البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي
عن الكتاب
الصيام والصوم مصدران لصامَ، والعرب تسمي كل ممسك صائماً، ومنه الصوم في الكلام ﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾ أي سكوتاً في الكلام، وصامت الريح : أمسكت عن الهبوب، والدابة : أمسكت عن الأكل والجري، وقال النابغة الذبياني :
خيل صيام وخيل غير صائمة***
تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
أي : ممسكة عن الجري.
وتسمى الدابة التي لا تدور : الصائمة، قال الراجز.
والبكرات شرهن الصائمة***
وقالوا : صام النهار : ثبت حره في وقت الظهيرة واشتد، وقال.
ذمول إذا صام النهار وهجرا***
وقال :
حتى إذا صام النهار واعتدل***
ومال للشمس لعابٌ فنزل
ومصام النجوم، إمساكها عن اليسر ومنه.
كأن الثريا علقت في مصامها***
فهذا مدلول الصوم من اللغة.
وأما الحقيقة الشرعية فهو : إمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص ويبين في الفقه.
﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ : مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه أخبر تعالى : أولاً : بكتب القصاص وهو : إتلاف النفوس، وهو من أشق التكاليف، فيجب على القاتل إسلام نفسه للقتل، ثم أخبر ثانياً بكتب الوصية وهو : إخراج المال الذي هو عديل الروح، ثم انتقل ثالثاً إلى كتب الصيام، وهو : منهك للبدن، مضعف له، مانع وقاطع ما ألفه الإنسان من الغذاء بالنهار، فابتداء بالأشق ثم بالأشق بعده، ثم بالشاق فبهذا انتقال فيما كتبه الله على عباده في هذه الآية، وكان فيما قبل ذلك قد ذكر أركان الإسلام ثلاثة : الإيمان، والصلاة، والزكاة، فأتى بهذا الركن الرابع، وهو : الصوم.
وبناء ﴿كُتب﴾ للمفعول في هذه المكتوبات الثلاثة، وحذف الفاعل للعلم به، إذ هو : الله تعالى، لأنها مشاق صعبة على المكلف، فناسب أن لا تنسب إلى الله تعالى، وإن كان الله تعالى هو الذي كتبها، وحين يكون المكتوب للمكلف فيه راحة واستبشار يبني الفعل للفاعل، كما قال تعالى :﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ وهذا من لطيف علم البيان.
أما بناء الفعل للفاعل في قوله :﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ فناسب لاستعصاء اليهود وكثرة مخالفاتهم لأنبيائهم بخلاف هذه الأمة المحمدية، ففرق بين الخطابين لافتراق المخاطبين، ونادى المؤمنين عند إعلامهم بهذا المكتوب الثالث الذي هو الصيام لينبههم على استماع ما يلقي إليهم من هذا التكليف، ولم يحتج إلى نداء في المكتوب الثاني لانسلاكه مع الأول في نظام واحد، وهو : حضور الموت بقصاص أو غيره، وتباين هذا التكليف الثالث منها، وقدم الجار والمجرور على المفعول به الصريح وإن كان أكثر الترتيب العربي بعكس ذلك، نحو : ضُرب زيد بسوط، لأن ما أحتيج في تعدي الفعل إليه إلى واسطة دون ما تعدى إليه بغير واسطة، لأن البداءة بذكر المكتوب عليه أكثر من ذكر المكتوب لتعلق الكتب لمن نودي، فتعلم نفسه أولاً أن المنادى هو المكلف، فيرتقب بعد ذلك لما كلف به.
والألف واللام في : الصيام، للعهد إن كانت قد سبقت تعبداتهم به، أو للجنس إن كانت لم تسبق.
وجاء هذا المصدر على فعال، وهو أحد البنائين الكثيرين في مصدر هذا النوع من الفعل، وهو فعل الواوي العين، الصحيح الآخر، والبناآن هما فعول وفعال، وعدل عن الفعول وإن كان الأصل لاستثقال الواوين، وقد جاء منه شيء على الأصل : كالفؤور، ولثقل اجتماع الواوين همز بعضهم فقال : الفؤور.
﴿كما كتب﴾ الظاهر أن هذا المجرور في موضع الصفة لمصدر محذوف، أو في موضع الحال على مذهب سيبويه على ما سبق، أي : كتباً مثل ما كتب أو كتبه، أي : الكتب منها كتب، وتكون السببية قد وقع في مطلق الكتب وهو الإيجاب، وإن كان متعلقه مختلفاً بالعدد أو بغيره، وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل، وعطاء، وتكون إذ ذاك ما مصدرية.
وقيل : الكاف في موضع نصب على الحال من الصيام، أي : مشبهاً ما كتب على الذين من قبلكم، وتكون ما موصولة أي : مشبهاً الذي كتب عليكم، وذو الحال هو : الصيام، والعامل فيها العامل فيه، وهو : كتب عليكم.
وأجاز ابن عطية أن تكون الكاف في موضع صفة لصوم محذوف، التقدير : صوماً كما، وهذا فيه بُعد، لأن تشبيه الصوم بالكتابة لا يصح، هذا إن كانت ما مصدرية، وأما إن كانت موصولة ففيه أيضاً بُعد، لأن تشبيه الصوم بالمصوم لا يصح إلاَّ على تأويل بعيد.
وأجاز بعض النحاة أن تكون الكاف في موضع رفع على أنها نعت لقوله : الصيام، قال : إذ ليس تعريفه بمستحسن لمكان الإجمال الذي فيه مما فسرته الشريعة، فلذلك جاز نعته بكما، إذ لا ينعت بها إلاَّ النكرات، فهي بمنزلة :﴿كتب عليكم الصيام﴾ انتهى كلامه، وهو هدم للقاعدة النحوية من وجوب توافق النعت والمنعوت في التعريف والتنكير، وقد ذهب بعضهم إلى نحو من هذا، وأن الألف واللام إذا كانت جنسية جاز أن يوصف مصحوبها بالجملة، وجعل من ذلك قوله تعالى :﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ ولا يقوم دليل على إثبات هدم ما ذهب إليه النحويون، وتلخص في : ما، من قوله : كما وجهان أحدهما : أن تكون مصدرية، وهو الظاهر، والآخر : أن تكون موصولة، بمعنى.
الذي.
﴿على الذين من قبلكم﴾ : ظاهره عموم الذين من قبلنا من الأنبياء وأممهم من آدم إلى زماننا.
وقال عليّ : أولهم آدم، فلم يفترضها عليكم، يعني : أن الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم، فلم يفترضها عليكم خاصة، وقيل : الذين من قبلنا هم النصارى.
قال الشعبي وغيره : والمصوم معين وهو رمضان فرض على الذين من قبلنا وهم النصارى، احتاطوا له بزيادة يوم قبله ويوم بعده قرناً بعد قرن حتى بلغوه خمسين يوماً، فصعب عليهم في الحر، فنقلوه إلى الفصل الشمسي.
قال النقاش : وفي ذلك حديث عن دغفل، والحسن، والسدي.
وقيل : بل مرض ملك من ملوكهم، فنذر أن برىء أن يزيد فيه عشرة أيام، ثم أخرّ سبعة، ثم آخر ثلاثة، ورأوا أن الزيادة فيه حسنة بإزاء الخطأ في نقله.
وقيل : كان النصارى أولاً يصومون، فإذا أفطروا فلا يأكلون ولا يشربون ولا يطؤون إذا ناموا، ثم انتبهوا في الليل، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخ بسبب عمر، وقيس بن صرمة.
قال السدي أيضاً، والربيع وأبو العالية.
قيل : وكذا كان صوم اليهود، فيكون المراد : بالذين من قبلنا، اليهود والنصارى، وقيل : الذين من قبلنا : هم اليهود خاصة، فرض علينا كما فرض عليهم، ثم نسخه الله بصوم رمضان.
قال الراغب : للصوم فائدتان رياضة الإنسان نفسه عن ما تدعوه إليه من الشهوات، والاقتداء بالملأ الأعلى على قدر الوسع. انتهى.
وحكمة التشبيه أن الصوم عبادة شاقة، فإذا ذكر أنه كان مفروضاً على من تقدّم من الأمم سهلت هذه العبادة.
﴿تتقون﴾ الظاهر : تعلق، لعل بكتب، أي : سبب فرضية الصوم هو رجاء حصول التقوى لكم، فقيل : المعنى تدخلون في زمرة المتقين، لأن الصوم شعارهم، وقيل : تجعلون بينكم وبين النار وقاية بترك المعاصي، فإن الصوم لإضعاف الشهوة وردعها، كما قال عليه السلام « فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء »
وقيل : تتقون الأكل والشرب والجماع في وقت وجوب الصوم، قاله السدي.
وقيل : تتقون المعاصي، لأن الصوم يكف عن كثير مما تشوق إليه النفس، قاله الزجاج.
وقيل : تتقون محظورات الصوم، وهذا راجع لقول السدي.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة: وقد تضمنت هذه الآيات الكريمة نداء المؤمنين تقريباً لهم وتحريكاً لما يلقيه إليهم من وجوب الصيام وأنه كتبه علينا كما كتب على من قبلنا تأسياً في هذا التكليف الشاقّ بمن قبلنا فليس مخصوصاً بنا وأن ذلك كان لرجاء تقوانا له تعالى ثم إنه قلل هذا التكليف بأن جعله أيّاماً معدودات أول يحصرها العدّ من قلتها ثم خفف عن المريض والمسافر بجواز الفطر في أيام مرضه وسفره وأوجب عليه قضاء عدتهاغ إذا صح وأقام ثم ذكر أن من أطلق الصوم وأراد الفطر فأفطر فإنه يفدى باطعام مساكين ثم ذكر أن التطوّع بالخير هو خير وإن الصوم أفضل من الفطر والفداء ثم نسخ ذلك الحكم من صيام الأيام القلائل بوجوب صوم رمضان وهكذا جرت العادة في التكاليف الشرعية يبتدأ فيها أولاً بالأخف فالأخف ينتهي إلى الحدّ الذي هو الغاية المطلوبة في الشريعة فيستقرّ الحكم
ونبه على فضيلة هذا الشهر المفروض بأنه الشهر الذي أنزل فيه الوحي على رسول الله ﷺ ) وأمر تعالى من كان شهده أن يصومه وعذر من كان مريضاً أو مسافراً فذكر أن عليه صوم عدة ما أفطر إذا صح وأقامه كحاله حين كلفه صوم تلك الأيام ثم نبه تعالى على أن التخفيف عن المريض والمسافر هو لإرادته تعالى بالمكلفين التسير
ثم ذكر أن مشروعية صوم الشهر وإباحة الفطر للمريض والمسافر وإرادة اليسر بنا هو لتكميل العدة ولتعظيم الله ولرجاء الشكر فقابل كل مشروع بما يناسبه ثم لما ذكر تعالى تعظيم العباد لربهم والثناء عليه منهم ذكر قربه بالمكانة فإذا سألوه أجابهم ولا تتأخر إجابته تعالى عنده عن وقت دعائه ثم طلب منهم الإستجابة له إذا دعاهم كما هو يجيبهم إذا دعوه ثم أمرهم بالديمومة على الإيمان لأنه أصل العبادات وبصحته تصح ثم ذكر رجاء حصول الرشاد لهم إذا استجابوا له وآمنوا به ثم امتنّ عليهم تعالى بإحلال ما كانوا ممنوعين منه وهو النكاح في سائر الليالي المصوم أيامها ثم نبه على العلة في ذلك بأنهن مثل اللباس لكم فأنتم لا تستغنون عنهن ثم لما وقع بعضهم في شيء من المخالفة تاب الله عليهم وعفا عنهم ثم إنه تعالى ما اكتفى بذكر الإخبار بالتحليل حتى أباح ذلك بصيغة الأمر فقال فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وكذلك الأكل والشرب وغيا ثلاثتهن بتبيين الفجر ثم أمرهم أمر وجوب بإتمام الصيام إلى الليل ولما كان إحلال النكاح في سائر ليالي الصوم وكان من أحوال الصائم الاعتكاف وكانت مباشرة النساء في الاعتكاف حراماً نبه على ذلك بقوله وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ
ثم أشار إلى الحواجز وهي الحدود وأضافها إليه ليعلم أن الذي حدّها هو الله تعالى فنهاهم عن قربانها فضلاً عن الوقوع فيها مبالغة في التباعد عنها ثم أخبر أنه يبين الآيات ويوضحها وهي سائر الأدلة والعلامات الدالة على شرائع الله تعالى مثل هذا البيان الواضح في الأحكام السابقة ليكونوا على رجاء من تقوى الله المفضية بصاحبها إلى طاعة الله تعالى ثم نهاهم عن أن يأكل بعضهم مال بعض بالباطل وهي الطريق التي لم يبح الله الاكتساب بها ونهاكم أيضاً عن رشاء حكام السوء ليأخذوا بذلك شيئاً من الأموال التي لا يستحقونها وقيد النهي والأخذ بقيد العلم بما يرتكبونه تقبيحاً لهم وتوبيخاً لهم لأن من فعل المعصية وهو عالم بها وبما يترتب عليها من الجزاء السيء كان أقبح في حقه وأشنع ممن يأتي في المعصية وهو جاهل فيها وبما يترتب عليها
ولما كان افتتاح هذه الآية الكريمة بالأمر المحتم بالصيام وكان من العبادات الجليلة التي أمر فيها باجتناب المحرمات حتى إنه جاء في الحديث ( فإن امرؤ سبه فليقل إني صائم ) وجاء عن الله تعالى ( الصوم لي وأنا أجزى به ) وكان من أعظم ممنوعاته وأكبرها الأكل فيه اختتم هذه الآيات بالنهي عن أكل الأموال بالباطل ليكون ما يفطر عليه الصائم من الحلال الذي لا شبهة فيه فيرجى أن يتقبل عمله وأن لا يكون من ( الصائمين الذين ليس لهم من صومهم إلا الجوع والعطش ) فافتتحت هذه الآيات بواجب مأمور به واختتمت بمحرم منهي عنه وتخلل بين الابتداء والانتهاء أيضاً أمر ونهي وكل ذلك تكاليف من الله تعالى بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى تعالى عنه أعاننا الله عليها
خيل صيام وخيل غير صائمة***
تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما
أي : ممسكة عن الجري.
وتسمى الدابة التي لا تدور : الصائمة، قال الراجز.
والبكرات شرهن الصائمة***
وقالوا : صام النهار : ثبت حره في وقت الظهيرة واشتد، وقال.
ذمول إذا صام النهار وهجرا***
وقال :
حتى إذا صام النهار واعتدل***
ومال للشمس لعابٌ فنزل
ومصام النجوم، إمساكها عن اليسر ومنه.
كأن الثريا علقت في مصامها***
فهذا مدلول الصوم من اللغة.
وأما الحقيقة الشرعية فهو : إمساك عن أشياء مخصوصة في وقت مخصوص ويبين في الفقه.
﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام﴾ : مناسبة هذه الآية لما قبلها أنه أخبر تعالى : أولاً : بكتب القصاص وهو : إتلاف النفوس، وهو من أشق التكاليف، فيجب على القاتل إسلام نفسه للقتل، ثم أخبر ثانياً بكتب الوصية وهو : إخراج المال الذي هو عديل الروح، ثم انتقل ثالثاً إلى كتب الصيام، وهو : منهك للبدن، مضعف له، مانع وقاطع ما ألفه الإنسان من الغذاء بالنهار، فابتداء بالأشق ثم بالأشق بعده، ثم بالشاق فبهذا انتقال فيما كتبه الله على عباده في هذه الآية، وكان فيما قبل ذلك قد ذكر أركان الإسلام ثلاثة : الإيمان، والصلاة، والزكاة، فأتى بهذا الركن الرابع، وهو : الصوم.
وبناء ﴿كُتب﴾ للمفعول في هذه المكتوبات الثلاثة، وحذف الفاعل للعلم به، إذ هو : الله تعالى، لأنها مشاق صعبة على المكلف، فناسب أن لا تنسب إلى الله تعالى، وإن كان الله تعالى هو الذي كتبها، وحين يكون المكتوب للمكلف فيه راحة واستبشار يبني الفعل للفاعل، كما قال تعالى :﴿كتب ربكم على نفسه الرحمة﴾ ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي﴾ ﴿أولئك كتب في قلوبهم الإيمان﴾ وهذا من لطيف علم البيان.
أما بناء الفعل للفاعل في قوله :﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾ فناسب لاستعصاء اليهود وكثرة مخالفاتهم لأنبيائهم بخلاف هذه الأمة المحمدية، ففرق بين الخطابين لافتراق المخاطبين، ونادى المؤمنين عند إعلامهم بهذا المكتوب الثالث الذي هو الصيام لينبههم على استماع ما يلقي إليهم من هذا التكليف، ولم يحتج إلى نداء في المكتوب الثاني لانسلاكه مع الأول في نظام واحد، وهو : حضور الموت بقصاص أو غيره، وتباين هذا التكليف الثالث منها، وقدم الجار والمجرور على المفعول به الصريح وإن كان أكثر الترتيب العربي بعكس ذلك، نحو : ضُرب زيد بسوط، لأن ما أحتيج في تعدي الفعل إليه إلى واسطة دون ما تعدى إليه بغير واسطة، لأن البداءة بذكر المكتوب عليه أكثر من ذكر المكتوب لتعلق الكتب لمن نودي، فتعلم نفسه أولاً أن المنادى هو المكلف، فيرتقب بعد ذلك لما كلف به.
والألف واللام في : الصيام، للعهد إن كانت قد سبقت تعبداتهم به، أو للجنس إن كانت لم تسبق.
وجاء هذا المصدر على فعال، وهو أحد البنائين الكثيرين في مصدر هذا النوع من الفعل، وهو فعل الواوي العين، الصحيح الآخر، والبناآن هما فعول وفعال، وعدل عن الفعول وإن كان الأصل لاستثقال الواوين، وقد جاء منه شيء على الأصل : كالفؤور، ولثقل اجتماع الواوين همز بعضهم فقال : الفؤور.
﴿كما كتب﴾ الظاهر أن هذا المجرور في موضع الصفة لمصدر محذوف، أو في موضع الحال على مذهب سيبويه على ما سبق، أي : كتباً مثل ما كتب أو كتبه، أي : الكتب منها كتب، وتكون السببية قد وقع في مطلق الكتب وهو الإيجاب، وإن كان متعلقه مختلفاً بالعدد أو بغيره، وروي هذا المعنى عن معاذ بن جبل، وعطاء، وتكون إذ ذاك ما مصدرية.
وقيل : الكاف في موضع نصب على الحال من الصيام، أي : مشبهاً ما كتب على الذين من قبلكم، وتكون ما موصولة أي : مشبهاً الذي كتب عليكم، وذو الحال هو : الصيام، والعامل فيها العامل فيه، وهو : كتب عليكم.
وأجاز ابن عطية أن تكون الكاف في موضع صفة لصوم محذوف، التقدير : صوماً كما، وهذا فيه بُعد، لأن تشبيه الصوم بالكتابة لا يصح، هذا إن كانت ما مصدرية، وأما إن كانت موصولة ففيه أيضاً بُعد، لأن تشبيه الصوم بالمصوم لا يصح إلاَّ على تأويل بعيد.
وأجاز بعض النحاة أن تكون الكاف في موضع رفع على أنها نعت لقوله : الصيام، قال : إذ ليس تعريفه بمستحسن لمكان الإجمال الذي فيه مما فسرته الشريعة، فلذلك جاز نعته بكما، إذ لا ينعت بها إلاَّ النكرات، فهي بمنزلة :﴿كتب عليكم الصيام﴾ انتهى كلامه، وهو هدم للقاعدة النحوية من وجوب توافق النعت والمنعوت في التعريف والتنكير، وقد ذهب بعضهم إلى نحو من هذا، وأن الألف واللام إذا كانت جنسية جاز أن يوصف مصحوبها بالجملة، وجعل من ذلك قوله تعالى :﴿وآية لهم الليل نسلخ منه النهار﴾ ولا يقوم دليل على إثبات هدم ما ذهب إليه النحويون، وتلخص في : ما، من قوله : كما وجهان أحدهما : أن تكون مصدرية، وهو الظاهر، والآخر : أن تكون موصولة، بمعنى.
الذي.
﴿على الذين من قبلكم﴾ : ظاهره عموم الذين من قبلنا من الأنبياء وأممهم من آدم إلى زماننا.
وقال عليّ : أولهم آدم، فلم يفترضها عليكم، يعني : أن الصوم عبادة قديمة أصلية ما أخلى الله أمة من افتراضها عليهم، فلم يفترضها عليكم خاصة، وقيل : الذين من قبلنا هم النصارى.
قال الشعبي وغيره : والمصوم معين وهو رمضان فرض على الذين من قبلنا وهم النصارى، احتاطوا له بزيادة يوم قبله ويوم بعده قرناً بعد قرن حتى بلغوه خمسين يوماً، فصعب عليهم في الحر، فنقلوه إلى الفصل الشمسي.
قال النقاش : وفي ذلك حديث عن دغفل، والحسن، والسدي.
وقيل : بل مرض ملك من ملوكهم، فنذر أن برىء أن يزيد فيه عشرة أيام، ثم أخرّ سبعة، ثم آخر ثلاثة، ورأوا أن الزيادة فيه حسنة بإزاء الخطأ في نقله.
وقيل : كان النصارى أولاً يصومون، فإذا أفطروا فلا يأكلون ولا يشربون ولا يطؤون إذا ناموا، ثم انتبهوا في الليل، وكان ذلك في أول الإسلام، ثم نسخ بسبب عمر، وقيس بن صرمة.
قال السدي أيضاً، والربيع وأبو العالية.
قيل : وكذا كان صوم اليهود، فيكون المراد : بالذين من قبلنا، اليهود والنصارى، وقيل : الذين من قبلنا : هم اليهود خاصة، فرض علينا كما فرض عليهم، ثم نسخه الله بصوم رمضان.
قال الراغب : للصوم فائدتان رياضة الإنسان نفسه عن ما تدعوه إليه من الشهوات، والاقتداء بالملأ الأعلى على قدر الوسع. انتهى.
وحكمة التشبيه أن الصوم عبادة شاقة، فإذا ذكر أنه كان مفروضاً على من تقدّم من الأمم سهلت هذه العبادة.
﴿تتقون﴾ الظاهر : تعلق، لعل بكتب، أي : سبب فرضية الصوم هو رجاء حصول التقوى لكم، فقيل : المعنى تدخلون في زمرة المتقين، لأن الصوم شعارهم، وقيل : تجعلون بينكم وبين النار وقاية بترك المعاصي، فإن الصوم لإضعاف الشهوة وردعها، كما قال عليه السلام « فعليه بالصوم فإن الصوم له وجاء »
وقيل : تتقون الأكل والشرب والجماع في وقت وجوب الصوم، قاله السدي.
وقيل : تتقون المعاصي، لأن الصوم يكف عن كثير مما تشوق إليه النفس، قاله الزجاج.
وقيل : تتقون محظورات الصوم، وهذا راجع لقول السدي.
ونبه على فضيلة هذا الشهر المفروض بأنه الشهر الذي أنزل فيه الوحي على رسول الله ﷺ ) وأمر تعالى من كان شهده أن يصومه وعذر من كان مريضاً أو مسافراً فذكر أن عليه صوم عدة ما أفطر إذا صح وأقامه كحاله حين كلفه صوم تلك الأيام ثم نبه تعالى على أن التخفيف عن المريض والمسافر هو لإرادته تعالى بالمكلفين التسير
ثم ذكر أن مشروعية صوم الشهر وإباحة الفطر للمريض والمسافر وإرادة اليسر بنا هو لتكميل العدة ولتعظيم الله ولرجاء الشكر فقابل كل مشروع بما يناسبه ثم لما ذكر تعالى تعظيم العباد لربهم والثناء عليه منهم ذكر قربه بالمكانة فإذا سألوه أجابهم ولا تتأخر إجابته تعالى عنده عن وقت دعائه ثم طلب منهم الإستجابة له إذا دعاهم كما هو يجيبهم إذا دعوه ثم أمرهم بالديمومة على الإيمان لأنه أصل العبادات وبصحته تصح ثم ذكر رجاء حصول الرشاد لهم إذا استجابوا له وآمنوا به ثم امتنّ عليهم تعالى بإحلال ما كانوا ممنوعين منه وهو النكاح في سائر الليالي المصوم أيامها ثم نبه على العلة في ذلك بأنهن مثل اللباس لكم فأنتم لا تستغنون عنهن ثم لما وقع بعضهم في شيء من المخالفة تاب الله عليهم وعفا عنهم ثم إنه تعالى ما اكتفى بذكر الإخبار بالتحليل حتى أباح ذلك بصيغة الأمر فقال فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ وكذلك الأكل والشرب وغيا ثلاثتهن بتبيين الفجر ثم أمرهم أمر وجوب بإتمام الصيام إلى الليل ولما كان إحلال النكاح في سائر ليالي الصوم وكان من أحوال الصائم الاعتكاف وكانت مباشرة النساء في الاعتكاف حراماً نبه على ذلك بقوله وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ
ثم أشار إلى الحواجز وهي الحدود وأضافها إليه ليعلم أن الذي حدّها هو الله تعالى فنهاهم عن قربانها فضلاً عن الوقوع فيها مبالغة في التباعد عنها ثم أخبر أنه يبين الآيات ويوضحها وهي سائر الأدلة والعلامات الدالة على شرائع الله تعالى مثل هذا البيان الواضح في الأحكام السابقة ليكونوا على رجاء من تقوى الله المفضية بصاحبها إلى طاعة الله تعالى ثم نهاهم عن أن يأكل بعضهم مال بعض بالباطل وهي الطريق التي لم يبح الله الاكتساب بها ونهاكم أيضاً عن رشاء حكام السوء ليأخذوا بذلك شيئاً من الأموال التي لا يستحقونها وقيد النهي والأخذ بقيد العلم بما يرتكبونه تقبيحاً لهم وتوبيخاً لهم لأن من فعل المعصية وهو عالم بها وبما يترتب عليها من الجزاء السيء كان أقبح في حقه وأشنع ممن يأتي في المعصية وهو جاهل فيها وبما يترتب عليها
ولما كان افتتاح هذه الآية الكريمة بالأمر المحتم بالصيام وكان من العبادات الجليلة التي أمر فيها باجتناب المحرمات حتى إنه جاء في الحديث ( فإن امرؤ سبه فليقل إني صائم ) وجاء عن الله تعالى ( الصوم لي وأنا أجزى به ) وكان من أعظم ممنوعاته وأكبرها الأكل فيه اختتم هذه الآيات بالنهي عن أكل الأموال بالباطل ليكون ما يفطر عليه الصائم من الحلال الذي لا شبهة فيه فيرجى أن يتقبل عمله وأن لا يكون من ( الصائمين الذين ليس لهم من صومهم إلا الجوع والعطش ) فافتتحت هذه الآيات بواجب مأمور به واختتمت بمحرم منهي عنه وتخلل بين الابتداء والانتهاء أيضاً أمر ونهي وكل ذلك تكاليف من الله تعالى بامتثال ما أمر به واجتناب ما نهى تعالى عنه أعاننا الله عليها