غرائب القرآن ورغائب الفرقان — نظام الدين القمي النيسابوري

عن الكتاب
القراءات :﴿فديةٌ طعام﴾ مضافاً ﴿مساكين﴾ بالجمع : أبو جعفر ونافع وابن ذكوان. وروى الحلواني والداري عن هشام والنجاري ﴿فديةٌ﴾ بالتنوين ﴿طعام﴾ بالرفع مضافاً إلى مساكين بالجمع. الباقون : مثل هذا إلا أن ﴿مسكين﴾ مفرد مجرور ﴿فمن تطوع﴾ بتشديد الطاء والواو وبياء الغيبة وجزم العين : حمزة وعلي وخلف. الباقون : بلفظ الماضي من باب التفعل ﴿القرآن﴾ غير مهموز حيث كان : ابن كثير وعباس وحمزة في الوقف فإذا كان بمعنى القراءة فإن عباساً فيه مخير إن شاء همز وإن شاء لم يهمز كقوله تعالى ﴿وقرآن الفجر أن قرآن الفجر﴾ [الإسراء: ٧٨] ﴿ولا تعجل بالقرآن﴾
[طه: ١١٤] ﴿إن علينا جمعه وقرآنه﴾ [القيامة: ١٧] ﴿فاتبع قرآنه﴾ [القيامة: ١٨] الباقون بالهمز ﴿اليسر والعسر﴾ حيث كانا مثقلين : يزيد إلا قوله ﴿فالجاريات يسرا﴾
[الذاريات: ٣] ﴿ولتكملوا العدة﴾ من التكميل : أبو بكر وحماد وعباس ورويس. والباقون : من الإكمال. ﴿الداعي إذا دعاني﴾ بالياء في الحالين : سهل ويعقوب وابن شنبوذ عن قنبل. وافق أبو جعفر ونافع غير قالون وأبو عمرو بالياء في الوصل. والباقون بغير ياء فيها في الحالين ﴿في لعلهم﴾ بفتح الياء : ورش. الباقون : بالسكون.
الوقوف :﴿تتقون﴾ لا لأن " أياماً " ظرف " الصيام " أو الاتقاء ﴿معدودات﴾ ط لأن المرض والسفر عارضان فكانا خارجين عن أصل الوضع ﴿أخر﴾ ط لأن خبر الجار منتظر وهو " فدية " فلا تعلق له بما قبله ﴿مسكين﴾ ط لأن التطوع خارج عن موجب الأصل ﴿خير له﴾ ط لأن التقدير والصوم خيرٌ لكم. ﴿تعلمون﴾ ه ﴿والفرقان﴾ ج لابتداء الشرط مع فاء التعقيب ﴿فليصمه﴾ ط للابتداء بشرط آخر ﴿أخر﴾ ط ﴿العسر﴾ ز قد يجوز ﴿تشكرون﴾ ه ﴿قريب﴾ ط لأن قوله " أجيب " مستأنف ﴿دعان﴾ ص للفاء ﴿يرشدون﴾ ه ﴿لهن﴾ ط ﴿عنكم﴾ ج لعطف الجملتين المختلفتين ﴿لكم﴾ ص لذلك ﴿إلى الليل﴾ ج وإن اتفقت الجملتان لأن حكم الصوم والاعتكاف مختلفان ولكل واحد شأن ﴿في المساجد﴾ ط لأن " تلك " مبتدأ ﴿فلا تقربوها﴾ ط لأن كذلك صفة مصدر محذوف أي يبين الله بياناً كبيان ما تقدم ﴿يتقون﴾ ه.
قوله عز وجل :﴿أحل لكم﴾ الآية جمهور المفسرين على أنها ناسخة لما عليه الناس في أول الإسلام. روي عن ابن عباس أنه لما نزلت ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ كانوا إذا صلوا العتمة حرم عليهم الطعام والشراب وصاموا إلى القابلة، فاختان رجل فجامع امرأته وقد صلى العشاء ولم يفطر، فأراد الله أن يجعل ذلك تيسيراً لمن بقي ورخصة ومنفعة. وعن البراء قال : كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً فحضر الإفطار فنام قبل أن يفطر لم يأكل ليلته ويومه حتى يمسي. وقال : إن قيس بن صرمة الأنصاري، أو صرمة بن قيس، أو قيس بن عمرو - على اختلاف الروايات - كان صائماً. فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال : أعندك طعام ؟ قالت : لا ولكن أنطلق فأطلب لك وكان يومه يعمل فغلبته عينه فجاءته امرأته فلما رأته قالت : خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه. فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت ﴿أحل لكم﴾ ففرحوا بها فرحاً شديداً، وأبو مسلم خالف الجمهور بناء على مذهبه من أنه لم يقع في القرآن نسخ ألبتة. احتج الجمهور بوجوه منها. أنه تعالى شبه إيجاب الصوم على هذه الأمة بإيجابه على من قبلهم، فيلزم منه حرمة الأكل والشرب والوقاع بعد النوم في شرعنا كما كانت في شرعهم. وإذا كانت الحرمة ثابتة فهذه الآية رافعة لها ناسخة لحكمها. ومنع أبو مسلم من أن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور، فلعلهم إنما كانوا يمتنعون من الأكل والشرب والوقاع اعتقاداً منهم ببقاء تلك الحرمة في شرعنا كما هي في شرع من قبلنا مع جواز كونها مباحة في نفس الأمر. ومع قيام هذا الاحتمال فلا جزم بالنسخ ومنها قوله تعالى ﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ ولو كان ذلك حلالاً لم ينسبوا إلى الخيانة، قيل : إن عمر رضي الله عنه واقع أهله بعد صلاة العشاء الآخرة، فلما اغتسل أخذ يبكي ويلوم نفسه. فأتى النبي ﷺ وقال : يا رسول الله إني أعتذر إلى الله وإليك من نفسي هذه الخاطئة وأخبره بما فعل. فقال ﷺ : ما كنت جديراً بذلك يا عمر. فقام رجال فاعترفوا بما كانوا صنعوا بعد العشاء فنزلت. قال أبو مسلم : أصل الخيانة النقص. وخان واختان وتخوّن بمعنى واحد مثل كسب واكتسب وتكسب. والمعنى علم الله أنكم كنتم تنقصون أنفسكم حظها من اللذات لا من الثواب والخير. ومنها قوله ﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ والتوبة والعفو يكونان بعد المعصية وارتكاب ما هو محرم. قال أبو مسلم : التوبة من العباد الرجوع إلى الله بالعبادة، ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان. والعفو التسهيل والتوسعة والتخفيف. قال ﷺ " عفوت عن الخيل والرقيق فهاتوا صدقة الرقة من كل أربعين درهماً درهم " وقال " أول الوقت رضوان الله وآخره عفو الله " والمراد التخفيف بتأخير الصلاة إلى آخر الوقت. ويقال : أتاني هذا المال عفواً أي سهلاً. فالمعنى عاد عليكم بالرحمة وسع عليكم بإباحة هذه الأشياء المحرمة على الذين من قبلكم. وأما الروايات فأخبار آحاد لا يوجب شيء منها حمل القرآن على النسخ. ولنشتغل بتفسير الألفاظ فنقول : ليلة الصيام قال الواحدي : أراد ليالي الصوم، فوضع الواحد موضع الجمع. ويمكن أن يقال : أضاف الليلة إلى هذه الحقيقة فتتناول الكل من غير تكلف. والرفث الجماع. والرفث أيضاً الفحش من القول وكلام النساء في الجماع. وقيل لابن عباس. حين أنشد :
وهن يمشين بنا هميساإن تصدق الطير ننك لميسا
أترفث وأنت محرم ؟ فقال : إنما الرفث ما واجه به النساء. هميساً أي مشياً ليناً، ولميس اسم امرأة أي أن يصدق الفأل ننكها. وقال أبو علي : معناه الفرج. ويقال : جامع الرجل أو ناك. فإذا أردت الكناية عن هذه العبارة قلت : رفث الرجل. وإنما كني عنه ههنا بلفظ الرفث الدال على معنى القبح ولم يعبر عنه بالإفضاء أو الغشيان أو المس ونحوها كما في مواضع آخر ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ [النساء: ٢١]
﴿فلما تغشاها﴾ [الأعراف: ١٨٩] ﴿باشروهن﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿من قبل أن تمسوهن﴾
[البقرة: ٢٣٧] ﴿أولمستم النساء﴾ [النساء: ٤٣] وفي قوله :﴿دخلتم بهن﴾ [النساء: ٢٣]
﴿فأتوا حرثكم﴾ [البقرة: ٢٢٣] ﴿فما استمعتم به منهن﴾ [النساء: ٢٤]﴿ولا تقربوهنّ﴾
[البقرة: ٢٢٢] حتى استهجان لما وجد منهم قبل الإباحة، أو البيان كما سماه اختياناً لأنفسهم. قال الأخفش إنما عدي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله ﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾ [النساء: ٢١].
﴿هن لباس لكم﴾ وجه التشبيه أنهما يعتنقان فينضم جسد أحدهما إلى جسد صاحبه ويشتمل عليه كالثوب. قال الربيع : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن. وقال ابن زيد : كل منهما يستر صاحبه عن الأبصار عند الجماع. قال الجعدي :
إذا ما الضجيع ثنى عطفهاتثنت فكانت عليه لباساً
أو سميا لباساً لستر كل منهما صاحبه عما لا يحل كما في الخبر " من تزوّج فقد أحرز ثلثي دينه " أو المراد تستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت لو لم تكن المرأة حاضرة كما يتستر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار. وعن الأصم : أن كل واحد منهما كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي كانوا يفعلونه، وزيف بأن هذه القرينة واردة في معرض الإنعام لا في مقام الذم. ووحد اللباس إما لأنه جنس وإما لأنه مصدر " لابس " وضع موضع الصفة. وموقع قوله ﴿هنّ لباس لكم﴾ استئناف لأنه كالبيان لسبب الإحلال، فإن مثل هذه المخالطة والملابسة توجب قلة الصبر عنهن. ومعنى ﴿علم الله﴾ ظهر معلومه أو هو عالم، ولم يذكر في الآية أن الخيانة في ماذا إلا أن الذي تقدم هو ذكر الجماع والذي تأخر هو مثله بدليل ﴿فالآن باشروهن﴾ فتعين أن يكون المراد به الخيانة في الجماع.
ومن المعلوم أن كل واحد منهم لم يختن فالخطاب لبعضهم، وكل من عصى الله ورسوله فقد خان نفسه لأنه جلب إليها العقاب ونقص حظها من الثواب. وقيل : إن الآية لا تدل على وقوع الخيانة منهم، وإنما المراد علم الله أنكم بحيث لو دام هذا التكليف تختانون أنفسكم فضعفكم وقلة صبركم، فوسع الأمر عليكم حتى لا تقعوا في الخيانة. ﴿فتاب عليكم﴾ من الفاء الفصيحة أي فتبتم فقبل توبتكم. وعلى قول أبي مسلم لا إضمار. ﴿فالآن باشروهن﴾ تأكيد لقوله ﴿أحل لكم﴾ وفيه ضرب من البيان لأن حل الرفث في ليلة الصيام لا يوجب حله في جميع أجزائها حتى الصباح. والجمهور على أن المراد بالمباشرة ههنا الجماع، سمي بهذا الاسم لتلاصق البشرتين فيه. ومنه ما روي أنه ﷺ قال " لا يباشر الرجل الرجل والمرأة المرأة " وإنما قلنا إن المراد بها الجماع لأن السبب في هذه الرخصة كان وقوع الجماع من القوم، ولأن الرفث أريد به ذلك إلا أن إباحة الجماع تتضمن إباحة ما دونه فصح ما نقل عن الأصم أن المراد بها الجماع وغيره ورجع النزاع لفظياً. وأما المباشرة في قوله ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فلا يعود النزاع فيها إلى اللفظ، لأن المنع من الجماع لا يدل على المنع مما دونه من الاستمتاعات. ﴿وابتغوا ما كتب الله لكم﴾ جعل أو قضى أو كتب في اللوح من الولد أي لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها ولكن للغرض الأصلي من النكاح وهو التناسل. قال ﷺ " تناكحوا تكثروا " وقيل : هو نهي عن العزل فقد وردت الأخبار في كراهية ذلك. وعن الشافعي : لا يعزل الرجل عن الحرة إلا بإذنها، ولا بأس أن يعزل عن الأمة. وعن علي كرم الله وجهه : أنه كان يكره العزل. وقيل : اطلبوا المحل الذي حلله الله لكم كقوله تعالى
﴿فأتوهنّ من حيث أمركم الله﴾ [البقرة: ٢٢٢] وقيل : وابتغوا هذه المباشرة التي كتب الله لكم بعد أن كانت محرمة عليكم، وعن أبي مسلم : وابتغوا المباشرة التي كان الله كتبها لكم، وإن كنتم تظنون أنها محرّمة عليكم. وقيل : يعني لا تباشروهن إلا في الأوقات والأحوال التي أذن الله لكم في مباشرتهن دون أوقات الحيض والنفاس والعدّة والردة. وقيل : أي لا تبتغوا المباشرة إلا من الزوجة والمملوكة وهو الذي كتب في القرآن من قوله ﴿إلا على أزواجهم أن ما ملكت أيمانهم﴾ [المؤمنون: ٦] وعن معاذ بن جبل وابن عباس في رواية أبي الجوزاء : اطلبوا ليلة القدر وما كتب الله لكم من الثواب إن أصبتموها. واستبعده بعضهم وليس ببعيد، فإن توزع الفكر بسبب الشهوة المشوّشة قد يمنع عن الإخلاص في العبودية ولا يتفرغ المكلف حينئذ لطلب ليلة القدر التي هي حاصل صوم رمضان فقال سبحانه ﴿فالآن باشروهن﴾ لتفرغوا لطلب الغاية من صيامكم والله أعلم بمراده، عن عدي بن حاتم قال : لما نزلت ﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ عمدت إلى عقالين أبيض وأسود فجعلتهما تحت وسادتي، وجعلت أنظر إليهما من الليل ولا يستبين لي، فإذا تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت. فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته فضحك وقال : إنك لعريض القفا إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل. وكنى رسول الله ﷺ بذلك عن بلاهة عديّ وقلة فطنته، وفي الصحيحين أيضاً عن سهل بن سعد : نزلت ولم ينزل ﴿من الفجر﴾ فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود فلا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله عز وجل بعد ﴿من الفجر﴾ فعلموا أنه إنما يعني الليل والنهار.
