تأويلات أهل السنة — أبو منصور المَاتُرِيدي
عن الكتاب
الآية ١٨٣ وقوله تعالى :( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام ) هؤلاء الآيات فيهن فرضية بقوله :( كتب )، وأيد ذلك الإبدال فيها الإفطار بعذر والأمر(١) بالقضاء، وذلك ليس بشرط الآداب مع الامتنان علينا بقوله :( يريد الله بكم اليسر ) [البقرة: ١٨٥] أي يريد بكم الإذن لكم في الفطر للعذر، ولو كان غير فرض بدؤه لم يكن الفطر للعذر بموضع الرخصة مع شرطه إكمال العدة في القضاء معنى. وفي ذلك لزوم حفظ المتروك لئلا يدخل التقصير في القضاء، وعلى ذلك إجماع الأمة.
ثم بين عز وجل أنه(٢) لم تكن هذه الأمة بمخصوصة في الصيام، بل [ هي ](٣) أحق من فيهم استعمل العفو والصفح(٤) بما خصهم بأن جعلهم ( شهداء على الناس ) [آل عمران: ١١٠]، وأخبر أنه لم يجعل عليهم ( في الدين من حرج ) [الحج: ٧٨]، ولا ألزمهم العبادات الشاقة ( فضلا ) [ الأحزاب : ٤٧ و. . . ] منه عليهم وتخصيصا لهم إذ جعلهم ( شهداء على الناس ) [البقرة: ١٤٣]، فقال عز وجل ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) لكن يحتمل وجهين : يحتمل العذر الذي كتب عليهم، ويحتمل الفرضية في الجملة لا عين ما فرض عليهم من حيث الإشارة إلى ذلك ؛ ولذلك اختلف في الكاف في قوله ( كما ) أنها زائدة وحقيقة. ثم اختلف في ماهية(٥) ذلك الصيام.
فمن الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، من جعله صوم عاشوراء، وأيام البيض، ثم استعملوا نسخ ذلك بصيام الشهر ؛ [ وقد روي مرفوعا " أن صوم شهر رمضان نسخ كل صيام كان " ](٦) [ الدارقطني : ٤٧٠٢ ]، وروي(٧) عن جماعة في أمر صوم عاشوراء : أنا كنا نصومه حتى نزل صوم الشهر، فلم يكن رسول الله ﷺ يأمرنا به، ولا ينهانا.
وأصل هذا أنه كان يصام، لو كان ابتداء الآية عليه بحق الفرض، فأبدل ذلك بصوم الشهر، فارتفع عنه الفرضية على ما إذا كان يخرج منه بالفداء [ لم يكن معه فرضية(٨) القضاء، وبقي الفضل فيه ؛ إذ النسخ ](٩) لم يكن من حيث نفس الصوم، إذ مثله من النسخ يكون بغير الصوم، ولا يصوم. فثبت أنه في نسخ الفرضية(١٠)، فبقي فيه حق الأدب والفضل، وتبين النسخ بالصوم (١١) إذ [ هو ](١٢) مثله، وأن ذلك غير صوم الشهر [ المذكور في صوم الشهر ](١٣) بقوله :( فمن كان منكم مريضا ) الآية، ولو كان الكل واحدا لكان الذكر في موضع منه كافيا عن الإعادة، فثبت أنه على تناسخ الصيام. وقد روى معاذ رضي الله عنه [ عن رسول الله ﷺ ](١٤) أنه قال : " أحيل الصيام ثلاثة أحوال " [ أحمد : ٥/٢٤٦ ]، وبين(١٥) الخبر على وجهه في ذلك. ويحتمل أن يكون المراد منه صوم الشهر، ويكون تكرار الذكر في الرخصة لمكان رفع الفداء أو لمكان ذكر حق الامتنان بالتيسير أو التحريض على حفظ العدد، والله الموفق.
وأي ذلك كان، فليس بنا حاجة إلى معرفة حقيقة ذلك ؛ لأن كيفية الابتداء لم نكلف، وإنما كلفنا ما أبقى فرضه، وهو صيام الشهر الذي لم يختلف في ذلك.
