تفسير القرآن الكريم — ابن عثيمين

عن الكتاب
{ ) وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) ( البقرة : ١٨٦ )
التفسير :
قوله تعالى :﴿وإذا سألك﴾ ؛ الخطاب للنبي ( ص ) ؛ والمراد بقوله تعالى :﴿عبادي﴾ : المؤمنون ؛ وقوله تعالى :﴿عني﴾ أي عن قربي، وإجابتي بدليل الجواب : وهو قوله تعالى :﴿فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾.
قوله تعالى :﴿فإني قريب﴾ : بعضهم قال : إنه على تقدير «قل » أي إذا سألك عبادي عني فقل : إني قريب ؛ فيكون جواب ﴿إذا﴾ محذوفاً ؛ و ﴿إني قريب﴾ مقول القول المحذوف ؛ ويحتمل أن يكون الجواب جملة :﴿فإني قريب﴾ لوضوح المعنى بدون تقدير ؛ والضمير في قوله تعالى :﴿فإني قريب﴾ يعود إلى الله.
قوله تعالى :﴿فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾ ؛ ﴿قريب﴾ خبر «إن » ؛ و ﴿أجيب﴾ خبر ثان ل «إن » ؛ فيكون خبرها الأول مفرداً ؛ وخبرها الثاني جملة ؛ و «الدعاء » بمعنى الطلب ؛ و ﴿الداعِ﴾ أصلها «الداعي » بالياء، ك«القاضي » و«الهادي » ؛ لكن حذفت الياء للتخفيف نظيرها قوله تعالى :﴿الكبير المتعال﴾ ؛ وأصلها :«المتعالي » ؛ فإن قيل : ما فائدة قوله تعالى :﴿إذا دعان﴾ بعد قوله تعالى :﴿الداع﴾ - لأنه لا يوصف بأنه داع إلا إذا دعا ؟ فالجواب أن المراد بقوله تعالى :﴿إذا دعان﴾ أي إذا صدق في دعائه إياي بأن شُعر بأنه في حاجة إلى الله، وأن الله قادر على إجابته، وأخلص الدعاء لله بحيث لا يتعلق قلبه بغيره.
وقوله تعالى :﴿دعان﴾ أصلها دعاني - بالياء، فحذفت الياء تخفيفاً.
قوله تعالى :﴿فليستجيبوا لي﴾ أي فليجيبوا لي ؛ لأن «استجاب » بمعنى أجاب، كما قال الله تعالى :﴿فاستجاب لهم ربهم﴾ [آل عمران: ١٩٥] أي أجاب، وكما قال الله تعالى :﴿والذين استجابوا لربهم﴾ [الشورى: ٣٨].
وقوله تعالى :﴿فليستجيبوا﴾ عدَّاها باللام ؛ لأنه ضمن معنى الانقياد - أي فلينقادوا لي ؛ وإلا لكانت «أجاب » تتعدى بنفسها ؛ نظيرها قوله ( ص ) في حديث معاذ رضي الله عنه :«فإن هم أجابوا لك بذلك »(١) ؛ فضَمَّن الإجابة معنى الانقياد.
قوله تعالى :﴿وليؤمنوا بي﴾ أي وليؤمنوا بأني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ؛ واللام في الفعلين :﴿فليستجيبوا﴾ ؛ و ﴿ليؤمنوا﴾ لام الأمر ؛ ولهذا سكنت بعد حرف العطف.
قوله تعالى :﴿لعلهم يرشدون﴾ ؛ «لعل » للتعليل ؛ وكلما جاءت «لعل » في كتاب الله فإنها للتعليل ؛ إذ إن الترجي لا يكون إلا فيمن احتاج، ويؤمل كشف ما نزل به عن قرب ؛ أما الرب عز وجل فإنه يستحيل في حقه هذا.
و «الرشد » يطلق على معانٍ ؛ منها : حُسن التصرف، كما في قوله تعالى :﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم﴾ [النساء: ٦] ؛ ولا شك أن من آمن بالله، واستجاب له فإنه أحسن الناس تصرفاً، ويوفّق، ويُهدى، وتُيسر له الأمور، كما قال تعالى :﴿ومن يتق الله يجعل له من أمره يسراً﴾ [الطلاق: ٤]، وقال تعالى :﴿فأما من أعطى واتقى * وصدق بالحسنى * فسنيسره لليسرى﴾ [ الليل : ٥ ٧ ].
الفوائد :
١ من فوائد الآية : أن الصيام مظنة إجابة الدعاء ؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر هذه الآية في أثناء آيات الصيام ؛ ولا سيما أنه ذكرها في آخر الكلام على آيات الصيام.
وقال بعض أهل العلم : يستفاد منها فائدة أخرى : أنه ينبغي الدعاء في آخر يوم الصيام أي عند الإفطار.
٢ ومنها : رأفة الله عز وجل ؛ لقوله تعالى :﴿وإذا سألك عبادي﴾، حيث أضافهم إلى نفسه تشريفاً، وتعطفاً عليهم.
٣ ومنها : إثبات قرب الله سبحانه وتعالى ؛ والمراد قرب نفسه ؛ لأن الضمائر في هذه الآية كلها ترجع إلى الله ؛ وعليه فلا يصح أن يحمل القرب فيها على قرب رحمته، أو ملائكته ؛ لأنه خلاف ظاهر اللفظ، ويقتضي تشتيت الضمائر بدون دليل ؛ ثم قرب الله عز وجل هل هو خاص بمن يعبده، أو يدعوه ؛ أو هو عام ؟ على قولين ؛ والراجح أنه خاص بمن يعبده، أو يدعوه ؛ لأنه لم يَرد وصف الله به على وجه مطلق ؛ وليس كالمعية التي تنقسم إلى عامة، وخاصة.
فإن قال قائل : ما الجواب عن قوله تعالى :﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه ونحن أقرب إليه من حبل الوريد * إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ ق~ : ١٦، ١٧ ] وهذا عام ؟ فالجواب أن المراد بالقرب في هذا الآية قرب ملائكته بدليل قوله تعالى :﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾ [ ق~ : ١٧ ]، ومثلها قوله تعالى :﴿فلولا إذا بلغت الحلقوم * وأنتم حينئذ تنظرون * ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون﴾ [ الواقعة : ٨٣ ٨٥ ] : فإن المراد بها قرب الملائكة الذين يقبضون الروح.
فإن قال قائل : كيف الجمع بين قربه جل وعلا وعلوه ؟
فالجواب : أن الله أثبت ذلك لنفسه أعني القرب، والعلو ؛ ولا يمكن أن يجمع الله لنفسه بين صفتين متناقضتين ؛ ولأن الله ليس كمثله شيء في جميع صفاته ؛ فهو قريب في علوه عليٌّ في دنوه.
٤ - ومن فوائد الآية : إثبات سمع الله ؛ لقوله تعالى :﴿أجيب﴾ ؛ لأنه لا يجاب إلا بعد أن يُسمعَ ما دعا به.
٥ - ومنها : إثبات قدرة الله ؛ لأن إجابة الداعي تحتاج إلى قدرة.
٦ - ومنها : إثبات كرم الله ؛ لقوله تعالى :﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾.
٧ - ومنها : أن من شرط إجابة الدعاء أن يكون الداعي صادق الدعوة في دعوة الله عز وجل، بحيث يكون مخلصاً مشعراً نفسه بالافتقار إلى ربه، ومشعراً نفسه بكرم الله، وجوده ؛ لقوله تعالى :﴿إذا دعان﴾.
٨ - ومنها : أن الله تعالى يجيب دعوة الداع إذا دعاه ؛ ولا يلزم من ذلك أن يجيب مسألته ؛ لأنه تعالى قد يؤخر إجابة المسألة ليزداد الداعي تضرعاً إلى الله، وإلحاحاً في الدعاء ؛ فيقوى بذلك إيمانه، ويزداد ثوابه ؛ أو يدخره له يوم القيامة ؛ أو يدفع عنه من السوء ما هو أعظم فائدة للداعي ؛ وهذا هو السر - والله أعلم - في قوله تعالى :﴿أجيب دعوة الداع﴾.
٩ - ومنها : أن الإنابة إلى الله عز وجل، والقيام بطاعته سبب للرشد ؛ لقوله تعالى :﴿فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون﴾.
١٠- ومنها : أن الاستجابة لا بد أن يصحبها إيمان ؛ لأن الله قرن بينهما ؛ فمن تعبد لله سبحانه وتعالى وهو ضعيف الإيمان بأن يكون عنده تردد - والعياذ بالله - أو شك فإنه لا ينفعه ؛ أو يكون عنده إنكار، كما يفعل المنافقون : فإنهم يتعبدون إلى الله عز وجل ظاهراً ؛ لكنهم ليس عندهم إيمان ؛ فلا ينفعهم.
١١ ومنها : إثبات الأسباب، والعلل ؛ ففيه رد على الجهمية، وعلى الأشاعرة ؛ لأنهم لا يثبتون الأسباب إلا إثباتاً صورياً، حيث يقولون : إن الأسباب لا تؤثر بنفسها لكن يكون الفعل عندها.
١ سبق تخريجه ١/١٤٨..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى