبلة حين حوّل رسول الله ﷺ إلى الكعبة، وزعم كل واحد من الفريقين أنّ البرّ التوجه إلى قبلته، فردّ عليهم. وقيل : ليس البرّ فيما أنتم عليه فإنه منسوخ خارج من البرّ، ولكن البرّ ما نبينه. وقيل : كثر خوض المسلمين وأهل الكتاب في أمر القبلة، فقيل : ليس البرّ العظيم الذي يجب أن تذهلوا بشأنه عن سائر صنوف البرّ أمر القبلة، ولكن البرّ الذي يجب الاهتمام به وصرف الهمة برّ من آمن وقام بهذه الأعمال. وقرىء :«وليس البرّ » - بالنصب على أنه خبر مقدم - وقرأ عبد الله :«بأن تولوا »، على إدخال الباء على الخبر للتأكيد كقولك : ليس المنطلق بزيد ﴿ولكن البر مَنْ ءامَنَ بالله﴾ على تأويل حذف المضاف، أي برّ من آمن، أو بتأول البرّ بمعنى ذي البرّ، أو كما قالت. فَإنمَا هِيَ إقْبَالٌ وإدْبَارُ *** و عن المبرّد : لو كنت ممن يقرأ القرآن لقرأت :( ولكنّ البرّ )، بفتح الباء. وقرئ :«ولكن البارّ ». وقرأ ابن عامر ونافع :( ولكنّ البر ) بالتخفيف ﴿والكتاب﴾ جنس كتب الله، أو القرآن ﴿على حُبّهِ﴾ مع حب المال والشح به، كما قال ابن مسعود :[ أن تؤتيه وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش وتخشى الفقر، ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت لفلان كذا ولفلان كذا ). وقيل : على حب الله. وقيل : على حب الإيتاء، يريد أن يعطيه وهو طيب النفس بإعطائه. وقدم ذوي القربى لأنهم أحق. قال عليه الصلاة والسلام :" صدقتك على المسكين صدقة، وعلى ذي رحمك اثنتان لأنها صدقة وصلة " وقال عليه الصلاة والسلام :" أفضل الصدقة على ذي الرحم الكاشح ". وأطلق ﴿ذَوِى القربى واليتامى﴾ والمراد الفقراء منهم لعدم الإلباس. والمسكين : الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالمسكير : للدائم السكر و ﴿ابن * السبيل﴾ المسافر المنقطع. وجُعل ابناً للسبيل لملازمته له، كما يقال للص القاطع : ابن الطريق. وقيل : هو الضيف، لأنّ السبيل يرعف به ﴿والسائلين﴾ المستطعمين. قال رسول الله ﷺ :
" للسائل حق وإن جاء على ظهر فرسه " ﴿وَفِي الرقاب﴾ وفي معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم. وقيل : في ابتياع الرقاب وإعتاقها. وقيل في فك الأسارى.
فإن قلت : قد ذكر إيتاء المال في هذه الوجوه ثم قفاه بإيتاء الزكاة فهل دلّ ذلك على أنّ في المال حقاً سوى الزكاة ؟ قلت : يحتمل ذلك. وعن الشعبي : أنّ في المال حقاً سوى الزكاة، وتلا هذه الآية. ويحتمل أن يكون ذلك بيان مصارف الزكاة، أو يكون حثاً على نوافل الصدقات والمبارّ. وفي الحديث :" نسخت الزكاة كلَّ صدقة " يعني وجوبها. وروي :«ليس في المال حق سوى الزكاة » ﴿والموفون﴾ عطف على من آمن. وأخرج ﴿والصابرين﴾ منصوباً على الاختصاص والمدح، وإظهاراً لفضل الصبر في الشدائد ومواطن القتال على سائر الأعمال. وقرىء :«والصابرون ». وقرىء :«والموفين »، «والصابرين ». و ﴿البأساء﴾ الفقر والشدة ﴿والضراء﴾ المرض والزمانة ﴿صَدَقُواْ﴾ كانوا صادقين جادّين في الدين.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى