زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿كتبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾.
قال الزجاج : المعنى : وكتب عليكم، إلا أن الكلام إذا طال استغنى عن العطف بالواو. وعلم أن معناه معنى الواو، وليس المراد : كتب عليكم أن يوصي أحدكم عند الموت، لأنه في شغل حينئذ، وإنما المعنى : كتب عليكم أن توصوا وأنتم قادرون على الوصية، فيقول الرجل : إذا أنا مت، فلفلان كذا. فأما الخير هاهنا ؛ فهو المال في قول الجماعة.
وفي مقدار المال الذي تقع هذه الوصية فيه ستة أقوال : أحدها : أنه ألف درهم فصاعدا، روي عن علي، وقتادة. والثاني : أنه سبعمائة درهم فما فوقها، رواه طاووس عن ابن عباس. والثالث : ستون دينارا فما فوقها، رواه عكرمة عن ابن عباس. والرابع : أنه المال الكثير الفاضل عن نفقة العيال. قالت عائشة لرجل سألها : إني أريد الوصية، فقالت : كم مالك ؟ قال : ثلاثة آلاف، قالت : كم عيالك ؟ قال : أربعة. قالت : هذا شيء يسير، فدعه لعيالك. والخامس : أنه من ألف درهم إلى خمسمائة، قاله إبراهيم النخعي. والسادس : أنه القليل والكثير، رواه معمر عن الزهري. فأما المعروف ؛ فهو الذي لا حيف فيه.
فصل : وهل كانت الوصية ندبا أو واجبة ؟ فيه قولان : أحدهما : أنها كانت ندبا. والثاني : أنها كانت فرضا، وهو أصح، لقوله تعالى :﴿كتبَ﴾ ومعناه : فرض. قال ابن عمر : نسخت هذه الآية بآية الميراث. وقال ابن عباس : نسختها :﴿لّلرّجَالِ نَصيِبٌ مّمَّا تَرَكَ الْوالِدانِ وَالأْقْرَبُونَ﴾ [النساء: ٧]. والعلماء متفقون على نسخ الوصية للوالدين. والأقربين الذين يرثون وهم مختلفون في الأقربين الذين لا يرثون : هل تجب الوصية لهم ؟ على قولين، أصحهما أنها لا تجب لأحد.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى