تفسير السمعاني — أبو المظفر السمعاني

عن الكتاب
قوله تعالى :( أحل لكم ) أي : أبيح لكم ( ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم ).
قيل : والرفث : كل ما يريده الرجل من امرأته، وهو بمعنى الوطء هاهنا.
قال ابن عباس : إن الله حَيِيٌّ كريم، يكنى بالحسن عن القبيح.
( هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ) قيل : معناه : هن سكن لكم، وأنتم سكن لهن.
وقيل : لا يسكن شيء إلى شيء كسكون أحد الزوجين إلى الآخر. وقيل : أراد به حقيقة اللباس، فإن أحدهما يصير لباسا لصاحبه عند المباشرة، قال الشاعر :
إذا ما الضجيع ثنى جيدهتثنت فصارت عليه لباسا
قال الربيع بن أنس : معناه : هن فرش لكم، وأنت لحف لهن.
وقوله تعالى :( علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم ) هو افتعال : من الخيانة، أي : تخونون أنفسكم بمخالفة الأمر، وترك الوقاية.
وقوله تعالى :( فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ) قيل : أراد به الوطء.
وقيل : ما دون الوطء.
وقوله تعالى :( وابتغوا ما كتب الله لكم ) قال أنس بن مالك : أراد به طلب الولد.
وروى أبو الجوزاء عن ابن عباس : أراد به ابتغاء ليلة القدر.
وقال قتادة وهو أحسن الأقوال : يعني : وابتغوا ما كتب الله لكم من الرخصة بإباحة الأكل، والشرب، والوطء، في اللوح المحفوظ.
وقرأ ابن عباس في الشواذ :«واتبعوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا ».
وسبب نزول الآية : أن الله تعالى كان قد أوجب الصوم في الابتداء من العتمة إلى الليلة القابلة، وكان كل من نام أو صلى العشاء حرم عليه الأكل، والشرب، والوطء «فروى أن رجلا يقال له : صرمة أبو قيس ظل يعمل جميع النهار، ثم آوى إلى منزله، وطلب من امرأته طعاما، فأبطأت، فغلبه النوم، فلما استيقظ كان قد حرم الطعام والشراب فأصبح وقد جهد جهدا شديدا، حتى خر مغشيا عليه، فأخبر به رسول الله ﷺ ؛ فنزلت الآية بإباحة الأكل والشرب بالليل(١).
وسبب إباحة المباشرة : ما روى أن عمر رضي الله عنه قال :«يا رسول الله إني أصبت امرأتي بعد ما نمت، فقال ﷺ :«ما كنت جديرا بهذا يا عمر »(٢).
«وروى أن رجلا من الصحابة أخبر النبي ﷺ بمثل ذلك، فنزلت الآية بإباحة المباشرة » وذلك معنى قوله :( كنتم تختانون أنفسكم ).
فأما قوله :( وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ) قال أبو عبيدة معمر بن المثنى : أراد بالخيط : اللون، ومعناه : بياض النهار من سواد الليل.
وقوله تعالى :( من الفجر ) سبب نزوله ما روى «أنه لما نزلت هذه الآية أخذ عدي ابن حاتم عقالين، أحدهما أبيض، والآخر أسود، ووضعهما تحت وسادته فلما أصبح كان ينظر إليهما، ويتسحر، حتى يتبين الأبيض من الأسود، فأخبر به النبي ﷺ فقال : إنك لعريض الوساد »(٣).
وفي رواية :«إنك لعريض القفا، إنما هو بياض النهار من سواد الليل »(٤) وهي كلمة لهم يكنون بها عن قلة الفهم ؛ فنزل قوله ( من الفجر ) والفجر فجران : أحدهما فجر مستطيل كذنب السرحان، يطاع صاعدا، ثم يغيب، ويغلب الظلام، وهو الفجر الكاذب.
والثاني بعده : فجر مستطير، ينتشر في الأفق سريعا، وقيل : يختلط به الحمرة، وهو الفجر الصادق الذي يحرم الطعام ويبيح الصيام.
وتقول العرب : الفجر ( بشير ) (٥) الشمس.
ويحكى عن حذيفة بن اليمان خلافا غريبا، وهو معروف عنه، أنه قال : أراد بالفجر طلوع الشمس، وكان يبيح التسحر بعد طلوع الفجر.
وقوله تعالى :( ثم أتموا الصيام إلى الليل ) وهذا يقتضي حرمة الصوم بالليل لأنه قد جعله حدا.
وقد قال ﷺ :«من صام بالليل فقد تعب ولا أجر له »(٦).
وقال أيضا :«إذ أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، فقد أفطر الصائم »(٧).
قوله تعالى :( ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد ) والعكوف : هو المقام في الموضع.
وقيل : نزلت الآية في قوم من المسلمين كانوا يخرجون من الاعتكاف، ويباشرون الأهل، ثم يعودون إلى المعتكف، فحرم الله تعالى المباشرة في الاعتكاف.
والاعتكاف جائز في كل المساجد، وحكى عن حذيفة بن اليمان خلافا شاذا فيه فقال : لا يجوز الاعتكاف إلا في ثلاثة مساجد : في المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجد المدينة وكان يعيب على عبد الله بن مسعود اعتكافه في غيرها من المساجد، وكان عبد الله ينكره ويرد عليه قوله، والأمة على قول عبد الله.
وقوله تعالى :( تلك حدود الله ) وهي ما منع الله تعالى عنها من المعاصي.
وأصل الحد : المنع. ومنه الحداد للبواب ؛ لأنه يمنع الناس، ومنه الحديد ؛ لأنه يُحْتَمَي به للامتناع من الأعادي.
وقوله تعالى :( فلا تقربوها ) أي : فلا ترتكبوها.
وقوله تعالى :( كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون ) ظاهر المعنى.
١ - قصة صرمة أبو قيس أخرجها البخاري في صحيحه (٤/١٥٤ رقم ١٩١٥)، وأبو داود (٢/٢٩٥ رقم ٢٣١٤)، والترمذي (٥/١٩٤ رقم ٢٩٦٨) والنسائي (٤/١٤٧ رقم ٢١٦٨) من حديث البراء ابن عازب. ووقع في اسمه اختلاف كثير، وانظر الإصابة (٢/١٨٢-١٨٣)..
٢ - رواه الطبري في تفسيره (٢/٩٦) وعزاه السيوطي في الدر (١/٢٠٦) لابن أبي حاتم أيضا من حديث ابن عباس..
٣ - متفق عليه من حديث عدي بن حاتم، رواه البخاري (٤/١٥٧ رقم ١٩١٦)، ومسلم (٧/٣٨٢ رقم ١٠٩٠)..
٤ - البخاري (٨/٣١ رقم ٤٥١٠)..
٥ - في "ك": مشى. وهو خطأ..
٦ - رواه الترمذي في العلل الكبير (١/٢٦٤) وقال: سألت البخاري عن هذا الحديث، فقال: أرى هذا الحديث مرسلا، وما أرى عبادة بن نسى سمع من أبي سعد الخير، وعزاه الحافظ في الإصابة (٢/٨٦) لابن أبي داود في الصحابة، وأبي أحمد الحاكم، والدولابي في الكنى..
٧ - متفق عليه من حديث عمر، رواه البخاري (٤/٢٣١ رقم ١٩٥٤)، ومسلم (٧/٢٩٥ رقم ١١٠٠)..

تفسير هذه الآية من كتب أخرى