واعلم أن تأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع بالاتفاق إلا عند من يجوّز تكليف ما لا يطاق، وأما تأخيره عن وقت الخطاب فجائز عند الأكثرين. ولما كان من مستعملات العرب إطلاق الخيط الأبيض على أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق كالخيط الممدود، والخيط الأسود على ما يمتد معه من غبس الليل قال أبو دواد :
فلما أضاءت لنا سدفةولاح من الصبح خيط أنارا
والسدفة الضياء المخلوط بالظلام، اقتصر على الاستعارة أوّلاً، ثم لما اشتبه الأمر على بعض من لا دراية له باللغة العربية نزل من الفجر بياناً للخيط الأبيض واستغنى به عن بيان الخيط الأسود لأن بيان أحدهما يستتبع بيان الآخر. وخرج الكلام من الاستعارة إلى التشبيه البليغ كما أن قولك " رأيت أسداً " مجاز، فإذا زدت " من فلانٍ " رجع تشبهاً. فالاستعارة وإن كانت أبلغ من التشبيه وأدخل في الفصاحة من حيث إنها استعارة كما بين في موضعه إلا أن رفع الاشتباه عن المكلفين أهم وأولى. فالفصاحة في هذا المقام ترك الاستعارة، وليس هذا من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة على الإطلاق، لأن المحتاجين ههنا إلى البيان ساقطون عن درجة الاعتبار لأن فهم المعنى من اللفظ إنما يعتبر بالنسبة إلى العارف بقوانين العرب واستعمالاتهم لا بالإضافة إلى الأغبياء منهم. نعم التفهيم يعم البليد والذكي والله المستعان. ولا يسبقنّ إلى الوهم أن المشبه بالخيط الأبيض هو الصبح الكاذب المستطيل لأنه يناقض ما ورد في الخبر " لا يغرنكم الفجر المستطيل فكلوا واشربوا حتى يطلع الفجر المستطير " وإنما المشبه هو الفجر الصادق، وهو أيضاً يبدو دقيقاً ولكن يرتفع مستطيراً أي منتشراً في الأفق لا مستطيلاً. ويمكن أن يقال : الفصل المشترك بين ما انفجر من الضياء. أي انشق وبين ما هو مظل
التأويل :" صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته " الضمير عائد إلى الحق. على كل عضو في الظاهر صوم، وعلى كل صفة في الباطن صوم. فصوم اللسان عن الكذب والنميمة، وصوم العين عن محل الريبة، وصوم السمع عن استماع الملاهي، وعلى هذا فقس البواقي. وصوم النفس عن التمني والشهوات، وصوم القلب عن حب الدنيا وزخارفها، وصوم الروح عن نعيم الآخرة ولذاتها، وصوم السر عن شهود غير الله ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾ أي على بسائطكم وأجزائكم فإنها كانت صائمة عن المشارب كلها، فلما تعلق الروح بالقلب صارت أجزاء القالب مستدعية للحظوظ الحيوانية والروحانية ﴿لعلكم تتقون﴾ مشارب المركبات وتطهرون عن دنس الحظوظ الحيوانيات والروحانيات، فحين يأفل كوكب استدعاء الحظوظ الفانية تطلع شمس حقوق الملاقاة الروحانية الباقية كما قال ﷺ " للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه " ﴿فمن كان منكم مريضاً﴾ أي وقع له فترة في السلوك لمرض غلبات صفات النفس وكسل الطبيعة ﴿أو على سفر﴾ حصل له وقفة للعجز عن القيام بأعباء أحكام الحقيقة، فليمهل حتى تدركه العناية ويعالج سقمه بمعاجين الإلطاف وأشربة الإعطاف فيتداركه في أيام سلامة القلب. ﴿وعلى الذين يطيقونه﴾ على من كان له قوة في صدق الطلب ﴿طعام مسكين﴾ فالطعام كل مشرب غير مشرب ألطاف الحق، والمسكين من يكون مشربه غير ما عند الله ويقنع به، فيدفع تلك المشارب إلى أهاليها ويخرج عما سوى الله، ويواصل الصوم ولا يفطر إلا على طعام مواهب الحق وشراب مشاربه وهو معنى " أبيت عند ربي يطعمني ويسقيني " ﴿فمن تطوع خيراً﴾ فمن