الدر المصون في علوم الكتاب المكنون — السمين الحلبي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ :" الصيامُ " مفعولُ لم يُسَمَّ فاعلُه، وقُدِّم عليه هذه الفَضْلَةُ وإنْ كان الأصلُ تأخيرها عنه لأنَّ البداءة بذكرِ المكتوبِ عليه آكدُ مِنْ ذِكْر المكتوبِ لتعلُّق الكتب بِمَنْ يؤدِّي.
والصيام : مصدرُ صام يصوم صوماً، والأصلُ : صِواماً، فَأُبْدِلَتْ الواوُ ياءٌ والصومُ مصدرٌ أيضاً، وهذان البناءانِ - أعني فَعْل وفِعال - كثيران في كلِّ فعلٍ واويِّ العينِ صحيحِ اللامِ، وقد جاء منه شيءٌ قليل على فُعول قالوا : غار غُووراً، وإنما استكرهوه لاجتماعِ الواوَيْنِ/، ولذلك هَمَزه بعضُهم فقال : الغُؤُور. والصيام لغةً الإِمساكُ عن الشيء مطلقاً، ومنه : صامَتِ الريحُ : أمسكَتْ عن الهبوبِ، والفرسُ : أَمْسَكَتْ عن العَدْوِ، [ وقال ] :
خيلٌ صِيامُ وخيلٌ غيرُ صائمةٍتحتَ العَجاجِ وأُخْرى تَعْلِكُ اللُّجُما
وقال تعالى :﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ [مريم: ٢٦] أي : سكوتاً لقوله :﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً﴾. وصامَ النهارُ أي : اشتدَّ حَرَّه، قال :
٨٣٦ - حتى إذا صامَ النهارُ واعتَدَلْومالَ للشمسِ لُعابٌ فَنَزَلْ
كأنهم تَوَهَّموا ذلك الوقتَ إمساكَ الشمسِ عن المَسِيرِ. ومَصَامُ النجومِ : إمساكُها عن السيرِ، قال امرؤ القيس :
كأنَّ الثُّرِيَّا عُلِّقَتْ في مَصامِهابأمراسِ كُتَّانٍ إلى صُمِّ جَنْدَلِ
قوله :﴿كَمَا كُتِبَ﴾ فيه خمسةُ أوجهٍ، أحدها : أنَّ محلَّها النصْب على نعتِ مصدرٍ محذوفٍ، أي : كُتِبَ كَتْباً مثلَ ما كُتِبَ. الثاني : أنه في محلِّ حالٍ من المصدرِ المعرفةِ أي : كُتِبَ عليكم الصيامُ الكَتْبَ مُشْبِهاً ما كُتِبَ. و " ما " على هذين الوجهينِ مصدريةٌ. الثالث : أن يكون نعتاً لمصدرٍ من لفظِ الصيام، أي : صوماً مثلَ ما كُتِبَ. ف " ما " على هذا الوجه بمعنى الذي، أي : صوماً مماثلاً للصومِ المكتوبِ على مَنْ قبلكم. و " صوماً " هنا مصدر مؤكِّد في المعنى، لأنَّ الصيامَ بمعنى : أنْ تصُومُوا صوماً، قاله أبو البقاء، وفيه أنَّ المصدرَ المؤكِّد يُوصَفُ، وقد تقدَّم مَنْعُه عندَ قولِهِ تعالى ﴿بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ١٨٠]. وقال الشيخ - بعد أَنْ حكى هذا عن ابن عطية - " وهذا فيه بُعْدٌ ؛ لأنَّ تشبيهَ الصوم بالكتابةِ لا يصحُّ، هذا إن كانت " ما " مصدريةً، وأمّا إن كانت موصولةً ففيه أيضاً بُعْدٌ ؛ لأنَّ تشبيه الصومِ بالصومِ لا يَصِحُّ إلاَّ على تأويلٍ بعيدٍ ".
الرابع : أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحالِ من " الصيام "، وتكونُ " ما " موصولةً، أي : مُشْبهاً الذي كُتِبَ. والعاملُ فيها " كُتِبَ " لأنه عاملٌ في صاحبِها. الخامس : أن يكونَ في محلِّ رفعٍ لأنَّه صفةٌ للصيامِ، وهذا مردودٌ بأنَّ الجارَّ والمجرورَ من قبيلَ النكرات والصيامُ معرفةٌ، فكيف تُوصَفُ المعرفةُ بالنكرةِ ؟ وأجابَ أبو البقاء عن ذلك " بأنَّ الصيامَ غيرُ مُعَيَّنٍ " كأنه يعني أنَّ " أل " فيه للجنسِ والمعرَّفُ بأل الجنسيةِ عندهم قريبٌ من النكرةِ، ولذلك جازَ أن تَعْتَبِرَ لفظة مرةً ومعناه أخرى، قالوا :" أهلك الناسَ الدينارُ الحمرُ والدِرْهَمُ البيض " ومنه :
٨٣٨ - ولقد أَمُرُّ على اللئيمَ يَسُبُّنِيفَمَضَيْتُ ثمَّتَ قُلْتُ لا يَعْنِيني
[ وقولُه تعالى :] ﴿وَآيَةٌ لَّهُمُ الْلَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] وقد تقدَّم الكلامُ على مثلِ قولِه :﴿الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ كيف وُصِلَ الموصول بهذا، والجوابُ عنه في قولِه :﴿خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ٢١].

تفسير هذه الآية من كتب أخرى