مفاتيح الغيب — فخر الدين الرازي
عن الكتاب
قوله عز وجل :﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر ثم أتموا الصيام إلى الليل ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد تلك الحدود الله فلا تقربوها كذلك يبين الله آياته للناس لعلهم يتقون﴾ فيه مسائل :
المسألة الأولى : أنه ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد ﷺ، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية، وقال أبو مسلم الأصفهاني هذه الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا البتة، بل كانت ثابتة في شرع النصارى، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتا في شرعهم، وجرى فيه على مذهبه من أنه لم يقع في شرعنا نسخ البتة، واحتج الجمهور على قولهم بوجوه.
الحجة الأولى : أن قوله تعالى :﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ يقتضي تشبيه صومنا بصومهم، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في صومهم، فوجب بحكم هذا التشبيه أن تكون ثابتة أيضا في صومنا، وإذا ثبت أن الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، وهذه الآية ناسخة لهذه الحرمة لزم أن تكون هذه الآية ناسخة لحكم كان ثابتا في شرعنا.
الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى :﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ ولو كان هذا الحل ثابتا لهذه الأمة من أول الأمر لم يكن لقوله ﴿أحل لكم﴾ فائدة.
الحجة الثالثة : التمسك بقوله تعالى :﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ ولو كان ذلك حلالا لهم لما كان بهم حاجة إلى أن يختانون أنفسهم.
الحجة الرابعة : قوله تعالى :﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ ولولا أن ذلك كان محرما عليهم وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ذلك الفعل، لما صح قوله :﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾.
الحجة الخامسة : قوله تعالى :﴿فالآن باشروهن﴾ ولو كان الحل ثابتا قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله :﴿فالآن باشروهن﴾ فائدة.
الحجة السادسة : هي أن الروايات المنقولة في سبب نزول هذه الآية دالة على أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، هذا مجموع دلائل القائلين بالنسخ، أجاب أبو مسلم عن هذه الدلائل فقال :
أما الحجة الأولى : فضعيفة لأنا بينا أن تشبيه الصوم بالصوم يكفي في صدقة مشابهتهما في أصل الوجوب.
وأما الحجة الثانية : فضعيفة أيضا لأنا نسلم أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرع من قبلنا، فقوله :﴿أحل لكم﴾ معناه أن الذي كان محرما على غيركم فقد أحل لكم.
وأما الحجة الثالثة : فضعيفة أيضا، وذلك لأن تلك الحرمة كانت ثابتة في شرع عيسى عليه السلام، وأن الله تعالى أوجب علينا الصوم، ولم يبين في ذلك الإيجاب زوال تلك الحرمة فكان يخطر ببالهم أن تلك الحرمة كانت ثابتة في الشرع المتقدم، ولم يوجد في شرعنا ما دل على زوالها فوجب القول ببقائها، ثم تأكد هذا الوهم بقوله تعالى :﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ فإن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور، فلما كانت هذه الحرمة ثابتة في الشرع المتقدم وجب أن تكون ثابتة في هذا الشرع، وإن لم تكن حجة قوية إلا أنها لا أقل من أن تكون شبهة موهمة فلأجل هذه الأسباب كانوا يعتقدون بقاء تلك الحرمة في شرعنا، فلا جرم شددوا وأمسكوا عن هذه الأمور فقال الله تعالى :﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ وأراد به تعالى النظر للمؤمنين بالتخفيف لهم بما لو لم تتبين الرخصة فيه لشددوا وأمسكوا عن هذه الأمور ونقصوا أنفسهم من الشهوة، ومنعوها من المراد، وأصل الخيانة النقص، وخان واختان وتخون بمعنى واحد كقولهم : كسب واكتسب وتكسب، فالمراد من الآية : علم الله أنه لو لم يتبين لكم إحلال الأكل والشرب والمباشرة طول الليل أنكم كنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها لذاتها ومصلحتها بالإمساك عن ذلك بعد النوم كسنة النصارى.
وأما الحجة الرابعة : فضعيفة لأن التوبة من العباد الرجوع إلى الله تعالى بالعبادة ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان، وأما العفو فهو التجاوز فبين الله تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما جعله ثقيلا على من قبلنا كقوله :﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾.
وأما الحجة الخامسة : فضعيفة لأنهم كانوا بسبب تلك الشبهة ممتنعين عن المباشرة، فلما بين الله تعالى ذلك وأزال الشبهة فيه لا جرم قال :﴿فالآن باشروهن﴾.
وأما الحجة السادسة : فضعيفة لأن قولنا : هذه الآية ناسخة لحكم كان مشروعا لا تعلق له بباب العمل ولا يكون خبر الواحد حجة فيه، وأيضا ففي الآية ما يدل على ضعف هذه الروايات لأن المذكور في تلك الروايات أن القوم اعترفوا بما فعلوا عند الرسول، وذلك على خلاف قول الله تعالى :﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ لأن ظاهره هو المباشرة، لأنه افتعال من الخيانة، فهذا حاصل الكلام في هذه المسألة.
المسألة الثانية : القائلون بأن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، ثم إنها نسخت ذكروا في سبب نزول هذه الآية أنه كان في أول الشريعة يحل الأكل والشرب والجماع، ما لم يرقد الرجل أو يصل العشاء الآخرة، فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء إلى الليلة الآتية، فجاء رجل من الأنصار عشية وقد أجهده الصوم، واختلفوا في اسمه، فقال معاذ : اسمه أبو صرمة، وقال البراء : قيس بن صرمة، وقال الكلبي : أبو قيس بن صرمة، وقيل : صرمة بن أنس، فسأله رسول الله ﷺ عن سبب ضعفه فقال : يا رسول الله عملت في النخل نهاري أجمع حتى أمسيت فأتيت أهلي لتطعمني شيئا فأبطأت فنمت فأيقظوني، وقد حرم الأكل فقام عمر فقال : يا رسول الله أعتذر إليك من مثله. رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء الآخرة، فأتيت امرأتي، فقال عليه الصلاة والسلام : لم تكن جديرا بذلك يا عمر ثم قام رجال فاعترفوا بالذي صنعوا فنزل قوله تعالى :﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾.
المسألة الثالثة : قال صاحب «الكشاف » : قرئ ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ أي أحل الله وقرأ عبد الله ﴿الرفوث﴾.
المسألة الرابعة : قال الواحدي : ليلة الصيام أراد ليالي الصيام فوقع الواحد موقع الجماعة، ومنه قول العباس بن مرادس :
وأقول فيه وجه آخر وهو أنه ليس المراد من ﴿ليلة الصيام﴾ ليلة واحدة بل المراد الإشارة إلى الليلة المضافة إلى هذه الحقيقة.
المسألة الخامسة : قال الليث : الرفث أصله قول الفحش، وأنشد الزجاج :
يقال رفث في كلامه يرفث وأرفث إذا تكلم بالقبيح قال تعالى :﴿فلا رفث ولا فسوق﴾ وعن ابن عباس أنه أنشد وهو محرم :
فقيل له : أترفث ؟ فقال : إنما الرفث ما كان عند النساء فثبت أن الأصل في الرفث هو قول الفحش ثم جعل ذلك اسما لما يتكلم به عند النساء من معاني الإفضاء، ثم جعل كناية عن الجماع وعن كل ما يتبعه.
فإن قيل : لم كنى ههنا عن الجماع بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله :﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض، فلما تغشاها، أو لمستم النساء، دخلتم بهن، فأتوا حرثكم، من قبل أن تمسوهن، فما استمتعتم به منهن، ولا تقربوهن﴾.
جوابه : السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختيانا لأنفسهم، والله اعلم.
المسألة السادسة : قال الأخفش : إنما عدى الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله :﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾.
المسألة السابعة : قوله :﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ يقتضي حصول الحل في جميع الليل لأن ﴿ليلة﴾ نصب على الظرف، وإنما يكون الليل ظرفا للرفث لو كان الليل كله مشغولا بالرفث، وإلا لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لا كله، فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ، وأما الذي بعده في قوله :﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ فذاك يكون كالتأكيد لهذا النسخ، وأما الذي يقول : إن قوله :﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ يفيد حل الرفث في الليل، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به فيكون الناسخ هو قوله :﴿كلوا واشربوا﴾.
أما قوله تعالى :﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قد ذكرنا في تشبيه الزوجين باللباس وجوها أحدها : أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سمي كل واحد منهما لباسا، قال الربيع : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن، وقال ابن زيد : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، يريد أن كل واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار الناس وثانيها : إنما سمي الزوجان لباسا ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل، كما جاء في الخبر " من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه " وثالثها : أنه تعالى جعلها لباسا للرجل، من حيث إنه يخصها بنفسه، كما يخص لباسه بنفسه، ويراها أهلا لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس ورابعها : يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت، لو لم تكن المرأة حاضرة، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار وخامسها : وذكر الأصم أن المراد أن كل واحد منهما كان كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه، وهذا ضعيف لأنه تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا، فكيف يحمل على التستر بهن في المحظور.
المسألة الثانية : قال الواحدي : إنما وحد اللباس بعد قوله ﴿هن﴾ لأنه يجري مجرى المصدر، وفعال من مصادر فاعل، وتأويله : هن ملابسات لكم.
المسألة الثالثة : قال صاحب «الكشاف » : فإن قلت : ما موقع قوله :﴿هن لباس لكم﴾ فنقول : هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا حصلت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن، وضعف عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن.
أما قوله تعالى :﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : يقال : خانه يخونه خونا وخيانة إذا لم يف له، والسيف إذا نبا عن الضربة فقد خانك، وخانه الدهر إذا تغير حاله إلى الشر، وخان الرجل الرجل إذا لم يؤد الأمانة، وناقض العهد خائن، لأنه كان ينتظر منه الوفاء فغدر، ومنه قوله تعالى :﴿وإما تخافن من قوم خيانة﴾ أي نقضا للعهد، ويقال للرجل المدين : إنه خائن، لأنه لم يف بما يليق بدينه، ومنه قوله تعالى :﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾ وقال :﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل﴾ ففي هذه الآية سمى الله المعصية بالخيانة، وإذا علمت معنى الخيانة، فقال صاحب «الكشاف » : الاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة.
المسألة الثانية : أن الله تعالى ذكر ههنا أنهم كانوا يختانون أنفسهم، إلا أنه لم يذكر أن تلك الخيانة كانت في ماذا ؟ فلا بد من حمل هذه الخيانة على شيء يكون له تعلق بما تقدم وما تأخر، والذي تقدم هو ذكر الجماع، والذي تأخر قوله :{ فال
المسألة الأولى : أنه ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد ﷺ، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية، وقال أبو مسلم الأصفهاني هذه الحرمة ما كانت ثابتة في شرعنا البتة، بل كانت ثابتة في شرع النصارى، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتا في شرعهم، وجرى فيه على مذهبه من أنه لم يقع في شرعنا نسخ البتة، واحتج الجمهور على قولهم بوجوه.
الحجة الأولى : أن قوله تعالى :﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ يقتضي تشبيه صومنا بصومهم، وقد كانت هذه الحرمة ثابتة في صومهم، فوجب بحكم هذا التشبيه أن تكون ثابتة أيضا في صومنا، وإذا ثبت أن الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، وهذه الآية ناسخة لهذه الحرمة لزم أن تكون هذه الآية ناسخة لحكم كان ثابتا في شرعنا.
الحجة الثانية : التمسك بقوله تعالى :﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾ ولو كان هذا الحل ثابتا لهذه الأمة من أول الأمر لم يكن لقوله ﴿أحل لكم﴾ فائدة.
الحجة الثالثة : التمسك بقوله تعالى :﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ ولو كان ذلك حلالا لهم لما كان بهم حاجة إلى أن يختانون أنفسهم.
الحجة الرابعة : قوله تعالى :﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾ ولولا أن ذلك كان محرما عليهم وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ذلك الفعل، لما صح قوله :﴿فتاب عليكم وعفا عنكم﴾.
الحجة الخامسة : قوله تعالى :﴿فالآن باشروهن﴾ ولو كان الحل ثابتا قبل ذلك كما هو الآن لم يكن لقوله :﴿فالآن باشروهن﴾ فائدة.
الحجة السادسة : هي أن الروايات المنقولة في سبب نزول هذه الآية دالة على أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، هذا مجموع دلائل القائلين بالنسخ، أجاب أبو مسلم عن هذه الدلائل فقال :
أما الحجة الأولى : فضعيفة لأنا بينا أن تشبيه الصوم بالصوم يكفي في صدقة مشابهتهما في أصل الوجوب.
وأما الحجة الثانية : فضعيفة أيضا لأنا نسلم أن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرع من قبلنا، فقوله :﴿أحل لكم﴾ معناه أن الذي كان محرما على غيركم فقد أحل لكم.