ثم قد خاطب، جل ثناؤه، بالصيام من قد آمن بقوله :( يا أيها الذين آمنوا ) فكان فيما خاطب وجهان :
أحدهما : أنه خاطب المؤمنين(١٦)، فعرف المخاطبون أن الاسم يأخذهم ؛ إذ لم يذكر عن أحد أنه ظن وخروجه من حكم من حيث لم يكن وفاء بما به يستحق الاسم، وكذلك سائر [ أفعال العبادات ](١٧). وهذا من أوضح ما يجب به العلم أن الإيمان ليس باسم لجميع القرب، بل تحقيقه يصير أفعال القرب قربا. وفيه : إذ لم يقل ( يا أيها الذين )، قلتم : نحن مؤمنون به ﷺ دلالة ظاهرة على هجر هذا القول، وأنه من تلقين الشيطان ليبطل عليهم عقدهم كما يبطل كل عقد يستعمله فيه صاحبه مما أراد إلزامه العقد، والله أعلم.
والثاني : أن الله تعالى خص بالعبادات المؤمنين، وأنهن، لا يلزمن غيرهم، فيها الاعتقاد لا الأفعال التي هي تقوم بالاعتقاد. وليس الاعتقاد بواجب لمكان تلك الأفعال حتى تكون كالأسباب التي توجب بإيجاب أفعال بها تقوم، بل له أوجب غيره. ألا ترى أنه لا يجوز أن يرتفع ذلك عن الخلائق بحال من الأحوال في الدنيا والآخرة مع ارتفاع غير ذلك من العبادات ؟ ثبت أن الأمر بذلك بحيث نفسه لا لغيره، ثم لا قيام لغيره مع عدمه ؛ ثبت أن المعنى الذي به يصير المرء أهلا لاحتمال فعل العبادات. لذلك لا يجوز الأمر بشيء منها دون ذلك. وله وجهان يحتملان(١٨) الأمر أيضا :
أحدهما : العقل ؛ أنه من البعيد أن يكون من لم [ يقر بالعبودة ](١٩)، ولا أقر بالرسالة، يؤمر بالعبادة وباتباع الرسول بحق الرسالة، بل يقول : ألزمونا الأول حتى يكون الثاني ؛ وهو كما حال الناس المناظرة في الرسل مع منكري الصانع والمرسل، فمثله الأول، بل تجب كل قربة به، إذ لا يكون إلا به، والله أعلم.
والثاني : القول : بأن من أسلم بعد أوقات العبادات لا يلزمه القضاء، ثم لذلك وجهان من المعتبر :
أحدهما : أنهم(٢٠) إذا لم يدخلوا في خطاب القضاء بما ليس معهم في الحال ما يحتمل معه القضاء، فكذلك خطاب الابتداء ؛ إذ هو الذي به لزم القضاء في الإسلام، والله أعلم.
والثاني : أنه لا يلزم القضاء بعد الإسلام، ولا يجوز الابتداء في حاله، فكان ذا تكليفا(٢١)، لم يجعل الله للمكلف وجه القيام، وقد تبرأ الله من هذا الوجه من التكليف /٢٧-ب/ بقوله عز وجل :( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) [البقرة: ٢٨٦] مع ما بين الله تعالى بقوله :( فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار ) [البقرة: ١٢٦] أن ما للكافر [ التمتع في الدنيا لا العبادات ](٢٢) في ذلك، والله الموفق.
فثبت بالآية التي ذكرنا دخول جميع المؤمنين في الخطاب ؛ إذ بين الرخصة للذي(٢٣) له العدو في الإفطار على وجوب القضاء، فإذن يحتمل خروج من له العذر في الفطر عن أن يتضمنه الخطاب وجه ألزم القضاء. ثبت أن من لا عذر له داخل فيه، ولا يسعه الفطر. وعلى هذا جاء ممن ابتلي بالجماع نهارا أنه ﷺ أكد عليه الأمر، وألزمه الكفارة على غير سؤال عن أحوال سوى ما علم من حاله أنه ليس بمريض أو مسافر(٢٤)، فكان في ذلك دليل تأكيد الفرض، وفي ذلك إيجاب الكفارة ليعديه على الصيام -على حال لا يحتمل الإرخاص(٢٥)، إذ كانت(٢٦) تلك الليلة في الليالي، فلم يؤمروا(٢٧) بها من حيث كانوا يملكون إبقاء الرخصة لأنفسهم، لولا النوم، وفي ذلك أن فرض الصيام يعم المؤمنين.
ثم قال الله تعالى :( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) والشهر اسم للكل، ولو كان المراد [ راجعا إليه ](٢٨) لكان الصيام(٢٩) في غيره لأنه عند هجوم غيره يتم شهوده، ثم يتناقض(٣٠) لأنه قال :( فليصمه )، ومحال أن يصوم في غيره ابتداء، فرجع التأويل إلى أن من ( شهد منكم ) شيئا من شهر ( فليصمه ) ؛ فمن اعترض الجنون فيه فهو ممن قد تضمنه الخطاب، ويجوز في حالة الفرض أيضا، إذ لو شهد ليلة الصيام، فعزم على الصيام، يجوز له [ فرضه، فدخل ](٣١) في حق الخطاب، ثم اعترضه في سائر الليالي عذر منه النية لا عذر منع الصيام، فيقتضيه، إذ هو أصل(٣٢) الحكم : الآية التي ذكرنا والقيام(٣٣) بذلك الفرض على ما وصفنا، ففاته بفوت النية كمن كان فوت لعذر(٣٤) المرض والسفر والحيض ونحو ذلك بعد أن علم أنه ممن تضمنه الآية، فعليه قضاؤه.
وعلى ذلك في الصبي والكافر، لم يدخلا في معنى الآية، ولا كانا يحتملان في حال قضاء فرض الصيام، فالقضاء في غيره عن ذلك لا يعمل في حق الفرض، لذلك لم يلزم. وقد روي عن محمد-رحمه الله- على هذا أن من أدرك مجنونا، ثم أفاق في بعض الشهر، إنه لا يقضي ما مضى على ما ذكرت. وعن أبي حنيفة رضي الله عنه [ في هذا أنه يقضي ](٣٥) إن كان في أول الشهر بالغا لما أخبرت أن صيامه لم(٣٦) يجز لعدم النية، والكافر بنفسه، ومن فوته لعدم النية فهو داخل في حكم فرضه، فعليه القضاء، والله الموفق.
ومن جن الشهر كله لا يقضي بشرط الشهود، وهو لم يشهد شيئا منه مع إمكان الإسقاط بدليل آخر، وإن كان حق الخطاب قد اقتضاه على مثل المريض الذي لا يصح والمسافر الذي لا يقيم، والله الموفق.
وفي قوله :( أياما معدودة ) دلالة أن ابتداء في الآية في غير صوم الشهر، إذ صوم الشهر يحفظ بالأهلة لا بالأيام، لكن الله تعالى إذ علم الأمر الظاهر في الخلق أنهم يعدونه بالأيام، وإن كان لهم عن ذلك غنى. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال : " الشهر هكذا وهكذا وهكذا بأصابع يديه كلتيهما، وعقد إصبعا منها في آخر المرات " [ مسلم : ١٠٨٠ ]، وجاء عن غير واحد أنهم قالوا :( ما كنا نصوم على عهد رسول الله ﷺ تسعة وعشرين أكثر مما نصوم ثلاثين ) فجائز ذكر قوله :( أياما معدودة ) يعني يعدها(٣٧) الخلق، والله الموفق.
وقوله :( لعلكم تتقون ) ما حرم عليكم من أنواع اللذات بكف الأنفس عن الذي يدعو بها إلى الأغذية، أو ( تتقون ) نقمة الله في الآخرة ومخالفته في الفعل في الدنيا، وقد جعل الله، جل ثناؤه، عباداته أعوانا للمعتادين بها على الكف عن المعاصي والخلاف لله في الشهوات، فقال :( واستعينوا بالصبر والصلاة ) [البقرة: ٤٥]، وقال :( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) [العنكبوت: ٤٥]، وغير ذلك، والله الموفق.
والأصل أن العبادة تذكر أصحابها عظم أحوالهم في أوقات فيها من المقام يدي الجبار، وتطلعهم على الموعود لهم في المعاد، وهما أمران عظيمان :
أحدهما : في الزجر بما يعلم من عظم المقام واطلاع الواحد القهار عليه.
والثاني : في الترغيب بما يشعر قلبه من لذيذ الموعود ما يضمحل لديه كل لذة دونه، وتنقطع شهواته التي بينه وبين ما وعد، والله أعلم.
ثم بين عز وجل أنه(٢) لم تكن هذه الأمة بمخصوصة في الصيام، بل [ هي ](٣) أحق من فيهم استعمل العفو والصفح(٤) بما خصهم بأن جعلهم ( شهداء على الناس ) [آل عمران: ١١٠]، وأخبر أنه لم يجعل عليهم ( في الدين من حرج ) [الحج: ٧٨]، ولا ألزمهم العبادات الشاقة ( فضلا ) [ الأحزاب : ٤٧ و. . . ] منه عليهم وتخصيصا لهم إذ جعلهم ( شهداء على الناس ) [البقرة: ١٤٣]، فقال عز وجل ( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم ) لكن يحتمل وجهين : يحتمل العذر الذي كتب عليهم، ويحتمل الفرضية في الجملة لا عين ما فرض عليهم من حيث الإشارة إلى ذلك ؛ ولذلك اختلف في الكاف في قوله ( كما ) أنها زائدة وحقيقة. ثم اختلف في ماهية(٥) ذلك الصيام.
فمن الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم أجمعين، من جعله صوم عاشوراء، وأيام البيض، ثم استعملوا نسخ ذلك بصيام الشهر ؛ [ وقد روي مرفوعا " أن صوم شهر رمضان نسخ كل صيام كان " ](٦) [ الدارقطني : ٤٧٠٢ ]، وروي(٧) عن جماعة في أمر صوم عاشوراء : أنا كنا نصومه حتى نزل صوم الشهر، فلم يكن رسول الله ﷺ يأمرنا به، ولا ينهانا.
وأصل هذا أنه كان يصام، لو كان ابتداء الآية عليه بحق الفرض، فأبدل ذلك بصوم الشهر، فارتفع عنه الفرضية على ما إذا كان يخرج منه بالفداء [ لم يكن معه فرضية(٨) القضاء، وبقي الفضل فيه ؛ إذ النسخ ](٩) لم يكن من حيث نفس الصوم، إذ مثله من النسخ يكون بغير الصوم، ولا يصوم. فثبت أنه في نسخ الفرضية(١٠)، فبقي فيه حق الأدب والفضل، وتبين النسخ بالصوم (١١) إذ [ هو ](١٢) مثله، وأن ذلك غير صوم الشهر [ المذكور في صوم الشهر ](١٣) بقوله :( فمن كان منكم مريضا ) الآية، ولو كان الكل واحدا لكان الذكر في موضع منه كافيا عن الإعادة، فثبت أنه على تناسخ الصيام. وقد روى معاذ رضي الله عنه [ عن رسول الله ﷺ ](١٤) أنه قال : " أحيل الصيام ثلاثة أحوال " [ أحمد : ٥/٢٤٦ ]، وبين(١٥) الخبر على وجهه في ذلك. ويحتمل أن يكون المراد منه صوم الشهر، ويكون تكرار الذكر في الرخصة لمكان رفع الفداء أو لمكان ذكر حق الامتنان بالتيسير أو التحريض على حفظ العدد، والله الموفق.
وأي ذلك كان، فليس بنا حاجة إلى معرفة حقيقة ذلك ؛ لأن كيفية الابتداء لم نكلف، وإنما كلفنا ما أبقى فرضه، وهو صيام الشهر الذي لم يختلف في ذلك.
ثم قد خاطب، جل ثناؤه، بالصيام من قد آمن بقوله :( يا أيها الذين آمنوا ) فكان فيما خاطب وجهان :
أحدهما : أنه خاطب المؤمنين(١٦)، فعرف المخاطبون أن الاسم يأخذهم ؛ إذ لم يذكر عن أحد أنه ظن وخروجه من حكم من حيث لم يكن وفاء بما به يستحق الاسم، وكذلك سائر [ أفعال العبادات ](١٧). وهذا من أوضح ما يجب به العلم أن الإيمان ليس باسم لجميع القرب، بل تحقيقه يصير أفعال القرب قربا. وفيه : إذ لم يقل ( يا أيها الذين )، قلتم : نحن مؤمنون به ﷺ دلالة ظاهرة على هجر هذا القول، وأنه من تلقين الشيطان ليبطل عليهم عقدهم كما يبطل كل عقد يستعمله فيه صاحبه مما أراد إلزامه العقد، والله أعلم.
والثاني : أن الله تعالى خص بالعبادات المؤمنين، وأنهن، لا يلزمن غيرهم، فيها الاعتقاد لا الأفعال التي هي تقوم بالاعتقاد. وليس الاعتقاد بواجب لمكان تلك الأفعال حتى تكون كالأسباب التي توجب بإيجاب أفعال بها تقوم، بل له أوجب غيره. ألا ترى أنه لا يجوز أن يرتفع ذلك عن الخلائق بحال من الأحوال في الدنيا والآخرة مع ارتفاع غير ذلك من العبادات ؟ ثبت أن الأمر بذلك بحيث نفسه لا لغيره، ثم لا قيام لغيره مع عدمه ؛ ثبت أن المعنى الذي به يصير المرء أهلا لاحتمال فعل العبادات. لذلك لا يجوز الأمر بشيء منها دون ذلك. وله وجهان يحتملان(١٨) الأمر أيضا :
أحدهما : العقل ؛ أنه من البعيد أن يكون من لم [ يقر بالعبودة ](١٩)، ولا أقر بالرسالة، يؤمر بالعبادة وباتباع الرسول بحق الرسالة، بل يقول : ألزمونا الأول حتى يكون الثاني ؛ وهو كما حال الناس المناظرة في الرسل مع منكري الصانع والمرسل، فمثله الأول، بل تجب كل قربة به، إذ لا يكون إلا به، والله أعلم.
والثاني : القول : بأن من أسلم بعد أوقات العبادات لا يلزمه القضاء، ثم لذلك وجهان من المعتبر :
أحدهما : أنهم(٢٠) إذا لم يدخلوا في خطاب القضاء بما ليس معهم في الحال ما يحتمل معه القضاء، فكذلك خطاب الابتداء ؛ إذ هو الذي به لزم القضاء في الإسلام، والله أعلم.
والثاني : أنه لا يلزم القضاء بعد الإسلام، ولا يجوز الابتداء في حاله، فكان ذا تكليفا(٢١)، لم يجعل الله للمكلف وجه القيام، وقد تبرأ الله من هذا الوجه من التكليف /٢٧-ب/ بقوله عز وجل :( لا يكلف الله نفسا إلا وسعها ) [البقرة: ٢٨٦] مع ما بين الله تعالى بقوله :( فأمتعه قليلا ثم اضطره إلى عذاب النار ) [البقرة: ١٢٦] أن ما للكافر [ التمتع في الدنيا لا العبادات ](٢٢) في ذلك، والله الموفق.
فثبت بالآية التي ذكرنا دخول جميع المؤمنين في الخطاب ؛ إذ بين الرخصة للذي(٢٣) له العدو في الإفطار على وجوب القضاء، فإذن يحتمل خروج من له العذر في الفطر عن أن يتضمنه الخطاب وجه ألزم القضاء. ثبت أن من لا عذر له داخل فيه، ولا يسعه الفطر. وعلى هذا جاء ممن ابتلي بالجماع نهارا أنه ﷺ أكد عليه الأمر، وألزمه الكفارة على غير سؤال عن أحوال سوى ما علم من حاله أنه ليس بمريض أو مسافر(٢٤)، فكان في ذلك دليل تأكيد الفرض، وفي ذلك إيجاب الكفارة ليعديه على الصيام -على حال لا يحتمل الإرخاص(٢٥)، إذ كانت(٢٦) تلك الليلة في الليالي، فلم يؤمروا(٢٧) بها من حيث كانوا يملكون إبقاء الرخصة لأنفسهم، لولا النوم، وفي ذلك أن فرض الصيام يعم المؤمنين.
ثم قال الله تعالى :( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) والشهر اسم للكل، ولو كان المراد [ راجعا إليه ](٢٨) لكان الصيام(٢٩) في غيره لأنه عند هجوم غيره يتم شهوده، ثم يتناقض(٣٠) لأنه قال :( فليصمه )، ومحال أن يصوم في غيره ابتداء، فرجع التأويل إلى أن من ( شهد منكم ) شيئا من شهر ( فليصمه ) ؛ فمن اعترض الجنون فيه فهو ممن قد تضمنه الخطاب، ويجوز في حالة الفرض أيضا، إذ لو شهد ليلة الصيام، فعزم على الصيام، يجوز له [ فرضه، فدخل ](٣١) في حق الخطاب، ثم اعترضه في سائر الليالي عذر منه النية لا عذر منع الصيام، فيقتضيه، إذ هو أصل(٣٢) الحكم : الآية التي ذكرنا والقيام(٣٣) بذلك الفرض على ما وصفنا، ففاته بفوت النية كمن كان فوت لعذر(٣٤) المرض والسفر والحيض ونحو ذلك بعد أن علم أنه ممن تضمنه الآية، فعليه قضاؤه.
وعلى ذلك في الصبي والكافر، لم يدخلا في معنى الآية، ولا كانا يحتملان في حال قضاء فرض الصيام، فالقضاء في غيره عن ذلك لا يعمل في حق الفرض، لذلك لم يلزم. وقد روي عن محمد-رحمه الله- على هذا أن من أدرك مجنونا، ثم أفاق في بعض الشهر، إنه لا يقضي ما مضى على ما ذكرت. وعن أبي حنيفة رضي الله عنه [ في هذا أنه يقضي ](٣٥) إن كان في أول الشهر بالغا لما أخبرت أن صيامه لم(٣٦) يجز لعدم النية، والكافر بنفسه، ومن فوته لعدم النية فهو داخل في حكم فرضه، فعليه القضاء، والله الموفق.
ومن جن الشهر كله لا يقضي بشرط الشهود، وهو لم يشهد شيئا منه مع إمكان الإسقاط بدليل آخر، وإن كان حق الخطاب قد اقتضاه على مثل المريض الذي لا يصح والمسافر الذي لا يقيم، والله الموفق.
وفي قوله :( أياما معدودة ) دلالة أن ابتداء في الآية في غير صوم الشهر، إذ صوم الشهر يحفظ بالأهلة لا بالأيام، لكن الله تعالى إذ علم الأمر الظاهر في الخلق أنهم يعدونه بالأيام، وإن كان لهم عن ذلك غنى. وقد روي عن رسول الله ﷺ أنه قال : " الشهر هكذا وهكذا وهكذا بأصابع يديه كلتيهما، وعقد إصبعا منها في آخر المرات " [ مسلم : ١٠٨٠ ]، وجاء عن غير واحد أنهم قالوا :( ما كنا نصوم على عهد رسول الله ﷺ تسعة وعشرين أكثر مما نصوم ثلاثين ) فجائز ذكر قوله :( أياما معدودة ) يعني يعدها(٣٧) الخلق، والله الموفق.
وقوله :( لعلكم تتقون ) ما حرم عليكم من أنواع اللذات بكف الأنفس عن الذي يدعو بها إلى الأغذية، أو ( تتقون ) نقمة الله في الآخرة ومخالفته في الفعل في الدنيا، وقد جعل الله، جل ثناؤه، عباداته أعوانا للمعتادين بها على الكف عن المعاصي والخلاف لله في الشهوات، فقال :( واستعينوا بالصبر والصلاة ) [البقرة: ٤٥]، وقال :( إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ) [العنكبوت: ٤٥]، وغير ذلك، والله الموفق.
والأصل أن العبادة تذكر أصحابها عظم أحوالهم في أوقات فيها من المقام يدي الجبار، وتطلعهم على الموعود لهم في المعاد، وهما أمران عظيمان :
أحدهما : في الزجر بما يعلم من عظم المقام واطلاع الواحد القهار عليه.
والثاني : في الترغيب بما يشعر قلبه من لذيذ الموعود ما يضمحل لديه كل لذة دونه، وتنقطع شهواته التي بينه وبين ما وعد، والله أعلم.
١ - من ط ع، في الأصل: وإلا، في م: والأمن..
٢ - من م، في الأصل و ط ع: أن..
٣ - من ط ع..
٤ - في و ط ع: أو لصفح..
٥ - في م والأصل: مائية، في ط ع: م يأتيه.
٦ - من م و ط ع، ساقطة من الأصل..
٧ - من ط ع و م، في الأصل: وقد روي..
٨ - من م، في الأصل: فريضة..
٩ - من الأصل و م، ساقطة من ط ع..
١٠ من م و ط ع، في الأصل: فريضة..
١١ - في النسخ الثلاث: الصوم..
١٢ - ساقطة من النسخ الثلاث..
١٣ -في ط ع و م: الذكر في صوم الشهر، ساقطة من الأصل..
١٤ - ساقطة من النسخ الثلاث..
١٥ - سيدرج هذا الحديث عن أنس في تفسير الآية ١٨٥ ص ١٣٦..
١٦ - في النسخ الثلاث: من المؤمنين..
١٧ - في النسخ الثلاث: عبادات الأفعال..
١٨ - في النسخ الثلاث: يحيلان..
١٩ - في النسخ الثلاث: يقل العبودة.
٢٠ - في ط ع: بأنهم.
٢١ - في النسخ الثلاث: تكليف..
٢٢ - من م، في الأصل: التمتع في الدنيا للعبادات، في ط ع: للتمتع في الدنيا لا للعبادات..
٢٣ - في النسخ الثلاث: الذي..
٢٤ -في ط ع: مسافرا.
٢٥ - في ط ع: الأوخاص..
٢٦ - في النسخ الثلاث: كان..
٢٧ -في النسخ الثلاث: يأمروا..
٢٨ -في م: إليه راجعا..
٢٩ - في الأصل: القيام..
٣٠ -في النسخ الثلاث: يتناقض..
٣١ - في ط ع: فرصة تدخل..
٣٢ -في النسخ الثلاث: أهل..
٣٣ - من ط ع، في الأصل و م: وللقيام..
٣٤ - في الأصل: للعذر..
٣٥ - من م، في الأصل: هذا أنه يقضي، ساقطة من ط ع..
٣٦ - ساقطة من ط ع..
٣٧ - ساقطة من ط ع..
٢ - من م، في الأصل و ط ع: أن..
٣ - من ط ع..
٤ - في و ط ع: أو لصفح..
٥ - في م والأصل: مائية، في ط ع: م يأتيه.
٦ - من م و ط ع، ساقطة من الأصل..
٧ - من ط ع و م، في الأصل: وقد روي..
٨ - من م، في الأصل: فريضة..
٩ - من الأصل و م، ساقطة من ط ع..
١٠ من م و ط ع، في الأصل: فريضة..
١١ - في النسخ الثلاث: الصوم..
١٢ - ساقطة من النسخ الثلاث..
١٣ -في ط ع و م: الذكر في صوم الشهر، ساقطة من الأصل..
١٤ - ساقطة من النسخ الثلاث..
١٥ - سيدرج هذا الحديث عن أنس في تفسير الآية ١٨٥ ص ١٣٦..
١٦ - في النسخ الثلاث: من المؤمنين..
١٧ - في النسخ الثلاث: عبادات الأفعال..
١٨ - في النسخ الثلاث: يحيلان..
١٩ - في النسخ الثلاث: يقل العبودة.
٢٠ - في ط ع: بأنهم.
٢١ - في النسخ الثلاث: تكليف..
٢٢ - من م، في الأصل: التمتع في الدنيا للعبادات، في ط ع: للتمتع في الدنيا لا للعبادات..
٢٣ - في النسخ الثلاث: الذي..
٢٤ -في ط ع: مسافرا.
٢٥ - في ط ع: الأوخاص..
٢٦ - في النسخ الثلاث: كان..
٢٧ -في النسخ الثلاث: يأمروا..
٢٨ -في م: إليه راجعا..
٢٩ - في الأصل: القيام..
٣٠ -في النسخ الثلاث: يتناقض..
٣١ - في ط ع: فرصة تدخل..
٣٢ -في النسخ الثلاث: أهل..
٣٣ - من ط ع، في الأصل و م: وللقيام..
٣٤ - في الأصل: للعذر..
٣٥ - من م، في الأصل: هذا أنه يقضي، ساقطة من ط ع..
٣٦ - ساقطة من ط ع..
٣٧ - ساقطة من ط ع..