البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
أولوا : من الأسماء التي هي في الرفع بالواو، وفي الجرّ والنصب بالياء.
ومعنى أولوا : أصحاب، ومفرده من غير لفظه، وهو ذو بمعنى : صاحب.
وأعرب هذا الإعراب على جهة الشذوذ، ومؤنثه أولات بمعنى : صاحبات، وإعرابها كإعرابها، فترفع بالضمة وتجر وتنصب بالكسرة، وهما لازمان للإضافة إلى اسم جنس ظاهر، وكتبا في المصحف بواو بعد الألف، ولو سميت باولوا، زدت نوناً فقلت : جاء من أولون، ورأيت أولين، ومررت بأولين، نص على ذلك سيبويه، لأنها حالة إضافتها مقدر سقوط نون منها لأجل الإضافة.
كما تقول : ضاربو زيد، وضاربين زيداً.
الألباب : جمع لب، وهو العقل الخالي من الهوى، سمى بذلك، إما لبنائه من قولهم : ألبّ بالمكان، ولبّ به : أقام، وإما من اللباب، وهو الخالص.
وهذا الجمع مطرد، أعني أن يجمع فعل اسم على أفعال، والفعل منه على فعل بضم العين وكسرها، قالوا : لببت.
ولبيت ومجيء المضاعف على فعل بضم العين شاذ، استغنوا عنه بفعل نحو : عزّ يعزّ، وخفّ يخفّ.
فما جاء من ذلك شاذاً : لبيت، وسررت، وفللت، ودممت، وعززت.
وقد سمع الفتح فيها إلا في : لبيت، فسمع الكسر كما ذكرنا.
﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾ الحياة التي في القصاص هي : أن الإنسان إذا علم أنه إذا قَتَلَ قُتِلَ، أمسك عن القتل، فكان ذلك حياة له، والذي امتنع من قتله، فمشروعية القصاص مصلحة عامة، وإبقاء القاتل والعفو عنه مصلحة خاصة به، فتقدّم المصلحة العامة لتعذر الجمع بينهما.
أو المعنى : ولكم في شرع القصاص حياة، وكانت العرب إذا قتل الرجل حمى قبيلة أن تقتص منه، فيقتتلون، ويقضي ذلك إلى قتل عدد كثير، فلما شرع القصاص رضوا به وسلموا القاتل للقود، وصالحوا على الدية وتركوا القتال، فكان لهم في ذلك حياة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب حتى كاد يفني بكر بن وائل.
وقيل : حياة لغير القاتل، لأنه لا يقتل غير خلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية.
وقيل : حياة للقاتل.
وقيل : حياة لارتداع من يهم به في الآخرة إذ استوفى منه القصاص في الدنيا فإنه في الآخرة لا يقتص منه، وإن لم يقتص اقتص منه في الآخرة.
فلا تحصل له تلك الحياة التي حصلت لمن اقتص منه.
وقرأ أبو الجوزاء، أوس بن عبد الله الربعي : ولكم في القصص، أي : فيما قص عليكم من حكم القتل والقصاص، وقيل : القصص : القرآن، أي : لكم في القرآن حياة القلوب، كقوله :﴿روحاً من أمرنا﴾ وكقوله :﴿أو من كان ميتاً فأحييناه﴾
وقال ابن عطية : ويحتمل أن يكون مصدراً كالقصاص، أي : أنه إذا قص أثر القاتل قصصاً قتل كما قتل.
وقال الزمخشري :﴿ولكم في القصاص حياة﴾ كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو أن القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكاناً وظرفاً للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف، القصاص، وتنكير : الحياة، لأن المعنى : ولكم في هذا الجنس من الحكم الذي هو القصاص حياة عظيمة، أو نوع من الحياة، وهو الحياة الحاصلة بالارتداع عن القتل.
لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، انتهى كلامه.
وقالت العرب فيما يقرب من هذا المعنى : القتل أوقى للقتل، وقالوا : أنفى للقتل، وقالوا : أكف للقتل.
وذكر العلماء تفاوت ما بين الكلامين من البلاغة من وجوه.
أحدها : أن ظاهر قول العرب يقتضي كون وجود الشيء سبباً لانتفاء نفسه، وهو محال.
الثاني : تكرير لفظ القتل في جملة واحدة.
الثالث : الاقتصار على أن القتل هو أنفى للقتل.
الرابع : أن القتل ظلماً هو قتل، ولا يكون نافياً للقتل.
وقد اندرج في قولهم : القتل أنفى للقتل، والآية المكرمة بخلاف ذلك.
أما في الوجه الأول : ففيه أن نوعاً من القتل وهو القصاص سبب لنوع من أنواع الحياة، لا لمطلق الحياة، وإذا كان على حذف مضاف أي : ولكم في شرع القصاص، اتضح كون شرع القصاص سبباً للحياة.
وأما في الوجه الثاني : فظاهر لعذوبة الألفاظ وحسن التركيب وعدم الاحتياج إلى تقدير الحذف، لأن في كلام العرب كما قلناه تكراراً للفظ، والحذف إذا نفي، أو أكف، أو أوفى، هو افعل تفضيل، فلا بد من تقدير المفضل عليه أنفى للقتل من ترك القتل.
وأما في الوجه الثالث : فالقصاص أعم من القتل، لأن القصاص يكون في نفس وفي غير نفس، والقتل لا يكون إلاَّ في النفس، فالآية أعم وأنفع في تحصيل الحياة.
وأما في الوجة الرابع : فلأن القصاص مشعر بالاستحقاق، فترتب على مشروعيته وجود الحياة.
ثم الآية المكرمة فيها مقابلة القصاص بالحياة فهو من مقابلة الشيء بضده، وهو نوع من البيان يسمى الطباق، وهو شبه قوله تعالى :﴿وأنه هو أمات وأحيى﴾ وهذه الجملة مبتدأ وخبر، وفي القصاص : متعلق بما تعلق به قوله : لكم، وهو في موضع الخبر، وتقديم هذا الخبر مسوّغ لجواز الابتداء بالنكرة، وتفسير المعنى : أنه يكون لكم في القصاص حياة، ونبه بالنداء نداء ذوي العقول والبصائر على المصلحة العامة، وهي مشروعية القصاص، إذ لا يعرف كنه محصولها إلاَّ أولو الألباب القائلون لامتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، وهم الذين خصهم الله بالخطاب، ﴿إنما يتذكر أولوا الألباب﴾ ﴿لآيات لقوم يعقلون﴾ ﴿لآيات لأولي الألباب﴾ ﴿لآيات لأولي النهى﴾ ﴿لذكرى لمن كان له قلب﴾ وذوو الالباب هم الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف، إذ من لا عقل له لا يحصل له الخوف، فلهذا خص به ذوي الألباب.
﴿لعلكم تتقون﴾ أي : القصاص، فتكفون عن القتل وتتقون القتل حذراً من القصاص أو الانهماك في القتل، أو تتقون الله باجتناب معاصيه، أو تعملون عمل أهل التقوى في المحافظة على القصاص والحكم به، وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة أقوال خمسة، أولاها ما سيقت له الآية من مشروعية القصاص.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:وقد تضمنت هذه الآيات الشريفة، أن البر ليس هو تولية الوجوه قِبَلَ المشرق والمغرب، بل البر هو الإتيان بما كلفه الإنسان من تكاليف الشرع، اعتقاداً وفعلاً وقولاً.
فمن الاعتقاد : الإيمان بالله، وملائكته الذين هم وسائط بينه وبين أنبيائه، وكتبه التي نزلت على أيدي الملائكة، وأنبيائه المتقين.
تلك الكتب من ملائكته.
ثم ذكر ما جاءت به الأنبياء عن الله في تلك الكتب، من : إيتاء المال، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والإيفاء بالعهد، والصبر في الشدائد.
ثم أخبر أن من استوفى ذلك فهو الصابر المتقي، ولما كان تعالى قد ذكر قبل ما حلل وما حرم، ثم أتبع ذلك بمن أخذ مالاً من غير حله، وعده بالنار، وأشار بذلك إلى جميع المحرمات من الأموال، ثم ذكر من اتصف بالبر التام وأثنى عليهم بالصفات الحميدة التي انطووا عليها، أخذ تعالى يذكر ما حرم من الدماء، ويستدعي صونها، وكان تقديم ذكر المأكول لعمومِ البلوى بالأكل، فشرع القصاص، ولم يخرج من وقع منه القتل واقتص منه عن الإيمان، ألا تراه قد ناداه باسم الإيمان وفصل شيئاً من المكافأة فقال ﴿الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾
، ثم أخبر ذلك أنه إذا وقع عفو من الولي على دية فليتبع الولي بالمعروف، وليؤدي الجاني بالإحسان ليزرع بذلك الود بين القاتل والولي، ويزيل الإحن، لأن مشروعية العفو تستدعيعلى التآلف والتحاب وصفاء البواطن.
ثم ذكر أن ذلك تخفيف منه تعالى، إذ فيه صون نفس القاتل بشيء من عرض الدنيا، ثم توعد من اعتدى بعد ذلك، ثم أخبر أن في مشروعية القصاص حياة، إذ من علم أنه مقتول بمن قتل، وكان عاقلاً، منعه ذلك من الإقدام على القتل، إذ في ذلك إتلاف نفس المقتول وإتلاف نفس قاتله، فيصير بمعرفته بالقصاص متحرزاً من أن يقتل فيقتل، فيحيي بذلك من أراد قتله وهو، فكان ذلك سبباً لحياتيهما.
ثم ذكر تعالى مشروعية الوصية لمن حضره الموت، وذكر أن الوصية للوالدين والأقربين، وتوعد من بدل الوصية بعد ما علمها، ثم ذكر أنه لا إثم على من أصلح بين الموصى إليهم إذا كان جنفاً أو إثماً من الموصي، وأن ذلك لا يعد من التبديل الذي يترتب عليه الإثم، فجاءت هذه الآيات حاوية لما يطلب من المكلف من بدء حاله وهو : الإيمان بالله، وختم حاله وهو : الوصية عند مفارقة هذا الوجود، وما تخلل بينهما مما يعرض من مبارِّ الطاعات، وهَنَاتِ المعاصي، من غير استيعاب لأفراد ذلك، بل تنبيهاً على أفضل الأعمال بعد الإيمان، وهو : إقامة الصلاة وما بعدها وعلى أكبر الكبائر بعد الشرك، وهو : قتل النفس، فتعالى مَنْ كلامه فصل، وحكمه عدل.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى