النكت والعيون — الماوردي
عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ﴾ بمعنى فرض عليكم الصيام، والصيام من كل شيء الإمساك عنه، ومن قوله تعالى :﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً﴾ أي صمتاً، لأنه إمساك عن الكلام، وذم أعرابي قوماً فقال : يصومون عن المعروف ويقضون على الفواحش، وأصله مأخوذ من صيام الخيل، وهو إمساكها عن السير والعلف، قال النابغة الذبياني :
ولذلك قيل لقائم الظهيرة : قد صام النهار، لإبطاء الشمس فيه عن السير، فصارت بالإبطاء كالممسكة عنه، قال الشاعر :
إلا أن الصيام في الشرع : إنما هو إمساك عن محظورات الصيام في زمانه، فجعل الصيام من أوكد عباداته وألزم فروضه، حتى روي عن النبي ﷺ أنه قال :" يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ : كُلُّ عَمَلِ ابنِ آدَمَ لَهُ إِلاَّ الصَّومَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ، وَلَخَلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِندَ اللهِ مَن رِيحِ المِسْكَ " (٢).
وإنما اختص الصوم بأنه له، وإن كان كل العبادات له، لأمرين بَايَنَ الصومُ بِهِمَا سائِرَ الْعِبَادَاتِ :
أحدهما : أن الصوم منع من مَلاَذِّ النفس وشهواتها، ما لا يمنع منه سائر العبادات.
والثاني : أن الصوم سر بين العبد وربه لا يظهر إلا له، فلذلك صار مختصاً به، وما سواه من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنّعاً ورياء، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره.
ثم قال تعالى :﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم النصارى، وهو قول الشعبي والربيع وأسباط.
والثاني : أنهم أهل الكتاب، وهو قول مجاهد.
والثالث : أنهم جميع الناس، وهو قول قتادة.
واختلفوا في موضع التشبيه بين صومنا، وصوم الذين من قبلنا، على قولين :
أحدهما : أن التشبيه في حكم الصوم وصفته، لا في عدده لأن اليهود يصومون من العتمة إلى العتمة، ولا يأكلون بعد النوم شيئاً، وكان المسلمون على ذلك في أول الإسلام، لا يأكلون بعد النوم شيئاً حتى كان من شأن عمر بن الخطاب وأبي قيس بن صرمة ما كان، فأجلّ الله تعالى لهم الأكل والشرب، وهذا قول الربيع بن أنس، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال :" بَيْنَ صَومِنَا وَصَومِ أهلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ ".
والقول الثاني : أن التشبيه في عدد الصوم، وفيه قولان :
أحدهما : أن النصارى كان الله فرض عليهم صيام ثلاثين يوماً كما فرض علينا، فكان ربما وقع في القيظ، فجعلوه في الفصل بين الشتاء والصيف، ثم كفّروه بصوم عشرين يوماً زائدة، ليكون تمحيصاً لذنوبهم وتكفيراً لتبديلهم، وهذا قول الشعبي.
والثاني : أنهم اليهود كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل يوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، فكان على ذلك سبعة عشر شهراً إلى أن نسخ بصوم رمضان، قال ابن عباس : كان أول ما نسخ شأن القبلة والصيام الأول.
وفي قوله تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قولان :
أحدهما : لعلكم تتقون ما حرم عليكم في الصيام، من أكل الطعام، وشرب الشراب، ووطء النساء، وهو قول أبي جعفر الطبري.
والثاني : معناه أن الصوم سبب يؤول بصاحبه إلى تقوى الله، لما فيه من قهر النفس، وكسر الشهوة، وإذهاب الأشر، وهو معنى قول الزجاج.
| خيلٌ صيامٌ وخيلٌ غيرُ صائمةٍ | تحت العجاج وأخرى تعلك اللُّجما |
| فدعها وسَلِّ الهمَّ عنك بجَسْرةٍ | ذمولٍ إذا صام النهار وهجّرا(١) |
وإنما اختص الصوم بأنه له، وإن كان كل العبادات له، لأمرين بَايَنَ الصومُ بِهِمَا سائِرَ الْعِبَادَاتِ :
أحدهما : أن الصوم منع من مَلاَذِّ النفس وشهواتها، ما لا يمنع منه سائر العبادات.
والثاني : أن الصوم سر بين العبد وربه لا يظهر إلا له، فلذلك صار مختصاً به، وما سواه من العبادات ظاهر، ربما فعله تصنّعاً ورياء، فلهذا صار أخص بالصوم من غيره.
ثم قال تعالى :﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ وفيه ثلاثة أقاويل :
أحدها : أنهم النصارى، وهو قول الشعبي والربيع وأسباط.
والثاني : أنهم أهل الكتاب، وهو قول مجاهد.
والثالث : أنهم جميع الناس، وهو قول قتادة.
واختلفوا في موضع التشبيه بين صومنا، وصوم الذين من قبلنا، على قولين :
أحدهما : أن التشبيه في حكم الصوم وصفته، لا في عدده لأن اليهود يصومون من العتمة إلى العتمة، ولا يأكلون بعد النوم شيئاً، وكان المسلمون على ذلك في أول الإسلام، لا يأكلون بعد النوم شيئاً حتى كان من شأن عمر بن الخطاب وأبي قيس بن صرمة ما كان، فأجلّ الله تعالى لهم الأكل والشرب، وهذا قول الربيع بن أنس، وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال :" بَيْنَ صَومِنَا وَصَومِ أهلِ الْكِتَابِ أَكْلَةُ السَّحَرِ ".
والقول الثاني : أن التشبيه في عدد الصوم، وفيه قولان :
أحدهما : أن النصارى كان الله فرض عليهم صيام ثلاثين يوماً كما فرض علينا، فكان ربما وقع في القيظ، فجعلوه في الفصل بين الشتاء والصيف، ثم كفّروه بصوم عشرين يوماً زائدة، ليكون تمحيصاً لذنوبهم وتكفيراً لتبديلهم، وهذا قول الشعبي.
والثاني : أنهم اليهود كان عليهم صيام ثلاثة أيام من كل يوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر، فكان على ذلك سبعة عشر شهراً إلى أن نسخ بصوم رمضان، قال ابن عباس : كان أول ما نسخ شأن القبلة والصيام الأول.
وفي قوله تعالى :﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ قولان :
أحدهما : لعلكم تتقون ما حرم عليكم في الصيام، من أكل الطعام، وشرب الشراب، ووطء النساء، وهو قول أبي جعفر الطبري.
والثاني : معناه أن الصوم سبب يؤول بصاحبه إلى تقوى الله، لما فيه من قهر النفس، وكسر الشهوة، وإذهاب الأشر، وهو معنى قول الزجاج.
١ - البيت لامرئ القيس وقبله:
سما بك شوق بعدما كان أقصرا وصلت سليمى بطن ظبي فعرعرا
فالضمير في قوله: فدعها يعود على سليمى التي نزلت بهذين المكانين والجسرة.
الذمول: الناقة تسير سيرا لينا..
٢ - البخاري وأصحاب السنن وأحمد في مسنده ١/ ٤٦..
سما بك شوق بعدما كان أقصرا وصلت سليمى بطن ظبي فعرعرا
فالضمير في قوله: فدعها يعود على سليمى التي نزلت بهذين المكانين والجسرة.
الذمول: الناقة تسير سيرا لينا..
٢ - البخاري وأصحاب السنن وأحمد في مسنده ١/ ٤٦..