البحر المحيط في التفسير — أبو حيان الأندلسي

عن الكتاب
الرفث : مصدر رفث، ويقال : أرفث : تكلم بالفحش.
قال العجاج :
وربّ أسراب حجيج كظم***
عن اللغا ورفث التكلم
وقال ابن عباس، والزجاج، وغيرهما : الرفث كلمة جامعة لكل ما يريده الرجل من المرأة.
وأنشد ابن عباس :
وهنّ يمشين بنا هميساً***
إن تصدق الطيرننك لميسا
فقيل له : أترفث وأنت محرم، فقال : إنما الرفث عند النساء، وفي الحديث :«من حج هذا البنية فلم يرفث ولم يفسق خرج منها كيوم ولدته أمه ».
وقيل : الرفث : الجماع، واستدل على ذلك بقول الشاعر :
ويرين من أنس الحديث زوانيا***
ولهنّ عن رفث الرجال نفار
وبقول الآخر.
فيأتوا يرفثون وباتِ منّا***
رجال في سلاحهم ركوبا
وبقول الآخر :
فظلنا هناك في نعمة***
وكل اللذاذة غير الرفث
ولا دلالة في ذلك، إذ يحتمل أن يكون أراد المقدمات : كالقبلة والنظرة والملاعبة.
أختان : من الخيانة، يقال : خان خوناً وخيانةً، إذا لم يف، وذلك ضد الأمانة، وتخونت الشيء : نقصته، ومنه الخيانة، وهو ينقص المؤتمن.
وقال زهير :
بارزة الفقارة لم يخنها***
قطاف في الركاب ولا خلاء
وتخوّنه وتخوّله : تعهده.
الخيط : معروف، ويجمع على فعول وهو فيه مقيس، أعني في فعل الاسم الياء العين نحو : بيت وبيوت، وجيب وجيوب، وغيب وغيوب، وعين وعيون، والخيط، بكسر الخاء : الجماعة من النعام، قال الشاعر :
فقال ألا هذا صوار وعانة***
وخِيطُ نعام يرتقي متفرق
البياض والسواد : لونان معروفان، يقال منهما : بيض وسود.
فهو أبيض وأسود، ولم يعل العين بالنقل والقلب لأنها في معنى ما يصح وهما : أبيض وأسود.
العكوف : الإقامة، عكف بالمكان : أقام به، قال تعالى :﴿يعكفون على أصنام لهم﴾ وقال الفرزدق يصف الجفان :
ترى حولهنّ المعتفين كأنهم***
على صنم في الجاهلية عكّف
وقال الطرماح :
باتت بنات الليل حولي عكّفا***
عكوف البواكي بينهن صريع
وفي الشرع عبارة عن عكوف مخصوف، وقد بين في كتب الفقه.
الحد، قال الليث : حدّ الشيء : منتهاه ومنقطعه، والمراد بحدود الله مقدّراته بمقادير مخصوصة وصفات مخصوصة.
أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ سبب نزول هذه الآية ما رواه البخاري عن البراء لما نزل صوم رمضان كله وكان رجال يخونون أنفسهم فنزلت وقيل كان الرجل إذا أمسى حل له الأكل والشرب والجماع إلى أن يصلي العشاء الآخرة أو يرقد فإذا صلاها أو رقد ولم يفطر حرم عليه ما حل له قبل إلى القابلة وأن عمر وكعباً الأنصاري وجماعة من الصحابة واقعوا أهلهم بعد العشاء الآخرة وأن قيس بن صرمة الأنصاري نام قبل أن يفطر وأصبح صائماً فغشي عليه عند انتصاف النهار فذكر ذلك للنبي ﷺ ) فنزلت : وقال بعض العلماء نزلت الآية في زلة ندرت فجعل ذلك سبب رخصة لجميع المسلمين إلى يوم القيامة هذا إحكام العناية
ومناسبة هذه الآية لما قبلها من الآيات أنها من تمام الأحوال التي تعرض للصائم ولما كان افتتاح آيات الصوم بأنه كتب علينا كما كتب على الذين من قبلنا اقتضى عموم التشبيه في الكتابة وفي العدد وفي الشرائط وسائر تكاليف الصوم وكان أهل الكتاب قد أمروا بترك الأكل بالحل والشرب والجماع في صيامهم بعد أن يناموا وقيل بعد العشاء وكان المسلمون كذلك فلما جرى لعمر وقيس ما ذكرناه في سبب النزول أباح الله لهم ذلك من أول الليل إلى طلوع الفجر لطفاً بهم وناسب أيضاً قوله تعالى في آخر آية الصوم يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وهذا من التيسير
وقوله أحل يقتضي أنه كان حراماً قبل ذلك وقد تقدّم نقل ذلك في سبب النزول لكنه لم يكن حراماً في جميع الليلة ألا ترى أن ذلك كان حلالاً لهم إلى وقت النوم أو إلى بعد العشاء
وقرأ الجمهور أحل مبنياً للمفعول وحذف الفاعل للعلم به وقرئ أحل مبنياً للفاعل ونصب الرفث به فأما أن يكون من باب الإضمار لدلالة المعنى عليه إذ معلوم للمؤمنين أن الذي يحل ويحرم هو الله وأما أن يكون من باب الالتفات وهو الخروج من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب لأن قبله فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِى وَلْيُؤْمِنُواْ بِى ولكم متعلق بأحل وهو التفات لأن قبله ضمير غائب وانتصاب ليلة على الظرف ولا يراد بليلة الوحدة بل الجنس قالوا والناصب لهذا الظرف أحل وليس بشيء لأن ليلة ليس بظرف لأحل إنما هو من حيث المعنى ظرف للرفث وإن كانت صناعة النحو تأبى أن تكون انتصاب ليلة بالرفث لأن الرفث مصدر وهو موصول هنا فلا يتقدّم معموله لكن يقدّر له ناصب وتقديره الرفث ليلة الصيام فحذف وجعل المذكور مبنياً له كما قالوا في قوله
وبعض الحلم عند الجهل للذلة إذعان
أن تقديره إذعان للذلة إذعان وكما خرّجوا قوله إِنّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ وَإِنّى لِعَمَلِكُمْ مّنَ الْقَالِينَ أي ناصح لكما وقال لعملكم فما كان من الموصول قدّم ما يتعلق به من حيث المعنى عليه أضمر له عامل يدل عليه ذلك الموصول وقد تقدّم أن من النحويين من يجيز تقدّم الظرف على نحو هذا المصدر وأضيفت الليلة إلى الصيام على سبيل الاتساع لأن الإضافة تكون لأدنى ملابسة ولما كان الصيام ينوى في الليلة ولا يتحقق إلاَّ بصوم جزء منها صحت الإضافة
وقرأ الجمهور الرفث وقرأ عبد الله الرفث وكنى به هنا عن الجماع والرفث قالوا هو الإفصاح بما يجب أن يكنى عنه كلفظ النيك وعبر باللفظ القريب من لفظ النيك تهجيناً لما وجد منهم إذ كان ذلك حراماً عليهم فوقعوا فيه كما قال فيه تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فجعل ذلك خيانة وعدى بإلى وإن كان أصله التعدية بالباء لتضمينه معنى الإفضاء وحسن اللفظ به هذا التضمين فصار ذلك قريباً من الكنايات التي جاءت في القرآن من قوله فَلَمَّا تَغَشَّاهَا وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ
والنساء جمع الجمع وهو نسوة أو جمع امرأة على غير اللفظ وأضاف النساء إلى المخاطبين لأجل الاختصاص إذ لا يحل الإفضاء إلاَّ لمن اختصت بالمفضي أما بتزويج أو ملك
هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ اللباس أصله في الثوب ثم يستعمل في المرأة
قال أبو عبيدة يقال للمرأة هي لباسك وفراشك وإزارك لما بينهما من الممازجة ولما كان يعتنقان ويشتمل كل منهما صاحبه في العناق شُبِّه كل منهما باللباس الذي يشتمل على الإنسان
قال الربيع هنّ لحاف لكم وأنتم لحاف لهنّ وقال مجاهد والسدي
هن سكن لكم أي يسكن بعضكم إلى بعض كقوله وَهُوَ الَّذِى جَعَلَ لَكُمُ الَّيْلَ لِبَاساً وَالنَّوْمَ سُبَاتاً وهذه الجملة لا موضع لها من الإعراب بل هي مستأنفة كالبيان لسبب الإحلال وهو عدم الصبر عنهنّ لكونهنّ لكم في المخالطة كاللباس وقدّم هنّ لباس لكم على قوله وأنتم لباس لهنّ لظهور احتياج الرجل إلى المرأة وقلة صبره عنها والرجل هو البادىء بطلب ذلك الفعل ولا تكاذ المرأة تطلب ذلك الفعل ابتداء لغلبة الحياء عليهن حتى إن بعضهن تستر وجهها عند المواقعة حتى لا تنظر إلى زوجها حياء وقت ذلك الفعل
جمعت الآية ثلاثة أنواع من البيان الطباق المعنوي بقوله أُحِلَّ لَكُمُ فإنه يقتضي تحريماً سابقاً فكأنه أحل لكم ما حرّم عليكم أو ما حرّم على من قبلكم والكناية بقوله الرفث وهو كناية عن الجماع والاستعارة البديعة بقوله هنّ لباس لكم وأفرد اللباس لأنه كالمصدر تقول لابست ملابسةً ولباساً
عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ إن كانت عَلِم معداة تعدية عرف فسدت أن مسد المفعول أو التعدية التي هي لها في الأصل فسدّت مسدّ المفعولين على مذهب سيبويه وقد تقدم لنا نظير هذا وتختاتون هو من الخيانة وافتعل هنا بمعنى فعل فاختان بمعن خان كاقتدر بمعنى قدر
قيل وزيادة الحرف تدل على الزيادة في المعنى والاختيان هنا معبر به عما وقفوا فيه من المعصية بالجماع وبالأكل بعد النوم وكان ذلك خيانة لأنفسهم لأن وبال المعصية عائد على أنفسهم فكأنه قيل تظلمون أنفسكم وتنقصون حقها من الخير وقيل معناه تستأثرون أنفسكم فيما نهيتم عنه وقيل معناه تتعهدون أنفسكم بإتيان نسائكم
يقال تخون وتخوّل بمعنى تعهد فتكون النون بدلاً من اللام لأنه باللام أشهر وقال أبو مسلم هي عبارة عن عدم الوفاء بما يجب عليه من حق النفس ولذلك قال أنفسكم ولم يقل الله وظاهر الكلام وقوع الخيانة منهم لدلالة كان على ذلك وللنقل الصحيح في حديث الجماع وغيره وقيل ذلك على تقدير ولم يقع بعد والمعنى تختانون أنفسكم لو دامت تلك الحرمة وهذا فيه ضعف لوجود كان ولأنه إضمار لا يدل عليه دليل ولمنافاة ظاهر قوله فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ
فَتَابَ عَلَيْكُمْ أي قَبِل توبتكم حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور وقيل معناه خفف عنكم بالرخصة والإباحة كقوله عَلِمَ أَن لَّن تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مّنَ اللَّهِ لَقَدْ تَابَ الله عَلَى النَّبِىّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالاْنصَارِ معناه كله التخفيف وقيل معناه أسقط عنكم ما أفترضه من تحريم الأكل والشرب والجماع بعد العشاء أو بعد النوم على الخلاف وهذا القول راجع لمعنى القول الثاني وَعَفَا عَنكُمْ أي عن ذنوبكم فلا يؤاخذكم وقبول التوبة هو رفع الذنب كما قال ﷺ ) ( التوبة تمحو الحوبة والعفو تعفية أثر الذنب ) فهما راجعان إلى معنى واحد وعاقب بينهما للمبالغة وقيل المعنى سهل عليكم أمر النساء فيما يؤتنف أي ترك لكم التحريم كما تقول هذا شيء معفو عنه أي متروك ويقال أعطاه عفواً أي سهلاً لم يكلفه إلى سؤال وجرى الفرس شأوين عفواً أي من ذاته غير إزعاج واستدعاء بضرب بسوط أو نخس بمهماز
فَالنَ بَاشِرُوهُنَّ تقدم الكلام على الآن في قوله قَالُواْ الئَانَ جِئْتَ بِالْحَقّ أي فهذا الزمان أي ليلة الصيام باشروهن وهذا أمر يراد به الإباحة لكونه ورد بعد النهي ولأن الإجماع انعقد عليه والمباشرة في قول الجمهور الجماع وقيل الجماع فما دونه وهو مشتق من تلاصق البشرتين فيدخل فيه المعانقة والملامسة وإن قلنا المراد به هنا الجماع لقوله الرفث ولسبب النزول فإباحته تتضمن إباحة ما دونه
وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ أي اطلبوا وفي تفسير ما كتب الله أقوال
أحدهما أنه الولد قاله ابن عباس ومجاهد وعكرمة والحسن والضحاك والربيع والسدي والحكم بن عتيبة لما أبيحت لهم المباشرة أمروا بطلب ما قسم الله لهم وأثبته في اللوح المحفوظ من الولد وكأنه أبيح لهم ذلك لا لقضاء الشهوة فقط لكن لابتغاء ما شرع الله النكاح له من التناسل ( تناكحوا تناسلوا فإني مكاثرٌ بكم الآمم يوم القيامة )
الثاني هو محل الوطء أي ابتغوا المحل المباح الوطء فيه دون ما لم يكتب لكم من المحل المحرم لقوله فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ
الثالث هو ما أباحه بعد الحظر أي ابتغوا الرخصة والإباحة قاله قتادة وابن زيد
الرابع وابتغوا ليلة القدر قاله معاذ بن جبل وروي عن ابن عباس قال الزمخشري وهو قريب من بدع التفاسير
الخامس هو القرآن قاله ابن عباس والزجاج أي ابتغوا ما أبيح لكم وأمرتم به ويرجحه قراءة الحسن ومعاوية بن قرة واتبعوا من الاتباع ورويت أيضاً عن ابن عباس
السادس هو الأحوال والأو

تفسير هذه الآية من كتب أخرى