غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري
عن الكتاب
القراءات :﴿فديةٌ طعام﴾ مضافاً ﴿مساكين﴾ بالجمع : أبو جعفر ونافع وابن ذكوان. وروى الحلواني والداري عن هشام والنجاري ﴿فديةٌ﴾ بالتنوين ﴿طعام﴾ بالرفع مضافاً إلى مساكين بالجمع. الباقون : مثل هذا إلا أن ﴿مسكين﴾ مفرد مجرور ﴿فمن تطوع﴾ بتشديد الطاء والواو وبياء الغيبة وجزم العين : حمزة وعلي وخلف. الباقون : بلفظ الماضي من باب التفعل ﴿القرآن﴾ غير مهموز حيث كان : ابن كثير وعباس وحمزة في الوقف فإذا كان بمعنى القراءة فإن عباساً فيه مخير إن شاء همز وإن شاء لم يهمز كقوله تعالى ﴿وقرآن الفجر أن قرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨] ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾
[طه: ١١٤] ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٨] الباقون بالهمز ﴿اليسر والعسر﴾ حيث كانا مثقلين : يزيد إلا قوله ﴿فالجاريات يسرا﴾
[الذاريات: ٣] ﴿ولتكملوا العدة﴾ من التكميل : أبو بكر وحماد وعباس ورويس. والباقون : من الإكمال. ﴿الداعي إذا دعاني﴾ بالياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل. وافق أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو بالياء في الوصل. والباقون بغير ياء فيها في الحالين ﴿في لعلهم﴾ بفتح الياء : ورش. الباقون : بالسكون.
الوقوف :﴿تتقون﴾ لا لأن " أياماً " ظرف " الصيام " أو الاتقاء ﴿معدودات﴾ ط لأن المرض والسفر عارضان فكانا خارجين عن أصل الوضع ﴿أخر﴾ ط لأن خبر الجار منتظر وهو " فدية " فلا تعلق له بما قبله ﴿مسكين﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب الأصل ﴿خير له﴾ ط لأن التقدير والصوم خيرٌ لكم. ﴿تعلمون﴾ ه ﴿والفرقان﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿فليصمه﴾ ط للابتداء بشرط آخر ﴿أخر﴾ ط ﴿العسر﴾ ز قد يجوز ﴿تشكرون﴾ ه ﴿قريب﴾ ط لأن قوله " أجيب " مستأنف ﴿دعان﴾ ص للفاء ﴿يرشدون﴾ ه ﴿لهن﴾ ط ﴿عنكم﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿لكم﴾ ص لذلك ﴿إلى الليل﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لأن حكم الصوم والاعتكاف مختلفان ولكل واحد شأن ﴿في المساجد﴾ ط لأن " تلك " مبتدأ ﴿فلا تقربوها﴾ ط لأن كذلك صفة مصدر محذوف أي يبين الله بياناً كبيان ما تقدم ﴿يتقون﴾ ه.
قوله سبحانه ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾ وجه اتصاله بما قبله هو أنه لما أمر العباد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر نبههم على أنه مطلع على ذكرهم وشكرهم فيسمع نداءهم ويجيب دعاءهم ولا يخيب رجاءهم، أو أنه أمرهم بالثناء ثم رغبهم في الدعاء تعليماً للمسألة وتنبيهاً على حسن الطلب، وسبب نزوله ما روي أن أعرابياً قال لرسول الله ﷺ : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ وقيل : كان في غزاة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء فقال ﷺ :" إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً ". وعن قتادة أن الصحابة قالوا : يا نبي الله كيف ندعو ربنا فنزلت. وعن عطاء أنهم سألوا في أي ساعة ندعو فنزلت. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهود أهل المدينة قالوا : يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا ؟ فنزلت. وعن الحسن : سألت الصحابة فقالوا أين ربنا فنزلت. وقيل : فرض عليهم الصيام كما كتب على الذين من قبلهم أي إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا ربهم في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي ﷺ عن توبتهم فنزلت مبشرة بقبول توبتهم. ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم، وبهذا الوجه تصير الآية مناسبة لما قبلها ولما بعدها. ثم إن سؤالهم النبي ﷺ عن الله إما أن يكون عن ذاته بأن يكون السائل ممن يجوّز التشبيه فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات، وإما أن يكون عن صفاته بأنه هل يسمع دعاءنا، أو عن أفعاله بأنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا، أو كيف أذن في الدعاء وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة، وهل أذن أن ندعوه كيف شئنا، أو ما أذن إلا بأن ندعوه على وجه معين كما قال تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ [الإسراء: ١١٠] وكل هذه الوجوه محتملة لأن قوله ﴿فإني قريب﴾ يدل على أن السؤال كان عن الذات وقوله ﴿أجيب دعوة الداع﴾ دليل على أن السؤال عن الصفة لأن الإجابة بعد السماع وإطلاق قوله ﴿إذا دعان﴾ يرشد إلى الإذن في الدعاء على أي نحو أراد ما لم يتجاوز قانون الأدب عرفاً كقوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠] قال العلماء : ليس القرب ههنا بالمكان، لأنه لو كان في المكان كان مشاراً إليه بالحس ومنقسماً إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد. وكل منقسم مفتقر في تحققه إلى أجزائه. وكل مفتقر ممكن. وأيضاً لو كان في المكان، فإما أن يكون غير متناه من جميع الجوانب وهو محال فإن كل بعد متناه ببرهان تناهي الأبعاد أو من جانب واحد فكذلك مع أن كونه بحيث يقتضي جانب منه عدم التناهي، وجانب منه التناهي يوجب كونه مركباً من أجزاء مختلفة الطبائع، أو يكون متناهياً من جميع الجوانب وهو باطل بالاتفاق. وأيضاً هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب ليس بالجهة لأنه لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل بل لو كان قريباً من حملة العرش يكون بعيداً عن غيرهم، ولو كان قريباً من المشرقي كان بعيداً عن المغربي. قالوا : فثبت أن المراد بالقرب قربه بالتدبير والحفظ والكلاءة. قال في الكشاف : هو تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه. فإذا دعى أسرعت تلبيته ونحوه
﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦] وقوله ﷺ " هو بينكم وبين أعناق رواحلكم " وقد أشار بعض المحققين إلى أن اتصاف ماهيات الممكنات بوجودها لما كان بإيجاد الصانع فهو كالمتوسط بين ماهياتها ووجوداتها، فيكون أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها بل ماهية كل شيء إنما صارت هي هي بجعل الصانع حتى ماهية الوجود فبه صار الجوهر جوهراً والسواد سواداً والعقل عقلاً والنفس نفساً. فالصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهيات إلى نفسها ( قلت ) استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إلى المكان. ولئن سلم أن كل مفتقر إلى المكان ينقسم، فانقسام كل مستصحب للمكان ممنوع، وبراهين تناهي الأبعاد مختلة زيفناها في مواضعها. فلا ذرة من ذرات العالم إلا ونور الأنوار محيط بها قاهر عليها قريب منها، أقرب من وجودها إليها، لا بمجرد العلم فقط ولا بمعنى الصنع والإيجاد فقط بل بضرب آخر لا يكشف المقال عنه غير الخيال، مع أن التعبير عن بعض ذلك يوجب شنعة الجهال. شعر :
فإن سألوه عليه السلام : أين ربنا ؟ صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه : هل يسمع ربنا دعاءنا ؟ صح الجواب بأني قريب، وإن سألوه كيف ندعوه أبرفع الصوت أم بإخفائه ؟ صح أن يجاب إني قريب، وإن سألوه : هل يعطينا ربنا مطلوبنا بالدعاء صحّ في الجواب فإني قريب، وإن سألوه إذا أذنبنا ثم تبنا فهل يقبل الله توبتنا ؟ صَحَّ أن يجاب إني قريب أي بالنظر إليهم والتجاوز عنهم. واعلم أن الدعاء مصدر دعوت أدعو وقد يكون اسماً. تقول : سمعت دعاءً كما تقول سمعت صوتاً. وحقيقة الدعاء استدعاء العبد ربه جل جلاله العناية والاستمداد والمعونة. قال بعض الظاهريين : لا فائدة في الدعاء لأن المطلوب به إن كان معلوم الوقوع عند الله كان واجب الوقوع وإلا فلا. ولأن الأقدار سابقة والأقضية جارية وقد جف القلم بما هو كائن، فالدعاء لا يزيد فيها شيئاً ولا ينقص، ولأن المقصود إن كان من صالح العبد فالجواد لطق لا يبخل به، وإن لم يكن من مصالحه لم يجز طلبه، ولأن أجل مقامات الصدّيقين الرضا بالقضاء وإهمال حظوظ النفس. والاشتغال بالدعاء ينافي ذلك، ولأن الدعاء شبيه بالأمر أو النهي وذلك خارج عن الأدب، ولهذا ورد في الكلام القدسي " من شغله قراءة القرآن عن مسألتي أعطيه أفضل ما أعطي السائلين " وقال جمهور العقلاء : إن الدعاء من أعظم مقامات العبودية وإنه من شعار الصالحين ودأب الأنبياء والمرسلين. والقرآن ناطق بصحته عن الصديقين، والأحاديث مشحونة بالأدعية المأثورة بحيث لا مساغ للإنكار ولا مجال للعناد. والسبب العقلي فيه أن كيفية علم الله وقضائه وقدره غائبة عن العقول، والحكمة الإلهية تقتضي أن يكون العبد معلقاً بين الرجاء والخوف اللذين بهما تتم العبودية. وبهذا الطريق صححنا القول بالتكاليف مع الاعتراف بإحاطة علم الله وجريان قضائه وقدره في الكل. وما روي عن جابر أنه جاء سراقة بن مالك بن جعشم فقال : يا رسول الله بيّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن ففيم العمل اليوم، أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير أم فيما يستقبل ؟ قال : بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير. قال : ففيم العمل ؟ قال : اعملوا فكل ميسر لما خلق له. وكل عامل بعمله منبه على ما قلنا، فإنه ﷺ علقهم بين الأمرين، رهبهم بسابق القدر ثم رغبهم في العمل ولم يترك أحد الأمرين للآخر فقال : كل ميسر لما خلق له. يريد أنه ميسر في أيام حياته للعمل الذي سبق به القدر قبل وجوده إلا أنك تحب أن تعرف الفرق بين الميسر والمسخر كيلا تغرق في لجة القضاء والقدر، وكذا القول في باب الرزق والكسب. والحاصل أن الأسباب والوسائط والروابط معتبرة في جميع أمور هذا العالم. ومن جملة الوسائل في قضاء الأوطار الدعاء والالتماس كما في الشاهد. فلعل الله تعالى قد جعل دعاء العبد سبباً لبعض مناجحه. فإذا كان كذلك فلابد أن يدعو حتى يصل إلى مطلوبه، ولم يكن شيء من ذلك خارجاً عن قانون القضاء السابق وناسخاً للكتاب المسطور. ومن فوائد الدعاء إظهار شعار الذل والانكسار، والإقرار بسمة العجز والافتقار، وتصحيح نسبة العبودية، والانغماس في غمرات النقصان الإمكاني، والإفلاس عن ذروة الترفع، والاستغناء إلى حضيض الاستكانة، والحاجة والفاقة، ولهذا ورد " من لم يسأل الله يغضب عليه " فإذا كان الداعي عارفاً بالله تعالى وعالماً بأنه لا يفعل إلا ما وافق مشيئته وسبق به قضاؤه وقدره، ودعا على النمط المذكور من غير أن يكون في دعائه حظ من حظوظ النفس الأمارة، راجياً فيما عند الله من الخير، خائفاً من الإقدام على موقف المسألة والمناجاة، وأن تكون استجابته صورة الاستدراج، كان دعاؤه خليقاً بالإجابة وجديراً بالقبول وأن تعود بركته عليه قال ﷺ " ما من رجلٍ يدعو الله بدعاء إلا استجيب له. فإما أن يعجل له في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة وإما أن يكفر عنه من ذنوبه بقدر ما دعا ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم أو يستعجل " قالوا يا رسول الله وكيف يستعجل ؟ قال :" يقول دعوت ربي فما استجاب لي " وأما هيئة الداعي فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال " ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلبٍ غافلٍ لاهٍ " وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال :" سلوا الله ببطون أكفكم ولا تسألوه بظهورها فإذا فرغتم فامسحوا بها وجوهكم " وأما شرائط الدعاء فمنها بعد ما مر من الإخلاص وغيره تزكية البدن وإصلاحه بلقمة الحلال. وذكر النبي ﷺ الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول : يا رب يا رب. ومطعمه حرام ومشربه حرام وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك ؟ وذكر المحققون أن الدعاء مفتاح باب السماء، وأسنانه لقمة الحلال. وأما وقت الدعاء ففي الصحيحين عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له " وعن أبي أمامة قال : يا رسول الله أيّ الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات. وعن أنس أن رسول الله ﷺ قال " الدعاء بين الآذان والإقامة لا يرد " وزاد في رواية قال : فماذا نقول يا رسول الله ؟ قال :" سلوا الله العافية في الدنيا والآخرة ". وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال :" أقرب ما يكون العبد من ربه عز وجل وهو ساجد فأكثروا الدعاء " وعنه أنه قال " من سره أن يستجيب الله له دعاءه عند الشدائد والكرب فليكثر الدعاء في الرخاء " وعنه أن رسول الله ﷺ قال :" ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حين يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم يرفعها الله فوق الغمام ويفتح لها أبواب السماء ويقول الرب وعزتي لأنصرنك ولو بعد حين " وأما كيفية الدعاء فعن فضالة بن عبيد أن النبي ﷺ سمع رجلاً يدعو في صلاته فلم يصلّ على النبي ﷺ. فقال النبي ﷺ عجل هذا ثم دعاه فقال له أو لغيره " إذا صلى أحدكم فليبدأ بحمد الله والثناء عليه ثم ليصل على النبي ﷺ ثم ليدع بعد ما شاء " وعن عمر بن الخطاب أن رسول الله ﷺ قال " الدعاء موقوف بين السماء والأرض لا يصعد حتى يصلى عليّ فلا تجعلوني كغمر الراكب صلوا عليّ أول الدعاء وأوسطه وآخره " ومن لطائف الآية أنه تعالى قال ﴿فإني قريب﴾ دون أن يقول " فقل إني قريب " كما قال في سائر الأسئلة وال
[طه: ١١٤] ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٨] الباقون بالهمز ﴿اليسر والعسر﴾ حيث كانا مثقلين : يزيد إلا قوله ﴿فالجاريات يسرا﴾
[الذاريات: ٣] ﴿ولتكملوا العدة﴾ من التكميل : أبو بكر وحماد وعباس ورويس. والباقون : من الإكمال. ﴿الداعي إذا دعاني﴾ بالياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل. وافق أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو بالياء في الوصل. والباقون بغير ياء فيها في الحالين ﴿في لعلهم﴾ بفتح الياء : ورش. الباقون : بالسكون.
الوقوف :﴿تتقون﴾ لا لأن " أياماً " ظرف " الصيام " أو الاتقاء ﴿معدودات﴾ ط لأن المرض والسفر عارضان فكانا خارجين عن أصل الوضع ﴿أخر﴾ ط لأن خبر الجار منتظر وهو " فدية " فلا تعلق له بما قبله ﴿مسكين﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب الأصل ﴿خير له﴾ ط لأن التقدير والصوم خيرٌ لكم. ﴿تعلمون﴾ ه ﴿والفرقان﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿فليصمه﴾ ط للابتداء بشرط آخر ﴿أخر﴾ ط ﴿العسر﴾ ز قد يجوز ﴿تشكرون﴾ ه ﴿قريب﴾ ط لأن قوله " أجيب " مستأنف ﴿دعان﴾ ص للفاء ﴿يرشدون﴾ ه ﴿لهن﴾ ط ﴿عنكم﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿لكم﴾ ص لذلك ﴿إلى الليل﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لأن حكم الصوم والاعتكاف مختلفان ولكل واحد شأن ﴿في المساجد﴾ ط لأن " تلك " مبتدأ ﴿فلا تقربوها﴾ ط لأن كذلك صفة مصدر محذوف أي يبين الله بياناً كبيان ما تقدم ﴿يتقون﴾ ه.
قوله سبحانه ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾ وجه اتصاله بما قبله هو أنه لما أمر العباد بالتكبير الذي هو الذكر وبالشكر نبههم على أنه مطلع على ذكرهم وشكرهم فيسمع نداءهم ويجيب دعاءهم ولا يخيب رجاءهم، أو أنه أمرهم بالثناء ثم رغبهم في الدعاء تعليماً للمسألة وتنبيهاً على حسن الطلب، وسبب نزوله ما روي أن أعرابياً قال لرسول الله ﷺ : أقريب ربنا فنناجيه أم بعيد فنناديه ؟ وقيل : كان في غزاة وقد رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير والتهليل والدعاء فقال ﷺ :" إنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً قريباً ". وعن قتادة أن الصحابة قالوا : يا نبي الله كيف ندعو ربنا فنزلت. وعن عطاء أنهم سألوا في أي ساعة ندعو فنزلت. وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن يهود أهل المدينة قالوا : يا محمد كيف يسمع ربك دعاءنا ؟ فنزلت. وعن الحسن : سألت الصحابة فقالوا أين ربنا فنزلت. وقيل : فرض عليهم الصيام كما كتب على الذين من قبلهم أي إذا ناموا حرم عليهم ما يحرم على الصائم فشق ذلك على بعضهم حتى عصوا ربهم في ذلك التكليف، ثم ندموا وسألوا النبي ﷺ عن توبتهم فنزلت مبشرة بقبول توبتهم. ونسخ ذلك التشديد بسبب دعائهم وتضرعهم، وبهذا الوجه تصير الآية مناسبة لما قبلها ولما بعدها. ثم إن سؤالهم النبي ﷺ عن الله إما أن يكون عن ذاته بأن يكون السائل ممن يجوّز التشبيه فيسأل عن القرب والبعد بحسب الذات، وإما أن يكون عن صفاته بأنه هل يسمع دعاءنا، أو عن أفعاله بأنه إذا سمع دعاءنا فهل يجيبنا إلى مطلوبنا، أو كيف أذن في الدعاء وهل أذن في أن ندعوه بجميع الأسماء، أو ما أذن إلا بأن ندعوه بأسماء معينة، وهل أذن أن ندعوه كيف شئنا، أو ما أذن إلا بأن ندعوه على وجه معين كما قال تعالى ﴿ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها﴾ [الإسراء: ١١٠] وكل هذه الوجوه محتملة لأن قوله ﴿فإني قريب﴾ يدل على أن السؤال كان عن الذات وقوله ﴿أجيب دعوة الداع﴾ دليل على أن السؤال عن الصفة لأن الإجابة بعد السماع وإطلاق قوله ﴿إذا دعان﴾ يرشد إلى الإذن في الدعاء على أي نحو أراد ما لم يتجاوز قانون الأدب عرفاً كقوله تعالى ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾ [الأعراف: ١٨٠] قال العلماء : ليس القرب ههنا بالمكان، لأنه لو كان في المكان كان مشاراً إليه بالحس ومنقسماً إذ يمتنع أن يكون في الصغر والحقارة كالجوهر الفرد. وكل منقسم مفتقر في تحققه إلى أجزائه. وكل مفتقر ممكن. وأيضاً لو كان في المكان، فإما أن يكون غير متناه من جميع الجوانب وهو محال فإن كل بعد متناه ببرهان تناهي الأبعاد أو من جانب واحد فكذلك مع أن كونه بحيث يقتضي جانب منه عدم التناهي، وجانب منه التناهي يوجب كونه مركباً من أجزاء مختلفة الطبائع، أو يكون متناهياً من جميع الجوانب وهو باطل بالاتفاق. وأيضاً هذه الآية من أقوى الدلائل على أن القرب ليس بالجهة لأنه لو كان في المكان لما كان قريباً من الكل بل لو كان قريباً من حملة العرش يكون بعيداً عن غيرهم، ولو كان قريباً من المشرقي كان بعيداً عن المغربي. قالوا : فثبت أن المراد بالقرب قربه بالتدبير والحفظ والكلاءة. قال في الكشاف : هو تمثيل لحاله في سهولة إجابته لمن دعاه وسرعة إنجاحه حاجة من سأله بحال من قرب مكانه. فإذا دعى أسرعت تلبيته ونحوه
﴿ونحن أقرب إليه من حبل الوريد﴾ [ق: ١٦] وقوله ﷺ " هو بينكم وبين أعناق رواحلكم " وقد أشار بعض المحققين إلى أن اتصاف ماهيات الممكنات بوجودها لما كان بإيجاد الصانع فهو كالمتوسط بين ماهياتها ووجوداتها، فيكون أقرب إلى ماهية كل ممكن من وجود تلك الماهية إليها بل ماهية كل شيء إنما صارت هي هي بجعل الصانع حتى ماهية الوجود فبه صار الجوهر جوهراً والسواد سواداً والعقل عقلاً والنفس نفساً. فالصانع أقرب إلى كل ماهية من تلك الماهيات إلى نفسها ( قلت ) استصحاب المكان لا يوجب الافتقار إلى المكان. ولئن سلم أن كل مفتقر إلى المكان ينقسم، فانقسام كل مستصحب للمكان ممنوع، وبراهين تناهي الأبعاد مختلة زيفناها في مواضعها. فلا ذرة من ذرات العالم إلا ونور الأنوار محيط بها قاهر عليها قريب منها، أقرب من وجودها إليها، لا بمجرد العلم فقط ولا بمعنى الصنع والإيجاد فقط بل بضرب آخر لا يكشف المقال عنه غير الخيال، مع أن التعبير عن بعض ذلك يوجب شنعة الجهال. شعر :
| رمزت إليه حذار الرقيب | وكتمان سر الحبيب حبيب |
| إذا ما تلاشيت في نوره | يقول لي ادع فإني قريب |