التفسير الوسيط — محمد سيد طنطاوي

عن الكتاب
﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ...﴾
روى بعض المفسرين في سبب نزول هذه الآية الكريمة أحاديث تفيد أن المسلمين كانوا عند ما فرض صيام شهر رمضان. إذا أفطروا يأكلون ويشربون ويقربون النساء ما لم يناموا، فإذا ناموا حرم عليهم بعد ذلك الطعام والشراب وقربان النساء حتى يفطروا من الغد.
ومن الأحاديث التي وردت في هذا المعنى ما أخرجه الإِمام أحمد وابن جرير وابن أبي حاتم عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه. قال : كان الناس في رمضان إذا صام الرجل فنام حمر عليه الطعام والشراب والنساء حتى يفطر من الغد فرجع عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من عند النبي ﷺ ذات ليلة وقد سمر عنده، فأراد امرأته فقالت إني قد نمت، فقال ما نمت ثم واقعها، وصنع كعب مثل ذلك. فغدا عمر بن الخطاب إلى النبي ﷺ فأخبهر فنزلت.
ومنها ما رواه البخاري عن البراء قال : كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائما فحضر الإِفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمس. وإن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائما وفي رواية : كان يعمل في النخيل بالنهار وكان صائما. فلما حضر الإِفطار أتى امرأته فقال لها : أعندك طعام ؟ قالت : لا، ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه فجاءته امرأته فما رأته قالت : خيبة لك. فلما انتصف النهار غشى عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ﴾ ففرحوا فرحاً شديداً، ونزلت ﴿وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر﴾.
وجمهور المفسرين - كما يقول الإِمام الرازي - على أن هذه الآية من قبيل النسخ، لأنها قد نسخت ما كان حاصلا في أول فرضية من أن الصائم إذا نام بعد فطره لا يحل له الأكل أو الشرب أو الجماع إلى أن يفطر من الغد.
ويرى بعض العلماء أن الآية ليست من قبيل النسخ وإنما هي إرشاد إلى ما شرعه الله - تعالى - لعباده خلال شهر الصوم من إباحة غشيان أزواجهن ليلا. ومن جواز الأكل والشرب، حتى يتبين لهم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر، وكأن الصحابة كانوا يتحرجون عن ذلك ظناً منهم أنه من تتمة الصوم، ورأوا أن لا صبر لأنفسهم عن الأكل والشرب والجماع ليلا، فبين الله لهم أن ذلك حلال لا حرج فيه.
وأصحاب هذا الرأي يستشهدون لذلك بما رواه البخاري عن البراء قال : لما نزل صوم رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم فأنزل الله - تعالى - ﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ فالمقصود من الآية الكريمة عند هؤلاء رفع ما توهمه بعض الصحابة من أن الأكل أو الشرب أو الجماع لا يجوز ما دامو قد ناموا بعد فطرهم ؛ لأن الله - تعالى - رءوف رحيم بهم، ولم يشرع لهم ما فيه حرج أو مشقة عليهم.
وعلى كلا القولين فالآية الكريمة تسوق لنا لونا من ألوان رحمة الله - تعالى - بعباده فيما شرع لهم من فرائض وأحكام.
والمراد بليلة الصيام : الليلة التي يصبح فيها الإِنسان صائما دون تحديد ليلة معينة من شهر رمضان، فالإِضافة لأدنى ملابسة.
قال الجمل وقوله :﴿لَيْلَةَ الصيام﴾ منصوب على الظرف، وفي الناصب له ثلاثة أقوال :
أحدها : وهو المشهور عند المعربين أنه أحل، وليس بشئ، لأن الإِحلال ثابت قبل ذلك الوقت.
الثاني : أنه مقدر مدلول عليه بلفظ الرفث تقديره : أحل لكم أن ترفثوا ليلة الصيام.
الثالث : أنه متعلق بالرفث وذلك على رأى من يرى الاتساع في الظرف والمجرورات ".
والرفث في الأصل : الفحش من القول، وكلام النساء حين الجماع، كنى به عن المباشرة للزومه لها غالباً. يقال رفث في لكامه - كنصر وفرح وكرم - وأرفث، إذا أفحش فيه. والمراد به في الآية الجماع والمباشرة.
وعدي بإلى - مع أن المستعمل الشائع أن يقال : رفث بالمرأة - لتضمنه معنى الإِفضاء كما في قوله - تعالى - :﴿وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾ والمعنى : أحل الله لكم في ليالي صومكم الإِفضاء إلى نسائكم ومباشرتهن وقوله - تعالى - ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ وارد مورد المقتضى لإِباحة مباشرة النساء في ليالي الصيام، ذلك أن كلا مع الزوجين يسكن إلى صاحبه، ويكون من شدة القرب منه كالثوب الملابس له وكانت العرب تسمى المرأة لباساً، وهذه حال تقوى معها الدواعي إلى المباشرة، فمن رفقه - تعالى - بعباده أن أحلها لهم ليلة الصيام.
قال الراغب : جعل اللباس كناية عن الزوج لكونه ستراً لنفسه ولزوجه أن يظهر منهما سوء، كما أن اللباس ستر عنه أن يبدو منه السوء.
وقال صاحب الكشاف : فإن قلت : ما موقع قوله :﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ﴾ قلت : هو استئناف كالبيان لسبب الإِحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن وصعب عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن ".
وفي هذا التعبير القرآني ما فيه من اللطافة والأدب وسمو التصوير لما بين الرجل وزوجه من شدة الاتصال والمودة واستتار كل واحد منهما بصاحبه.
وقوله - تعالى - :﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ جملة معترضة بين قوله :﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام﴾ وبين قوله :﴿فالآن بَاشِرُوهُنَّ﴾ إلخ.
وقد جيء بها لبيان حالهم بالنسبة إلى ما فرط منهم، ولبيان مظهر من مظاهر لطف الله بهم، ورحمته إياهم.
وقوله :﴿تَخْتانُونَ﴾ قال الراغب : الاختيان مراودة الخيانة، ولم يقل تخونون أنفسكم لأنه لم تكن منهم الخيانة بل كان منهم الاختيان، فإن الاختيان تحرك شهوة الإِنسان لتحري الخيانة وذلك هو المشار إليه بقوله - تعالى - :﴿إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسواء﴾ والمعنى : علم الله - تعالى - أنكم كنتم تراودون أنفسكم على مباشرة نسائكم ليلا، وعلى الأكل بعد النوم، قبل أن يظهر الفجر الصادق، بل إن بعضكم قد فعل ذلك، فكان من رحمة الله بكم أن أباح الأكل والشرب والجماع في ليالي الصوم، وأن قبل توبتكم وعفا عنكم، أي : محا أثر ما فعلتموه من الأكل والجماع قبل أن يأذن لكم بذلك.
وجملة ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ معطوفة على محذوف، والتقدير : قتبتم فتاب عليكم.
والذين لا يرون أن الآية ناسخة لحكم سابق عبر عن وجهة نظرهم صاحب المنار فقال : وقوله - تعالى - :﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ أي : تتنقصونها بعض ما أحل الله لها من اللذات توهما أن من قبلكم كان كذلك فيكون بمعنى التخون أي : النقص من الشيء أو معناه : تخونون أنفسكم إذ تعتقدون شيائً ثم لا تلتزمون العمل به فهو مبالغة من الخيانة التي هي مخالفة مقتضي الأدلة ولم يقل تختانون الله كما قال في آية أخرى : لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم " للإِشعار بأن الله - تعالى - لم يحرم عليهم بعد النوم في الليل ما حرمه على الصائم في النهار، وإنما ذهب بهم اجتهادهم إلى ذلك فهم قد خانوا أنفسهم في اعتقادها، فكانوا كمن يتغشى امرأته ظاناً أنها أجنبية، فعصيانه بحسب اجتهاده لا بحسب الواقع، فهم على أية حال كانوا عاصين بما فعلوا محتاجين إلى التوبة والعفو ولذلك قال ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.
وقوله - تعالى - :﴿فالآن بَاشِرُوهُنَّ﴾ الأمر فيه للإِباحة وهو مرتب على قوله :﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ﴾.
ولفظ ﴿فالآن﴾ يطلق حقيقة على الوقت أنت فيه، وقد يقع على الماضي القريب منك وعلى المستقبل القريب الوقوع تنزيلا له منزلة الحاضر وهو المراد هنا.
﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ من المباشرة وأصلها اتصال البشرة بالبشرة، وكنى بها القرآن عن الجماع الذي يستلزمها.
وقوله - تعالى - ﴿وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ﴾ تأكيد لما قبله. والابتغاء الطلب والمعنى : لقد أبحنا لكم الإِفضاء إلى نسائكم في ليالي رمضان بعد أن كان محرماً عليكم فضلا منا ورحمة بكم فالآن باشروهن واطلبوا من وراء هذه المباشرة ما كتبه لكم الله من الذرية الصالحة ومن التعفف عن إتيان الحرام.
وفي هذا إشعار بأن النكاح شرع ليبتغي به النسل حتى يتحقق ما يريده الله - تعالى - من بقاء النوع الإِنساني، ومن صيانة المرء نفسه عن الوقوع في فاحشة الزنا.
وقوله - تعالى - ﴿وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر﴾ معطوف على باشروهن.
والمقصود من الخيط الأبيض : أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره.
والمقصود من الخيط الأسود : ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة الليل.
والمعنى : لقد أبحنا لكم مباشرة النساء في ليالي الصوم، وأبحنا لكم كذلك أن تأكلوا وأن تشربوا في هذه الليالي حتى يتبين لكم بياض الفجر من سواد الليل.
قال الإِمام الرازي :﴿الفجر﴾ مصدر قولك : فجرت الماء أفجره فجراً، وفجرته تفجيراً قال الأزهري : الفجر أصله الشق، فعلى هذا الفجر في آخر الليل هو انشقاق ظلمة الليل بنور الصبح.
وقد وردت روايات صحيحة تفيد أن قوله :﴿مِنَ الفجر﴾ قد تأخر نزوله عن الجمل السابقة له. ففي الصحيحين عن سهل به سعد قال أنزلت ﴿وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ويأكل حتى يتبين له رؤيتها، فأنزل الله بعده ﴿مِنَ الفجر﴾ فعلموا أنه يعني الليل والنهار.
ورويا أيضاً عن عدي بن حاتم قال : لما نزلت هذه الآية ﴿وَكُلُواْ واشربوا حتى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الخيط الأبيض مِنَ الخيط الأسود مِنَ الفجر﴾ عمدت إلى عقالين لي أسود وأبيض فجعلتهما تحت وسادتي وجعلت أنظر في الليل إليهما فلا يتبين لي، فعمدت إلى رسول الله ﷺ فذكرت ذلك فقال : " إنما ذلك سواد الليل وبياض النهار " ونزل قوله - تعالى - :﴿مِنَ الفجر﴾.
وشبه بياض النهار وسواد الليل بالخيطين : الأبيض والأسود لأن أول ما يبدوا من الفجر المعترض في الأفق وما يمتد معه من غبش الليل يكون كالخيط الممدود.
وفي الإتيان بلفظ التفعل في قوله :﴿حتى يَتَبَيَّنَ...﴾ إشعار بأنه لا يكفي إلا التبين الوضاح لا مجرد التوهم، فقد روى الإِمام مسلم في صحيحه عن سمرة بن جندب قال : قال رسول الله ﷺ : " لا يغرنكم نداء بلال ولا هذا البياض حتى يبدو الفجر - أو قال - حتى ينفجر الفجر ".
وقوله :﴿مِنَ الفجر﴾ بيان للخيط الأبيض. واكتفى به عن بيان الخيط الأسود، لأن بيان أحدهما بيان للثاني، ويجوز أن تكون " من " للتبعيض، أي : من بعض الفجر.
وقوله - تعالى - :﴿ثُمَّ أَتِمُّواْ الصيام إِلَى الليل﴾ بيان لإنتهاء وقت الصيام بعد أن بينت الجملة السابقة بدايته. أي : ابدءوا صومكم من طلوع الفجر وانتهوا منه بدخول الليل عند غروب الشمس، إذ الليل لبس بوقت الصيام.
قال الإِمام الرازي : كلمة ﴿إِلَى﴾ لإنتهاء الغاية، فظاهر الآية : أن الصوم ينتهي عند دخول الليل، وذل

تفسير هذه الآية من كتب أخرى