وأما الحجة الثالثة : فضعيفة أيضا، وذلك لأن تلك الحرمة كانت ثابتة في شرع عيسى عليه السلام، وأن الله تعالى أوجب علينا الصوم، ولم يبين في ذلك الإيجاب زوال تلك الحرمة فكان يخطر ببالهم أن تلك الحرمة كانت ثابتة في الشرع المتقدم، ولم يوجد في شرعنا ما دل على زوالها فوجب القول ببقائها، ثم تأكد هذا الوهم بقوله تعالى :﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم﴾ فإن مقتضى التشبيه حصول المشابهة في كل الأمور، فلما كانت هذه الحرمة ثابتة في الشرع المتقدم وجب أن تكون ثابتة في هذا الشرع، وإن لم تكن حجة قوية إلا أنها لا أقل من أن تكون شبهة موهمة فلأجل هذه الأسباب كانوا يعتقدون بقاء تلك الحرمة في شرعنا، فلا جرم شددوا وأمسكوا عن هذه الأمور فقال الله تعالى :﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ وأراد به تعالى النظر للمؤمنين بالتخفيف لهم بما لو لم تتبين الرخصة فيه لشددوا وأمسكوا عن هذه الأمور ونقصوا أنفسهم من الشهوة، ومنعوها من المراد، وأصل الخيانة النقص، وخان واختان وتخون بمعنى واحد كقولهم : كسب واكتسب وتكسب، فالمراد من الآية : علم الله أنه لو لم يتبين لكم إحلال الأكل والشرب والمباشرة طول الليل أنكم كنتم تنقصون أنفسكم شهواتها وتمنعونها لذاتها ومصلحتها بالإمساك عن ذلك بعد النوم كسنة النصارى.
وأما الحجة الرابعة : فضعيفة لأن التوبة من العباد الرجوع إلى الله تعالى بالعبادة ومن الله الرجوع إلى العبد بالرحمة والإحسان، وأما العفو فهو التجاوز فبين الله تعالى إنعامه علينا بتخفيف ما جعله ثقيلا على من قبلنا كقوله :﴿ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم﴾.
وأما الحجة الخامسة : فضعيفة لأنهم كانوا بسبب تلك الشبهة ممتنعين عن المباشرة، فلما بين الله تعالى ذلك وأزال الشبهة فيه لا جرم قال :﴿فالآن باشروهن﴾.
وأما الحجة السادسة : فضعيفة لأن قولنا : هذه الآية ناسخة لحكم كان مشروعا لا تعلق له بباب العمل ولا يكون خبر الواحد حجة فيه، وأيضا ففي الآية ما يدل على ضعف هذه الروايات لأن المذكور في تلك الروايات أن القوم اعترفوا بما فعلوا عند الرسول، وذلك على خلاف قول الله تعالى :﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ لأن ظاهره هو المباشرة، لأنه افتعال من الخيانة، فهذا حاصل الكلام في هذه المسألة.
المسألة الثانية : القائلون بأن هذه الحرمة كانت ثابتة في شرعنا، ثم إنها نسخت ذكروا في سبب نزول هذه الآية أنه كان في أول الشريعة يحل الأكل والشرب والجماع، ما لم يرقد الرجل أو يصل العشاء الآخرة، فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء إلى الليلة الآتية، فجاء رجل من الأنصار عشية وقد أجهده الصوم، واختلفوا في اسمه، فقال معاذ : اسمه أبو صرمة، وقال البراء : قيس بن صرمة، وقال الكلبي : أبو قيس بن صرمة، وقيل : صرمة بن أنس، فسأله رسول الله ﷺ عن سبب ضعفه فقال : يا رسول الله عملت في النخل نهاري أجمع حتى أمسيت فأتيت أهلي لتطعمني شيئا فأبطأت فنمت فأيقظوني، وقد حرم الأكل فقام عمر فقال : يا رسول الله أعتذر إليك من مثله. رجعت إلى أهلي بعدما صليت العشاء الآخرة، فأتيت امرأتي، فقال عليه الصلاة والسلام : لم تكن جديرا بذلك يا عمر ثم قام رجال فاعترفوا بالذي صنعوا فنزل قوله تعالى :﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم﴾.
المسألة الثالثة : قال صاحب «الكشاف » : قرئ ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ أي أحل الله وقرأ عبد الله ﴿الرفوث﴾.
المسألة الرابعة : قال الواحدي : ليلة الصيام أراد ليالي الصيام فوقع الواحد موقع الجماعة، ومنه قول العباس بن مرادس :
| فقلنا أسلموا إنا أخوكم | فقد برئت من الأحسن الصدور |
المسألة الخامسة : قال الليث : الرفث أصله قول الفحش، وأنشد الزجاج :
| ورب أسراب حجيج كظم | عن اللغا ورفث التكلم |
| وهن يمشين بنا هميسا | أن يصدق الطير ننك لميسا |
فإن قيل : لم كنى ههنا عن الجماع بلفظ الرفث الدال على معنى القبح بخلاف قوله :﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض، فلما تغشاها، أو لمستم النساء، دخلتم بهن، فأتوا حرثكم، من قبل أن تمسوهن، فما استمتعتم به منهن، ولا تقربوهن﴾.
جوابه : السبب فيه استهجان ما وجد منهم قبل الإباحة كما سماه اختيانا لأنفسهم، والله اعلم.
المسألة السادسة : قال الأخفش : إنما عدى الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء في قوله :﴿وقد أفضى بعضكم إلى بعض﴾.
المسألة السابعة : قوله :﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ يقتضي حصول الحل في جميع الليل لأن ﴿ليلة﴾ نصب على الظرف، وإنما يكون الليل ظرفا للرفث لو كان الليل كله مشغولا بالرفث، وإلا لكان ظرف ذلك الرفث بعض الليل لا كله، فعلى هذا النسخ حصل بهذا اللفظ، وأما الذي بعده في قوله :﴿وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾ فذاك يكون كالتأكيد لهذا النسخ، وأما الذي يقول : إن قوله :﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث﴾ يفيد حل الرفث في الليل، فهذا القدر لا يقتضي حصول النسخ به فيكون الناسخ هو قوله :﴿كلوا واشربوا﴾.
أما قوله تعالى :﴿هن لباس لكم وأنتم لباس لهن﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : قد ذكرنا في تشبيه الزوجين باللباس وجوها أحدها : أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، فيضم كل واحد منهما جسمه إلى جسم صاحبه حتى يصير كل واحد منهما لصاحبه كالثوب الذي يلبسه، سمي كل واحد منهما لباسا، قال الربيع : هن فراش لكم وأنتم لحاف لهن، وقال ابن زيد : هن لباس لكم وأنتم لباس لهن، يريد أن كل واحد منهما يستر صاحبه عند الجماع عن أبصار الناس وثانيها : إنما سمي الزوجان لباسا ليستر كل واحد منهما صاحبه عما لا يحل، كما جاء في الخبر " من تزوج فقد أحرز ثلثي دينه " وثالثها : أنه تعالى جعلها لباسا للرجل، من حيث إنه يخصها بنفسه، كما يخص لباسه بنفسه، ويراها أهلا لأن يلاقي كل بدنه كل بدنها كما يعمله في اللباس ورابعها : يحتمل أن يكون المراد ستره بها عن جميع المفاسد التي تقع في البيت، لو لم تكن المرأة حاضرة، كما يستتر الإنسان بلباسه عن الحر والبرد وكثير من المضار وخامسها : وذكر الأصم أن المراد أن كل واحد منهما كان كاللباس الساتر للآخر في ذلك المحظور الذي يفعلونه، وهذا ضعيف لأنه تعالى أورد هذا الوصف على طريق الإنعام علينا، فكيف يحمل على التستر بهن في المحظور.
المسألة الثانية : قال الواحدي : إنما وحد اللباس بعد قوله ﴿هن﴾ لأنه يجري مجرى المصدر، وفعال من مصادر فاعل، وتأويله : هن ملابسات لكم.
المسألة الثالثة : قال صاحب «الكشاف » : فإن قلت : ما موقع قوله :﴿هن لباس لكم﴾ فنقول : هو استئناف كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا حصلت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة قل صبركم عنهن، وضعف عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن.
أما قوله تعالى :﴿علم الله أنكم كنتم تختانون أنفسكم﴾ ففيه مسائل :
المسألة الأولى : يقال : خانه يخونه خونا وخيانة إذا لم يف له، والسيف إذا نبا عن الضربة فقد خانك، وخانه الدهر إذا تغير حاله إلى الشر، وخان الرجل الرجل إذا لم يؤد الأمانة، وناقض العهد خائن، لأنه كان ينتظر منه الوفاء فغدر، ومنه قوله تعالى :﴿وإما تخافن من قوم خيانة﴾ أي نقضا للعهد، ويقال للرجل المدين : إنه خائن، لأنه لم يف بما يليق بدينه، ومنه قوله تعالى :﴿لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم﴾ وقال :﴿وإن يريدوا خيانتك فقد خانوا الله من قبل﴾ ففي هذه الآية سمى الله المعصية بالخيانة، وإذا علمت معنى الخيانة، فقال صاحب «الكشاف » : الاختيان من الخيانة، كالاكتساب من الكسب فيه زيادة وشدة.
المسألة الثانية : أن الله تعالى ذكر ههنا أنهم كانوا يختانون أنفسهم، إلا أنه لم يذكر أن تلك الخيانة كانت في ماذا ؟ فلا بد من حمل هذه الخيانة على شيء يكون له تعلق بما تقدم وما تأخر، والذي تقدم هو ذكر الجماع، والذي تأخر قوله :{ فال