الدر المنثور في التأويل بالمأثور — السُّيوطي

عن الكتاب
أخرج البخاري ومسلم والترمذي والنسائي والبيهقي عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال " بني الإسلام على خمس. شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، إيتاء الزكاة، وصوم رمضان، والحج ".
وأخرج أحمد وأبو داود وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم وصححه والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال : أحيلت الصلاة ثلاثة أحوال، وأحيل الصيام ثلاثة أحوال. فأما أحوال الصلاة فإن النبي ﷺ قدم المدينة فصلى سبعة عشر شهرا إلى بيت المقدس، ثم إن الله أنزل عليه ( قد نرى تقلب وجهك في السماء فلنولينك قبلة ترضاها. . . ) ( البقرة الآية ١٤٤ ) الآية فوجهه الله إلى مكة هذا حول، وقال : وكانوا يجتمعون للصلاة ويؤذن بها بعضهم بعضا حتى نفسوا أو كادوا، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له عبد الله بن يزيد أتى رسول الله ﷺ فقال : يا رسول الله إني رأيت فيما يرى النائم، ولو قلت أني لم أكن نائما لصدقت، إني بينا أنا بين النائم واليقظان إذ رأيت شخصا عليه ثوبان أخضران، فاستقبل القبلة فقال : الله أكبر الله أكبر أشهد أن لا إله إلا الله مثنى مثنى حتى فرغ الأذان، ثم أمهل ساعة ثم قال مثل الذي قال : غير أنه يزيد في ذلك قد قامت الصلاة. قال رسول الله ﷺ : علمها بلالا فليؤذن بها. فكان بلال أول من أذن بها قال : وجاء عمر بن الخطاب فقال : يا رسول الله إنه قد طاف بي مثل الذي طاف به غير أنه سبقني فهذان حولان.
قال : وكانوا يأتون الصلاة قد سبقهم النبي ﷺ ببعضها، فكان الرجل يسر إلى الرجل كم صلى فيقول واحدة أو اثنتين فيصليهما، ثم يدخل مع القوم في صلاتهم، فجاء معاذ فقال : لا أجده على حال أبدا إلا كنت عليها ثم قضيت ما سبقتني، فجاء وقد سبقه النبي ﷺ ببعضها فثبت معه، فلما قضى رسول الله ﷺ صلاته قام فقضى، فقال رسول الله ﷺ : قد سن لكم معاذ فهكذا فاصنعوا. فهذه ثلاثة أحوال.
وأما أحوال الصيام فإن رسول الله ﷺ قدم المدينة، فجعل يصوم من كل شهر ثلاثة أيام، وصام عاشوراء، ثم إن الله فرض عليه الصيام، وأنزل الله ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ إلى قوله ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أطعم مسكينا فأجزأ ذلك عنه، ثم إن الله أنزل الآية الأخرى ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس ) ( البقرة الآية ١٨٥ ) إلى قوله ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) فأثبت الله صيامه على المقيم الصحيح، ورخص فيه للمريض والمسافر، وثبت الإطعام للكبير الذي لا يستطيع الصيام، فهذان حولان.
قال : وكانوا يأكلون ويشربون ويأتون النساء ما لم يناموا فإذا ناموا امتنعوا، ثم إن رجلا من الأنصار يقال له صرمة كان يعمل صائما حتى إذا أمسى، فجاء إلى أهله فصلى العشاء ثم نام فلم يأكل ولم يشرب حتى أصبح صائما، فرآه النبي ﷺ وقد جهد جهدا شديدا فقال :" ما لي أراك قد جهدت جهدا شديدا ؟ قال : يا رسول الله إني عملت أمس، فجئت حين جئت فألقيت نفسي فنمت، فأصبحت حين أصبحت صائما قال : وكان عمر قد أصاب النساء بعد ما نام، فأتى النبي ﷺ فذكر ذلك له، فأنزل الله ( أحل لكم ليلة الصيام الرفث ) ( البقرة الآية ١٨٧ ) إلى قوله ( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) ".
وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ يعني بذلك أهل الكتاب.
وأخرج ابن جرير عن الشعبي قال : إن النصارى فرض عليهم شهر رمضان كما فرض علينا، فكانوا ربما صاموه في القيظ فحولوه إلى الفصل، وضاعفوه حتى صار إلى خمسين يوما، فذلك قوله ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾.
وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ قال : الذين من قبلنا هم النصارى كتب عليهم رمضان، وكتب عليهم أن لا يأكلوا ولا يشربوا بعد النوم، ولا ينكحوا في شهر رمضان. فاشتد على النصارى صيام رمضان فاجتمعوا فجعلوا صياما في الفصل بين الشتاء والصيف، وقالوا : نزيد عشرين يوما نكفر بها ما صنعنا، فلم تزل المسلمون يصنعون كما تصنع النصارى حتى كان من أمر أبي قيس بن صرمة وعمر بن الخطاب ما كان، فأحل الله لهم الأكل والشرب والجماع إلى قبيل طلوع الفجر.
وأخرج ابن حنظلة في تاريخه والنحاس في ناسخه والطبراني عن معقل بن حنظلة عن النبي ﷺ قال " كان على النصارى صوم شهر رمضان، فمرض ملكهم فقالوا : لئن شفاه الله لنزيدن عشرا، ثم كان آخر فأكل لحما فأوجع فوه، فقالوا : لئن شفاه الله لنزيدن سبعة، ثم كان عليهم ملك آخر فقالوا : ما تدع من هذه الثلاثة أيام شيئا أن نتمها ونجعل صومنا في الربيع، ففعل فصارت خمسين يوما ".
وأخرج ابن جرير عن الربيع في قوله ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ قال : كتب عليهم الصيام من العتمة إلى العتمة.
وأخرج ابن جرير عن مجاهد ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ قال : أهل الكتاب. وأخرج ابن جرير عن السدي في قوله ﴿لعلكم تتقون﴾ من الطعام والشراب والنساء مثل ما اتقوا.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى