تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
)كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ ) ( البقرة : ١٨٠ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿كتب﴾ أي فُرض ؛ فهو فعل مبني لما لم يسم فاعله ؛ وفاعله معلوم وهو الله عز وجل ؛ ونائب الفاعل قوله تعالى :﴿الوصية﴾ ؛ إنما لم يؤنث الفعل لكون نائب الفاعل مؤنثاً تأنيثاً مجازياً ؛ وللفصل بينه وبين عامله.
قوله تعالى :﴿إذا حضر أحدكم الموت﴾ يريد بذلك - والله أعلم - إذا مُرض الإنسان مرض الموت ؛ أما إذا حضره بمعنى أنه كان في سياق الموت فإن في ذلك تفصيلاً يأتي - إن شاء الله - في الفوائد.
قوله تعالى :﴿إن ترك خيراً﴾ : قال العلماء : أي مالاً كثيراً ؛ و ﴿الوصية﴾ هي العهد إلى غيره بشيء هام ؛ ﴿للوالدين﴾ يعني بذلك الأم، والأب ؛ و ﴿الأقربين﴾ : من سواهما من القرابة ؛ والمراد بهم الأدنون، كالإخوة، والأعمام، ونحوهم ؛ ﴿بالمعروف﴾ أي بما عرفه الشرع، وأقره ؛ وهو الثلث فأقل ؛ ﴿حقاً﴾ أي مؤكداً ؛ وهو مصدر حذف عامله ؛ والتقدير : أحق ذلك حقاً ؛ ﴿على المتقين﴾ أي المتصفين بالتقوى ؛ و «التقوى » هي اتخاذ ما يقي من عذاب الله بفعل أوامره، واجتناب نواهيه.
الفوائد :
١ من فوائد الآية : وجوب الوصية للوالدين والأقربين لمن ترك مالاً كثيراً ؛ لقوله تعالى :﴿كتب عليكم﴾ ؛ واختلف العلماء رحمهم الله هل هذا منسوخ بآيات المواريث ؛ أم هو محكم، وآيات المواريث خصصت ؟ على قولين ؛ فأكثر العلماء على أنه منسوخ ؛ ولكن القول الراجح أنه ليس بمنسوخ ؛ لإمكان التخصيص ؛ فيقال : إن قوله تعالى :﴿للوالدين والأقربين﴾ مخصوص بما إذا كانوا وارثين ؛ بمعنى أنهم إذا كانوا وارثين فلا وصية لهم اكتفاءً لما فرضه الله لهم من المواريث ؛ وتبقى الآية على عمومها فيمن سوى الوارث.
٢ ومن فوائد الآية : جواز الوصية للصحيح، والمريض، ومن حضره الموت ؛ ولكن النصوص تدل على أن من حضره الموت ينقسم إلى قسمين :
الأول : من بقي معه عقله ووعيه، فوصيته نافذة حسب الشروط الشرعية.
الثاني : من فقد وعيه وعقله، فلا تصح وصيته.
٣ ومنها : جواز الوصية بما شاء من المال ؛ لكن هذا مقيد بحديث سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أنه قال للنبي ( ص ) :«أتصدق بثلثي مالي ؟ قال : لا ؛ قال : فالشطر ؟ قال : لا ؛ قال : فالثلث ؟ قال : الثلث ؛ والثلث كثير »(١) ؛ وعلى هذا فلا يزاد في الوصية على ثلث المال ؛ فتكون الآية مقيدة بالحديث.
٤ ومنها : أن الوصية الواجبة إنما تكون فيمن خلّف مالاً كثيراً ؛ لقوله تعالى :﴿إن ترك خيراً﴾ ؛ فأما من ترك مالاً قليلاً فالأفضل أن لا يوصي إذا كان له ورثة ؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه :«إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس »(٢).
٥ ومنها : أن الوصية ليست مقيدة بجزء معين من المال ؛ بل هي بالمعروف.
٦ ومنها : أهمية صلة الرحم، حيث أوجب الله الوصية للوالدين والأقربين بعد الموت ؛ لأن صلة الرحم من أفضل الأعمال المقربة إلى الله ؛ فهذه إحدى أمهات المؤمنين أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم : أنها أعتقت جارية لها ؛ فقال :«أما إنك لو أعطيتها أخوالك كان أعظم لأجرك »(٣) ؛ فجعل النبي صلى الله عليه وسلم صلة الرحم أعظم أجراً من العتق.
٧ ومنها : تأكيد وجوب الوصية على من ترك مالاً كثيراً لمن ذُكر ؛ وجه التوكيد قوله تعالى :﴿حقاً على المتقين﴾.
٨ ومنها : أن المتقين هم الذين يراعون فرائض الله ؛ ولذلك وجه الخطاب إليهم ؛ لقوله تعالى :﴿حقاً على المتقين﴾.
مسألة :
إذا قال قائل : كيف يكون الوالدان غير وارثين ؟.
فالجواب : أن ذلك ممكن، مثل أن يكون الأب، أو الأم مخالفة في الدين ؛ فإنه لا يرث فتوصي له.
كذلك بالنسبة للأقربين فإنهم قد لا يرثون لحجبهم بمن هو أولى منهم.
مسألة ثانية :
فإن قال قائل : إن الله فرض للأب السدس مثلاً ؛ وللأم السدس ؛ وللزوجة الربع ؛ وللزوج النصف ؛ وما أشبه ذلك ؛ وهذا يقتضي أن يكون لهم فرضهم كاملاً ؛ ومع تنفيذ الوصية ينقص من فرضهم بقدر الوصية ؟.
فالجواب : أن الله بين أن حق الورثة من بعد وصية يوصى بها، أو دين ؛ وعلى هذا فلا إشكال في الآية في تقدير أنصباء الورثة ؛ وهذا القول هو الذي تجتمع به الأدلة.
١ أخرجه البخاري ص١٠١، كتاب الجنائز، باب ٣٦: رثاء النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن خولة، حديث رقم ١٢٩٥، وأخرجه مسلم ص٩٦٢، كتاب الوصية، باب ١: الوصية بالثلث، حديث رقم ٤٢٠٩ [٥] ١٦٢٨..
٢ المرجع السابق..
٣ أخرجه البخاري ص٢٠٤، كتاب الهبة، باب ١٥: هبة المرأة لغير زوجها... ، حديث رقم ٢٥٩٢، واخرجه مسلم ص٨٣٦ كتاب الزكاة، باب ١٤: فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج... ، حديث رقم ٢٣١٧ [٤٤] ٩٩٩..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى