زاد المسير في علم التفسير — ابن الجوزي

عن الكتاب
قوله تعالى :﴿وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ﴾.
سبب نزولها : أن امرؤ القيس ابن عابس، وعبدان الحضرمي، اختصما في أرض، وكان عبدان هو الطالب ولا بينة له، فأراد امرؤ القيس أن يحلف، فقرأ عليه النبي ﷺ :﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيًلا﴾ [آل عمران: ٧٧]. فكره أن يحلف، ولم يخاصم في الأرض، فنزلت هذه الآية. هذا قول جماعة، منهم سعيد بن جبير. ومعنى الآية :﴿لا يأكل بعضكم أموال بعض﴾، كقوله :﴿فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ﴾ قال القاضي أبو يعلى : والباطل على وجهين. أحدهما : أن يأخذه بغير طيب نفس من مالكه، كالسرقة، والغصب، والخيانة. والثاني : أن يأخذه بطيب نفسه، كالقمار، والغناء، وثمن الخمر. وقال الزجاج : الباطل : الظلم. ﴿وتدلوا﴾ أصله في اللغة من : أدليت الدلو : إذا أرسلتها لتملأها، ودلوتها : إذا أخرجتها. ومعنى أدلى فلان بحجته : أرسلها، وأتى بها على صحة. فمعنى الكلام : تعملون على ما يوجبه إدلاء الحجة، وتخونون في الأمانة، وأنتم تعلمون أن الحجة عليكم في الباطن.
وفي هاء ﴿بها﴾ قولان : أحدهما : أنها ترجع إلى الأموال كأنه قال : لا تصانعوا ببعضها جَوَرَةَ الحكام. والثاني : أنها ترجع إلى الخصومة، فإن قيل : كيف أعاد ذكر الأكل فقال :﴿ولا تأكلوا﴾ ﴿لتأكلوا﴾ ؟ فالجواب : أنه وصل اللفظة الأولى بالباطل، والثانية بالإثم، فأعادها للزيادة في المعنى، ذكره ابن الأنباري.

تفسير هذه الآية من كتب أخرى