زاد في الفداء أي كلما فطم من مشرب وسقى من مشرب آخر. وروي فدى ذلك المشرب أيضاً أي تركه إلى أن يصير مشربه ترك المشارب كلها وداوم الصوم كقوله تعالى ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ فينزل فيه حقائق القرآن وهذا معنى قوله ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾ فيكون على مأدبة الله لا بمعنى أنه يأكل من المأدبة فإنه دائم الصوم، ولكن المأدبة تأكله حتى تفنيه عن وجوده وتبقيه بشهوده فيكون خلقه القرآن وحينئذ يفرق بين الوجود الحقيقي والوجود المجازي كما قال ﴿وبينات من الهدى والفرقان﴾ فيقال يا محمد له أصبت فالزم وهو معنى قوله ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾ قال أبو يزيد : ناداني ربي وقال : أنا بدك اللازم فالزم بدك. رمضان يرمض ذنوب قوم، ورمضان الحقيقي يحرق وجود قوم. رمضان اسم من أسماء الله أي من حضر مع الله فليمسك عن غير الله ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ وهو مقام الوصول ﴿ولا يريد بكم العسر﴾ وهو ما في الطريق من الرياضة والمجاهدة كالطبيب يسقي دواء مراً، فمراده حصول الصحة لا إذاقة مرارة الدواء. وأيضاً " كل ميسر لما خلق له " لو لم يرد بنا اليسر لم يجعلنا طالبين لليسر ( شعر ) :
لو لم ترد نيل ما أرجو وأطلبهمن فيض جودك ما علمتني الطلبا
﴿ولتكملوا﴾ عدة أنواع الغاية بجذبات ﴿يريد الله بكم اليسر﴾ ﴿ولتكبروا الله﴾ ولتعظموه ﴿على ما هداكم﴾ إلى عالم الوصال بتجلي صفات الجمال ﴿ولعلكم تشكرون﴾ نعمة الوصال بتنزيه ذي الجلال عن إدراك عقول أهل الكمال وإحاطة الوهم والخيال. قوله سبحانه ﴿أحل لكم ليلة الصيام﴾ اعلم أن في الإنسان تلوناً في الأحوال. فتارة يكون بحكم غلبات الصفات الروحانية في ضياء نهار الواردات الربانية وحينئذ يصوم عن الحظوظ الإنسانية وهو حالة السكر، وتارة يكون بحكم الدواعي والحاجات البشرية مردوداً إلى ظلمات الصفات الحيوانية وهذه حالة الصحو، فخصه الله تعالى بنهار كشف الأستار وطلوع شموس الأسرار ليصوموا فيه عما سواه، وبليلة إسبال أستار الرحمة ليسكنوا فيها ويستريحوا بها كما منّ الله تعالى بقوله
﴿قل أرأيتم إن جعل الله عليكم الليل سرمداً﴾ [القصص: ٧٢] الآيتين. ومعنى الرفث إلى النساء التمتع بالحظوظ الدنيوية التي تتصرف النفس فيها تصرف الرجال في النساء ﴿هن لباس لكم﴾ أي الصفات والحظوظ الإنسانية ستر لكم يحميكم عن حرارة شموس الجلال لكيلا تحرقكم سطوات التجلي ﴿وأنتم لباس لهن﴾ تسترون معايب الدنيا بالأموال الصالحة واستعمال الأموال على قوانين الشرع والعقل " نعم المال الصالح للرجل الصالح " ﴿فالآن باشروهن﴾ بقدر الحاجة الضرورية ﴿وابتغوا﴾ بقوة هذه المباشرة ﴿ما كتب الله لكم﴾ من المقامات العلية ﴿وكلوا واشربوا﴾ في ليالي الصحو ﴿حتى يتبين لكم﴾ آثار أنوار المحو فالأحوال تنقسم إلى بسط وقبض، وزيادة ونقص، وجذب وحجب، وجمع وفرق، وأخذ ورد، وكشف وستر، وسكر وصحو، وإثبات ومحو، وتمكين وتكوين، كما قيل :
كأن شيئاً لم يزل إذا أتىكان شيئاً لم يكن إذا مضى
﴿في المساجد﴾ أي في مقامات القربة والأنس. وفيه إشارة إلى أنه يجب أن يكون الاشتغال بالضروريات من حيث الصورة وتكون الأسرار والأرواح مع الحق، وهذا مقام أهل التمكين ﴿فلا تقربوها﴾ بالخروج عنها يا أهل الكشوف والعكوف وبالدخول فيها يا أهل الكسوف والخسوف حسبي الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم النصير.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى