تفسير ابن عرفة — ابن عرفة
عن الكتاب
قوله تعالى :﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصيام الرفث إلى نِسَآئِكُمْ. . .﴾(١).
قال الزمخشري : إن قلت لم كنّى الجماع بالرفث الدال على القبح أي على معنى القبح بخلاف قوله ﴿وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾(٢) وقوله ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ﴾(٣) وأجاب عن ذلك بأن ذلك تقبيح لما صدر منهم قبل الإباحة، كما سماه ( اختيانا )(٤). (٥)
ابن عرفة : والجواب عندي بعكس هذا وهو أنّه مبالغة في الإباحة والتحليل فعبر عنه باللّفظ الصّريح حتى لا يبقى عندهم فيه شك ولا توهم بوجه.
قال ابن عرفة : وعدّي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء.
وقال ابن جني(٦) في سر الصناعة(٧) في مثل هذا : إنّ الرفث يتعدّى بالباء والإفضاء بإلى فذكر الرّفث ولم يذكر معموله، وذكر معمول الإفضاء ولم يذكر عامله إشعارا بإرادة الجميع وأن الكل مقصود بالذكر.
قوله تعالى :﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ. . .﴾(٨).
ابن عرفة : ليس هذا من ( النّسب )(٩) المتعاكسة مثل : زيد أخوك وأخوك زيد، إذ لا يلزم من كونهنّ لباسا للرّجال أن يكون الرجال لباسا لهن، وهذا تأكيد في التحليل.
قوله تعالى :﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ. . .﴾.
قال ابن عرفة : هذا من باب القلب مثل كسر الزجاج الحجر لأنّ النفس هي الخائنة قال تعالى ﴿إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء﴾(١٠) قوله تعالى :﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المساجد. . .﴾.
[ ٤٤ظ ] ابن عطية : قال : الإمام مالك/ لا اعتكاف إلا في مساجد الجماعات(١١). وروي عنه أن ذلك في كل مسجد(١٢).
ابن عطية : وروي عنه أنّ ذلك في كل مسجد من المساجد(١٣).
ابن عرفة : لو نذر أن يعتكف فإنه يجزيه عند مالك الاعتكاف في أي مسجد أراد ويخرج به من العهدة، وشرط الجامع غير واجب. وكذا قال الشيخ ابن العربي عن الإمام مالك رضي الله عنه.
قوله تعالى :﴿تِلْكَ حُدُودُ الله. . .﴾.
الإشارة ( راجعة )(١٤) إلى الأحكام أو إلى النواهي المتقدمة.
قوله تعالى :﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا. . .﴾.
نهى عن القرب لحديث « الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه »(١٥).
قيل لابن عرفة : تقرر أن اتقاء الشبهات غير واجب بل مستحب ؟
فقال : هي أقسام : مظنون، ومشكوك فيها، ومتوهمة، فالوهم مرجوح، والظن راجح فينتج وجوب الاجتناب، والشك فيه خلاف ( ومحمل النهي )(١٦) في الآية على تحريم المظنون والمشكوك فيه. وقال في الآية الأخرى :﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾(١٧)
ابن عرفة : يحتمل أن تكون تلك قبل هذه فنهينا أولا عن تعدي الحدود، ثم نهينا ثانيا عن قربها ؛ أو يكون الأمر الأول للعوام والثاني للخواص. وأجاب أبو جعفر الزبير بأن قرب النساء بالمباشرة يدعو إلى المواقعة فقل من يملك نفسه، فنهى عن القرب ونظيره :﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ﴾(١٨) ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى﴾(١٩) ولذلك منع المحرم من الطيب. فإن قصد البيان العام الفارق بين الحلال والحرام لم ينه عن المقاربة بل عن التعدي فقط، مثل
﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾(٢٠) فحرم أموالهم على الأزواج بغير حق ما لم يقع نشوزٌ أو ما يمنع عن القيام بحقوقهم.
وأجاب بعضهم بأنّ تلك تقدمها « الطلاق مَرَّتَانِ » وهو أمر مباح، فناسب النهي عن تعديه لا عن قربه، وهذه تقدمها النهي عن المباشرة وهو محرم فناسب النهي عن قربه.
قوله تعالى :﴿يُبَيِّنُ الله آيَاتِهِ. . .﴾.
قيل لابن عرفة : هذا يؤخذ منه أن النبي ﷺ غير مجتهد ؟
فقال : الآيات هي القرآن والمعجزات، وأما السنة كلها فلا تسمى آيات.
قال الزمخشري : إن قلت لم كنّى الجماع بالرفث الدال على القبح أي على معنى القبح بخلاف قوله ﴿وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ﴾(٢) وقوله ﴿فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ﴾(٣) وأجاب عن ذلك بأن ذلك تقبيح لما صدر منهم قبل الإباحة، كما سماه ( اختيانا )(٤). (٥)
ابن عرفة : والجواب عندي بعكس هذا وهو أنّه مبالغة في الإباحة والتحليل فعبر عنه باللّفظ الصّريح حتى لا يبقى عندهم فيه شك ولا توهم بوجه.
قال ابن عرفة : وعدّي الرفث بإلى لتضمنه معنى الإفضاء.
وقال ابن جني(٦) في سر الصناعة(٧) في مثل هذا : إنّ الرفث يتعدّى بالباء والإفضاء بإلى فذكر الرّفث ولم يذكر معموله، وذكر معمول الإفضاء ولم يذكر عامله إشعارا بإرادة الجميع وأن الكل مقصود بالذكر.
قوله تعالى :﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ. . .﴾(٨).
ابن عرفة : ليس هذا من ( النّسب )(٩) المتعاكسة مثل : زيد أخوك وأخوك زيد، إذ لا يلزم من كونهنّ لباسا للرّجال أن يكون الرجال لباسا لهن، وهذا تأكيد في التحليل.
قوله تعالى :﴿عَلِمَ الله أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتَانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ. . .﴾.
قال ابن عرفة : هذا من باب القلب مثل كسر الزجاج الحجر لأنّ النفس هي الخائنة قال تعالى ﴿إِنَّ النفس لأَمَّارَةٌ بالسوء﴾(١٠) قوله تعالى :﴿وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي المساجد. . .﴾.
[ ٤٤ظ ] ابن عطية : قال : الإمام مالك/ لا اعتكاف إلا في مساجد الجماعات(١١). وروي عنه أن ذلك في كل مسجد(١٢).
ابن عطية : وروي عنه أنّ ذلك في كل مسجد من المساجد(١٣).
ابن عرفة : لو نذر أن يعتكف فإنه يجزيه عند مالك الاعتكاف في أي مسجد أراد ويخرج به من العهدة، وشرط الجامع غير واجب. وكذا قال الشيخ ابن العربي عن الإمام مالك رضي الله عنه.
قوله تعالى :﴿تِلْكَ حُدُودُ الله. . .﴾.
الإشارة ( راجعة )(١٤) إلى الأحكام أو إلى النواهي المتقدمة.
قوله تعالى :﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا. . .﴾.
نهى عن القرب لحديث « الراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه »(١٥).
قيل لابن عرفة : تقرر أن اتقاء الشبهات غير واجب بل مستحب ؟
فقال : هي أقسام : مظنون، ومشكوك فيها، ومتوهمة، فالوهم مرجوح، والظن راجح فينتج وجوب الاجتناب، والشك فيه خلاف ( ومحمل النهي )(١٦) في الآية على تحريم المظنون والمشكوك فيه. وقال في الآية الأخرى :﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾(١٧)
ابن عرفة : يحتمل أن تكون تلك قبل هذه فنهينا أولا عن تعدي الحدود، ثم نهينا ثانيا عن قربها ؛ أو يكون الأمر الأول للعوام والثاني للخواص. وأجاب أبو جعفر الزبير بأن قرب النساء بالمباشرة يدعو إلى المواقعة فقل من يملك نفسه، فنهى عن القرب ونظيره :﴿وَلاَ تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ﴾(١٨) ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى﴾(١٩) ولذلك منع المحرم من الطيب. فإن قصد البيان العام الفارق بين الحلال والحرام لم ينه عن المقاربة بل عن التعدي فقط، مثل
﴿الطلاق مَرَّتَانِ﴾ إلى قوله ﴿فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افتدت بِهِ تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾(٢٠) فحرم أموالهم على الأزواج بغير حق ما لم يقع نشوزٌ أو ما يمنع عن القيام بحقوقهم.
وأجاب بعضهم بأنّ تلك تقدمها « الطلاق مَرَّتَانِ » وهو أمر مباح، فناسب النهي عن تعديه لا عن قربه، وهذه تقدمها النهي عن المباشرة وهو محرم فناسب النهي عن قربه.
قوله تعالى :﴿يُبَيِّنُ الله آيَاتِهِ. . .﴾.
قيل لابن عرفة : هذا يؤخذ منه أن النبي ﷺ غير مجتهد ؟
فقال : الآيات هي القرآن والمعجزات، وأما السنة كلها فلا تسمى آيات.
١ - قال البسيلي:
﴿أحل﴾ يدل على أن الأصل الخطر..
٢ - سورة النساء الآية: ٢١..
٣ - سورة الأعراف الآية: ١٨٩..
٤ - أ ب ج د هـ: خيانة، والتصحيح من الكشاف ١/٣٨٣..
٥ - الكشاف ١/٣٣٨..
٦ - أبو الفتح عثمان بن جني ولد حوالي ٣٢٠هـ وتوفي سنة ٣٩٢ وقف حياته العلمية على النحو بنوع خاص اتخذ منهجا وسطا بين مدرستي الكوفة، والبصرة. أهم مؤلفاته سر الصناعة وأسرار البلاغة. انظر دائرة المعارف الإسلامية ١/١٢٢..
٧ - سر الصناعة، وأسرار البلاغة لابن جني (التعليق أعلاه). الكتاب مطبوع عدة طبعات انظر كشف الظنون: ٩٨٨..
٨ - قال البسيلي: ﴿هن لباس﴾ قدم لأنه المقصود..
٩ - ب ج د هـ: نقص..
١٠ - سورة يوسف الآية: ٥٣..
١١ - قال مالك: الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه يكره الاعتكاف في كل مسجد يجمع فيه، ولا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها، إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة في مسجد سواه، فإني لا أرى بأسا بالاعتكاف فيه لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فعم المساجد كلها، ولم يخص شيئا منها. الموطأ. ص ٢١٣..
١٢ - المحرر الوجيز ٢/٩٤..
١٣ - المحرر الوجيز ٢/٩٤..
١٤ - د: راجحة..
١٥ - عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: { الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أو شك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه.
أخرجه البخاري كتاب البيوع (٢) باب الحلال بين والحرام بين وبينهما متشابهات (٣) وأخرجه مسلم كتاب المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات ١٠٧..
١٦ - ج: محل النفي..
١٧ - سورة البقرة الآية: ٢٢٩..
١٨ - سورة البقرة الآية: ٢٢٢..
١٩ - سورة الإسراء الآية: ٣٢..
٢٠ - سورة البقرة الآية: ٢٢٩..
﴿أحل﴾ يدل على أن الأصل الخطر..
٢ - سورة النساء الآية: ٢١..
٣ - سورة الأعراف الآية: ١٨٩..
٤ - أ ب ج د هـ: خيانة، والتصحيح من الكشاف ١/٣٨٣..
٥ - الكشاف ١/٣٣٨..
٦ - أبو الفتح عثمان بن جني ولد حوالي ٣٢٠هـ وتوفي سنة ٣٩٢ وقف حياته العلمية على النحو بنوع خاص اتخذ منهجا وسطا بين مدرستي الكوفة، والبصرة. أهم مؤلفاته سر الصناعة وأسرار البلاغة. انظر دائرة المعارف الإسلامية ١/١٢٢..
٧ - سر الصناعة، وأسرار البلاغة لابن جني (التعليق أعلاه). الكتاب مطبوع عدة طبعات انظر كشف الظنون: ٩٨٨..
٨ - قال البسيلي: ﴿هن لباس﴾ قدم لأنه المقصود..
٩ - ب ج د هـ: نقص..
١٠ - سورة يوسف الآية: ٥٣..
١١ - قال مالك: الأمر عندنا الذي لا اختلاف فيه أنه يكره الاعتكاف في كل مسجد يجمع فيه، ولا أراه كره الاعتكاف في المساجد التي لا يجمع فيها، إلا كراهية أن يخرج المعتكف من مسجده الذي اعتكف فيه إلى الجمعة في مسجد سواه، فإني لا أرى بأسا بالاعتكاف فيه لأن الله تبارك وتعالى قال: ﴿وأنتم عاكفون في المساجد﴾ فعم المساجد كلها، ولم يخص شيئا منها. الموطأ. ص ٢١٣..
١٢ - المحرر الوجيز ٢/٩٤..
١٣ - المحرر الوجيز ٢/٩٤..
١٤ - د: راجحة..
١٥ - عن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: { الحلال بين والحرام بين وبينهما أمور مشتبهة فمن ترك ما شبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم أو شك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه.
أخرجه البخاري كتاب البيوع (٢) باب الحلال بين والحرام بين وبينهما متشابهات (٣) وأخرجه مسلم كتاب المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات ١٠٧..
١٦ - ج: محل النفي..
١٧ - سورة البقرة الآية: ٢٢٩..
١٨ - سورة البقرة الآية: ٢٢٢..
١٩ - سورة الإسراء الآية: ٣٢..
٢٠ - سورة البقرة الآية: ٢٢٩..