لباب التأويل في معاني التنزيل — الخازن
عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿يا أيها الذين آمنوا كتب﴾ أي فرض ﴿عليكم الصيام﴾. والصوم في اللغة : الإمساك. يقال صام النهار إذا اعتدل وقام قائم الظهيرة، ومنه قوله تعالى :﴿إني نذرت للرحمن صوماً﴾ أي صمتاً لأنه إمساك عن الكلام، والصوم في الشرع : عبارة عن الإمساك عن الأكل والشرب والجماع في وقت مخصوص، وهو من طلوع الفجر إلى غروب الشمس مع النية. ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ يعني من الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم، والمعنى : أن الصوم عبادة قديمة أي في الزمن الأول، ما أخلى الله أمة لم يفرضه عليهم كما فرضه عليكم، وذلك لأن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عم سهل عمله. وقيل إن صيام شهر رمضان كان واجباً على النصارى كما فرض علينا فصاموا رمضان زماناً، فربما وقع في الحر الشديد والبرد الشديد، وكان يشق ذلك عليهم في أسفارهم ويضرهم في معايشهم، فاجتمع رأي علمائهم ورؤسائهم أن يجعلوه في فصل من السنة معتدل بين الصيف والشتاء، فجعلوه في فصل الربيع. ثم زادوا فيه عشرة أيام كفارة لما صنعوا فصاموا أربعين يوماً، ثم بعد زمان اشتكى ملكهم فمه فجعل لله عليه إن هو برأ من وجعه أن يزيد في صومهم أسبوعاً فبرأ فزاد فيه أسبوعاً، ثم مات ذلك الملك بعد زمان ووليهم ملك آخر فقال : ما شأن هذه الثلاثة أيام أتموه خمسين يوماً فأتموه. وقيل أصابهم موتان فقالوا : زيدوا في صيامكم فزادوا عشراً قبله وعشراً بعده. وقيل : إن النصارى فرض الله عليهم صوم رمضان فصاموا قبله يوماً وبعده يوماً ثم لم يزالوا يزيدونه يوماً بعد يوم حتى بلغ خمسين، ، فلذلك نهى عن صوم يوم الشك ﴿لعلكم تتقون﴾ يعني ما حرم عليكم في صيامكم، لأن الصوم وصلة إلى التقوى لما فيه من كسر النفس وترك الشهوات من الأكل والجماع وغيرهما. وقيل : معناه لعلكم تتقون ما فعله النصارى من تغيير الصوم، وقيل : لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين لأن الصوم من شعارهم.